بين فترة وأخرى يطل الشاب اللبناني الثلاثيني عمر حرفوش من على إحدى الشاشات الفرنسية أو الأوروبية، أو يظهر اسمه في بعض الصحف فتسارع وكالة Elite العالمية المتخصصة بالأزياء لإضافة اسمه واسم الصحافي الذي يستضيفه على لائحة الدعاوى التي تطول يوما بعد آخر، وتبدو الحرب مستعرة بين الجانبين وكل منهما يقسم انه بريء ويريد في قرارة نفسه ليّ ذراع الآخر. ومنذ عدة أسابيع يؤكد حرفوش أنه يتلقى تهديدات، بينما تنقل بعض وسائل الإعلام معلومات منسوبة لوكالة »انتربول« تفيد بأن الرجل ملاحق وغير مرغوب به في بلاده، فيطرق حرفوش باب السفارة اللبنانية في باريس طالبا إثبات العكس. فما القضية؟ وأين تكمن الحقيقة في كل تلك الشبكة المعقدة من المصالح والمال والنساء الفاتنات؟ وأين هو الخيط الرفيع الرابط بين أوكرانيا مرورا بأوروبا ومصر والمغرب وصولا إلى لبنان حيث دخل بعض أصحاب المصالح اللبنانيين على الخط. الواقع أنه بعد أن نشرت »السفير« مقالا صغيرا على صفحتها الأخيرة قبل بضعة أشهر حول حرفوش، جاء إلى مكتب باريس من يريد التوضيح، فوسائل الإعلام باتت الساحة الفضلى لدفاع كل طرف عن سمعته ومصالحه خصوصا أن ملايين الدولارات هي على المحك، وكان هذا سببا في تحقيق طويل أجرته »السفير« مع عدد من المعنيين بهذه القضية التي احتلت صدر الصفحات الأولى في صحف فرنسا وسويسرا وصولا الى محطات التلفزة الفرنسية والألمانية والبريطانية والإيطالية. بدأت القضية مع صحافي معروف بريبورتاجاته الفضائحية الجريئة اسمه Donald Mcintyre (33 عاما) يعمل لصالح »بي. بي. سي«، وهو غالبا ما يخفي كاميرا وميكروفونا تحت سترته ويستطيع أن يخصص أشهرا طويلة لتحقيق وضعه نصب عينيه، وهذا ما حصل حين قرر أن يرمي شباكه على وكالة »إليت«، وهكذا فهو حمل »عدته« وقدم نفسه على أنه مصور محترف لعارضات الأزياء، وفي هذا العالم الباحث أصلا عن توزيع أكبر قدر من الصور والريبورتاجات لم يكن من الصعب كثيرا الانخراط بين صفوفه، ونجح زميلنا البريطاني في أن يندس بزواياه الحميمة. وفي أواخر صيف عام 1998 يسمع الصحافي دونالد ماك إنتاير من أحد المتخصصين بعالم عارضات الأزياء كلاما غريبا عن كيفية حياتهن ورجال الأعمال الذين يودون الاختلاط بهن في علب الليل وكم من الأموال تبذخ لأجل تلك الغاية، حتى ولو ان معظم العارضات هن عمليا في سن قاصر بما يعني أن كل من تثبت عليه تهمة التحرش بهن جنسيا يمكن أن يلاحق وفق القوانين المرعية بتهمة »الاعتداء على قاصر« وهي تهمة باتت منذ سنوات في أوروبا توازي تهم القتل في بعض المرات. وتتسارع الأحداث وربما الصدف أيضا بحيث ينجح الصحافي في تصوير مشاهد لبعض مسؤولي وكالة »إليت« وهم يحاولون إغراء الفتيات ويمكن أن نرى في الكاسيت الفضيحة صورا لتعاطي الكوكايين أو تسجيلات صوتية لعروض مالية لجذب إحدى الفتيات إلى السرير، وما الى ذلك. انفجار الفضيحة وفي شهر تشرين الثاني 1999 تبث »بي. بي. سي« روبورتاج دونالد ماك إنتاير، وتنفجر الفضيحة ويهتز عرش وكالة »اليت« لا بل ويترنح أيضا ويكاد يسقط تماما كما كاد يسقط بيل كلينتون بعيد فضيحته مع مونيكا لوينسكي، فكيف ان الوكالة العالمية الشهيرة التي تبحث عن أجمل فتيات العالم في أربع أصقاع الأرض يمكن أن تتحول إلى مصيدة للفتيات القاصرات؟ وهل أن ذلك صحيح فعلا؟ ولو كان صحيحا، فهل يمكن لأي عائلة بعد اليوم أن ترسل ابنتها القاصر الى براثن أولئك الرجال؟ أدركت »اليت« فورا حجم الكارثة الإعلامية، وتفاعلت في داخلها القضية سريعا، وحصلت مشاورات، وطرحت أسئلة مباشرة على المعنيين، وتم التحقق مما قيل وسمع عبر »بي. بي. سي«، وقررت رفع دعوى ضد التلفزة البريطانية الشهيرة في كانون الأول 1999، وبعد 4 أشهر فرضت المحكمة على »بي. بي. سي« إرسال الشريط المصور إلى »اليت« التي سارعت إلى البدء بتحقيق دقيق بكل ما ورد فيه، وكذلك فعلت التلفزة البريطانية العريقة بدقة مواضيعها وحرصها على سمعتها، وتبين لها وأيضا للوكالة ان ثمة خللا في التسجيلات يمكن الإفادة منه في المحكمة، ونجحت »اليت« في تكذيب عدد من الشهادات سيما وان عشرات المحامين تولوا التحقيق والدفاع. حرفوش على الخط وهنا بالضبط دخل عمر حرفوش على الخط، وإذا بالقضية تتحول من »فضيحة اليت« إلى »فضيحة حرفوش«. فقد قبل منتجو »بي. بي. سي« شهادة هذا الشريك السابق ل»اليت« والذي أكد أنه في خلال أحد عروض الأزياء جاءه أحد مدراء الوكالة يطلب منه فتاة لقضاء بعض الوقت الممتع معها، وبما أن حرفوش (وفق أقواله) لم يعتد على هذا النوع من التصرفات مع الفتيات اللواتي هن في عهدته عمليا، فقد امتنع في البداية، ثم عاد وأقنع إحدى بنات الهوى بأن تذهب إلى المسؤول المعني حيث أمضت معه وقتا ممتعا في سيارته الفخمة وهو يظن أنها إحدى العارضات في الوكالة. »السفير« زارت حرفوش في شقته الجميلة القريبة من مقر الأونيسكو في العاصمة الفرنسية. شقة تجتمع على أناقتها فنون الشرق وروسيا وفرنسا، تستقبلك فيها الخادمة الفيليبينية سائلة عن الاسم وعما نريد تناوله، وبعد 5 دقائق يطل شاب نحيف تغطي ابتسامته مجمل وجهه يرتدي بذة مقلمة وينتعل حذاء من آخر الصرعات بحيث أنه أقرب إلى الأحذية الرياضية شكلا، لكن للونه البرتقالي يناسب تماما القميص تحت البذة. ورغم أن الشعر الطويل والنظارتين توحي تماما بأن الرجل هو من عالم الفن والأزياء، إلا أن الابتسامة الدائمة وبعض الاضطراب يكادان يضعان حرفوش أكثر في خانة »الأطفال الكبار«. ولا يناقض ذلك إلا الحديث حيث يبدو الشاب الوسيم مصمما وربما أكثر من أي وقت مضى على المضي قدما في معركته ضد »اليت«، لا بل يؤكد أنه سينشر قريبا جدا كتابا لفضح كل ما يحصل في داخل الوكالة ويقول إن صحافيا فرنسيا يساعده في الكتابة ويحقق في كل ما يقوله لكي تكون المصداقية هي الأساس، والكتاب سيكون أيضا عبارة عن سيرته الذاتية رغم انه عمليا لا يزال في مقتبل العمر (33 عاما). »شكراً على اهتمام »السفير« بقضيتي«، يبادر حرفوش بعد التحية، »ولكن لماذا تصر على المشاكل؟«، نقول له، فيصحح السؤال: »لا أريد المشاكل، وعلى العكس تماما فأنا أرغب في طي هذه القضية، ولكن ضع نفسك مكاني، أنت تهاجم كل يوم، وينشر كلام عنك يسيء إلى سمعتك وقد يسيء إلى كامل مستقبلك فماذا تفعل، هل تصمت؟ هل تغلق فاهك لكي يصدق الناس كل ما يقال، إن كل ما أفعله هو الدفاع عن نفسي ومحاولة إثبات ان كل ما قلته صحيح«. الاتهامات ولكن ماذا عن تقرير »انتربول«؟، يضحك حرفوش يرد بسرعة على مكالمة هاتفية بالإنكليزية ويقول: »أولا ان التقرير غير واضح المصدر تماما، ثم هم يقولون إني ماروني، أما الحقيقة فأنا سني من طرابلس، ويؤكدون اني أحمل الجنسية الفرنسية وأنا أعيش هنا ببطاقة إقامة لعشر سنوات وبناتي هن فرنسيات، ويتهمونني بالارتباط برجل اسمه جوزف خليفة وأنا لم أسمع عنه من قبل ولا أدري ماذا كان يفعل ومن هو تحديدا..«. وما هي حقيقة ما يقوله مدراء »اليت« من أنك تتهم اليهود بملاحقتك؟ يجيب ضاحكا أيضا »أنا لم أقل مرة واحدة ان اليهود يلاحقونني أو إني أكره اليهود، بل على العكس تماما أنا الذي كنت أتعرض للعنصرية ويقال لي »أيها العرب الوسخ« (عبارة تستخدم عادة في أوروبا) وكان يطلب منا مثلا أن ننادي أحد الأشخاص أدولف هتلر، فمن هو المعادي لليهود إذاً؟ أنا أعتقد أن ثمة من يعمل ليلا نهارا لكي يثبت أن ثمة شبكة دعارة ورائي ويريد تشويه سمعتي، فهم يقولون مثلا في هذا التقرير إني ملاحق من قبل السوريين، وإني شخص غير مرغوب به في لبنان، وأنا لم تكن لي أصلا أية مشكلة لا مع السوريين ولا مع غيرهم وكنت في بيروت في شهر أيار الماضي، وغالبا ما أذهب إلى لبنان وأعود منه دون أن يسألني أحد عن شيء«. ولكنك لم تدخل لبنان من باب عروض الأزياء، ولم يكن لوكالتك فرع هناك؟ »هذه قضية أخرى« يردف حرفوش، »وأفضل عدم الدخول فيها الآن لأني أركز اهتمامي على مسائل أكثر أهمية«. وبعد إلحاح معه واتصالات مع عدد من عارفيه، نفهم ان ثمة من سعى إلى ابتزازه ماليا في لبنان وان فنانا لبنانيا كبيرا عرض عليه صفقة للشراكة أو بيعه وكالة لبنانية لعرض الأزياء، وحين رفض حرفوش لأنه لم يجد أن للوكالة المعروضة عليه قاعدة جدية، تعرض لشتى أنواع الضغوط (فالفنان المعني هو قريب شخصية نافذة في لبنان). ويروي حرفوش انه اتصل عبر صديق له بالسفارة اللبنانية في باريس لكي يحصل على وثيقة يقدمها للسلطات الفرنسية لتؤكد براءته وان السفير اللبناني اليزيه علم وعده باستقباله (وحتى زيارتنا لحرفوش لم يكن قد حصل اللقاء لأن السفير علم كان يرافق آنذاك وفدا وزاريا لبنانيا في باريس). ولكن بعد اتصالنا بالسفارة والقنصلية في باريس، فهمنا ان أي شخص لبناني يمكنه الحصول على مثل براءة الذمة تلك وشهادة حسن سلوك عبر طلب »سجل عدلي« من لبنان مترجم ومصادق عليه، فهو خير دليل على ان الشخص غير ملاحق، وليس من مسؤوليات السفير ان يصدر تقييما بهذا المعنى أو أن يرسل كتابا الى أي مؤسسة إعلامية. وتقول مصادر البعثة الدبلوماسية اللبنانية في باريس، انها لا تعرف شيئا حول ملاحقة حرفوش، وانه لو كان ملاحقا من قبل جهاز قضائي دولي كالأنتربول فالمفروض أن تحصل على نسخة من طلب الملاحقة (وهو ما لم تحصل عليه)، وتؤكد ان عبارة »غير مرغوب به في لبنان« لا تستخدم مطلقا ضد أي لبناني، فهناك قانون يحاسب أي مسؤول بينما العبارة تعني التنصل من أحد المواطنين وهذا غير جائز قانونا. حرفوش و»إليت« بعد أن كادت »بي. بي. سي« تخسر المواجهة القضائية مع »اليت« عرض حرفوش على منتجي المحطة البريطانية تقديم يد العون، وقبل المنتجون شهادته، حيث أكد أنه تلقى تهديدات، وكان ذلك في شهر أيار من العام الجاري، ولكن وقبل خمسة أيام من إعادة فتح القضية أمام المحاكم في شهر حزيران الماضي، تم التوصل بين »بي. بي. سي« و»اليت« الى تسوية »حبية« قضت بوقف بث الشريط المصور، بينما اعترفت الوكالة بأن بعض العبارات الواردة على لسان بعض ممثليها »غير لائقة وغير مناسبة«. (ففي الشريط مثلا نسمع في أحد عروض الأزياء أحد المدراء يقول إننا سنكون الليلة أمام مشهد (...). لكن حرفوش لم يتراجع، فرفع الصوت عاليا طالبا من وسائل الإعلام خصوصا الفرنسية (حيث يقيم) بأن تساعده لكي يقول ما عنده ضد مدراء »اليت« وبالفعل فإن بعض هذه المؤسسات فتحت له أبوابها حيث أكد روايته التي تقول إن أحد المدراء طلب منه الإتيان بفتاة وأنه بعد أن رفض تعرض للتهديد بانتزاع الامتياز منه فاضطر للإتيان بعاهرة مكان عارضة الأزياء. أين أصبحت تلك الفتاة؟ نسأل حرفوش، فيجيب انه لا يزال قادرا على الإتيان بها وإسماع شهادتها. والواقع أن القضية ستأخذ أبعادا جديدة وهامة، ذلك أن عددا من الإعلاميين الفرنسيين المشهورين وبينهم مقدم البرامج الشهير تيري أرديسون ومدراء وسائل إعلام باتوا مطلوبين أيضا للمحاكمة بعدما استضافوا حرفوش، وثمة اتهامات سيقت لبعضهم بالارتباط بمصالح غير مباشرة دفعتهم (خصوصا ارديسون) لفتح أبواب برامجهم لحرفوش. الجدير ذكره انه توجد الآن 5 دعاوى 4 منها ضد حرفوش والإعلاميين وواحدة قدمها هو »ضد مجهول«. والمسألة ليست من النوع الذي سينتهي سريعا لا سيما إذا ما كانت المعلومات صحيحة من أن »اليت« تعرضت لضغوط إعلانية كثيرة حيث أن بعض المعلنين تخلوا عنها، فهي بحاجة إلى إثبات حسن سيرتها وسمعتها لكي تواصل الحصول على ثقة من يضعون بناتهم بين أيديها. وهذه الوكالة التي تأسست أصلا في مطلع السبعينيات على أيدي جون كازابلانكا وآلان كليتر في شقة باريسية متواضعة، سرعان ما عرفت شهرة عالمية حيث باتت أبرز عارضات العالم يتعاطين معها على غرار كلوديا شيفر، وناومي كامبل وكارين مودلير وسيندي كروفورد وغيرهن ممن يتعلق العالم بأهدابهن. وبعد 30 عاما وصل رصيد الوكالة للعام الماضي فقط الى 650 مليون فرنك فرنسي وهي مرتبطة تقريبا بحوالى 2500 عارضة أزياء عبر العالم. أما أموال حرفوش التي أكد ل»السفير« انه جمعها من خلال عمله في أوكرانيا وغيرها فهو قدم بشأنها تقريرا مفصلا للأجهزة القضائية وفيها يمكننا أن نقرأ مثلا انه وبعد خلاف مع كريستيان لاربان ممول شركة »سوبرنوفا« (الخلاف وفق ما يشرح جاء بسبب قضايا لها أبعاد أخلاقية) قبل حرفوش مبلغ مليون دولار للتنازل عن حق إنشاء »سوبرنوفا« في جنيف. وعنده أيضا »سوبرنوفا« في أوكرانيا (ذات النجاح الهائل)، و15 بالمئة من شركة »يونايتد تيليكوم« في أوكرانيا بعد أن باع 85 في المئة منها الى رجل أعمال أميركي، وله 5 حسابات مصرفية. هذا هو الجانب الواضح من الصراع بين الشاب اللبناني الذي نجح في جمع ثروة كبيرة وهو في مقتبل العمر وبسرعة لافتة، وبين وكالة تريد الحفاظ على ثروتها وسمعتها، أما الجوانب الأخرى، إذا كانت متوفرة فعلا، فلن يكشف عنها سوى القضاء الذي بات مهتما جدا اليوم بالتفاصيل...