لأن الصورة التي تعكسها غالبية المسلسلات والأفلام المعروضة في السنوات الاخيرة، تعطي صورة عن الفلاح انه مجرد.. فلاح، يأتمر بأمر العمدة ويخاف من الغفير ويحب الذهاب الى المديرية في »البندر« لشراء المناديل الملونة لزوجاته المتعددات، إلا إن ان كان فقيرا فيصبح وفيا اجباريا لزوجته التي احبها على »الترعة«! لذلك، نظرنا بأعين المشاهدين المستغربة الى السيدة السمراء التي كانت تتابع بشغف النقاش الدائر في الورشة الزراعية عن آثار العولمة على عالم الفلاحين، حين قيل لنا انها حاضرة هنا عن اتحاد فلاحي مصر! سيدة عن الفلاحين؟ وماذا حصل للعمدة؟ من هي شاهيندة مقلد التي بدأت مداخلتها القيمة بإعطاء فكرة اكثر من خبيرة عن تاريخ الحركة الفلاحية في مصر؟ وما إن بدأنا بالحوار حتى أخرجت لنا من جرابها السحري »أرنبا« مدهشا! حيث تبين انها وأهل قريتها وعلى رأسهم »الشهيد صلاح« حسين زوجها، الشخصيات الحقيقية التي بنى عبد الرحمن الشرقاوي، كاتب سيناريو فيلم »الأرض« عليهم قصة احد اروع الأفلام في تاريخ السينما المصرية. ولأن شاهنيدة (63 عاما) تتمتع بموهبة السرد التي يكاد المصريون جميعا يتمتعون بها، فإننا سنسوق »الحدوتة« الوثائقية التي قصتها علينا. »أولا، لعلمك ان في ستات بتزرع بين الفلاحين اليوم اكثر من الرجالة« تبدأ كلامها هكذا وقد لمعت في عينيها متعة تصويب الآراء الجاهزة. وتضيف: »لأن منتوج العمل الزراعي لم يعد يكفي المعيشة.. لذلك يطلع الرجل الفلاح لبرّة علشان يشتغل، والست بتزرع الأرض«. نسألها لماذا لم يعد المنتوج كافيا للإعاشة، فتقول: »نتيجة الخصخصة والعولمة وضرب قوانين الاصلاح الزراعي التي كانت تتيح الاستقرار في الزراعة عبر نظام التعاون الإنتاجي الذي ارساه عبد الناصر«. لكن إن كانت »الستات النهار ده بتزرع اكثر من الرجالة« اي تبقى في »الغيط« للعمل الجاحد. فكيف سمح لها الفلاحون ان تكون مندوبتهم؟ ترد بابتسامة: »لعلمك بقى، الفلاح المصري ده من أرقى الذهنيات التي يمكن ان تصادفيها. انا حاحكيلك حكايتي: أنا من أسرة في محافظة المنوفية. أبوي ضابط بوليس وطني، وزوجي شهيد الحركة الفلاحية ضد الاقطاع صلاح حسين، وهو ابن عمتي. لما ضاعت فلسطين كان عمري عشر سنين. وارتبط هذا الحدث في ذهني بهروب إبن عمتي للحرب في فلسطين، إضافة الى استيلاء الاقطاع في تلك السنة على اراضي الفلاحين الصغار، تماما كما استولى اليهود على اراضي الفلسطينيين. وقد اختلط الأمر عليّ لدرجة انني كنت أسأل والدي ان كان اليهود هم من اخذ ارض الفلاحين في مصر«. معركة الأرض قرية كمشيش التي أتشرف بالانتماء اليها، قرية زراعية، كان الاقطاع قد استولى على غالبية اراضيها، عامدا الى إجبار الفلاحين على العمل بالسخرة.. الى ان قامت الثورة. بدأ شباب القرية بقيادة الشهيد صلاح يحرضون الاهالي بالقول ان الثورة ثورتهم، وانه لا يجب ان يطاوعوا السخرة. وهكذا كان. كان ذلك العام 1952، ومن يومها وحتى العام 1968 تواصلت المعارك. ومن اوائلها معركة »الملال«. وهذه معركة كان العمدة قد شق فيها بإيعاز من الملاك ترعة في الأراضي العائدة للفلاحين. فخرج هؤلاء لردمها. فما كان منه الا ان فتح عليهم النار وأصيب 37 فلاحا وفلاحة. بعد ذلك اوقف عن العمودية، لكن نفوذ الاقطاع اعاده بعد فترة. وكان قد بنى سدا للمياه التي تأتي الى القرية، وكان يروي ارضه اولا ثم يبيع المياه الباقية الى الفلاحين. فهجم الفلاحون على السد وكسروه. صحيح، كما تقولين مثل فيلم »الأرض« لأن عبد الرحمن الشرقاوي استوحى من هذه الاحداث السيناريو. إذن، استأجر العمدة قتلة خارجين على القانون وأنزلهم الى القرية ليهدد الفلاحين. فما كان من القرية إلا ان هجمت عليهم وقتلتهم. ففرض منع التجول على القرية. وعندما جرى التحقيق، لم يجد المحققون شاهدا واحدا على ما جرى، بالطبع، استشاط السادات غضبا ونزل الى كمشيش وقال: »الناس تقتل على قارعة الطريق وما من شاهد واحد؟ اني سأقيم المشانق في كمشيش«. ثم استدعى الهجانة الى القرية وكان ذلك العام 1954. كان السادات في مجلس الثورة، وكلما اثير موضوع كمشيش، كان يقول لهم: »كمشيش دي ما لكمش دعوى بيها، دي تبعي وسيبوني اتصرف«. في 31 نيسان 1966 قتل الإقطاع في احدى التظاهرات الشهيد صلاح، فتحوّل هذا اليوم الى يوم لشهداء الفلاحين. وأذكر انني اولا رفضت ان اتسلم جثته، ثم عدت فحملته في جنازته على كتفي وأكملت الطريق ناهرة الرفاق الذين كانوا يبكون لئلا يتحقق هدف الاقطاع بتخويف الفلاحين. وتبنت الثورة قضية الشهيد صلاح، وتشكلت لجنة لتصفية الاقطاع. حتى ان عبد الناصر قال في خطابه في عيد العمال العام 1967 ان »صلاح حسين استشهد بعد قيام الثورة بأربعة عشر عاما«. بعد تبني الثورة تحولت الى هدف للاقطاع كله بعد ان كنت مكروهة من اقطاع قريتي فقط. لدرجة ان الأمن منعني في اربعين صلاح ان اقيم العزاء. فأصريت على ذلك، وقمت بمسيرة باتجاه القاهرة لمقابلة عبد الناصر. ولما وصلنا القاهرة منعنا من دخولها«. ترى شاهيندة الاستغراب في عيوننا: فكيف تمنع الأجهزة الأمنية وصولها الى عبد الناصر؟ تقول: »ما تستغربيش... لازم تفصلي بين الأجهزة وبين عبد الناصر«. ثم تستأنف الرواية: »بعد النكسة استقوى الاقطاع... وأخذ الاقطاع يحاول استرداد الاراضي التي سبق توزيعها. كان هناك شعار رفعه عبد الناصر يقول: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. فقلنا نحن موافقون، لكن ليس على حساب مكاسب الفلاحين المروية بدم شهدائنا. بعيدا عن قريتنا لثلاثة كيلومترات تقع قرية السادات ميت الكوم. وكان هو وقتها يساند عائلة الفقي. مرة، كان القرار قد صدر بمصادرة الشرطة لأراضي الفلاحين. اجتمعنا وقررنا المقاومة، وكنا نأخذ القرارات بشكل جماعي وكانت ملزمة، لكن هذا القرار بالتحديد لم يكن ملزما لأنه قرار موت. اما طريقة التحرك فكانت ان نقف مع الفلاحين على أراضيهم في النهار وان نحرسها في الليل بالسلاح. ولأنني كنت معروفة من الاقطاع ومستهدفة، اشار الرفاق عليّ ان لا اشارك في التحرك. فقلت لهم طيب. لكنني كنت اعلم بأنه لو لم انزل فإن الكثيرين لن ينزلوا، لذا وبعد ذهابهم، نزلت من بيتي وأخذت امشي باتجاه الارض. وفجأة بدأت ابواب البيوت في الفجر تفتح، وكل الذين قالوا انهم لن يشاركوا بدأوا بصمت تام بالانضمام الي والسير خلفي: شوية... شوية... الناس تجمعت كلها. لم يهن عليهم ان يروني انزل لأدافع عن أراضي الفلاحين مع انني لا املك شبرا واحدا. وهكذا طلعت القرية كلها، وبقينا كلنا فوق الارض. استمرينا لخمسة عشر يوما معتصمين على الارض. وأخذنا نرسل البرقيات لعبد الناصر ثم للصحف. فأخذت القرى الاخرى بالانضمام إلينا. الى ان تناهى الخبر لعبد الناصر »اللي كانوا مخبيين عليه«. ففي فجر احد الايام وصل إلينا عند الفجر الله يرحمه فريد عبد الكريم وهو مؤسس الحزب الناصري، وكان معه محمد خليل، واطلع منا على الحكاية ورجع الى عبد الناصر بالخبر. فاستدعى عبد الناصر اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي وسألهم »إزاي دي يحصل« وقرر بما انه بعد النكسة رفعت الحراسات عن بعض الاراضي التي استعادها بعض الملاك، انه لا يمكن ان يخرج المستأجر من الارض. طبعا هذا كان انتصارا لنا، لأنه كان ينطبق على اكثر الفلاحين«. ثم ماذا حصل؟ تقول شاهيندة والدموع تطفر الى عينيها: »ولا حاجة... مات عبد الناصر«. ثم تختنق بالبكاء. لتتابع: »بعد موت عبد الناصر استأنفنا النضال. واستفرد السادات بنا. وعمل لنا معركة لوحدنا: العام 1971 في 15 حزيران احتل القرية وقبض على حوالى مئتي فلاح ونزلوا فيهم ضرب. ثم اتخذوا قرارا بنفيي أنا وعشرين فلاحا وفلاحة الى خارج محافظة المنوفية... دي كانت اسمها معركة الإبعاد. عدنا فرفعنا دعوى وربحناها في العام 1975«. لا تنتهي حكايات شاهيندة التي ترشحت بعد ذلك للانتخابات ثلاث مرات وحققت حلم زوجها بتأسيس اتحاد الفلاحين في مصر... هي الآن تناهض العولمة، وتعمل بكد في لجنة مساعدة الانتفاضة: »وهذا العمل هو المفضل بين كل نشاطاتي وأقربه الى قلبي«. عندما تقول ذلك، لا يمكنك الا ان تنظر الى ميدالية ذهبية تتدلى من عنقها وتمثل مدينة القدس، عاصمة فلسطين.