كان موزيل بحاجة الى مقدمات وتمارين لكي يتفرغ الى عمله الأساسي الاخير »الرجل بلا ملامح«، وهناك من النقاد من ذهب الى القول بأن موزيل ما كان ليكتب هذه الرواية الضخمة لو انه وقع على أسلوب فني وجمالي في أعماله الاولى يتناسب مع طموحاته. في البدء اعتمد موزيل أثناء كتابته الرواية على ملاحظاته ويومياته التي تردد فيها اسم فريدريك نيتشه كثيرا، واستطاع ان يجعل من أفكار هذا الفيلسوف حقلا واسعا للتجارب، حتى انها أصبحت ذخيرة غنية، كان الكاتب يستل منها ما يشاء لينوّع عليه. وهناك عبارات واضحة في يومياته المبكرة تشير الى تأثره العميق بنيتشه، شأنه شأن الكثير من الكتّاب الالمان في ذلك العهد: »ان نيتشه يرينا جميع الطرق والدروب التي تسير عليها أذهاننا وعقولنا دون ان يأخذ بأيدينا او يسير أمامنا على واحد منها«. وبالاضافة الى ذلك الفهم النيتشوي التزم الكاتب بمنطق غير مألوف يقول »ان التفكير الفلسفي يبدأ أول الامر من لحظة الاندهاش، ولذلك فان على أشخاص الرواية ان يتمتعوا دائما بموهبة الاندهاش وما يترتب عليها من نوازع وتداعيات وانفعالات، لكي يتمتعوا على الأقل بقدر من الحيوية والفعالية«. يركز الحدث الرئيسي للرواية على فترة زمنية قصيرة نسبيا (من صيف 1913 الى عشية اندلاع الحرب في 1914)، ويستعرض الاجواء السياسية والفكرية في العاصمة النمساوية فيينا التي جعلها الكاتب رمزا لمجتمع انتقالي يعاني من التمزق والأعراض المرضية المزمنة التي نخرت بنيته ودفعت به الانهيار التام، نتيجة للحرب التي دفنت مملكة الدانوب الكبرى تحت أنقاضها الى الأبد. يؤثر »بطل« الرواية الرئيسي أولرش، العديم الصفات كما تشخصه الرواية (ص435)، ليس الانسحاب فقط من متاعب الحياة بعد إقدامه على ثلاث محاولات انتحار كان من شأنها ان تشده الى أواصر الحياة، مثلا وظيفة ضابط في الجيش، او مهندس، او متخصص في الرياضيات، بل ينسحب من اهتماماته الشخصية ايضا، ومن علم الرياضيات، اي العلم الحيادي الذي وظفه الكاتب كلازمة دقيقة تتابع مراحل »الانتقالات الطبيعية« التي عاشها البطل، ولكي يكشف بها أخلاقه وميوله على نحو جدلي منطقي، لا أثر فيه للأيديولوجيا والتحزب، مستعينا بالوسائل العلمية ذاتها التي أجاد موزيل استخدامها اجادة بارعة. فمن المعروف ان موزيل نفسه من المتخصصين في هندسة الميكانيك، الا انه لم يتوقف هنا عند الحدود الفيزياوية او الرياضية المجردة، وانما يغور من خلالها بعيدا في مجاهل النفس البشرية، لدرجة انه يضع بعض الحقائق المنطقية موضع الشك. وفي الاخير يتمكن أولرش المليء بالتوتر والقلق الفكري من استنباط جوهر ذاته، لا سيما بعد لقائه بشقيقته التوأم (في الجزء الثاني »جزء التركة« من الرواية، والذي حققه أدولف فريزيه ونشره للمرة الاولى في 1952 باعتباره جزءا متمما للرواية، معتمدا على الرسائل واليوميات والملاحظات التي خلفها موزيل). كان أولرش يتطلع الى العثور على معادل موضوعي لذاته غير المستقرة على صفة او ميزة محددة، ولغيابه عن الحقيقة المحسوسة، وبالاخص في تجسداتها الاجتماعية، بحيث أباح ذات مرة في حضرة الشخصية المحورية الثانية في الرواية وهي شخصية قريبته ديوتيما عن رغبته في اجتثاث الحقيقة من الجذور (ص365). وعندما حضر أولرش إحدى جلسات المحكمة الخاصة بقاتل الغانية، موزبروغر، المجرم المعتد بنفسه، السليط اللسان، توصل الى ان تصريحات موزبروغر ما هي الا الانفلات اللاعقلاني والجنون بعينه الملائم لروح العصر، وتوصل ايضا الى خلاصة تفيد بأن البشرية اذا ما حلمت جمعاء حلما كليا، فان ذلك يعني انه لا بد من وجود قاتل على شاكلة موزبروغر. ويعلّق الراوي على هذه الحالة الاجرامية بالقول ان »من السمات المميزة لهؤلاء المجرمين التعساء هو أنهم ليسوا عليليّ الصحة فحسب، بل أنهم يحملون أمراض متدنية القيمة تماما، ثم ان الطبيعة لها ولع غريب بتفريخ هؤلاء العتاة بكثرة ووفرة« (ص242). عام الانهيار كانت لحظات البحث عن الآخر، او عن الحالة الاخرى المعاكسة، في الم قائم على إنتاج الخواء على نحو مطّرد، تمثل الطبيعة النفسية للبطل الذي تنصلت عنه الصفات والمزايا دون ان تجد لها مستقرا في عقله وروحه التي لم تخلّف فيها صدمات الحياة سوى »جذوة من رباطة الجأش لا تتزعزع تلك التي يتمتع بها الأبطال والمجرمون كلهم، وهذه ليست شجاعة أو إرادة او ثقة، انما هي بساطة حالة من التشبّث بالنفس، لا يمكن انتزاعها الا بصعوبة بالغة، تماما مثل القطة التي تنهشها الكلاب« (ص257). وتجلت هذه المشاعر لدى أولرش من خلال حضوره القسم الأعظم من المجادلات والمناقشات اللامتناهية، او في الواقع فلسفة الثرثرة والاطناب الفارغ، في زمن فقدت فيه الكلمات والمصطلحات دلالاتها وقيمها الفاعلة، وبات المجرمون يتحدثون بلغة القديسين وأصبحت الكتابة تشكل جنسا خاصا من اجناس الثرثرة، وبالاخص حضوره تلك المناقشات المتعلقة بالتحضير للاحتفالات اليوبيلية بمناسبة مرور 70 عاما على اعتلاء قيصر النمسا وملك الهنغار فرانتس يوزيف الاول العرش. كانت هناك لجنة تعد للاحتفالات المزمعة والمتزامنة مع التحضيرات الجارية في ألمانيا البرويسية للاحتفال بمرور ثلاثين عاما على حكم القيصر فيلهلم الثاني في 1918، لذلك أطلقت اللجنة على نفسها لقبا تنافسيا: »لجنة العمل المتزامن« التي أوجدها النبيل لاينسدورف. لقد شكلت تلك التحضيرات المحمومة والتي كان الهدف منها بزّ البرويسيين من خلال جعل النمسا دولة حديثة مستقلة في علاقاتها مع العالم الخارجي، شكّلت العمود الفقري للصفحات الألف الاولى من الرواية، بيد ان الاحداث الموازية للحرب قد كشفت عن مفارقة مأساوية وهي ان القيصريتين النمساوية والألمانية قد انهارتا انهيارا مروعا في العام ذاته المخصص للاحتفالات اليوبيلية. حالما التقى التوأمان بعد فراق طويل، أثناء تشييع جنازة أبيهما، تحقق الالتحام الروحي مع الواقع، او مع المعادل الموضوعي الآخر الذي سعى أولرش طوال حياته الى بلوغه، إذ مثّلت له شقيقته أغاتا انفصامه الغامض مجسدا في الطبيعة الانثوية لأغاتا، ومنذ ذلك اللقاء اكتسب الوجود بنظر أولرش مغزى ومعنى. كان لقاء التوأمين يشبه رحلة الى هامش الممكن والمباح، مرورا بعقبات المستحيل، لكنها رحلة لم تستطع ان تتجاوز عقبات المستحيل، بل كانت »رحلة أسطورية الى رايخ الألف عام« على حد تعبير الكاتب. وعلى الرغم من ان عنوان الرواية »الرجل بلا صفات« يوحي بالبساطة والألفة، الا انه يشكل بنظر بعض الدارسين خلاصة الرواية كلها، فهذه العبارة الشعرية غير المتكلفة هي المفتاح الحقيقي لفهم العمل، لأن موزيل نفسه طبّق هنا صفات الشيء وملامحه وانعكاساته الاجتماعية حسبما تقررها نظرية عالم الفيزياء والرياضيات أرنست ماخ الذي ينطلق في أطروحته »تحليل المشاعر وعلاقة المادة بالنفس« من فرضية تقول ان ليس هناك حقيقة مستقلة عن الوعي، وان ليس هناك وعي مستقل عن الحقيقة. ومن خلال التجانس والتفاعل بين الحسي والمادي تنشأ الحقيقة التي توفر إمكانية فهم العناصر الفيزيائية والروحية للعالم، كما ان هذه العناصر تنعكس في الجسم المادي بوصفها علامات جسدية، وتنعكس في النفس بوصفها مشاعر. ولا يمكن فهم هذه العناصر بصفتها جزيئات فيزيائية مكثفة او متوغلة في النفس، حاملة في طياتها صفات وملامح معينة، انما هي، أي العناصر نفسها، صفات الجسد وملامحه، وبهذا المعنى فهي أيضا، بصفتها مشاعر، تشكّل صفات الأنا العليا »الذات«. كما ان هذه العناصر المكونة للذات لا تختلف نوعيا عن العناصر الفيزيائية الاخرى التي تتألف منها ظواهر الحقيقة الاخرى، لكن وجودها لا يتحقق الا من خلال الوعي، وذلك يعني ان إدراك الحقيقة يتم في البدء عبر الجدلية الواعية للذات والموضوع. وهذه الذات المادية، بل المغرقة في ماديتها في الواقع، ليست محددة قطّ، انما بإمكانها التمدد والتضخم لتشمل العالم بأسره. ويرى أحد نقّاد موزيل ان هذه الوحدة الادراكية مستحيلة بدون الوعي الذاتي، اي ان الذات لا بد ان تعي وجودها بصفتها ذاتا واعية حسب مفهوم هيغل للوعي الذاتي. بيد ان فلسفة ماخ لا تقيم اي اعتبار لهذه الفكرة الهيغلية الجوهرية، انما تضعها في إطار الميتافيزيقيا، في حين أنها ملزمة لفهم رواية موزيل، إذ ان الصفات او المزايا الانسانية لا يمكن ان تترسخ في الذات ما لم يدرك الوعي وجودها وحركيتها وانتظامها في التاريخ والزمان والمكان. وهناك في سياق الرواية عبارة مهمة تكشف لنا عن تنصل الصفات والملامح عن البطل أولرش تنصلا كليا، بحيث تقول الرواية: »لقد نشأ عالم من الصفات والملامح الخالية من الرجل«. لكن ما هي طبيعة هذه الصفات والملامح المستقلة عن الرجل؟ يمكن القول ان الشخصيات المحورية الاخرى، بما فيها المجرم المعتد بنفسه وبجريمته، موزبروغر، تبدو على العموم منسجمة مع ذواتها، مقتنعة بالواقع وراضية بمزاياها وعلاقاتها بالعالم الخارجي، ما عدا أولرش الممزق، القلق، والذي كانت الحقائق الكبرى تتكشف أمامه بالاستناد الى جملة من الافكار والتأملات لنيتشه وماخ وأمرسون وشتومف وكولر وغيرهم من الفلاسفة والذي استحال الانسان في نظره الى مجرد مخلوق جُبل على الدناءة والوضاعة. ومع ذلك، فان هذه الافكار بقيت محصورة في المجال النظري ولم تتحول بعد الى قيم راسخة، لذلك نشأ عالم مستقل من المزايا والصفات والمعايشات، لكن بدون الرجل. ولهذا السبب بالتحديد، فان أولرش يطلق مقولته الرهيبة بلامبالاة: »ان المرء يستطيع ان يفعل كل ما يشاء، كل ما يشاء«، اي انه أراد هنا انتزاع المزايا الايجابية التي يمكن ان يتحلى بها المخلوق الشبحي، محولا إياه بالضرورة الى دكتاتور او طاغية، »والصراع من أجل الحياة لم يعد يعرف المشاعر التأملية الجياشة، بل النزعة وحدها في إبادة الخصم بأقصر الطرق وأشدها فاعلية«، فمن خلال انعدام الوازع الاخلاقي السليم تنعدم بالضرورة المزايا الايجابية، وتتفتح بدلا منها الرغبات والنزعات الدونية للمرء، والانسان »بدون مظهره الخارجي ليس أكثر من ثمرة حلوة سائلة بلا قشور« (ص381). بيد ان هناك فرقا نوعيا بين المرء والرجل عند موزيل، فالمرء هو كل من يشارك المرء الآخر شؤون الحياة اليومية وتفاصيلها، بينما الرجل هو الكائن الذي ثبتت فيه الصفات او تجانست مع وعيه الذاتي، لذلك جاء معرّفا. والمفارقة هي ان رجل موزيل قد انتفت عنه في البدء صفات التعريف وتنصلت عنه الملامح والمزايا، بل أنه حمل صفات أصبحت »لا صفات«. ومع ان موزيل قد عنى نموذجا او نمطا أخلاقيا، اتسم بصفات شمولية، لكنه عنى في الوقت نفسه رجلا تاريخيا محددا، هو الرجل العديم الصفات، ويتضح هذا المعنى من خلال العنوان نفسه »الرجل بلا صفات«، فالعنوان إذاً ليس جملة موصولة، بمعنى الرجل الذي ليس له ملامح او صفات، انما هو هذا الرجل العديم الملامح والصفات بالذات. كان هدف موزيل كما ذكر ذات مرة هو ان تتحول الرواية الى مادة حية تنبعث منها أفكار وأخلاق جديدة، لان الاخلاق البرجوازية القديمة قد استُهلكت وباتت عقيمة. والرواية من هذه الناحية هي محاولة لتفكيك عقدة مركبة وتفسيرها من اجل وضع »سياسة سليمة للتنظيم الروحي والعقلي« على حد قول موزيل، سياسة يمكن ان تعتبر الاجابة الوحيدة على أسئلة الحياة والموت. وقد صرّح ذات مرة: »أريد ان أقدم مساهمة ما بغية النهوض بهذا العالم روحيا وعقليا. وسأكون شاكرا لجمهور القرّاء إذا ما صرفوا النظر عن نوعية الاسلوب الجمالية، وأظهروا تفهما لإرادتي، لأن الاسلوب بالنسبة لي هو إظهار الفكرة على نحو جلّي«. وكتب ايضا في يومياته مشيرا الى الدور الاجتماعي والسياسي للكاتب: »أن أكتب عملا أدبيا واحدا خير لي من أن أحكم الرايخ الألماني برمته، فضلا عن أن الكتابة أصعب من ذلك بكثير«. لقد اعتقد موزيل عندما شرع بكتابة روايته الممتنعة عن الانتهاء، انه سوف يعيش عشرين عاما اخرى لكي ينجزها، إذ أنه لم يكن قد فكر في الموت بجدية حتى ذلك الوقت، على الرغم من تدهور صحته، فقبل وفاته بعام واحد دوّن في يومياته شيئا عن مخاوفه الصحية: »غالبا ما تولد لديّ انطباع بأن قواي النفسية والروحية قد أصابها الضعف والفتور، لكن الأصح هو ان المعضلات الكبيرة المحيطة بي كانت تتجاوز طاقتي الجسدية على الدوام«. والآن بات من الصعب التنبؤ بالزمن الذي كان سيحتاجه موزيل لإتمام روايته التي تحولت الى مجازفة حياتية، فقد عاجله الموت وهو منعزل معوز ومنسي في منفاه السويسري. »كان قد جلس صباحا في بيته الكارتوني الصغير في إحدى ضواحي جنيف يعيد النظر في مخطوطاته، بعد ان دون في دفتر صغير الساعة التاسعة وعشرين دقيقة، ومن ثم الساعة الحادية عشرة، موعد السيجارتين الاوليين من مجموع ثمان سمح له الطبيب بها يوميا، وفي وقت الظهيرة بالضبط انتابته جلطة دماغية«. غير ان فصول المأساة لم تنته بموته، إذ أعقب ذلك صمت وتجاهل تامان، الى ان نشرت »التايمس« اللندنية مقالة مثيرة عن موزيل أشادت بكتاباته واعتبرته من أهم الكتاب الألمان في القرن العشرين، على الرغم من التجاهل والصمت المطبق حوله. كان الفصل الذي أشتغل عليه في الساعات الاخيرة يحمل عنوان »أنفاس يوم صيف«، لكنه رحل وترك على طاولة المنفى عملا حياتيا كبيرا غير مكتمل. ونشرت بعض الجرائد خبر وفاته على نحو مقتضب، إذ لم يعد يتذكره أحد في ألمانيا النازية. كان موزيل قد كتب قبل خمسة عشر عاما من وفاته ينعى الشاعر النمساوي ريلكه: »إن موت ريلكه لم يكن بنظر الناس حدثا ذا شأن!« ويبدو ان الرثاء قد انطبق عليه شخصيا، إذ لم يشارك في تشييع جنازته في السابع عشر من نيسان (ابريل) 1942 سوى ثمانية أشخاص.