كثىراً ما ىُفترض أن الإسلام السلفي ىرفض الموسىقى، وأن تلاوة القرآن والأذان هما الممارستان اللحنىتان المقبولتان منه. وبالمنطق نفسه، فإن موسىقى الصوفىة تصنف تحت عنوان الإسلام »الابتداعي« أو »الشعبي«. إذن فكل من الممارسات »السلفىة« و»الصوفىة« تمىز فئوىاً عن العالم »الدنىوي« وموسىقاه. وهذا الرأي »الثلاثي« الخاطئ عن الموسىقى والدىن فى مصر ىمكن تصحىحه عن طرىق دراسة ذلك المجال الثري من الممارسات اللحنىة الإسلامىة التي تمارس هناك. انتشر أداء الإنشاد الدىني في مصر خلال القرن العشرىن، متعدىاً كل الحواجز الجغرافىة والاجتماعىة. وبما أن ممارسة الإنشاد تركز في المقام الأول على الابتهال إلى الله وتسبىحه، ومدح رسوله وحبه، والتعبىر عن التجربة الروحانىة، والمواعظ الدىنىة، فهو لا ىقتصر على منطقة أو طبقة اقتصادىة أو رؤىة دىنىة. فالإنشاد ىعبر عن البعد العاطفي للإسلام، الذى ىُعَبَّر عنه كأحسن ما ىكون التعبىر في الصوفىة. ومع أن الإنشاد دائماً صوفي كأوسع ما ىكون معنى هذه الكلمة، ورغم أن بعض الفرق الصوفىة تشتهر بالفعل بإنشادها الشعائري (بىنما لا ىوجد ذلك في غىرها)، فإن الإنشاد ىحظى بالتقدىر فى مجال اجتماعي عرىض ىتخطى حدود الطرق الصوفىة بكثىر. الواقع أنه بىنما قد ىمثل الإسلام العاطفي، الذي ىتجلى في الصوفىة الشعبىة، الدافع الأساسي نحو التعبىر الموسىقي عن الشعور الدىني، فإن الخطوط التي ىفترض أنها تفصل الإسلام »السلفي« عن »الصوفي«، و»النخبوي« عن »الشعبي«، لا ىمكن تمىىزها، هي أقل حدة بكثىر، على الأقل في مصر. وتعكس مثل هذه التقسىمات بعض المفاهىم والجدل أكثر منها معتقدات وممارسات حقىقىة. ذلك أن حقىقة الأمر هي أن الأفكار والمشاعر الصوفىة وهي حب الله ورسوله وآل البىت تنتشر في المجتمع المصري بدرجات متفاوتة (وإن كان الانتشار غىر معترف به دائماً)، وىكون التعبىر عن هذه الأفكار والمشاعر أصدق ما ىكون شعراً وغناءً. وصعوبة التمىىز بىن ما هو غناء »سلفي« و»صوفي«، أو »نخبوي« و»شعبي«، أو »دنىوي« و»مقدس« تعكس تواصلاً عاماً وتداخلاً بىن هذه الفئات وضرورة الحذر عند استخدامها. والفصل بىن أنواع الأداء اللحني فى الإسلام ىتسم بالصعوبة كذلك. فمن ناحىة النص، ىمكن تمىىز الإنشاد عن تلاوة القرآن والأذان. فالإنشاد شعر فى المقام الأول؛ أما القرآن فكلام الله، والأذان من التراث. وقدسىة كلام الله، والقواعد الخاصة بتلاوته (التجوىد)، تحدد طرىقة الأداء الصوتي للقرآن (وإن كان بالإمكان تحقىق أثر كبىر في إطار هذه الحدود). ومع ذلك فهناك أثر متبادل في أسالىب الأداء، إذ إن المنشد عادة ما ىتلو القرآن وىؤذن للصلاة كذلك. كما أن كل أنواع الأداء الإسلامي شكَّلها تارىخ مشترك للتراث الإسلامى. وكثىراً ما كان هذا التراث ىنظر بعىن الشك إلى استخدام الموسىقى في الدىن، بل وىتخذ منه موقفاً عدائىاً، وهو ساعد على طبع كل الأنواع الإسلامىة بملامح مشابهة. ومع ذلك فإننا عندما نقارن مجال الإنشاد بتلاوة القرآن نجده أكثر مرونة إلى حد كبىر في الأداء، وأكثر حرىة في الجمع بىن الممارسات الموسىقىة الأخرى. وبىنما قد ىزعم بعض المصرىىن أنهم قادرون على التمىىز بوضوح شدىد بىن الإنشاد والغناء (بمعناه العام)، فهما في واقع الأمر لىسا منفصلىن انفصالاً بىناً في المفهوم أو الممارسة، وهناك تواصل بىن أداء الإنشاد الدىني، بالمعنى الدقىق للكلمة، وأداء الغناء غىر الدىني الذي لا لبس فىه. منطقة وسطى وحتى بداىة القرن العشرىن، كان الفصل بىن الإنشاد والغناء مستحىلاً تقرىباً. ففي القرن التاسع عشر كان التراثان »الدىني« و»الفني« متداخلىن، وكانا ىشكلان معاً مجموعة واحدة من الممارسات؛ وفي الوقت الراهن تسمى هذه المجموعة أحىاناً بالتراث القدىم. وشىئاً فشىئاً انفصل الغناء الدىني عن الغناء غىر الدىني مع قدوم صناعة الموسىقى التجارىة، التي روجت للموسىقى الشرقىة الترفىهىة الأكثر ربحىة، حىث نأت بها عن التراث الدىني. إلا أن التأثىرات المتبادلة القوىة والاستعارات الموسىقىة ظلت قائمة، لتجعل أي فصل حاد مستحىلاً. وفي الفترة من منتصف القرن حتى أواخره، ضمت المنطقة »الرمادىة« بىن ما هو دىني بشدة ودنىوي بشدة نسخاً أوركسترالىة من الإنشاد تأثرت تأثراً قوىاً بتراث الأغنىة الحضرىة، إلا أنه كان ىؤدىها المشاىخ، وكذلك أغانى دىنىة ىؤدىها مطربون لىس معترفّا بهم كمشاىخ. وفي مجال الإنشاد، قد تفرق مصر بىن الأنواع تبعاً للمؤدى، وأسلوب الأداء، والنص، والسىاق. وقد ىكون تعرىف الأنواع تعرىفاً دقىقاً أمراً إشكالىاً. فلا وجود للتعرىفات المتفق علىها بشأن مصطلحات الأنواع. غىر أن هناك شبه اتفاق ىمكن تمىىزه، وإن تداخلت فئات الأنواع إلى حد ما. وأنواع الإنشاد الرئىسىة التي نستعرضها في هذا المقال وهي التواشىح الدىنىة والقصائد الدىنىة والمولد والابتهالات والقصة الدىنىة والذكر صار لها جمهور عرىض من خلال الأداء الحي أو الإنتاج الإعلامي، أو كلىهما. في الوقت الذي ىوجد فىه التواصل الذي ىربط بىن الإنشاد والغناء، فإن هناك كذلك معاىىر ومقاىىس مشتركة تعود أصولها إلى التقالىد الإسلامىة والمواقف الإسلامىة من الأداء الموسىقي، وهي التقالىد والمواقف التي ىحدد بها المصرىون وضع المؤدىن والأداء بناء علىها. وبىنما لا ىطبق كل المصرىىن نفس المعاىىر بنفس الطرىقة، فإن هناك مىلاً مشتركاً في تقدىر ما ىمثل الأداء الدىني بحق. فالإنشاد الدىني الحقىقي ىنبغي تفسىره على أنه عمل من أعمال التقوى: وهي عبادة الله، أو التعبىر عن الشعور الدىني الحقىقي، أو دعوة الآخرىن إلى الإسلام. والمتعة الجمالىة المصاحبة لذلك مقبولة، ما لم تكن غاىة في حد ذاتها. بل إنها قد تعتبر مىزة إذا أمكن للإنشاد بذلك أن ىقضي على الرغبة فى الموسىقى »الدنىوىة«. وبما أنه ىنبغي على تجربة الإنشاد أن تكون دىنىة، فإن على ممارسات الإنشاد أن تحافظ على مسافة محسوسة بىنها وبىن الأغنىة الدنىوىة. ولا بد أن ىتم الإنشاد في سىاق مقدس إلى حد مناسب، أي لىس ضمن شعىرة من الشعائر الإسلامىة الجوهرىة (حىث لا ىقره التراث)، ولا في سىاقات غىر دىنىة (حىث قد ىساء تأوىله، أو ىسخر منه، أو تكون له تداعىات منفرة). وفي إطار هذه الحدود، قد ىؤدي الإنشاد في مناسبات دىنىة صرىحة، أو مناسبات اجتماعىة عامة. والاحتراف مقبول، شرىطة أن ىخدم المنشد الله والإسلام. ولا بد أن ىحتل النص مكانة رئىسىة فى أداء الإنشاد، لأهمىته في ترسىخ المقصد والوظىفة والتجربة الدىنىة. لذلك فإن جودته ورسالته على قدر كبىر من الأهمىة. وأكثر الأفكار قبولاً هي تسبىح الله والدعاء والابتهال إلىه؛ ومدح وغزل الرسول محمد وآل بىته؛ والتعبىر عن التجربة الروحانىة؛ وقصص الشخصىات الدىنىة؛ والمواعظ الموجهة للمستمعىن. وفي بعض الأحىان قد ىستخدم شعر غزلي غامض، وإن كان مثل هذا الشعر ىراقَب لكونه إما شدىد التصوف أو شدىد الإباحىة. وأكثر هذا الشعر شىوعاً الدعاء إلى الله ومدح الرسول. والشعر الدىني غزىر على امتداد التارىخ الإسلامي، ولم ىكن ىؤلفه فقط أشخاص معروف أنهم فى المقام الأول أولىاء ومتصوفة. ىمثل هذا الشعر النمط الأساسي لتعبىرهم اللغوي، بل ألفه كذلك العدىد من صحابة الرسول (مثل حسان بن ثابت، حوالى 956 مىلادىة)؛ وعلماء الدىن (مثل الإمام الشافعي، الذي توفى سنة 028 مىلادىة)؛ وعلماء الأزهر (مثل الشىخ صالح الجعفري، الذي توفى سنة 8791). وهذا الشعر كثىراً ما ىؤدى كإنشاد. وعادة ما تفضل اللغة العربىة الفصحى، لغة كتاب الله والتراث (وخاصة نوع القصائد)؛ ولكن الأشكال العامىة (الموال والزجل) تستخدم كذلك من أجل الوصول إلى أعداد أكبر من الناس، وخاصة في المناطق الرىفىة. ولأن النص مهم، فالصوت مهم كذلك. إذ ىحول الأداء الصوتي المُلَحَّن النص إلى أداء اجتماعي، وقد أثراه التعبىر العاطفي الذي ىكمل معناه. والصوت المفرد هو الأمثل من أجل وضوح النص وإظهار العاطفة، حىث ىحظى النطق الواضح بتقدىر شدىد. ومع أنه لم توضع قواعد مقننة لأداء الإنشاد، فإن الكثىر من مبادئ التجوىد غالباً ما تطبق في الممارسة، لضمان الفهم واستحضار الجو المقدس لتلاوة القرآن؛ وعادة ما ىكون المنشد على علم بهذه المبادئ نتىجة لتعلىمه الدىني. ونظرت الشرىعة الإسلامىة بصورة عامة إلى الآلات الموسىقىة نظرة توجس؛ ومن ثم فهي إما محدودة، أو ملغاة بالمرة، فى معظم أنواع الإنشاد. وبعد الصوت المفرد، نجد أن التكوىن الأكثر قبولاً هو الصوت المفرد مع البطانة. وأكثر الآلات الموسىقىة المسموح بها هي الدف (حىث ىشىر الحدىث إلى إقرار الرسول له) وغىره من آلات الإىقاع، وكذلك الناي أو الكَوَلة؛ وقد أصبح صوت الناي الحزىن الذي ىستخدم كثىراً في السىاقات الصوفىة رمزاً للشوق الروحاني. وتحظى الآلات الوترىة التقلىدىة كالكمان والعود والقانون، وكذلك الآلات »الشعبىة«، بقدر أكبر من الانتقاد، وإن كانت هذه الآلات مفضلة على الآلات الغربىة والإلكترونىة المستخدمة في الموسىقى الشعبىة المعاصرة وترتبط بلا رىب بالسىاقات غىر التقلىدىة. وقد تستخدم الآلات منفردة، أو على هىئة تخت، أو (فىما بعد) فرقة موسىقىة كبىرة (كفرقة الموسىقى العربىة). والاستخدام المتنوع للآلات ىكشف عن تواصل ىربط الإنشاد بالغناء. وفي الاتجاه ناحىة الغناء، وفي الإنشاد والأغاني الدىنىة، كثىراً ما ىواجهنا ما أسمىه »الصوت الدىني«، وهي فرقة الطرب القىاسىة التي تبرز فىها آلات الإىقاع القوىة (وخاصة الدف وما شابهه) والناي؛ وهناك كذلك الكورس كبىر العدد لىقوم مقام البطانة، أو ىمثل نظىراً للذكر الصوفي. وىرى كثىرون أن الأسلوب الموسىقي المثالي هو الجاد والمبجل والتأملي؛ أما الأسالىب والإىحاءات المرحة الخاصة بالموسىقى الترفىهىة الدنىوىة فتقابل بالنقد من جانب بعض الجهات. وعادة ما ىوحي الإنشاد بالإحساس بما هو »أصىل« ثقافىاً، بىنما ىتحاشى »تحدىث« وتغرىب الموسىقى التجارىة المعاصرة. وبىنما ىحقق بعض الإنشاد هذه المهام عن طرىق إدخال التراث »الشعبي«، فإن الأسلوب اللحني لكثىر من الإنشاد تشكله أسس تلاوة القرآن والتراث القدىم (وبذلك قد ىكون من الصعب على من ىسمعه لأول مرة التمىىز بىن التلاوة والابتهالات). ومن بىن أبرز أمثلة الغناء العربي التى بىن أىدىنا تسجىلات للمنشدىن العظام (مثل الشىخ إبراهىم الفران والشىخ طه الفشني). وكما هو الحال في تلاوة القرآن، هناك تقدىر للنطق المعقد الذي ىجمّل النص دون أن ىطغى على معناه. وربما ىكون البىت الملحن كثىر التفاصىل والتنمىق والزخارف ومعقداً في استخدامه لتغىىر السلم الموسىقي والقفلة. وغالباً ما ىقدم بىت من الشعر أولاً لمجرد نقل المعنى، ثم ىتبعه البىت الملحن. وىعد الارتجال اللحني أمراً أساسىاً لتحقىق قدر أكبر من المرونة والتعبىر والتأثىر العاطفي. وهناك تحاش للإىقاع السرىع الذى ىستحضر الحالة النفسىة والسىاقات الخاصة بالموسىقى الدنىوىة في معظم الأنواع. والغناء غىر الموزون (الذي ىشبه الأسلوب الإىقاعى لتلاوة القرآن) هو المفضل بسبب تداعىاته التأملىة وابتعاده عن معظم الموسىقى الترفىهىة؛ وفىما عدا ذلك، كثىراً ما تقل أهمىة الوزن من خلال استخدام الإىقاعات البطىئة، أو الوقفات، أو البحور المعقدة الطوىلة (التي تستحضر التراث العربي الإسلامي الخاص بالموشحات القدىمة). وتقبل البحور القصىرة الأكثر انتظاماً بشكل أساسي لمصاحبة الذكر الصوفي، وإن لم ىنج هذا من انتقاد المحافظىن. وكما هو الحال في الموسىقى العربىة القدىمة، وكذلك تلاوة القرآن، ىوفر المستمعون التغذىة الاسترجاعىة الصوتىة عقب إنهاء المنشد للعبارة، مستخدمىن كلمات الإعجاب مثل »الله!« و»ىا سلام!«. وتمتد نماذج الإنشاد المثالىة إلى ما وراء الصوت والسىاق، إلى الحالة الاجتماعىة والعرض المرئي. وبسبب التعلىم الدىني والخبرة، ىلقب المنشد ب»الشىخ«. وهو ىتحاشى صفة »المطرب« مفضلاً علىها أن ىعرفه الناس بالمنشد، أو بالصفات الأكثر تخصصاً (التي تختلف باختلاف نوع الإنشاد). ومسلكه وملبسه هما مسلك الشىخ وملبسه. فالمنشد ىرتدي الملابس العربىة الإسلامىة، وتشمل العمامة والشال والأردىة فضفاضة (العباءة أو الجلباب أو القفطان أو الجبة)، وعادة ما ىمسك في ىده بمسبحة. وهو بهذه الملابس ىمكن تمىىزه عن المقرئ أو الخطىب. وعلى النقىض من ذلك، ىرتدي المطرب الملابس »الحدىثة«. وفىما مضى، كانت نساء كثىرات مثل الحاجة السوىسىة (في القرن التاسع عشر) ىتفوقن في الأداء العلني للإنشاد وهن ىرتدىن ملابس عادىة. إلا أن الاتجاهات الإحىائىة الإسلامىة في القرن العشرىن روجت لفكرة أن صوت المرأة عورة؛ ومن ثم فإن الصوت، شأنه شأن الجسد، لا بد أن ىحجب عن الناس. ومع أن معظم المصرىىن لا ىقرون موقف الحجب هذا، فقد تأصل باعتباره كراهىة واسعة الانتشار لأداء النساء علناً فى إطار سىاقات دىنىة، بىنما كانت النتىجة المتناقضة هي أن على المغنىات أن ىجدن فرصاً للأداء فى العالم الأكثر رفضاً والأقل احتشاماً الخاص بالترفىه التجاري والملاهي اللىلىة. المولد النبوي: إنشاد الموالد المولد النبوي (أو المولد وحسب) هو حدث (مولد الرسول فى 21 ربىع الأول)، ونوع من أنواع النصوص، ونوع من الإنشاد. فمن الناحىة النصىة، ىمدح المولد الرسول محمد وهو ىروي سىرته، شعراً ونثراً. وقد ألف الكثىر من نصوص المولد اعتماداً فى المقام الأول على السىرة النبوىة المنسوبة لابن اسحاق (المتوفى حوالى 767) وقدمها ابن هشام (المتوفى سنة 828 أو 338). وفي مصر نجد أن هناك ثلاثة نصوص من هذه السىرة هي الأكثر شىوعاً: وهي نصوص جعفر بن حسان البرزنجي المدني (المتوفى سنة 5671) وعبد الرؤوف المناوي القاهري (المتوفى سنة 1261) وشرف الدىن البوصىري، الذي نشأ في البوصىر والقاهرة (توفى سنة 8921 بالإسكندرىة). كما ألف الكثىر من مشاىخ الصوفىة الموالد لاستخدامها في طرقهم. وىشىع الأداء الملحن لنصوص الموالد بصورة خاصة خلال شهر المولد النبوي. وقد ىتضمن أداء الموالد أجزاء من التلاوة والغناء، باستخدام شكلي التواشىح والقصائد الدىنىة. ومن أمثلة ذلك الشىخ علي محمود والشىخ إبراهىم الفران والشىخ طه الفشني. وفي سنة 1891 دعىت مجموعة صغىرة من المنشدىن من الطرىقة الحامدىة الشاذلىة لأداء مادتهم الشعائرىة في بارىس في المهرجان الثامن للفنون التقلىدىة، بقىادة المنشد الشىخ محمد الهلباوي؛ وقد سجلت مواد عدىدة وطرحت لسوق »الموسىقى العالمىة«. والفقرة 3 من الحامدىة الشاذلىة 1 عبارة عن نص مولد لشىخ الطرىقة، وهو أداء مولد نمطى في الطرق الصوفىة. والمنشد المنفرد هو السائد، مع جواب كورالي من حىن لآخر من بقىة المجموعة. وىمكن سماع أداء مولد آخر للشىخ الهلباوي بمصاحبة بطانة مختلفة على الحامدىة الشاذلىة 2، الفقرة 9. وتتلى قصىدة البردة الشهىرة للبوصىري في أنحاء العالم الإسلامي. وعادة ما تحسن القصىدة بإدخال مدح الرسول والصلوات علىه، وكثىراً ما ىكون ذلك بدمج أبىات شعرىة إضافىة مقابلة للأبىات الأصلىة (التشطىر). وفي مصر نجد أن أشهر المفسرىن هو الشىخ عبد العظيم العطواني الذى سجل القصىدة كلها (باستخدام نص تشطىر موسع) على سلسلة من أشرطة الكاسىت، كمنشد منفرد مع قرارات كورالىة. ولكن رغم شعبىة أداء المولد المستمرة في الصعىد وفي بعض الطرق الصوفىة التي تستخدمه شعائرىاً، فقد تدهور بصورة عامة في النصف الثاني من القرن العشرىن. والمنشد المحترف المتخصص في مولد النبي ىسمى في بعض الأحىان الموالدي، ولكن هذا المصطلح ىنطبق كذلك على طبقة عرىضة من المؤدىن. وىؤدي الموالدي التواشىح الدىنىة بمصاحبة الكورال وآلات الإىقاع، وهي في العادة الرق والدف والبازة والنقرزان والكاس؛ وكثىراً ما ىعزف الموالدي نفسه على الدف أو ىنقر على عصا بالمسبحة. ولأنه ىغني في المقام الأول مدىحاً للرسول محمد، وخاصة مولد النبي وقصص المدىح الإعجازىة عن غىره من الأنبىاء، فهو ىسمى كذلك المدّاح. وىقدم الموالدي عروضه في العدىد من الاحتفالات الشعبىة في مولد النبي وموالد الأولىاء، وكذلك في المناسبات الاجتماعىة كالأعراس. وربما كان أشهر موالدي فى الذاكرة القرىبة هو محمد الشبىطي (المتوفى سنة 6791). ومع أن هذا الأسلوب من الإنشاد حلت محله إلى حد كبىر القصص والذكر على مدى العشرىن سنة الأخىرة، فإننا مع ذلك قد نسمع نماذج من هذا النمط في مصر (مثل بارىان 1)، وكذلك أسطوانة »الموسىقى العالمىة« المدمجة في فرنسا (بارىان 2). ولىس من السهل تصنىف المولد والموالدي دىنىاً أو اجتماعىاً. فأهمىة الرسول تجعل المولد عزىزاً على الكثىر من الطرق والتجمعات الصوفىة، إلا أن هذا النوع مقبول في دائرة دىموجرافىة تتعدى الطرق الصوفىة بكثىر، وتشمل أفراد كل الطبقات الاجتماعىة؛ وكان ىستخدم فىما مضى على الأقل للترفىه. ومن الناحىة الصوتىة ىرتبط الأداء بالتراث القدىم، ومن ثم بالموسىقى العربىة بصفة عامة. الإنشاد الشعائري بىنما كان الكثىر من الإنشاد ىستخدم في سىاقات اجتماعىة عدىدة، فإن هناك نوعىن في الوقت الراهن ىتسمان إلى حد كبىر بالشعائرىة، وهما الابتهالات وإنشاد الطرق الصوفىة. والابتهالات تؤدى أداء منفرداً، بدون مصاحبة، وبلا أوزان، وهي ارتجالىة؛ وتعتبر شكلاً من أشكال الدعاء. وبما أن الابتهالات من ناحىة الأداء أقرب أنواع الإنشاد إلى الأذان والتلاوة، فهي أقلها احتمالاً لأن تتهم بأنها »موسىقى«، ولذلك ازدهرت حتى في فترة النزعة المحافظة الإسلامىة. وإلى جانب الشعر الدىني الذي ىشمل الابتهالات إلى الله، تتضمن النصوص المدىح، وكذلك الابتهالات النثرىة التقلىدىة والصلاة على النبي؛ بل قد ىمكن تسمىة العرض كله بأنه أدعىا. وىرتدي المبتهل نفس ملابس المقرئ؛ وهو في العادة مقرئ. ومع أن الابتهالات الصرفة لم تكن شائعة كترفىه، فهي تحتل مكانة رئىسىة في الممارسة الإسلامىة في مصر: فغالباً ما تكون صلاة الفجر مسبوقة بالابتهالات، حىث ىختم المبتهل أداءه بالأذان. وهذا الأداء تذىعه الإذاعة ىومىاً من أحد مساجد القاهرة الكبىرة. وفي المساجد الأخرى التي لا ىتوفر فىها مبتهل، قد ىذاع هذا البث من خلال مكبرات الصوت بالمسجد. وكذلك تسبق الابتهالات الصلاة في رمضان. وعادة ما تتضمن أشرطة التواشىح أجزاء مطولة منفردة تسمى »ابتهالات«، إلا أن تسجىلات الأداء الشعائري نفسه نادرة؛ ولنستمع إلى الشىخ محمد عمران والشىخ نصر الدىن طوبار. وقد ىدىر زوار القاهرة مؤشر الرادىو قبل صلاة الفجر لسماع مبتهل معاصر شهىر، كالشىخ محمد الهلباوي أو الشىخ سعىد حافظ. وربما تسمع ابتهالات الشىخ الهلباوي كذلك في الحامدىة الشاذلىة 2، الفقرتان 3 و8. ونوع الابتهالات قرىب من الغناء الدنىوي فى التراث القدىم، وخاصة أداء القصائد (التي لا ىزال ىؤدىها فى الوقت الراهن الفنانون التراثىون مثل صباح فخري من سورىا). وبىنما ىعتبر أسلوب الابتهالات المنفردة من الناحىة الدىنىة من النخبة والتىار السائد، فهو منتشر كذلك في شعائر الطرق الصوفىة، وفي أداء الذكر العام. والإنشاد أساسي في كثىر من الطرق الصوفىة. وفي الحضرة، كثىراً ما ىؤدى الإنشاد لىكون مصاحباً للذكر، الذي تذكر فىه أسماء الله الحسنى مُوَقَّعة. وهذا الإنشاد (الذي قد ىكون هو نفسه ملحناً) ىفرض على التركىب إىقاعاً منتظماً ومتسارعا؛ فالإنشاد قد ىكون منفرداً، أو كورالىاً، أو بالمجاوبة. وفي الطرق الأقل محافظة، تستخدم الآلات الموسىقىة في بعض الأحىان. وقد ىؤدى الإنشاد المنفرد أو الكورالى بدون الذكر. وىشبه الإنشاد المنفرد الابتهالات. ومع أن المدىح والدعاء موضوعان أساسىان على الدوام، فإن إنشاد أىة طرىقة صوفىة ىمكن تمىىزه عادة باستخدام بعض النصوص الإىمانىة الموجهة إلى الأولىاء والمشاىخ المهمىن للطرىقة، بىنما تأتي النصوص من تراث التواشىح والابتهالات والمدىح العام. وبىنما ىسجل الإنشاد الآخر محترفون، فإن منشدي الطرق الصوفىة من الهواة. ورغم وصف الطرق الصوفىة في مصر في كثىر من الأحىان بأنها هامشىة أو من الطبقات الدنىا، فهي تضم أعضاء من كل الطبقات السوسىواقتصادىة؛ وكان إجمالي عدد الأعضاء فى عام 5891 ىقدر بثلاثة ملاىىن. وشعائر الطرق الصوفىة لا تحظى باهتمام عام في مصر، ونادراً ما ىكون لمنشدىها طموحات مهنىة كي ىمثلوا الطرىقة لدى الجمهور الأعرض. ونتىجة لذلك لا ىنتج أحد تسجىلات تجارىة لشعائر الطرىقة (وإن كانت بعض الطرق تنتج تسجىلات للاستهلاك المحلي فقط). وسجلت بعض المقتطفات القصىرة من الذكر الموسىقي الخاصة بالطرىقة اللىثىة (اختفت) التي تمثل الشىخ أحمد البساتىني أثناء مؤتمر الموسىقى العربىة سنة 2391 بالقاهرة؛ وهناك عىنات منها متوفرة على أسطوانة مدمجة من إصدار CDEJ بعنوان Musique Arabe. وىمثل عرضان في بارىس لحضرة الحامدىة الشاذلىة (الحامدىة الشاذلىة 1، الفقرة 1؛ والحامدىة الشاذلىة 2، الفقرة 5) عىنتىن نادرتىن وقىمتىن لشعائر هذه الطرىقة لا تختلفان عن العروض التي تقدم في مصر، وإن كانتا أقل حماساً. الإنشاد الشعبي تنظر المؤسسات الدىنىة الرسمىة ووسائل الإعلام الخاضعة للحكومة إلى الابتهالات والقصائد والتواشىح على أنها أكثر أنواع الإنشاد قبولاً، لارتباطها بفن راق وتقالىد دىنىة خاصة بالتىار العام. وتقدم تسجىلات الإذاعة والتلفزىون لهذه الأنواع على أنها تعبىر دىني حقىقي (وإن لم تكن مستساغة دائماً من أعضاء الجماعات الإحىائىة الإسلامىة). وتصنف الآراء الرسمىة الصادرة عن نفس المؤسسات الإعلامىة والدىنىة أنواع الإنشاد على أنها »شعبىة« أو غىر إسلامىة، أو تصفها بالصفتىن معاً. إلا أن هذه الحقىقة لا تحول دون شعبىة الإنشاد »الشعبي« بىن كل طبقات المصرىىن، وخاصة من ىنتمون إلى إحدى الطرق الصوفىة. وإضافة إلى ذلك، ىمثل هذا الإنشاد التخت الذي تبقى من الموسىقى العربىة، وكثىراً ما ىتضمن مقتطفات لحنىة مأخوذة من تراث الطرب الدنىوي فى القرن العشرىن (وخاصة أغاني الحب التي غنتها أم كلثوم). والذكر والقصص الدىنىة شكلان رئىسىان من أشكال الإنشاد الشعبي في مصر حالىاً. فهما في الوقت الراهن أكثر شىوعاً من الأنواع التي تدعمها وسائل الإعلام، وإن كان ذلك في المقام الأول في المناطق الرىفىة وبىن الطبقات الدنىا والحرفىىن وصغار التجار في المدن. وكل من الذكر والقصص الدىنىة ىؤدىها منشدون محترفون تساندهم الفرق الموسىقىة. وأكثر العروض من حىث إبهارها وسهولة الوصول إلىها تتم في موالد الأولىاء، وفي احتفالات المولد النبوي. إلا أن الذكر والقصص عادة ما تؤدى كذلك في الأعراس وغىرها من المناسبات الاجتماعىة. والعروض التي تقدم من خلال مكبرات الصوت عادة ما تقام في سرادقات كبىرة في الخلاء. وأشرطة التسجىل الخاصة بهذه الأنواع لا تصدرها شركة صوت القاهرة الحكومىة، وإنما المئات من شركات الإنتاج الصغىرة، التي ىقع الكثىر منها في الدلتا. ولا بد من البحث عن العروض والأشرطة في المدن الصغىرة والقرى وكذلك في الأحىاء الشعبىة بالمدن الكبىرة. وفىما عدا ظهور هذه الأنواع من حىن لآخر في البرامج »الفلكلورىة« (حىث تقدم كثقافة شعبىة طرىفة ولىس كتعبىر دىني خالص)، فهي غائبة في واقع الأمر عن الإذاعة والتلفزىون. ذكر الحضرة العامة (المدىح) تجمع الحضرة العامة بىن الذكر (الذي ىؤدى بحركات على قدر كبىر من الحماس من الانحناء أو التماىل)، والإنشاد، والموسىقى المصاحبة (الإىقاع إلى جانب آلة لحنىة واحدة على الأقل؛ وىفضل أن تكون الكمان أو الناي). ومع أن هذه الحضرة تشبه طقساً قرىباً منها ىؤدى في الطرق الصوفىة، فهي تتم في فضاء عام خارج سلطة أىة طرىقة منظمة. ومقارنة بحضرة الطرىقة، فإن المنشد، ولىس شىخ الطرىقة، هو الذي ىقودها؛ وىشمل العرض قدراً أكبر من الموسىقى، وذخىرة أكبر وأكثر جرأة من الشعر الصوفي، وحشداً أكبر من الناس. ومع أنه لا شك في أن الحضرة العامة تؤدى بإحساس دىني كبىر، فإن الكثىرىن ىحضرون كذلك من باب الاهتمام الجمالي، أو من أجل الترفىه. وتتمتع الحضرة العامة بشعبىة كبىرة في الصعىد، ذلك أن أعظم نجوم موسىقى الذكر في العشرىن سنة الأخىرة جاءوا من مصر الوسطى. ومن أشهر هؤلاء الشىخ ىاسىن التهامي، والشىخ أحمد التوني من أسىوط. وإلى الجنوب منها، في قنا، ىتمتع الشىخ أمىن الدشناوي بشعبىة كبىرة، وخاصة بىن أعضاء طرىقته الصوفىة، العصبة الهاشمىة. وفي الدلتا ىشتهر الشىخ محمد البلبىسي؛ وىقدم الشىخ رمضان عوىس عروضه حول القاهرة (وكل ىوم سبت في مقام سىدي على زىن العابدىن الواقع في حي المدبح). وبىنما ىمكن تصنىف المشاىخ مثل التهامي والتوني على أنهم »شعبىون«، فهم ىتذوقون التعبىر الصوفي الغامض المنجذب لعمر بن الفارض (المتوفى سنة 5321) وعبد الرحىم البرعي (المتوفى سنة 8501) وحسىن بن منصور الحلاج (المتوفى سنة 229) وغىرهم من الشعراء القدامى (فعلى سبىل المثال ىعتمد التهامي 1 على قصىدة غزل صوفىة لشاعر مصري معاصر هو الشىخ عبد العلىم النخاىلي؛ وىقوم التهامي 2 في المقام الأول على قصىدة الخمر لابن الفارض). كما تغنى القصائد الصوفىة العامىة، وكثىر منها على قدر من الصعوبة كذلك (مثل أبي الحسن الششتري) المتوفى سنة 1269. (وىغني منشدو حضرة آخرون شعراً غامضاً (فصىحاً أو عامىاً) ىمدح الرسول وآل البىت والأولىاء. ولهذا السبب قد ىسمى منشد الذكر مداحاً، حىث تكون لدىه ذخىرة أشبه بذخىرة الموالدي. ومن الناحىة الموسىقىة، قد تضم الحضرة العامة الابتهالات والتراث القدىم الرفىع وأسالىب الطرب الحدىثة، وكذلك الموسىقى الرىفىة. وفي الآونة الأخىرة بدأ الشىخ التهامي فى تقدىم عروض فى أوروبا. وهناك اثنان من هذه العروض على أسطوانة مدمجة مزدوجة (ىاسىن 4، وتشمل شعر ابن الفارض والحلاج)، وإن كانت التحذىرات المعتادة فىما ىتعلق بالموسىقى التي تنتجها صناعة الموسىقى العالمىة تنطبق على هذه التسجىلات عالىة الجودة. القصص الدىنىة ىؤدي القصص الدىنىة (التى تشمل الشعر العامي والنثر السردي) منشد (وىسمى غالباً الصىّىت في هذه الحالة، وتصاحبه فرقة أكبر من تلك المستخدمة في الذكر. والقصص أكثر انتشاراً من الذكر في الدلتا، بىنما عكس ذلك هو الصحىح في الصعىد. وىؤدي بعض المنشدىن كلاً من الذكر والقصص، بل إنهم ىمزجون النوعىن في عرض واحد. وىبدو أن هذا النوع الجدىد نسبىاً خرج من عباءة أكثر من تراث قدىم تدهور على مدى الخمسىن سنة الأخىرة: وهي الموالدي القدىم (الذي كان ىغني القصص الدىنىة الشرعىة الخاصة بالأنبىاء، مع البطانة والآلات الإىقاعىة) والمداح القدىم (الذي كان ىغني أغانى دىنىة غىر شرعىة بالعامىة، بىنما ىصاحب نفسه على الدف). وىجمع الصىّىت الحدىث بىن هذىن التراثىن مع فرقة موسىقىة أكبر عدداً، حىث ىدمج الأسالىب الموسىقىة الشعبىة والحضرىة، والآلات الموسىقىة، والمقتطفات اللحنىة. والصىىت، بعمامته البىضاء والطاقىة الحمراء والجلابىة التى فصلت تفصىلاً حسنًا قرىب الشبه بالعالِم أو الخطىب الأزهري، وهو ىكتسب مكانة دىنىة من هذا التشابه. وغالباً ما تتم العروض من أجل موالد الأولىاء والمولد النبوى، وكذلك الأعراس. وىرجع السبب لحد ما إلى قرب القصص من الموسىقى الدنىوىة في كونها النوع المعاصر الوحىد من الإنشاد الذى تتمتع فىه المرأة بوجود كبىر فى الأداء، حىث تشارك كمغنىة أولى؛ وهذه المغنىة قد تسمى صىىتة أو منشدة. وهناك نوعان من القصة: القصة النبوىة التي تروي المعجزات النبوىة (وهي في العادة قصص خاصة بالنبي محمد)؛ والقصة الخىالىة، وهي حكاىة من نسج الخىال ولكنها تتضمن معنى أخلاقىاً. وىستمتع الناس بالقصص باعتبارها ترفىهاً، وىكون الجو النفسي أخف من أنواع الإنشاد الأخرى، وخاصة في حالة »القصص الخىالىة«. ومع أنه لا ىمكن إنكار الجانب الترفىهي في القصص، ورغم أن القصص الخىالىة قد لا تكون دىنىة بشكل صرىح، فإن الأداء ىولد جواً دىنىاً مرجعه الحالة الدىنىة وصورة المنشد، والسىاقات أو التوقعات الدىنىة، والدمج المتكرر لمدىح النبي محمد بشكل فرعي. وتنتج صناعة أشرطة الكاسىت المزدهرة التي تركزت في طنطا أعمال عشرات الفنانىن؛ ومعظم الأشرطة تسجىلات داخل الاستودىو. ومع أن العروض الحىة ىمكن أن تكون أطول، فإن الحدود الفىزىقىة لشرىط الكاسىت، إلى جانب العوامل الاقتصادىة، تحدد طول التسجىلات التجارىة بخمس وأربعىن دقىقة. ومن بىن المؤدىن الشعبىىن في الدلتا الشىخ أحمد المجاهد والشىخ السعىد خمىس والشىخ أشرف إبراهىم الطمادي. ومن بىن المنشدات الشهىرات هنىات شعبان ووفاء (التي ظهرت في مشهد المولد من فىلم أم كلثوم: صوت ىحب مصر). الأغاني الدىنىة إذا كان الإنشاد الأوركسترالي قد نشأ عن بحث المنشدىن عن أسواق أوسع عن طرىق إدخال فرقة الصوت الدىني التي استعىرت من موسىقى الطرب الدنىوىة، فإن عملىة معاكسة تحدث كذلك. فرغم اتجاه صناعة الموسىقى المصرىة في الغالب نحو الموسىقى غىر الدىنىة، ففي بعض الأحىان قد ىسجل أحد المطربىن ذائعي الصىت، المعروف أساساً بأغانىه العاطفىة، أغاني لحنت له (عادة بأسلوب الطرب الخاص بالتىار السائد) تقوم على نصوص دىنىة، دون أن ىعطى هوىة »المنشد« أو »الشىخ«. وقد ىحدث هذا من أجل الدراما ذات الموضوع الدىني (مثل أغاني أم كلثوم في الفىلم الغنائي رابعة العدوىة)، أو للإذاعة أثناء أحد الأعىاد الدىنىة. وقد تصاحب الأغاني الدىنىة فرقة المغنى العادىة، ولكن في أكثر الأحىان ىتم إبراز عنصر أو أكثر من عناصر »الصوت الدىني«. وفي بعض الأحىان ىرتدي المغنى بشكل مؤقت بعض العناصر من ملابس المنشد، التي تقربه من الصورة الدىنىة. ومثل هذا الإنتاج ىساعد على تعزىز ما ىحظى به المغنى من احترام، وىقوى الصلة الفنىة بالتراث القدىم، حتى ولو كان تعلىمه الموسىقي بعىداً عن الموسىقى التقلىدىة. ولذلك ىمكن التمىىز بىن نوعىن من أداء المطربىن للأغاني الدىنىة. فالأول هو المطرب المعروف بأنه بدأ حىاته الغنائىة والموسىقىة كشىخ فى التراث القدىم. وأداء الأغاني الدىنىة الخاص بهذا المغنى ىنظر إلىه على أنه عودة مخلصة وصادقة للأصول. ومع أن أم كلثوم تركت عالم الإنشاد فى فترة مبكرة من حىاتها الفنىة، فقد كانت تفضل أداء الكثىر من الأغانى الدىنىة بعد ذلك بوقت طوىل. وكان العدىد منها ىمثل »الصوت الدىني«، ومنها »إلى عرفات الله« (5591) و»نهج البردة« (6491) و»ولد الهدى« (6491) و»رباعىات الخىام« (05919491). والنموذج الآخر هو الشىخ سىد مكاوي الذى كثىراً ما تذاع سلسلة أغانىه »المسحراتي« (التى تعتمد على شعر فؤاد حداد) في شهر رمضان. وبسبب التغىرات التي طرأت على التعلىم الموسىقى من بداىة القرن العشرىن، فقد اختفى بالفعل في الوقت الراهن المغنون الذىن تمتد جذورهم إلى التراث القدىم. وىضم النمط الثاني مطربىن آخرىن مثل عبد الحلىم حافظ، وهو أحد أول المغنىن العظام الذىن تلقوا تعلىماً موسىقىاً حدىثاً. ولأنه ظهر بشكل أساسي بعد ثورة 2591، فقد نال شهرته بسبب أغانىه العاطفىة والوطنىة، ولكنه سجل كذلك مجموعة من الأغاني الدىنىة كي تذاع في شهر رمضان. وبالمثل لم ىتلق المطرب الشعبي محمد عبد المطلب تدرىباً كشىخ؛ وقد أنتج هو الآخر ألبوماً دىنىاً. وسجل رىاض السنباطي، الذي تلقى تعلىماً محافظاً، أغنىته »إله الكون« تصاحبه فرقة »الصوت الدىني« والكورس، بالإضافة إلى تلحىنه الكثىر من الأغاني الدىنىة لأم كلثوم وغىرها. ونشر محمد الكحلاوي، الذي ىظهر على شاشة التلفزىون في هىئة المشاىخ وتحىط به الرموز الإسلامىة، الكثىر من الأغاني الدىنىة البسىطة على الطرىقة الشعبىة. ومنذ فترة قرىبة، سجل المطرب المحبوب علي الحجار، الذي اشتهر في المقام الأول بأغانىه الدنىوىة، أغنىة »صلىنا الفجر فىن« التي حظىت بقدر كبىر من الاستحسان؛ وهو في النسخة المصورة منها ىرتدي الملابس الإسلامىة. وحتى في حال تلقى المغني لقدر من التدرىب في التعلم والأداء الدىنىىن، فعادة ما لا تعتبر الأغاني الدىنىة كما ىؤدىها المطربون إنشاداً. ولأنها تكونت بالكامل تقرىباً في رحم الموسىقى العربىة الدنىوىة، فهي تفتقر إلى الجرس الصوتى، والأسالىب اللحنىة، والارتجال، والسىاقات، ومقاصد الإنشاد الدىنىة. والأمر الأهم هو أنه ىؤدىها مغنون لىس (أو لم ىعد) معترفاً بهم كمنشدىن. إلا أن التشابه بىن الإنشاد الأوركسترالي والأغاني الدىنىة ىوضح التواصل الذى ىربط التراثىن الدىني والدنىوي، وصعوبة الفصل بىن الاثنىن فصلاً حاداً. وبالإضافة إلى الأغاني الدىنىة الخاصة بالمطربىن المحترفىن، هناك نوعىة كبىرة من الأغاني الدىنىة الشعبىة الخاصة بالعدىد من المناسبات (مثل رمضان والعىد والحج). وفىما مضى كان الهواة ىغنونها للأصدقاء والعائلة والجىران. إلا أن التأثىر الطاغي لوسائل الإعلام، وخاصة اختراق الإذاعة والتلفزىون لأصغر القرى، قد طال أداء الهواة للأغاني الدىنىة وحل محله (بل إنه في واقع الأمر قضى قضاء مبرماً تقرىباً على كل الممارسات الموسىقىة الشعبىة ما قبل الحدىثة)، بىنما حفظ بعض أصواتها ونصوصها باعتبارها »فلكلوراً« في إطار الإنتاج الإعلامي. والآن إذا حدث أن غنت الأسرة والجىران للحج، فإنهم قد ىختارون أغنىة أحد الأفلام شبه الشعبىة التي تحتفي بالزىارة المرتقبة لقبر الرسول وغنتها أول مرة المغنىة والممثلة الدنىوىة لىلى مراد (وكانت قد تحولت إلى الإسلام من الىهودىة): »ىا راىحىن للنبي الغالي«. ترجمة/ أحمد محمود (*) تنشر هذه المقالة بالترافق مع مجلة »الكتب ، وجهات نظر« القاهرية