تشهد الروايات الست التي اعيد نشرها لرشيد الضعيف، بأن عمله الروائي دخل في السوق وبات »إنتاجا« أدبيا ونشريا في آن معا. لا يخفي رشيد الضعيف أنه يهتم بالقارئ، لكنه في الأرجح اهتمام تقني. فرواية الضعيف في آخر الأمر تدور في رأس، بل في وسواس رجل وحيد وقلق. ما من بطولية ولا ملحمية فهناك الدائم الرجل المتوسط الذي يحمل من دون ان يدري اشكالات اخلاقية وسياسية وفكرية تتعداه. صنّاع ومتقن رشيد الضعيف ويعمل غالبا باحتياط وحساب وقدر من الوعي وخطة تأليفية. هكذا تبدو رواية رشيد الضعيف قادرة على ان تكبح نفسها من دون ان تشطح الى الادب او الى الفانتازيا او الى الواقع او الى الغناء. لا تشطح، وما يبقى يصعب تصنيفه، بل يمكن وسمه بالتجنب؛ تجنب الادب والافراط الفانتازي والواقعي والوجداني. ربما هكذا يبقى اسلوب الضعيف خليط نفسه اذا جاز التعبير، المهم ان تسع روايات وقراءات وترجمات؛ كل هذا يجعلني امام مؤلف تكامل بدراية ووصل في الروايات الثلاث الاخيرة الى بصمة واضحة والى صفاء اسلوبي. أسئلة هذا المؤلف هي موضوع هذا الحديث. { انتقلت من الشعر الى الرواية، هذا الانتقال ليس محيرا بل انه يبدو مفهوما، لولا انه لا شعر في رواياتك. ما الذي دعاك الى الانتقال بهذه البساطة بعد ثلاث مجموعات شعرية للرواية؟ اعتقد ان مسألة الانتقال من الشعر الى النثر ليست مسألة فردية، هذه المسألة عامة، انها كما اعتقد ما نسميه هواء العصر. نحن خاضعون، ونحن جزء من ظاهرة تحقق نفسها عبرنا ولسنا صانعين لها او مقررين. بمعنى ما، نحن ادوات هذه الظاهرة، ظاهرة الانتقال من الشعر الى النثر. اعتقد، على مستوى التحليل العام، ان الامر هكذا. اما على مستوى الوعي للأمر، وعلى مستوى الاسباب الشخصية التي يمكن ان اعيها انا كفرد، فهناك عدة اشياء، منها ان الشعر كارثة، الشعر فن معاق، يعتبره الناس فنا معاقا، موضوعيا، يتعامل الناس مع الشعر على انه فن معاق، وعلى ان الشاعر معاق اصيب، ويجب ان »نطوّل بالنا عليه«. هذا واقع، الا اذا بلغ الشاعر ذرى ما. وعندها يخرق ويتحول الى رمز والى شيء مختلف، ولكن ما دون الذرى يبقى الشاعر شخصا معاقا. ثم إننا نذهب كشعراء الى دار نشر بمجموعة قصائد وكأننا نحمل له كيس هموم. هذه أسبابي الشخصية. اما لماذا غياب الادبية عن النشر، فحتى في كتاباتي الشعرية لم تكن هناك ادبية، لم تكن هناك الطرق البلاغية المعهودة. اعتقد ان غياب الادبية عندي متأت من ثوريتي، ومن مفاعيل الماركسية كما كنا نفهمها كنظرية ثورية، كنظرية للتغيير الجذري، للتغيير الابستمولوجي (المعرفي). غياب هذه الطرق البلاغية (غياب الادبية) عن عملي النثري، يعود الى ثوريتنا تلك الآونة، او الى مفهومنا للثورة؛ التغيير الجذري، على مستوى الحياة، على مستوى المجتمع، على مستوى وسائل الانتاج، ديكتاتورية البروليتاريا... إلخ، وفي الوقت ذاته على مستوى الادبية. ابداع بلاغة اخرى مناسبة للمجتمعات اللاطبقية. البلاغة الكلاسيكية هي بلاغة ارستقراطية، وبمعنى ما بلاغة رجعية. اما غياب الادبية فهو ثورة، او ادبية اخرى اذا جاز التعبير. على كل، هذا تحقق في التاريخ العربي المعاصر على مستوى اللغة. غابت ارستقراطية اللغة عن اللغة. اصبحت اللغة العربية لغة شعبية، عندما دخلت الجماهير في التعليم، في الكتابة والقراءة وخصوصا في الخمسينيات والستينيات مع الناصرية والمد العروبي الاشتراكي ومحاولة التحديث الناصرية، صار الناس يقرأون كثيرا، وعندما تدخل جماهير الناس في مكان تغيب ارستقراطيته. هذا شيء لا بد منه. صارت اللغة العربية في متناول الناس، صارت اداة الجماهير، وعندما تصبح اللغة اداة الجماهير تسقط ارستقراطيتها. وهذا امر خطير. أملك عبارتي { ربما وفر جوابك سؤالا آخر عن ادبية النص وأدبية اللغة عندك، لكن يلاحظ قارئ مثلي ان تكتب بلغة تسعى الى ألا تتمرد عليك، ان تبقى باستمرار تحت سيطرتك الخاصة، ان تقول في اللغة تماما ما تريد ان تقوله، ان لا تفلت اللغة منك تماما، وان تكون حاملة دقيقة وأمينة لما تريد ان تقوله؛ بكلمة واحدة ان تكون اللغة ترجمة لأفكارك. السؤال الفوري: هل تشعر بأن اللغة العربية يمكن تطويعها وترويضها وإخضاعها على هذا النحو؟ أليست هناك مشكلة في هذه العملية؟ سؤالك يستدعي عدة اجوبة، ويتناول عدة مواضيع. اولا هذا حلم من احلامي ان استطيع السيطرة على عبارتي. وأبوح لك بأن هذه المسألة بعيدة، حتى الآن. انطباعي حتى الآن انني لم انجح في هذه المسألة، لم اتوصل بعد الى ان أضبط عبارتي وأن تكون عبارتي كما اشاء. اسعى الى اخلاء عبارتي وأسلوبي ولغتي من الادبية. هذا فيه وعي. وهذا الامر باق في من المرحلة الثورية اذا جاز التعبير، وذلك لأسباب اخرى، لأن غياب الادبية بالمعنى الكلاسيكي عن الادب هو انحياز للتاريخ ضد المطلق. وما زلت اعتقد ان خلو الاسلوب من الادبية بالمعنى التقليدي التاريخي هو انحياز للتاريخ. هذا ما زلت اعتقده، ولهذا ما زلت اجهد في ان تكون عبارتي خالية من الادبية. ولكن هذا الامر ليس سهلا، فالامر لا يحدث بقرار فردي. طبعا نستطيع ان نبذل جهدا في ذلك، وهذا مفتاح لتطوير اللغة وللحفاظ على اللغة العربية الفصحى، لأنه لا يمكن الحفاظ على هذه اللغة بدون هذه الجهود، الحفاظ على اللغة العربية الفصحى كلغة قديمة وفي الوقت ذاته كلغة معاصرة تقول ما نحن بحاجة اليه اليوم. هذا من ناحية. من ناحية اخرى، عندما تقول هل اللغة قابلة لهذا الامر (هنا أتحدث تحديدا عن اللغة العربية لأنها لغتي)، نظريا، الامر صعب جدا، تطويع اللغة العربية بالاتجاه الذي تكلمنا عليه، ولكن بالممارسة نحن الكتّاب نحقق اختراقات، وهذا امر لا بد منه، وهذا واقع، وان كنا نظريا عاجزين عن حل الامر. والمهم هو الممارسة، لذلك الحرية هنا ضرورة، حرية التجريب، حرية البحث والمحاولات. الى اي مدى استطعت انا ان أطوّع عبارتي؛ هذا حلم من احلامي، ان اكتب عبارة وأنا اعرف حصتي في هذه العبارة وحصة التراث وحصة التاريخ فيها وحصة الموروث؛ حلمي ان اكتب عبارة كلها حصتي، كلها لي، ولكن هذا امر شبه مستحيل، لا بد من ان يدخل الموروث فيها. { لكن في قصدك لكتابة لغة »لاأدبية«، نفهم لغة قريبة من الشفوي والمحكي، لغة ذات عصب وذات نبض يومي. أنا كقارئ لكتاباتك اشعر بأنك نزعت من اللغة العربية التي تكتبها قدرتها الايحيائية، وابقيت محلها القدرة الدلالية، وبدلا من ان تتوصل الى لغة شارع والى لغة محكية وذات عصب، توصلت الى لغة متساوية تقريرية اشبه بلغة النحاة والفقهاء، وهذا موجود في اللغة العربية، ففيها لغات غير مجازية، لغات تقريرية، لغات النحاة والفقهاء واحيانا المؤرخين والعلماء. لا اوافقك الرأي بأني اسعى الى ان تكون فصحاي قريبة من العامية. العامية مسألة اخرى. نستطيع ان نكتب لغة عربية معاصرة خارج هذه الثنائية (عامية فصحى). في رأيي، يجب اعادة النظر في ثنائية العامية والفصحى، لأن العامية فيها عدد لا يحصى من الامور والعوامل. هناك العامية الصرف، هناك عامية المفردات، هناك العامية الوقف Pause والاصوات... تحت عنوان العامي يندرج مليون شيء. تستطيع في الفصحى ان تستعين بكثير من مكونات العامية التي تعطيها النبض من دون ان تكتب بالعامية. إذاً، أنا لا اسعى الى التقريب، هو التاريخ الذي يسعى الى هذا التقريب. الجماهير العربية التي دخلت في اللغة بلهجاتها هي التي تسعى الى التقريب عبر الصحافة، عبر الاستعمال اليومي للغة... الخ. لا اوافقك على ان كتابتي تقريرية. اذا قرأت »اهل الظل« فستجد كل ما يمكن استعماله من اساليب بلاغية فيه الغنائية، فيه الاستعارة، التشبيه... الخ. ولكن هذه اللغة هي ايضا موضوع الرواية. اذا جاز التعبير فإن بطل الرواية هو البلاغة في »اهل الظل«. كل علاقة حميمة بين رجل وامرأة تعبر عن نفسها بنوع من الغنائية، ببلاغة معينة. انا استعملت هذه البلاغة، ولكني فخختها، جعلتها شفافة لأرى ما وراءها من رغبة في الاذى في كل علاقة حميمة بين رجل وامرأة. في »تقنيات البؤس« الاسلوب مختلف، فقد حاولت تطبيق القول الشهير »لكل مقام مقال«. كتبت بأسلوب مقتصد. عن إنسان مسلوبة انسانيته بسبب الحروب والظروف... الخ. حين اكتب بأسلوب مقتصد لا يكون الهدف تحويل الاسلوب الى اسلوب تقريري، بل ربما الهدف تحويل الاسلوب الى شيء مضاد للعواطف الجياشة، للطرب، التضخيم في الاسلوب الداعي الى الموت، الى القتل الذي عشناه في الحرب. كل هذا الخطاب، وكل هذه البلاغة التي كانت جزءا من الجو الداعي الى الموت، قلت يجب مواجهة هذا الخطاب بأسلوب آخر خال من الطرب الذي يدعو الى الموت باسم الوطنية وباسم الاستشهاد والقضايا... الخ. { إذا كنت تملك وعيا بلغتك، فهل تملك وعيا مماثلا لروايتك؟. اسمح هنا بالقول: لا ادعي ولا يمكن ان ادعي انني املك وعيا كاملا لعملي. كما ذكرت لك، لدي رغبة بأن اكون مسيطرا على عبارتي. وهذا حلمي. ولكن الى اي مدى انا استطيع، فهذا امر آخر. قد يكون ما قلته الآن عن اسلوبي متخيلا. قد يكون اسلوبي شيئا آخر. { قد تكون هذه مجرد تمنيات؟ لا، قد يكون وصفي لأسلوبي مخالفا تماما لما هو اسلوبي في الحقيقة. سيرة الرواية { بالعودة الى السؤال عن وعيك لروايتك، كيف تبني روايتك؟ أريد ان اتكلم بالملموس، كيف يبدأ رشيد الضعيف بضع رواية، وخاصة اريد ان نتكلم عما قبل الرواية وعن فترة إعدادها؟ كل رواية لها سيرتها الخاصة. { الرواية الاخيرة »تصطفل ميريل ستريب«؟ عندما بدأت بتسجيل ملاحظات الرواية التي صارت »تصطفل ميريل ستريب«، لم اكن اتصور ابدا ان هذه الرواية ستكون كذلك. اردت ان اكتب عن امرأة، وقلت هناك اشياء احب ان اقولها في هذا الشأن، خصوصا بعد هذا الانفجار الاعلامي الكوني. الصحون في كل بيت، كل محطات التلفزيون العالمية في كل بيت، كل انواع الرجال والنساء والمشاكل، الكون كله... ما اثر ذلك على الناس، اثر ذلك علي. اذكر اني اول مرة اشتركت في الدش لم انم، اضطربت فعلا من هذا الفيضان... ثم ان عندي تجربتي، الخاصة، علاقتي بطلابي، خصوصا الطالبات. عندما تُطرح مسائل من هذا النوع في الروايات، ورد الفعل عليها، والخطاب التقليدي العربي الديني، كل هذا يدفع الى طرح هذه المسائل. هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى، دائما اقول وأنا اكتب: لا اريد ان ابرهن شيئا ولا اريد ان اظهر شيئا، ولا ان أبشر بشيء. اريد ان اكتب رواية متكاملة، متناسقة، متناغمة، سيالة، على عمق. في البداية فكرت في أن تكون الرواية عن فيلم يجري بالانكليزية، والراوي لا يعرف هذا الفيلم ولا يعرف اللغة. أدار التلفزيون وبدأ ينظر الى فيلم لا يفهم منه شيئا. اردت ان تكون الرواية هي ما الذي قدّره هذا الراوي الشخص الذي يشاهد الفيلم، واذا بي ارى نفسي انجر شيئا فشيئا. حدث يجر حدثا آخر حتى انتهيت الى ما انتهيت اليه. بدأت بأخذ ملاحظات كثيرة من سنين عن هذا الموضوع وجمعت هذه الملاحظات، وحين بدأت بالصياغة النهائية كان هذا الشكل. لم يكن عندي تصور مسبق لذلك. دائما افكر بلعبة ينشد اليها القارئ، بهذا المعنى انا أنصاع نوعا ما للقارئ. فلو لم يكن هناك قارئ بحاجة الى ان ينشد حتى يقرأ لكنت حذفت العقدة، فكرة السيرة، فكرة المصير التي هي وراء كل عقدة. لولا القارئ لما كنت انتبهت اليها ولما كنت عملت عليها، ولكن انت تشتغل على نوع ادبي، لذلك انت بحاجة الى الحفاظ على حد ادنى، خصوصا ان القارئ ليس فيلسوفا، وهو بحاجة لأن يتمتع. لذلك بنيت نوعا من العقدة بما يكفي لشد القارئ كثيرا، ويسمح لي في الوقت ذاته بأن أقول وأن اعتبر من هذه الشخصيات واشرحها كما اشتهي. { هل وضعت تخطيطا للرواية والتزمت به اثناء كتابتها؟ هل ارتجلت شيئا اثناء الكتابة لم تكن سجلته في ملاحظاتك؟ طبعا، هناك اشياء كثيرة. اولا الملاحظات نفسها اصوغها، وفي ما بعد تتحول. فالأخ قد يصبح اختا، القتيل قد يصبح جريحا، الجريح قاتلا... تتحول الاشياء، تطبخ فتخسر المواد التي تؤلف هذه الطبخة طبيعتها الاصلية. اسماء الخلطة الاخيرة، الاحداث نفسها تخسر طبيعتها، لأني اضع في رأسي ان لا اقول الواقع. اريد ان أسخّر الواقع لكتابة الرواية. لا اريد ان تكون الرواية في خدمة الواقع. بالعكس، اريد ان يكون الواقع في خدمة الرواية. لذلك، في رواية »تصطفل ميريل ستريب« سحبت الزمن من التاريخ، ووقعت الحدث الذي يجري بين الرجل والمرأة في الحدث التاريخي الذي اريد، بدون اي اعتبار للكرونولوجيا، للتسلسل الزمني. مثلا التحرير جرى في عام 2000، انا استعملته ووقعت على التحرير على انه حدث وقع في السبعينيات. كسوف الشمس حدث عام 1990، جعلته عام 90. { نهاية الرواية، هل كنت قررتها كما هي، ام ارتجلتها، هل كنت صممت هذه النهاية من قبل؟ هذه النهاية بالذات، لا. اذا رجعت الى مسوداتي فترى اني كتبت رواية اخرى، ثم اعتمدت هذه النهاية. وبعد كتابة هذه النهاية كتبت صفحات ثم وجدت ان الرواية تستطيع ان تنتهي هنا ويجب ان تنتهي هنا. في »ليرننغ إنغلش« غيرت ايضا، فنهاية هذه الرواية كانت فصلا في آخر ثلثي الرواية وكانت النهاية شيئا آخر، ثم بدلت ووضعت النهاية في مكان آخر وأخذت شيئا من الرواية ووضعته للنهاية. احيانا يحدث مونتاج للعمل، وهذا يفرضه العمل ويستدعي جهودا. صرفت وقتا على عملي. كان عندي نوع من الرضى عن هذا العمل. لست نرجسيا الى حد أن ادعي ان كل ما يصدر عني هو موهبة. كلما صرفت وقتا في العمل الذي اقوم به شعرت اكثر بالرضى. { مع ذلك تصدر كل سنة رواية. هل تجد عملك كافيا؟ يا ليت. اصدر كل سنتين رواية. انا عمري ست وخمسون سنة، وعندي تسع روايات وأربعة كتب اخرى. { ولكن متى بدأت تنشر؟ منذ 1979. والرواية في 1983. { يعني بمعدل رواية كل سنتين ونصف سنة تقريبا، وهذا ليس زمنا كبيرا. لست مقلا اذاً. تتحدث عن الجهد الذي تبذله في الرواية وأنت من الكتاب، لا اقول المكثرين، ولكن من الكتاب غير المقلين. انا من الكتاب الذين »يقبضون« عملهم بجد. قلت لك: لا يمكن ان تكون »رِجلا في البور ورِجلآ في الفلاحة«. إما تريد ان تكون كاتب رواية وإما لا تريد ان تكون كاتب رواية. إما تنصرف الى عملك او لا تنصرف اليه. لا يمكن ان تقول اني اريد كتابة رواية في اوقات فراغي. انا شخص غير موهوب. انا احاول ان اعيش ما استطعت كل يوم. مع الأسف، لا استطيع ان اكتب كل يوم او ان اقرأ. ليس المهم ان تكتب كل يوم، ولكن يجب ان تعيش عملك الروائي يوميا ما استطعت. هناك اناس موهوبون يكتبون في اوقات فراغهم ويصدرون روايات. انا لست موهوبا. انا يجب ان اعمل. وعندي قناعة بأن العمل يجب ان يكون يوميا بقدر المستطاع، ويجب ان تكون روائيا. فلا يمكن ان تكون شاعرا وصحافيا واستاذا جامعيا وسائقا في الوقت نفسه. هذا امر صعب. ثم انك بدلا من ان تهنئني وتعتبرني نموذجا ومثلا يجب ان يحتذى، تسألني على سبيل اللوم لأني آخذ الامر بجدية... { كتابتك تتحاشى ان تكون وجدانية وأدبية... الخ. كتابتك تقترب، قليلا او كثيرا، من النقد والحياد، ومع ذلك تكتب معظم رواياتك بصيغة الأنا المتكلم. ما الذي يدفعك الى ذلك، هل هو أمر تقني ام هو أبعد من ذلك، نفسيّ مثلا؟ انتبه، أولا وصفت اسلوبي بالتقريرية، التقريرية ليست شيئا سيئا، لكني لا اعتقد انه وصف دقيق. هناك طاقة شعورية، اسلوبي يحوي طاقة شعورية هائلة. هناك هذا »الهوس« الموجود في هذه الشخصيات التي تفجر الكلام تفجيرا. إذاً، ليس الاسلوب تقريريا بالمعنى البارد. تشعر في الرواية ظاهريا بالحيادية، ولكنها تحوي قنبلة مشاعر. { هذه الكتابة التي تبدو لاول وهلة وكأنها كتابة على مسافة، كتابة واعية وهادئة وممسوكة، تترافق دائما مع صيغة المتكلم... لماذا تلجأ الى صيغة المتكلم دائما في رواياتك؟ سؤال جميل. اذا وضعت نفسي في موضع المحلل للأمر، وابتعدت عن كتبي ونظرت اليها من بعيد كما تنظر اليها انت، فأجد ان هناك ايضا ما يمكن تسميته هواء العصر. أشك في انهيار ما يسمى الايديولوجيات الكلية، ولا اعرف اذا كان صحيحا هذا الانهيار، فوجود الحركات الدينية دليل على ان الايديولوجيات الكلية لم تنهر، لكن ايديولوجياتنا وتلك التي انتمي إليها أنا، هي التي انهارت، ووجدت نفسي وحدي، عارياً من المستقبل. كنت ألبس ثياب المستقبل واذا بي اجد نفسي فجأة عاريا من هذه الثياب. كنا نبني وطنا واذا بنا نجد أنفسنا افراداً من طوائف يخاف بعضها من بعض، وعراة بلا ثياب... اعتقد اني في هذا السياق كتبت بال»أنا« كما كتب كثيرون، ثم اني اعتقد ان ال»أنا« كانت للفت الانتباه الى اهمية الحياة، والحياة هي في فرد. في هذا الزمن الذي تضخم فيه الاستشهاد، كان هناك تضخم في الليرة اللبنانية وفي الموت ايضا. هذا كان ايضا دعوة للناس الى ان ينتبهوا الى ان الحياة جديرة بأن تعاش. هناك موجة في العالم كله للكتابة بالأنا، من الحركات النسائية حتى كل الذين فجعوا بسقوط الاتحاد السوفياتي وما قبل سقوط الماركسية السوفياتية، هناك كثيرون من الناس الذين انتقلوا من العلوم الاجتماعية والانسانية الى الادب، والذين كتبوا قبل بلوغهم مذكراتهم. الكتابة عن الأنا جو. ثم اني احسست فعلا بأنه ليس هناك أعظم مني يكتب عني، وحياتي هي اعظم حياة يمكن ان يُكتب عنها وليس هناك اسمى منها. ربما ليست حياتي اسمى من حياة الآخرين ولكن ليس هناك حياة اخرى اسمى من حياتي. إذاً، أنا جدير بأن اكون مركز الارض. اذا حدث لي مكروه فما معنى كل هذه الارض. أنا المركز بالنسبة الى نفسي. ما نفع القضايا ان لم تأخذ ذلك بعين الاعتبار. وهذا جزء من دعوتي الى الخوف أثناء الحرب. الخوف هو الذكاء. ليس الخوف بمعنى الجبن ولا الخيانة. الخوف هو الشجاعة بالذات، ان تدعو الى الخوف في زمن جنون القتل وجنون الموت. كان هذا وقوفا ضد التيار، عندما كان الناس يموتون يوميا بالمئات، كنت اخاف من دون خجل. وأنا كفرد، اذا نظرت في سيرتي الشخصية من أنا واين كنت اسكن، تجد انني لست »خوّيفا«. أنا من هذه الناحية، من القلائل الذين لا يخافون بمعنى الجبن. هذا من ناحية. من ناحية اخرى، أشعر بالارتياح عندما اكتب بالأنا، لم اقرر ذلك. اجرائيا، عندما اتمثل حالة الآخر واتصوّر نفسي في هذا الموقع يستطيع قلمي ان يجري بسهولة اكثر. اجد لغتي بسهولة اكثر. عندما اسمع مثلا ان فلانا خانته زوجته، اضع نفسي مكانه، هذا يسهل عليّ إلقاء الكلام. او اسمع ان فلانا حاول اغتصاب فلانة واكتشفه اخوتها، اضع نفسي في مكانه فتصبح الكتابة عندي اسهل. هذا بالاضافة الى اللعبة الروائية التي هي التراكم، تراكم اللذّات. فمن يقرأ الرواية فهو شخص بصاص يحب البصبصة، وكل قارئ رواية هو »بصاص«. وانت ككاتب روائي يجب ان تلبي هذه الرغبة. اصلا فن الرواية قائم على رغبة الناس في البصبصة، يريدون ان يعرفوا مثلا ماذا يجري بين الرجل وزوجته. أنا اوهم القارئ أنها سيرة ذاتية وفي الوقت ذاته اكتب رواية، وهذا الجمع بين الاثنين يزيد من رغبة القارئ في القراءة. الوسواس { اشعر بأن تقنيتك الروائية قائمة على الحذف، مما يجعل هذه التقنية ممكنة وسهلة. فأنت تبدأ بالأنا فتحذف الاخر، ثم تجلس في رأس بطلك فتستغني بذلك عن وصف مباشر ودائم لحياته... ممكن... {... وبالتالي تبدو الرواية كأنها حياة داخل رأس بالاحرى وسواس شخص. شخصياتك دائما موسوسة، ومادة روايتك هي الوسواس. دائما هناك أناس موسوسون. ما علاقة هذا بك؟ ما هو الدافع الذي يجعلك تركز على وساوس الآخرين، وهي وساوس واضحة تماما، وتكاد تكون متسلسلة، وهي بهذا المعنى وساوس مرضية، لفرط تسلسلها وعقلانيتها البرهانية ودقتها. لماذا دائما يسيطر عليك هذا الشغف؟ لا شك في أن كل هؤلاء الابطال، او هذه الشخصيات التي اتكلم عنها، قد تكون تشبهني. { هل تشبهك أم لا؟ لا شك في أنها تشبهني في مكان ما. ليست نسخة عني، ولكنها تشبهني في مكان ما او تشبه شخصا اخاف ان اكونه. حين تكتب عن شيء يخسر واقعيته وحدثيته التاريخية، ويتحول الى سياق. وحين يتحول هذا الشيء الى سياق وسياق لغوي وروائي لا يعود حقيقة. يكفي ان تغيّب جزءا من فاصلة في حدث ما لتغيره كله. احيانا بل كثيرا ما تغير الضرورة اللغوية في الحدث ذاته. مثلا خذ عبارة »حلا بقا كل واحد يقعد محلّو« او: »حلا بقا كل واحد يبقّ اللي ببطنو«؛ الفكرة تأتيك بهذا الشكل وانت تجلس لتكتبها بالفصحى، واذا بك ترى ان الامر تحول، وهذا الضغط الناتج عن الفكرة التي وجدت لنفسها تعبيرا عاميا تحولت الى تعبير فصيح وصارت شيئا آخر. عندما يتحول اي حدث الى لغة، وخاصة اللغة الروائية، يخسر واقعيته التاريخية. بهذا المعنى، الى اي مدى تشبه الكتابة الكاتب، فهذا امر خطير. { هذا الميل الى وصف الهوس او كتابة الهوس، هل هو بحد ذاته امر هوسي؟ لا اعرف الى اي مدى نستطيع ان نتكلم بكلام التحليل النفسي في هذا الموضوع. { كقارئ لك، أرى ان التقنية تلعب في عملك دورا فريدا... وهذا ضد الهوس. {... الهوس امر منطقي جدا من داخله، ولكن دعنا من هذا الموضوع. ... ولكن تحويله الى امر فني يحتاج الى خروج من الهوس وتحرير منه. { الهوس يملك بنية عقلية ومنطقية جدا ووضوحا كبيرا، وهو ما يتجلى في كتابتك. وصفه من بعيد دخول في العلم، ولكن تحويله الى امر فني يحتاج بلا شك الى الابتعاد مسافة عنه، مثل فيلم »فوق عش الكوكو« الذي يصف مجانين، ولكن لا يمكن ان يكون مجنونا من يصف هذه المجموعة المجنونة. { اريد ان أنتقل الى تقنيتك، فالتقنية تلعب دورا في روايتك وتسمح لها بأن تبدو متكاملة عمليا، وتسمح لقراءة الرواية بأن تتم بمتعة وسهولة. ولكن ما لاحظته ان رواياتك الثلاث الاخيرة تبدو مشغولة بالتقنية ذاتها تقريبا. هناك شخص يبدأ بمواجهة حدث، وهذا الحدث تجري مراجعته مرارا وتكرارا في حركة التفافية الى ان نصل اخيرا الى النهاية. ألا تبدو هذه التقنية وكأنها تجعلك تقدم الحرفية في العمل، على غيرها. هل ترى ان وجود تقنية واحدة يجعل العمل اسهل؟ سؤال تصعب الاجابة عنه خصوصا ان هذه الملاحظة اعتقد انها صائبة، لا ادري ماذا استطيع ان اقول. لا شك في أن ملاحظتك في محلها. { اريد ان ادخل قليلا في الرواية الاخيرة »تصطفل ميريل ستريب«، لماذا هذا الاسم الذي لا يطابق الرواية بحال، ولا مكان له في الرواية؟ لا اوافقك. بالعكس، اعتقد ان هذه التسمية من صلب الرواية. { كيف؟ التمثل بالمرأة الغربية شيء اساسي في هذه الرواية. الزوجة العروس مَرْبى التلفزيون، تعرف الانكليزية وتفهم الافلام بالانكليزية، وتمضي الوقت في مشاهدة التلفزيون. هو لا يفهم الانكليزية، وهذا الفيلم الذي شاهده »كرايمر ضد كرايمر« كان نوعا من مرآة بالنسبة إليه، ووجد نفسه في الوضع ذاته تقريبا. من هنا كانت التسمية، ثم هناك قصة الطلاق. ففي الرواية موضوع طلاق، ويبدو ان المرأة هي التي تنتصر فيه وتتصرف كأنها هي الرجل وعلى انها حرة. على انها كشخص كامل متكامل حر في اتخاذ القرار، واتخذت قرارها غير عابئة بكل ما يمكن ان يقال، واستطاعت ان تُقنع، على ما يبدو، امها واخوتها، وذهبت الى الخليج. لا اعتقد انك على حق. فاسم ميريل ستريب اساس في الرواية. وموضوع فيلم »كرايمر ضد كرايمر« اثار ضجة في الولايات المتحدة بنقاش حول كيف يحكم القاضي لامرأة تترك زوجها وولدها ستة اشهر او سنة (نسيتُ) ثم تعود لتطالب به ويحكم لها القاضي بحضانة الولد. كراهية الجنس { في هذه الرواية يبدو ان هناك لاول وهلة قدرا من الاباحة، ويمكن للقارئ ان يشعر لاول وهلة بأن الكتابة متجرئة في هذه الناحية وهي فعلا متجرئة . ولكن الانطباع الآخر الذي يمكن ان يشعر به المرء هو ان هذه الاباحة هي نوع من الحفر في عالم مظلم ومكروه، نشعر بقدر من كراهية الجنس. هناك جرأة، بلا شك، ولكن لا ادري ان كانت كلمة الاباحة هي الكلمة المناسبة. هذا امر شديد الجدية، وليست المسألة مسألة إباحة ام لا، هذا الامر شديد الجدية، ففي الكتب القديمة الجدية التي تتناول مصائر الناس من زاوية دينية وفقهية... هناك وصف للاشياء ربما ليس بأقل من وصفها في هذه الرواية، وليست اقل جرأة، ولكن ضرورات الموضوع تفرض الكلام بهذا الشكل. إذاً، ليس الهدف منها هو الاستفزاز الجنسي والاثارة الجنسية اطلاقا. لذلك شعرت انت بأن الجنس فيها شيء مكروه، لان هذه اللحظة الحميمة بين الرجل والمرأة بين زوج وزوجته في هذه الرواية هي لحظة صراع اخلاق، بين الاخلاق الجديدة المتمثلة بالمرأة، والاخلاق التقليدية المحافظة المتمثلة بالرجل. هذه المرأة تغيرت ولم تعد المرأة التي في رأسه، لا يستطيع ان يرى هذا التغير ولا يرىد ان يراه ولا يريد ان يعترف به، ولا يريد ان يستنتج، من طريقتها في التشبيه، انها مختلفة عنه، اسلوبها في الكلام مختلف عن أسلوبه، عندما يريد هو ان يتكلم عن غياب الشمس يتكلم برومانسية كتبية؛ الغروب، النعومة، اللطف... الخ. بينما هي تشبهه بشيء مختلف تماما، شبهته بالعضو الذكري. هو لم يستنتج شيئا من هذا لانه لا يريد ان يعترف بأنها مختلفة عنه الى هذه الدرجة. هو صاحب ثقافة كتبية ومبسطة جدا ويعتقد بناء على ذلك ان الزواج يعطيه سلاحا ويحصنه ويجعله في مركز اقوى تجاه الزوجة، واذا العالم قد تغير. في هذه اللحظة الجنسية الحميمة هناك صراع، هذه اللحظة التي تتكثف فيها المشاعر، تبدو فيها الخلافات باكثر ما يمكن، وفي هذه اللحظة يكبر شعوره بتملك ماضيها ويتعاظم، وتصبح كل احاسيسه يقظة، مشحوذة، وهي كذلك ايضا. ولذلك يقع الاصطدام. هو يسعى الى بكارتها النفسية والجسدية وهي تسعى الى نوع آخر من التفاهم ضمن الزواج، وسوء التفاهم لا يُحَل، يتحول الى عنف. بهذا المعنى، كلمة إباحة خارج الموضوع. الوصف الجنسي هو هنا وصف وظائفي، لذلك أنا معك حين قلت انه قد يبدو ضد الجنس. وفي النهاية الإنسان يقرأ حسب ثقافته ومزاجه، ولكل شخص ان يتصور ما يشاء، فالرواية ملكه، واحيانا الكاتب هو اقل من يعرف عن كتابته. { أين تضع نفسك في الرواية؟ هل تضع نفسك ضمن سلالة روائية؟ في الاول، في المقام الاول (مقهقها). {... ضمن سلالة لبنانية، ضمن الرواية الفرنسية الجديدة، ضمن سلالة كافكاوية، اين تضع نفسك اذا كنت تضع نفسك؟ صعب جدا ان اضع نفسي في مكان ما، وان اجعل مسافة كافية بيني وبين اعمالي. هذا ليس امرا سهلا، ولكن اعتقد اني خليط. { هل تستطيع ان تسمي مثالات روائية؟ طبعا عندي مثالات روائية، فأنا اعشق جويس واعشق فوكنر، واعشق الكلاسيكيين الروس، اعشق كافكا، احببت ميشينا كواباتا. { لا احد من الروائيين الفرنسيين الجدد مثلا؟ اشتغلت على الرواية الفرنسية الجديدة، لم احبها ولكني اهتممت بها كثيرا، لاني من المولعين بقراءة الاشياء الصعبة. { هل احببت تنظير الرواية الفرنسية الجديدة اكثر من أدبها؟ بلى، كنت في عز مشاكلي مع النظريات عندما قرأت التنظير للرواية الجديدة، رأيت التنظير في حدوده، ورأيته تنظيرا يسارويا جدا، فرض الذات على العالم، هكذا يجب أن تكون الرواية. ألن روب غرييه في كتيبه الصغير »من اجل رواية جديدة« او »معاصرة«، يحدد انه يريد ان يصنع إنسانا جديدا. وهكذا يجب ان تكون الرواية، اطلعت بدون ان أؤخذ او استسلم، حاولت ان افهم من دون ان استسلم. لم تكن قراءتي كما قرأت الماركسية التي كنت اقرأها بنهم، وأستسلم لها وأتشربها. قرأت الرواية الفرنسية الجديدة بعين يقظة، لذلك أعجب ان يجد احد شبها بيني وبين الرواية الفرنسية الجديدة، وأشعر بأن من يشبّهني بها عنده كسل عقلي.