كمال عبد الجواد، مدام بوفاري، جان فالجان... الخ، أسماء شخصيات روائية، خطّها ذات يوم روائيون، كأبطال لرواياتهم، بيد ان قدرهم خرج من إطار الرواية، ليصبح قدرا قائما بذاته. لم يعد هؤلاء مجرد اسم عادي، يقع في ضفة كتاب، بل وكأنهم تحولوا، الى »حقيقة«، نعود اليها، كلما دعت الحاجة، اي وكأنها أصبحت في هذه الذاكرة الجماعية، تتنفس وتأكل وتمشي بيننا.. من هنا، هل للاسم معنى في الرواية، او ايضا كيف يختار الروائي اسما لشخصياته الروائية؟ هل حين يسميه، يكون يبحث عن دلالة اجتماعية او طبقية او حتى طائفية؟ العديد من الروائيين يقولون ان الشخصية ليست سوى صنو للكاتب نفسه. لا أحد يستطيع نسيان ما قاله فلوبير ذات يوم من ان »مدام بوفاري، ليست سوى أنا«. عبد الجواد بدوره، يحمل الكثير من ملامح محفوظ. وصحيح ايضا ان العديد من الروائيين الآخرين، يجدون ان الاسم ليس سوى وسيلة اتصال، اي انه، وإن كان لا يحمل ملامح الكاتب نفسه، إلا انه أشبه بوعاء، يتضمن بعض الأفكار التي يرغب في التعبير عنها. من هنا، ايضا، تحولت الأسماء الى اكثر من مجرد تسمية. أصبحت هذه الحيوات الحاضرة فينا، التي تقودنا، عبر متاهات وغياهب الكتابة، لتوصلنا الى قلب الموضوع. ثمة أمر آخر، لا بد من ان يطرحه المرء، على نفسه، خلال القراءة: من أين يرسم الروائي ملامح شخصيته؟ قد تكون اكثر الاجابات حضورا، أنه يستوحي من محيطه. قد يكون الأمر، على جانب كبير من الصحة والدقة، لكن هل يرسم الروائي الشخصية كما هي عليه، حين لا يكون الأمر، مجرد كتابة سيرة ذاتية؟ لنعد الى بوفاري، نعرف أنها تحمل ملامح فلوبير. بيد ان الروائي لم يقدمها في حالتها الخام، إذ أضاف الكثير عليها، اضاف الكثير من التراكيب، لتصبح حاضرة وجاهزة، بحسب الصورة التي رغب في رسمها. وحين لا تكون الشخصية الذاتية هي المسيطرة، لا بد من ان يجنح الروائي، في بعض الاحيان بالطبع، الى اللجوء الى محيطه الأقرب، الذي يعرفه، ليستمد منه. مع العلم بأننا لا نخفي هنا، ان الكثيرين من الروائيين، لا يلجأون الى المحيط الأقرب، بل يعملون على رسم الشخصية، من خلال تحقيقات واستقصاءات. على كل، »كيف تختار اسم شخصيات الرواية«، و»هل تستوحي في بناء الشخصية في محيطك الأقرب، اي العائلة: الأب، الأم، الابنة..«؟. سؤالان توجهنا بهما الى عدد من الروائيين، منهم من استجاب، ومنهم من اعتذر عن المشاركة. لكن بعيدا عن ذلك، تبدو لنا الاجوبة الموجودة، وكأنها اضاءة حقيقية على عمل الروائي، إذ ينبع الجواب، من قلب الهمّ الروائي، ومن قلب هذه المحاولة في رسم العوالم والمناخات، التي تسحرنا، والتي تقودنا الى قلب عالم لا يزال بحاجة الى الكثير من السبر... { عبد الرحمن منيف: جذر تاريخي للأسماء في أحيان كثيرة هناك نوع من الجذر سواء كان الأمر من حيث المعرفة او التقدير، اي ان يكون الاسم اكثر انطباقا وأكثر دلالة على الحالة التي تتم معالجتها. بيد ان الامر لا يشكل قانونا دائما، من المحتمل ان يتغير الاسم نفسه، في بعض مراحل الكتابة، إذ يضاف اليه شيء ليعطيه بعض الملامح، ليغنيه، او ليعطيه دلالات اوضح او أقوى. وفي نفس الوقت، هناك الذاكرة التاريخية المحملة بكمّ كبير من الأسماء التي لها نوع من الدلالات في ذاكرة الكثيرين؛ مثلا، الهذال، في »مدن الملح«، انه نموذج كان في الذاكرة، في زمن معين، وله أيضا، الجذر التاريخي في مرحلة معينة. لكن أضيف إليه ونقل من موقعه الأساسي وأجريت له تعديلات كثيرة ليعطي نوعا من الاضافات يمكن ان تساعد على ان يكون له دلالات محددة في الرواية. الشيء ذاته يمكن ان يقال عن أسماء اخرى. في »مدن الملح« ايضا، مثلا »وضمة« زوجة متعب الهذال، الذي يدل على نوع من المكر، طريقة تركيب الاسم هنا تعطي مغزى لا يخطئ هذه الدلالة، كما انها تستنهض في الذاكرة نوعا من المقارنة وإرثا من الاشارات. ومن الطبيعي في احيان اخرى، ان يأتي الاسم عفو اللحظة، ويصار له تكوينه الخاص، والذي يمكن ان يدور بحسب العمل نفسه، كما »عساف« في »النهايات« او »مرزوق« في الاشجار او رجب اسماعيل. هؤلاء، في البداية، كانوا غفلا، بلا ملامح، بلا حدود، لكن من خلال الحدث، اكتسبوا ملامح اضافية، شكلت لها بالتالي، علامات ودلالات لها معنى. قد يشكل المحيط أرضية لأي كاتب ولأي مبدع، يمكن ان يشكل له مواد أولية، بحاجة الى صقل واضافات وتغيير في الملامح والتصرفات، ليكون أغنى وذا دلالات وليخرجه من الحالة البسيطة الى حالة مركبة بحسب ما يقتضيه العمل، ومن الطبيعي في أغلب الاحيان، ان لا يثير هذا الموضوع، حيرة كبيرة، اذ الاسماء التي يبحث عنها الكاتب في الغالب ذات كم ضئيل. من هنا، تبدو خياراته كبيرة. { الياس خوري: الأسماء إيقاع أولاً في روايتي »مجمع الأسرار« مقطع يحلل أهمية الأسماء في الروايات، وفيه رويت كيف كان تشيخوف يطلب من أمه أسماء أناس من القرية كي يضعها في قصصه، وفيه رويت أيضا عن كاتب لبناني كان خلال الحرب الاهلية يسجل أسماء الجرحى والقتلى التي يبثها الراديو من أجل استخدامها في رواياته. الأسماء مهمة جدا في رواياتي على المستوى الايقاعي. المضمون في الأسماء لا يعنيني كثيرا ولم أعتن الا باسم واحد هو أليس في رواية غاندي الصغير لأنه يشبه اسمي. في مرات، أشعر بأن بعض الأسماء لا تلائم الشخصيات فأعمد الى تغييرها أثناء كتابة الرواية، لكن في الغالب تأتي الأسماء منذ البداية وهي تشكل بالنسبة إلي دليلا كي أتعرف الى الشخصية وأدخل في أغوارها. الحقيقة أنني أستوحي من كل شيء، وحين نتكلم غالبا عن الخيال فانه يعني ذاكرة مفككة أي ان العنصر الأساسي للخيال هو تفكيك الذاكرة واعادة تشكيلها من جديد. لذلك فأنا أستخدم كل شيء، ثم اكتشف ان المزيج الذي ينتج عن هذه الذاكرات المتشظية ينفصل عنها ويكوّن لنفسه عوالمه وذاكرته الخاصة. { حسن داوود: شخصيات لا تحتاج إلى اسم في أحيان، فيما أنا مستغرق في الكتابة أجد أنني قطعت شوطا من دون ان أسمي بطل الرواية. في »أيام زائدة« مثلا، لا اسم للرجل التسعيني الكهل. أُرجع ذلك الى أنه هو المتكلم أي أن لا أحد يناديه او يسميه. ثم ان خلو الرواية من الحوار يجعل من ذكر الأسماء مستبعدا. في روايات اخرى مثل رواية »روض الحياة المحزون« أجدني مختارا أسماء للشخصيات مثلما أختار اللغة التي تصف حركات الناس وسكناتهم. في رواية أتكلم فيها عن نزاع بين عائلتين في قرية شيعية ينبغي للغة ان تكون قرآنية محتشمة حافلة بأصداء قديمة. الأسماء ايضا اكتست ذلك البعد الزمني نفسه فكان يعقوب مثلا الاسم الدال على قدم ما، وكذلك الحاجة قنوع الدالة هي ايضا على غربة واختلاف عن عصرنا هذا الذي نعيش فيه. هذا البعد الزمني لا ينطبق طبعا على ماتيلد ومدام لور وابراهام في »بناية ماتيلد«. هذه الاسماء بعضها محوّر عن الاسماء الحقيقية للناس الذين في الرواية بدوا كأنهم يعدون أدوارهم بأنفسهم. في احيان أجدني أبقي الاسم على حقيقته لأعود فأغيره الى اسم يشابهه عند الانتهاء من كتابة الرواية. أذكر هنا ان في »بناية ماتيلد« لم تحظ الشخصية الرئيسية، وهي عمتي، باسم، مع انها ليست المتكلمة او الراوية. كنت أحسب ان اضافة اسم علم الى كلمة عمتي سيشوش الصورة (صورتها) التي ينبغي لتلك الكلمة الواحدة ان تمثلها. في ما خصني يبدو تكوّن الشخصيات متفاوتا، فبعضها كما في شخصيات »غناء البطريق« متخيل مخترع على نحو شبه كامل. في روايات اخرى مثل »أيام زائدة« و»سنة الأوتوماتيك« كانت الشخصيات مزيجا من الحقيقة والاختراع، ذاك انه من الصعب تماما، لتكون الرواية رواية لا سيرة، ان تحتفظ الشخصيات بملامحها الحقيقية. إننا نأخذ الناس الى الرواية، اي اننا نضفي عليهم ما يجعلهم مختلفين وما يقلّل من ثقلهم الواقعي. في احيان يخطر لي ان أجمع شخصيات متعاقبة جدا وابنا وحفيدا في شخصية واحدة. يعقوب في »روض الحياة المحزون« هو والد جدي وجدي وهو أنا ايضا حين وقف أمام الحاجة قنوع متهيئا لأخذها. في اقامة هذه الوحدة بين التسلسل النسبي وجدت ان الرواية توصلني الى قرب مع جدي الأبعد لم أكن مستطيعا تمثله من دونها. اذاً الشخصيات هي مزيج من بشر حقيقيين ومن أبعاد تغيرهم عن أنفسهم. لوهلة كنت أظن ان الشخصيات الروائية هي دائما هكذا، في روايات الكتاب جميعهم. حتى انني في ما خص شخصيات تبدو من تأليف المخيلة وحدها احيانا مثل دون كيشوت او آخاب او ك، هذه الشخصيات التي تبدو كما لو انها من صنع التجريب أحسب دائما ان لها نموذجها الأول الابتدائي في الحياة. { رجاء نعمه: الأسماء في البداية والعناوين بعدها عندما تلمع الشخصية في ذهني، أتساءل أي الأسماء يليق بها. أستعرض أسماء عدة، وفجأة يخرج اسم ينطق بها. احيانا، أحاول تغييره، تبديله، لكنني سرعان ما أجد أنه لا يليق بها. انه غير مناسب. مثلا، في روايتي الاخيرة »حرير صاخب«، بدلت اسم بطلتي، لم يكن هكذا. وبعد ان كتبت قسما كبيرا من الرواية، اكتشفت ان هناك أختين كما في الرواية تحملان الاسم نفسه. اختان لا علاقة لهما بالقصة، لا من قريب ولا من بعيد. استغربت تشابه الأسماء، فاضطررت الى تغيير اسمي الاختين، مع العلم بأنني حاولت جعل الاسم قريبا من الاسم الحقيقي. الاسم يأتي في البداية، على عكس العناوين التي تجيء في النهاية، ومن قلب النص. معظم شخصياتي، شخصيات متخيلة، ولكن هناك بالطبع ايحاءات من الواقع، لكن من غير الضروري، ان يكون هذا الايحاء من أقربائي. أريد ان أذكر هنا، ان واحدة من بطلتي روايتي الاخيرة، تشبه واحدة من بنات أختي، أي تلك التي طلبت يدها وهي طفلة، الشبه الوحيد، يكمن هنا، في هذا المقطع، ليس أكثر. الايحاء هو هنا، لكنني حين ركبت الشخصية كانت مختلفة تمام الاختلاف. كذلك، نجد شخصية الطبيبة. تعرفت ذات يوم إلى طبيبة، تشبه بداية شخصيتي، لكنني حين بدأت الكتابة، كانت الشخصية مختلفة كليا ولا علاقة لها بالأمر، حتى ان الطبيبة الحقيقية، ليست لبنانية، وهي من بلد بعيد عن لبنان. { جبور الدويهي: أتفادى الأسماء الشائعة أحب أن يكون الاسم منسجما مع معطيات الشخصية، إذ أبحث عن اسم له علاقة بمعطيات هذه الشخصية التي أرسمها وأكتبها. أتفادى دائما الأسماء الشائعة في بعض الأدب اللبناني التي ليس لها اي هوية طائفية، اذ أحسّ وكأنها تفقد شخصيتها بالمناسبة. من المستحيل ان أصف شخصية لم أكن أعرفها شخصيا، على الأقل، ان أفترض انها هي. مع العلم بأنني أضيف إليها، او أنقص منها، أعدلها، أحذف منها، أنوعها، لكن في الأساس، هناك شيء حاضر في ذهني، أعرفه. { إيمان حميدان يونس: يغدون شبيهين بأسمائهم لا أختار في رواياتي اسماء تجريدية. إذ ان »أسمائي« لها علاقة، بل مرتبطة بالشكل والشخصية. عندما أختار الاسم، أحاول أن أجعله يليق بهذه الشخصية التي أكتب عنها. بل أكثر من ذلك، تصبح الشخصية تشبه الاسم، أي هناك علاقة جدلية بين الاثنين. الأسماء التي أختارها، هي الأسماء التي أغرم بها أولا، ونادرا ما أستعمل أسماء لا أحبها. حتى الشخصيات التي لا أحبها، السمذجة، أختار لها أسماء أحبها، أي أحاول الا أظلمها. لا أستوحي فقط من المحيط الصغير، العائلي، بل انني استوحي ايضا، من المحيط الكبير، ولكنني بالطبع، أعدّل فيها. مثلا، هناك امرأة أعرفها جيدا، اسمها بدر (في الواقع) وقد جعلت اسمها شمس في روايتي الثانية، أي انني لم أستعمل الاسم نفسه، كما أنني عدّلت ايضا في تكوين هذه الشخصية. ثمة أشخاص وأسماء تبقى عالقة في ذاكرتي لأسباب أجهلها، وهي تبقى معي لغاية ان أكتب الرواية، عندها تخرج الى العلن. مثلا، هناك اسم سارة، الموجود في روايتيّ الأولى والثانية، وربما سيكون موجودا في روايتي الثالثة، أما السبب؟ فلا أعرفه.