تجدد السجال حول الاستنساخ البشري أمس مع اعلان شركة أميركية انتاجها لخلايا »لاغراض علاجية«، مخترقة أحد الحواجز الطبية والقانونية ومثيرة عواصف من الانتقادات لما لهذه الخطوة من محاذير علمية وأخلاقية على الرغم من التشديد على ان الخطوة الجديدة لا تعني قرب ظهور كائن بشري مستنسخ. فقد أعلنت شركة »ادفنسد سيل تكنولوجي« الأميركية انها نجحت في استنساخ جنين بشري بهدف انتاج خلايا منشأ لاغراض علاجية. وقالت الشركة في بيان بثته على موقعها على الانترنت ان »نتائجنا الأولية تمنح وزنا للنظرية التي تؤكد ان إعادة برمجة الخلايا البشرية ممكنة«. واوضح فريق الباحثين في مقالة ستصدر في مجلة »ساينتيفيك أميركان« العلمية المتخصصة انه »بعد أشهر عدة من المحاولات، دخلنا مختبرنا في 13 تشرين الأول 2001 لنشاهد في المجهر (...) أول أجنة بشرية يتم انتاجها بواسطة تقنية زرع النواة المسماة أيضا استنساخ«. وأشار الباحثون الى انهم نجحوا في عملية زرع نواة خلية في بويضة منزوعة النواة مسبقا ما أدى الى تكون اجنة وصل بعضها الى مرحلة ست خلايا. وتعمل الشركة على انتاج خلايا منشأ لاستخدامها للشفاء من امراض وقد لجأت أيضا الى تقنية التشكل البكري التي تسمح بنمو جنين انطلاقا من بويضة عذراء وتؤدي الى انتاج كيس خلايا اصلية (بلاستوسيست) يحمل ارثا جينيا معدلا. ويشكل الكيس الاصلي جنينا بين 5 و10 أيام من العمر. وشددت »ادفانسد سيل تكنولوجي« التي يقع مقرها في مدينة وورسستر في ولاية ماساتشوستس وتعمل في مجال التكنولوجيا الحيوية، عن أملها في ان تكون هذه التجربة رائدة في علاج أمراض تتراوح بين مرض باركنسون وحتى نوع من داء السكري يصيب صغار السن. وقال نائب رئيس قسم التطوير العلمي والطبي في الشركة روبرت لانزا في بيان »لا نعتزم انتاج كائنات بشرية مستنسخة ولكن نسعى بالاحرى الى تطوير طرق علاجية تنقذ حياة البشر من مجموعة متباينة من الأمراض منها السكري والسكتة الدماغية والسرطان والايدز والامراض التي تتضمن ضمورا في الاعصاب كداء باركنسون والزهايمر«. لكن الاعلان اثار انتقادات فورية ممن يخشون ان تؤدي التجربة الى انتاج مستنسخات بشرية. وكان الكونغرس الأميركي حظر جميع أنواع استنساخ البشر. ويعكف مجلس الشيوخ الأميركي على صياغة قانون جديد في هذا الشأن. وقالت الشركة انها استعانت لأول مرة بتقنيات الاستنساخ لتكوين كرة دقيقة من الخلايا يمكن استخدامها كمصدر للخلايا الجذعية وهي خلايا الأساس الأمية التي يمكن ان ينشأ عنها أي نوع من أنواع الخلايا في الجسم. واوضح المدير الإداري في الشركة مايكل وست لشبكة »ان.بي.سي« التلفزيونية الأميركية ان »من الوجهة العلمية والبيولوجية فإن ما نستحدثه لا يمثل كائنات بشرية. انها احدى صور الحياة الخلوية. انها ليست حياة بشرية«. ويحظر القانون الفدرالي الأميركي استخدام أموال دافعي الضرائب في مجال استنساخ البشر الا ان شركة »ادفانسد سيل تكنولوجي« شركة خاصة يمكنها انفاق أموالها على أي وجه تشاء. وقال جو سيبيلي نائب رئيس الشركة والذي قاد البحث ان فريقه البحثي استخدم الأساليب التقليدية في التكنولوجيا الحيوية في صورة بويضة ادمية انثوية وخلية من البشرة الادمية الذكرية. وقام الفريق البحثي بنزع المادة الوراثية »د ان ايه« من نواة البويضة ووضعت مكانها المادة الوراثية المستخلصة من نواة الخلية البالغة. وبدأت البويضة تنمو كما لو كانت قد اخصبت بحيوان منوي ولكن بدلا من ان تتخصص الخلايا مكونة جنينا تكونت كرة من الخلايا. وكان نفس الاسلوب قد اتبع لاستنساخ اغنام وماشية وقردة. ولم تذكر الشركة ان كانت قد نجحت في استخلاص خلايا جذعية جنينية من المرحلة الجنينية المستنسخة. والابحاث المتعلقة بتكنولوجيا الاستنساخ والخلايا الجذعية من المسائل الخلافية الشائكة حيث يضع العلماء أملهم في الخلايا الجذعية لامكان الاستعانة بها في علاج الكثير من الأمراض منها السرطان والايدز. ومن المصادر الأساسية للحصول على الخلايا الجذعية المراحل المبكرة للاجنة المتمثلة في عدد قليل من الخلايا في صورة كريات صغيرة. ومثل هذه الاجنة التي تستخدم عادة في عمليات الاخصاب خارج الرحم او ما يعرف بأطفال الأنابيب فيجري التخلص منها وهو الأمر الذي اثار معارضة. وقالت ماري ان ليبرت ناشرة الدورية الالكترونية »أي بيوميد« التي اوردت التقرير »انها حقا علامة بارزة في مجال الاستنساخ العلاجي«. أضافت في البيان »هذه النتائج الأولية التي تضيف مصداقية ووزنا الى امكان إعادة برمجة خلايا الإنسان ذات أهمية بالغة في ضوء تزايد الاهتمام بمجال طب التكاثر«. وأوضحت الشركة انها استحدثت جنينا يحتوي على ست خلايا فقط إلا ان العلماء يقولون انه لو وضع مثل هذا الطور الجنيني المبكر في رحم امرأة لامكن ان يصبح جنينا كاملا. وعلى الرغم من الخطوة التي تعتبر تقدما نحو الاستنساخ البشري فإن البعض يصف أول استنساخ بشري بأنه قمة جبل افرست في مجال علوم الاحياء ويقول البعض ان من الممكن تسلقه في غضون عام من الآن. وتوقعت مجلة »واير« في عددها الصادر في شباط الماضي ان ينتج العلماء أول كائن بشري مستنسخ بحلول أوائل عام 2002 كما قال سفرينو انتينوري خبير الخصوبة الايطالي في تشرين الماضي انه سيقوم بأول استنساخ بشري في غضون أشهر بينما يقول ريتشارد سيد عالم الاجنة المرتد عن الدين ان كل ما يحتاجه هو 120 يوما و300 ألف دولار لاتمام العمل. لكن لم يتجسد أي استنساخ بشري الى الآن. ويقول خبراء انه برغم التقدم الواضح في مجال استنساخ الحيوانات إلا انه من غير المرجح ان يتحقق أول استنساخ للبشر في أي وقت قريب ما لم يكن العلماء مستعدين لتحمل مخاطر اخلاقية وسياسية وعلمية كبيرة. وقال مدير قسم الغدد الصماء التناسلية بجامعة نيويورك جامي جريفو »يفصلنا عن الاستنساخ (البشري) طريق طويل... وهناك أشياء كثيرة جدا يمكن ان تكون خاطئة«. وحتى هجمات 11 أيلول كان الاستنساخ بغرض توليد كائن بشري او انتاج نسيج بشري يمكن استخدامه في معالجة الأمراض واحدا من الموضوعات الكبرى حيث الصراع حول المعضلات الأخلاقية المصاحبة للموضوع. وحذر الرئيس جورج بوش في اب الماضي من مخاطر »انتاج كائنات بشرية من أجل الحصول على قطع غيار«. وتبدو الآن مثل هذه السيناريوهات بعيدة في رأي كثيرين حيث يكافح العلماء لانتاج لقاحات وامصال تقي من امراض قديمة مثل الجمرة الخبيثة والجدري. لكنها لا تبدو كذلك بالنسبة للمتحمسين للاستنساخ الذين يزعمون ان النجاح في متناول اليد. ويقول اخصائي الخصوبة انتينوري انه يستطيع استخدام الاستنساخ لمساعدة الرجال والنساء المصابين بالعقم على الانجاب وسيستخدمه. واحتل انتينوري العناوين الرئيسية في عام 1994 عندما ساعد امرأة عمرها 62 عاما على ان تحمل طفلا. وترأس بريجيت بواسييه في الوقت الحالي فريقا من ستة علماء في شركة استنساخ تسمى »كلونيد« وهي مسجلة تحت اسم لم يكشف عنه في ويلمنجتون بولاية ديلاوير الأميركية. وكانت بواسييه نائبة مدير الابحاث في شركة »اير ليكويد غروب« وهي شركة فرنسية تنتج غازات صناعية وطبية. وترتبط بواسييه بمنظمة دينية ذات آراء متطرفة تعتقد ان علماء من كوكب آخر خلقوا الإنسان وتقول ان فريقها يعمل بنشاط على »إعداد اجنة« وتتوقع إنتاج مستنسخ بشري »قريبا«. وقالت »اعلاننا القادم سيكون عندما يولد طفل«. في غضون ذلك، أعرب الفاتيكان عن قلقه بعد اعلان شركة »ادفنسد سيل تكنولوجي« مذكرا بإدانة هذا النوع من التجارب. وجاء الرد الأول للفاتيكان على لسان المونسنيور تارسيسيو بيرتوني أمين سر مجمع الايمان وهو مؤسسة يديرها الكاردينال جوزيف راتزينغر. موقع شركة ادفنسد سل تكنولوجي على الانترنت: http://www.advancedcell.com (أ ف ب، رويترز، »السفير«)