As Safir Logo
المصدر:

مدينة الحمامات التونسية حديقة على البحر المتوسط

المؤلف: الموسوي علي التاريخ: 2001-11-26 رقم العدد:9064

إذا قيّض لك السفر إلى تونس الخضراء بطبيعتها ورونقها وشعبها المضياف، ولو ليوم واحد، فأمضه في أرجاء منطقة الحمامات حيث تنسى بمجرد التأمل في بحرها الصافي وبيوتها المزدانة بالقبب واللون الأبيض المسالم، متاعب السفر وعذابات الطريق. فهذه المنطقة السياحية الرائدة في تونس لا تخلب الأنظار وحسب، بل تضفي موسيقى من الطمأنينة على الروح، تنقلها على بساط السعادة الى مناخ التجدد والثقة الممتلئة والانبعاث من جديد، ولذلك فإنه ليس غريبا إطلاق لقب »جنان البحر« على الحمامات لأنها بحق، روضة بحرية تضم المدهش والمثير. ولا يمكن للزائر المتحمس للحمامات، ولو كان على عجالة من أمره، إلا أن يعود منها بصيد جمالي وفير، فكيفما تلفّت ووطأت قدماه، حديقتها الغناء أو قلعتها الصامدة بوجه غزوات الزمن أو خليجها المنفتح على الكون، ولامست عيناه عمرانها العربي الإسلامي الذي يخبئ في جدرانها ذكريات عامرة من الحضارة العربية الثرة، عثر على خيرات الجمال. فالحمامات تشرف على البحر الأبيض المتوسط الذي ينبسط أمامها كسجادة مائية متحركة، وتلمح منها التلال الجبلية المسترخية على مقربة منها كمن يطلب الدفء والأمان، وتسيح في أزقتها وطرقاتها وشوارعها أو أنهجها حسب التعبير التونسي الشائع وهو سليم لغويا، وأسواقها المترفة بالمنتوجات التقليدية التي تحار في انتقاء أجملها كتذكار، فضلا عن أبوابها الخمسة التي تؤدي كلها إلى الإمتاع وهي: باب السوق، باب الحورة، باب الجامع، باب البحر وباب المقبرة وهي مقبرة الشاطئ حيث يتساوى الأموات والأحياء في العيش في هذه الربوع الحالمة! تبعد الحمامات قرابة خمسين دقيقة عن العاصمة تونس ولكنها تشبهها في خضرتها ونظافة شوارعها وزحمة سياحها الغربيين بشكل خاص بسبب قرب تونس إجمالا من الثقافة الغربية ولا سيما من فرنسا التي استعمرتها على مدى خمسة وسبعين عاما بين العامين 1881 و1956 وتركت بصمات واضحة للعيان في حياتها ومعالمها. غير أن الحمامات تفترق عن العاصمة في الهدوء حتى قيل إن من أراد أن يشفى من مرضه وتشاؤمه من الحياة فليذهب إليها وليغف قليلا في أفياء هوائها النقي. لم تتفق المرويات من كتب التاريخ على المعنى الحقيقي لكلمة الحمامات التي يلفظها الشعب التونسي بفتح الحاء والميم الأولى وكسر الميم الثانية. فالمتداول معنيان مختلفان. يقول الأول ان الإسم هو جمع لمفردة الحمامة التي كان القراصنة يأخذون أسرابا منها فور مغادرتهم خليج المنطقة في حملاتهم البحرية فإذا ما تعرضوا لمكروه ولم يوفقوا في الحرب ووقعوا في فخ الأسر، رجعت الحمامات الى البلدة منبئة أهلها عن خسارة الرجال مما يعني أن عودتها بمفردها هي دليل شؤم وسوء طالع. بينما يشير المعنى الثاني إلى أن الاسم مشتق من الحمّامات الصغيرة التي بناها الرومان الأبيقوريون على امتداد الساحل. ومهما يكن فاسمها هو نقيض إقبالها على محاسن الحياة. كان للحمامات اسمان سابقان انتفيا مع تقلبات الزمن هما: »بابوت« في العهد الروماني، و»مستعمرة شرقية« الذي يعتقد أنه انبثق عن موقعها المتميز بين الطريق الساحلي جنوب تونس القبلي وطريق قرطاج المؤدي الى حضرموت. وذاع صيتها كمركز ثقل اقتصادي واجتماعي خلال فترة الامبراطورية البيزنطية، فيما الأسوار المحيطة بها، والتي لا يزال بعضها محافظا على صلابته ووجوده، تعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي، ولكنها كسواها من المناطق المقصودة آخذة في التوسع، فمساحتها كبرت وبنيانها تخطى أسوارها حتى أنه نبتت مدينة جديدة الى الجهة الجنوبية منها سميت »ياسمين الحمامات« تزهو بمنازلها وفنادقها ومرساها الترفيهي، والتصقت حدودها الشمالية بمدينة نابل السياحية أيضا. على الرغم من هدوئها إلا أن الحمامات مدينة لا تنام لازدحام ليلها بالساهرين الوافدين إلى مطاعمها لتناول ما لذ وطاب من الطعام وطبقه الرئيسي واليومي الحوت أي السمك حتى ولو كان فرخا صغيرا، إضافة الى سماع المطربين والمطربات. على أن هناك ثلة من الساهرين المترفين يتسللون إلى الحمامات مساء كل يوم لصرف أموالهم في لعب الميسر في الكازينو الكبير والوحيد الموجود في المدينة وفي تونس برمتها، وهذا يعني أن سهرها يتواصل بفجرها فنهارها كمن يدور في دوامة من اليقظة والإشعاع.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة