As Safir Logo
المصدر:

اختلفت مع شقيقها .. فغادرت المنزل طمعاً بهوية ومهنة »السفير« تكشف هوية »ميرفت« نزيلة سجن بعبدا: رنا علي أمية ومكتومة القيد .. ومن التبانة الفقيرة

وثيقة الولادة ولا رقم متسلسلا لتذكرة هوية رنا المكتومة (حسن عبد الله
بطاقة التعريف برنا وهي تمنح عادة لمكتومي القيد
المؤلف: علوه سعدى التاريخ: 2001-11-26 رقم العدد:9064

ليست تلك القاصر الموقوفة في سجن نساء بعبدا، ميرفت رباح البقاعية ولا باسكال الأميركية من جذور لبنانية، وبالتأكيد لا تمت إلى جورجيتا الأرمنية من برج حمود بصلة. إنها باب التبانة تضرب من جديد لتشير إلى الفقر المدقع الذي يغرق فيه أهلها ليأخذ بهم إلى أمكنة وروايات هم أبطالها رغما عنهم. رنا علي محمد علي هي بطلة القصة التي تشغل القضاء هذه الأيام، مواليد السابع من تموز العام 1985، رقم السجل 122 منطقة باب التبانة، وهي مكتومة القيد لديها بطاقة تعريف ووثيقة ولادة محررة من المختار أمين عادل صالح، وموقوفة منذ الثالث من تشرين الأول في سجن نساء بعبدا لعدم حيازتها أوراقا ثبوتية. تساهم »السفير« بوضع قضية رنا على بداية الطريق الصحيح ربما، على أمل وضع حد لاحتجازها وتشردها وعلى الرغم من خيبة الأمل الكبيرة التي سيمنى بها آل رباح لمعرفتهم أن الموقوفة ليست ابنتهم قبل ظهور نتيجة فحص الحمض النووي المرتقبة خلال ساعات. لا ينفي هذا التطور ان آل رباح هم أصحاب حق وأن العدالة تدين لهم بكشف مصير ابنتهم المفقودة منذ أحد عشر عاما، وهو السبب الذي دفع بالعائلة البقاعية إلى ترك منزلها وتعطيل أعمالها في بلدة اللبوة والبقاء في بيروت لإثبات أبوتها ل»ميرفت« الموعودة بعدما أيقنت أن الفتاة التائهة في سجن بعبدا تفتش عن أهلها منذ أحد عشر عاما، واستنادا الى إفادتها وما روَّجت له عمتها. هكذا تعلق آل رباح بخيط بات السؤال هل هو مجرد كذبة اخترعتها قاصر تركت منزل أهلها في طرابلس وغادرت الى بيروت اثر خلاف مع شقيقها، لتنتحل اسم جورجيتا بعدما قبض عليها رجال الأمن في المتن متشردة من دون أوراق ثبوتية. سلمى إبراهيم شدود وهي والدة رنا الحقيقية، وفق الأوراق الثبوتية التي أبرزتها ل»السفير«، تقول إن نكران ابنتها لهويتها يعود إلى »خوفها من إعادتها إلى عائلتها وبالتالي معاقبتها على ترك المنزل، بالإضافة الى مشاكلها المستمرة مع شقيقها الذي يضغط عليها لقطع علاقتها مع بعض الناس الذين يراهم غير مناسبين »للرفقة«، »يعني منخاف يجروها على تصرفات مش مليحة«. ويبدو الشقيق الوحيد لرنا غير راغب بعودتها كثيرا، »في حال ما بدها تمشي متل خياتها، شوفي ما أحلاهن ما بيعملوا شي إلا متل ما بدنا« والكلام لشقيقها. وتقلق قصة رنا شقيقاتها الثلاث اللواتي يعانين أصلا من مشكلة كتمان القيد نفسها »الدولة عطيت هويات لأمي وأخي ولم تعطنا نحن البنات«. ويؤثر فقدان الصبايا لهوياتهن اللبنانية على معظم حياتهن، فهناك من يتجنب الزواج بمكتومة القيد، ولا وظائف لمن ليس لديها أوراقا ثبوتية مما يدفع بهن إلى العمل ساعات طويلة من دون ضمان أو الحد الأدنى من التأمينات »يعني الواحدة منا عايشة ومش عايشة« تقول إحداهن، وتبرر الثانية »يمكن رنا أنكرت حقيقتها على أمل أن تمنحها العائلة التي تعتقد أنها ابنتها بطاقة هوية«! هناك في أعلى أحد الأدراج المؤدية الى زقاق لا يمكن الدخول إليه إلا سيرا على الأقدام كمعظم أحياء منطقة باب التبانة و»ضواحيها«، تتراكم دساكر تشبه كل شيء إلا المنازل، هي مجرد غرف ضيقة متصلة ببعضها البعض، وتحوي سكانا تبخل عليهم الحياة حتى بلقمة العيش في منطقة من أفقر مناطق لبنان. وعائلة رنا واحدة من بين أولئك السكان، توفي والدها بعد معاناة طويلة مع مرض السرطان عجزت العائلة في معظم الأحيان عن تأمين العلاج له، وخرج الجميع إلى العمل لا العلم ليؤمنوا بدل إيجار منزل يقتصر على غرفتين وتوابعهما، وبعض ما يسد الرمق »قررنا أنه ما بدنا نتبهدل وانه لازم نتعاون حتى نضلنا مستورين« تقول إحدى شقيقات رنا التي تعمل في مشغل خياطة. أما رنا فلم تفلح في العمل وتنقلت من عمل الى آخر من دون جدوى، »كانت كتير تعمل مشاكل بالشغل وما تستمر ولا بمكان«، وهي وعلى الرغم من أنها أنهت عامها السادس عشر الصيف الفائت وأنها لم تزل طفلة وفق التصنيف العالمي لسن الطفولة وسن العمل، إلا أنها قد بدأت العمل منذ حوالى أربع أو خمس سنوات على الأقل. ورنا الأمية »لأن رأسها ما بيفرز« كما قالت والدتها، »مع أنها راحت على المدرسة سنتين«! تعرفت خلال تنقلها من عمل إلى آخر على بعض الأشخاص الذين لم ترق تصرفاتهم لأهلها وخصوصا أخيها »يعني أنا ما بدي إياها تمشي ممشى مش مليح« يقول، متناسيا عمر طفولتها وعدم قدرتها على التمييز »اخواتها مش كبار كمان بس مش عنيدين متلها«. تنظر إلى شقيق رنا فهو الآخر بالكاد قد أنهى سنوات طفولته، لم تمنح الحياة أيا منهم كما أهلهم من قبلهم فرصة أكبر من النضال في محيط يحكمه الفقر والحرمان وألف حساب وحساب. تقول والدة رنا إنها حاولت إخراجها من السجن بعد توقيفها في 3/10/2001 فلم يسمحوا لها بذريعة ضرورة التأكد من خلو سجلها من أي تهم أخرى، غابت وعادت في 1/11/2001 فقالوا لها إن قضيتها لم تنته بعد فغابت من جديد على أمل أن تنتهي جلساتها القضائية ويفرجوا عنها! زارت أم حسن ابنتها ميرفت في سجن نساء بعبدا وتقول إنها طالبت بإخراجها من هناك! ولكنها لم تقل شيئا عن ادعائها انها جورجيتا وسبب سكوتها عن محاولات آل رباح إثبات أبوتهم لها بل الأسوأ تجاوبها معهم ومدهم بالأمل عبر قولها إن إحساسها يقول لها إنها ابنتهم. فهل نحن أمام رغبة متبادلة بالنكران والتخلي؟ للقضاء الكلمة الفصل في الحقيقة، ولكن الأهم هو رنا تلك القاصر التي تعاني من جملة ضغوطات دفعتها إلى محاولة نكران عائلتها وتبني عائلة أخرى، وبما أن لبنان يفتقد لإصلاحيات ومؤسسات لفتيات يعانين من هذا النوع من المشاكل، يبرز هنا دور الجمعيات الأهلية الكثيرة والتي لا تفوت فرصة إلا وتنشر فيها إنجازاتها في مساعدة القاصرين والأطفال والذين يعانون من مشاكل من هذا النوع. رنا بحاجة إلى تأهيل نفسي واجتماعي بالدرجة الأولى ثم إلى تأهيل مهني يتجاوز أميتها ويمنحها السلاح الذي يجنبها بعض متاهات الحياة، وهي كما شقيقاتها الثلاث لها حق على الدولة يقضي بمنحها هويتها اللبنانية التي يؤدي فقدانها لإغراق الأسرة بكمّ هائل من المشاكل.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة