في رواية Map Of Love اي خريطة الحب، تضع أهداف سويف على لسان بطلتها الانكليزية أنّا وينتربورن، والتي كانت تحاول تعلم العربية في ذلك الزمن من الرواية مطلع القرن العشرين في مصر، اكتشافها أن كلمة Love الانكليزية، والتي تعني »الحب« تقابلها في اللغة العربية ثماني كلمات، تصف كل منها حالة من الحب أو نوعا منه. ف»الحب« هو Love بالانكليزية اي ان الحب هو الحب، لكنه خيمة واسعة وشجرة وارفة، فهناك »العشق« الذي يجدل شخصين معا، بينما »الشغف«، هو الحب الذي يعشش في حنايا القلب التي هي ايضا شغافه، وبقدر ما يسكن الشغف ويستكين، يجول »الهيام« في أنحاء الارض، ومن صوره المتطرفة »التيه« عندما يضيّع المرء نفسه في الحب، اما »الوله« فهو حب مفعم بالأسى، وتتميز »الصبابة« بأنها تنضح من المسام، ويشارك »الهوى« الهواء في الخفة حيث يهب عليك فتقع فيه، وأخيرا هناك »الغرام« الذي هو حب عليك ان تدفع غرمه. II يحتاج الامر الى بعض التعريف، أولا، أهداف سويف، روائية مصرية تكتب بالانكليزية، وهي سواء تعرّفت عليها او استشففتها من كتابتها، ربما وجدت في ما تستطيع الوصول اليه من قوام شخصيتها مزيجا يصعب تحليله، يعسر فصل عوامله الاولية ولو لمجرد تمييزها. لكنك ان طلبت راحة الاجمال قلت انها مصرية الحنين، عربية الأفق، انكليزية الثقافة انما دون إغراق في مزاج تلك الثقافة. ثانيا، قرأت لها حتى الآن روايتين بالانكليزية ومجموعة من القصص القصيرة المترجمة الى العربية عنوانها »السخّان«. لم تعجبني مجموعة القصص، وليس هذا بسبب الترجمة الى العربية، رغم انها قد تكون مصدر ما بدا على القصص من شحوب. انما لأن القصص جميعا تعبر عن رؤية كثيرات من النساء العربيات المتعلمات والمثقفات لظاهرة »الاصوليين« الاسلاميين، ترين فيهم »الشرير المسكين«. وأظنها نظرة لا تخلو من استشراق، حيث تخرجهم من التاريخ الذي نعيشه لتجعل منهم انقضاضا عليه بالماضي، مشغولا باستعادة زمن لا يستعاد كما هو شأن الزمن، او تتعامل معهم كأنما هم أفراد يحتضنون تشوها وجدانيا ونفسيا وأخلاقيا، يستغرقهم الحنو عليه، يروونه ويغذونه في أنفسهم ويسعون الى نشر عدواه الى الناس أجمعين. أما الروايتان، الاولى هي In The Eye Of The Sun، اي »في عين الشمس« وقد تبدو لقارئها سواء عرف شيئا عن الروائية او لم يعرف، انها شريحة كبيرة من سيرة ذاتية تكتب في ثوب الرواية، فهي تجعل القارئ يعتقد انه أمام امرأة »تعترف« بما ليس ذنبا، لكنها »تعترف« لأنها تريد ان تنفض من داخلها كل ما يقلقها، وتجعله أيضا، اذا كان قارئا »محترفا« للروايات، يعتبر أنها من تبديات حالة شائعة بين من يكتبون روايتهم الاولى: يريد الكاتب التخلص من »اعترافاته« حتى يفرغ لكتابة الروايات. III يبدو ان أهداف سويف تحب التوسع والتفرع في كتابة روايتها، متن روايتها الثانية Map Of Love خريطة الحب يزيد عن خمسمئة صفحة، وهي أقصر من »في عين الشمس« بما يقارب ثلاثمئة صفحة. عندما فرغت من قراءة »في عين الشمس« تصورت أنني أمام »سجادة خام« (ربما حضرتني صورة السجادة لأنني كنت وقتها كثير التردد على قرية عائلتي ساقية ابي شعرة التي تنتشر فيها صناعة السجاد اليدوي). و»السجادة الخام« هي التي رُفعت عن النول للتو، ولم تدخل بعد طور التجهيز، الذي يبدأ ب»النفض« لتخليصها مما يكون قد علق بها اثناء العمل من غبار ومن وبر الخيوط، يلي هذا غسلها للتثبت من ثبات صباغها، يعقبه القص او »الحلاقة« لتخليصها من الخيوط النافرة حتى يصبح وجه السجادة على سوية واحدة، ثم النفض مرة اخرى والذي لا تخفى الحاجة اليه بعد »الحلاقة«، يعقب هذا الغسل مرة اخرى، وأخيرا: الكي. رأيت في »في عين الشمس« سجادة خاما. ربما كان السبب ان اهداف سويف، شأنها شأن من يكتب روايته الاولى، يريد ان »يقول ما عنده في كل شيء« ويتعجل النشر، فلا يمنح نفسه فسحة إعادة قراءة ما كتب ليهذبه ويشذبه ويقلمه. او ربما كان ان الكاتب المفتون بفنه يعز عليه بتر بعض ما سطر قلمه. IV انتظرت روايتها الثانية. ومع ذلك، عندما صدرت تلكأت طويلا حتى قرأتها. انما، في ما أظن، ليس لسبب يتعلق بها، أظنه تشتت الوقت واضطراب الحياة، او كما نقول في العامية المصرية معتذرين عن التقصير، »الدنيا تلاهي« أي ان الحياة تتزاحم فيها الشواغل والمطالب يلهيك بعضها عن بعض. لكنني على أي حال، أخيرا قرأتها. في »خريطة الحب« تفعل اهداف سويف شيئا آخر. في »في عين الشمس«، وضعت القارئ في تلك المساحة الملتبسة التي تجعله يحسب أنه يقرأ سيرة الكاتبة، فيتجاذبه الفضول ويتنازعه التخيل، لكنه فقير الى اليقين فلا هو مصدّق ولا مكذّب. اما في »خريطة الحب«، فقد وضعت قارئها في مساحة اخرى من الالتباس أكثر رحابة، مبرأة من الفضول ومن التخيل. لكنها تبقى ساحة التباس. حيز تراوح بين الشك واليقين، ما تعمله الرواية في داخلها أوثق نسبا الى »العام« حتى لا يكاد يلامس ولا ظلا من »الخاص«. اذا كان الالتباس هو تنازع الحقيقة مع التصور، هو تشابه الحقيقة مع الوهم، هو التراوح بين اليقين والتخيل، فان قارئ »خريطة الحب« لا يستطيع ان يقول ان كانت »رواية تاريخية« او انها »تاريخ يروى« من خلال حيوات اشخاص عاشوه او عاصروه. لا يستطيع القارئ ان يعرف ان كانت الشخصيات الروائية قد استُلّت من الحقيقة أم انها خيال زُرع في حقل الحقيقة، وخصوصا ان تلك الشخصيات الروائية تعيش وسط شخصيات اليقين الشخصيات الحقيقية التي يعرفها التاريخ غير الروائي. وفي هذا ما فيه من سحر وجذب وسيطرة على القارئ تكاد تمسك بتلابيبه، لا تفلته من جملة الى جملة. الا عندما تنتزعه الروائية من السياق لتقول هي ما تريد قوله عن سياقات اخرى تقع في أزمنة اخرى. وهكذا تأتي »خريطة الحب« سجادة محكمة العقد و»الدرزة« بارعة التجهيز، لولا ان صانعتها حاكت اليها وقاطعت انسيابها بقطع من »البُسُط« شدتها اليها بخيوط واهية. ويصعب القول ان حياكة تلك القطع من البُسُط الى السجادة كان استكمالا لتاريخية الرواية بإدراك ما تتصف به حركة التاريخ من لولبية، بدت تلك القطع من البسط اقحاما لتاريخ على تاريخ، وما فيه من اقتحام الخطبة للرواية، وغلظة الواعظ يهبط على جلسة السمر. * * * لكن الحديث بدأ من اكتشاف أنّا وينتربورن ان كلمة Love الانكليزية والتي تعني الحب، تقابلها ثماني مفردات عربية تمايز بين حالات الحب وأنواعه. هل لهذا صلة بما هو شائع عن »فقر اللغة العربية«. أظن ان في الشائع كثيرا من الخلط بين غنى اللغة وبين قصورها عن مواكبة المستحدث بل وملاحقته. وان موضع الخلط عدم التمييز بين علاقة اللغة بوجدان الانسان وعلاقتها بحركة التاريخ. وبين هاتين العلاقتين، فان اللغات جميعا تتردد بين النحت والاقتراض وهي تنحت عندما يكون المستحدث من صنع الناطقين بها. وتقترض عندما يكون الامر خلاف ذلك.