As Safir Logo
المصدر:

بن لادن والنفط في العلاقات الاستخباراتية بين أميركا والطالبان

المؤلف: كليب سامي التاريخ: 2001-11-21 رقم العدد:9061

بعيد انتهاء حرب الخليج الثانية بهزيمة العراق واخراج قواته من الكويت، صدرت كتب ووثائق كثيرة تؤكد ان واشنطن شجعت الرئيس العراقي صدام حسين على الغزو، وان السفيرة الاميركية السابقة ابريل غلاسبي لعبت دورا حاسما في هذا الاطار. فهل ان واشنطن لعبت هي الاخرى دورا هذه المرة في ايصال العلاقة مع حركة طالبان الى مرحلة القطيعة، ثم الحرب؟ وهل ان النفط في آسيا الوسطى لعب دورا؟ وما هي علاقة عائلة بوش وادارتي الرئيسين الاميركيين الوالد والابن بالشركات السعودية التي تتقاطع مع شركات اسامة بن لادن؟ ثم ما هو الدور الذي لعبه العقيد معمر القذافي في اصدار اول مذكرة توقيف ضد الملياردير السعودي اليمني الاصل؟. يحاول كتاب »بن لادن الحقيقة الممنوعة« الذي صدر قبل ايام في باريس، الاجابة عن كل ذلك مستندا الى تقارير استخباراتية خصوصا في حقول المال والاعمال، وينشر بين ما ينشر اول مذكرة توقيف بحق بن لادن اصدرها الانتربول الدولي بناء على طلب ليبي. ومؤلفا الكتاب هما جان شارل بريسار (33 عاما) الذي كان مستشارا لسناتور اميركي ثم مسؤولا عن جمع المعلومات لصالح شركة دولية وواضع تقرير سابق بعنوان »البيئة الاقتصادية لاسامة بن لادن«، وهو يشرف حاليا على شركة لجمع المعلومات اقتصادية، وغييوم داسكييه (35 عاما) صحافي متخصص ايضا بالمعلومات الاقتصادية ويرأس تحرير موقع هام على الانترنت لجمع مثل هذه المعلومات اسمه »انتليجانس اون لاين«. فماذا اولا عن ليبيا وبن لادن؟ يؤكد المؤلفان ان مذكرة التوقيف التي ينشرانها في كتابهما هذا، لم تُنشر سابقا، ويشرحان ان اول مذكرة اصدرها الانتربول الدولي ضد اسامة بن لادن كانت ظهرت في 15 نيسان 1998 بطلب من وزارة الداخلية الليبية بعد مقتل الماني وزوجته تبين لاحقا انهما يعملان مع الاستخبارات الالمانية لمكافحة الارهاب في افريقيا السوداء. وقد اكتشفت ليبيا في ما بعد ان تنظيم الجماعة الاسلامية المقاتلة والمؤلف من اسلاميين ليبيين كانوا قاتلوا السوفيات في افغانستان بدعم مباشر من مكاتب الاخوان المسلمين في العالم، اصبحوا بعد هزيمة السوفيات حوالى 2500 مقاتل ووضعوا نصب اعينهم ان يعودوا الى ليبيا ويستولوا على الحكم، وكانوا يشكلون احد مراكز الإسناد الاساسية لاسامة بن لادن. وإذا يمر الكاتبان على هذه المرحلة الليبية فلكي يقولا انه حتى تلك المذكرة، اي بعد عامين من الاعتداء على المنشآت الاميركية في الظهران بالسعودية، لم تكن الولايات المتحدة قد بدأت بعد بملاحقة بن لادن علانية برغم تقديمه آنذاك على انه المشتبه به رقم واحد، ثم انه كان (قبل المذكرة الليبية) اصدر فتوى ضد الغرب واميركا في 28 شباط 1998، وارتبط اسمه وفق الاتهامات الاميركية التي سيقت في حينه بالاعتداء على مركز التجارة العالمي في شباط 1993، عدا عن ان وزارة الخارجية الاميركية نفسها كانت منذ عام 1996 تعتبر بن لادن »الممول الاساسي للنشاطات الاسلامية المتطرفة في العالم«. فلماذا لم تلاحقه إذاً الولايات المتحدة الاميركية؟ يعود الكاتبان هنا الى كل اللقاءات السرية التي جرت بين الولايات المتحدة وحركة طالبان والتي استمرت طويلا بعد القطيعة الرسمية، لا بل وحتى بعد كل العقوبات الدولية التي فُرضت على الحركة وبعد تدميرها لتماثيل بوذا في افغانستان. وفي هذه العودة يركز المؤلفان على اسم »ليلى هيلمز« ابنة شقيق ريتشارد هيلمز المدير السابق لجهاز الاستخبارات الاميركية »سي آي اي« والسفير الاميركي السابق في ايران. فهذه الأميركية ذات الاصول الافغانية شكلت نواة للوبي افغاني هام وصل تأثيره الى قلب الادارة الاميركية خصوصا بعد انتسابها الى جمعية »اصدقاء افغانستان« الاميركية التي كانت تلقى دعم وزارة الخارجية الاميركية والبيت الابيض بغية تسويق المجاهدين الافغان في اوساط الرأي العام الاميركي. فهي التي رتبت زيارة زعيم المجاهدين سيد محمدة غيلاني في ربيع عام 1986 الى الولايات المتحدة حيث التقى شخصيات عديدة بينها جورج بوش الاب حين كان يتولى منصب نائب الرئيس الاميركي. وقد لعبت هيلمز وعدد من ناشطي اللوبي الافغاني دورا بارزا في ابقاء الخيوط (لا بل الحبال) قائمة بين واشنطن وحركة طالبان، حيث انه برغم عدم اعتراف واشنطن رسميا بالنظام الطالباني (خلافا لباكستان والامارات العربية والسعودية) فان ممثلية طالبان بقيت حتى شهر آب الماضي تتمتع بمكتب في مبنى »كوينز« في نيويورك وتستقبل علنا مولانا عبد الحكيم مجاهد السفير الطالباني (غير المعترف به رسميا) في اميركا الشمالية. لا بل إن سيد رحمة الله هاشمي (24 عاما) السفير المتجول لحركة طالبان والمستشار الخاص لزعيمها الملا محمد عمر قام بين 18 و23 آذار الماضي (اي بعد تدمير تماثيل بوذا) بزيارة الى الولايات المتحدة والتقى موظفين في ادارة السي آي اي وفرع الاستخبارات في وزارة الخارجية، وادلى بحديثين صحافيين؛ الاول لاذاعة »ناشونال بابليك راديو« والثاني لشبكة آي بي سي التلفزيونية. وكان سبقت ذلك لقاءات عديدة جرت خصوصا في باكستان بين ممثلين عن وزارة الخارجية الاميركية وسفير طالبان في اسلام اباد سيد محمد متقي او عبر السفير الاميركي في العاصمة الباكستانية طوم سيامونز الذي بات احدى اهم قنوات التفاوض بين الجانبين. ويشرح مؤلفا كتاب »بن لادن الحقيقة الممنوعة«، انه كان لتلك الاتصالات هدفان اساسيان، اولهما اقناع حركة طالبان بتسليم اسامة بن لادن، وثانيهما اعادة البحث في ضمان طرق النفط، ما يعني عمليا ان الادارة الاميركية لم تكن راغبة فعلا في انهاء حكم طالبان وانما كانت مستعدة حتى قبيل الاعتداءات عليها في 11 ايلول، لغض النظر عن كل ممارسات النظام الطالباني التي جعلتها لاحقا سببا اضافيا للحرب على افغانستان. عامل النفط والموضوع النفطي كبير الاهمية في سياق تلك العلاقة المعقدة بين طالبان والولايات المتحدة، فالادارات الاميركية المتعاقبة كانت تبحث عن الطريقة الفضلى لنقل النفط والغاز من تلك المنطقة الغنية بالذهب الاسود (كازاخستان وتركمانستان واوزباكستان...) باتجاه تركيا والمتوسط من دون الاضطرار للتنسيق مع روسيا وايران، وبالتالي فان افغانستان كانت ولا تزال تمثل طريق العبور الاقل كلفة ماديا وسياسيا وجغرافيا. ومع تولي جورج بوش الابن مقاليد السلطة في بلاده، بدا النفط عاملا استراتيجيا كبير الاهمية ولا سيما ان معظم القادة الكبار في هذه الادارة الجديدة قادمون من قطاعات نفطية، فنائب الرئيس ديك تشيني كان يرأس شركة هاليبورتون التي تتصدر قطاعات الخدمات والصناعات النفطية في العالم، وكونداليسا رايس مستشارة الامن القومي في البيت الابيض امضت 9 سنوات في شركة شيفرون النفطية العالمية، وهي اهتمت داخل هذه الشركة خصوصا بملفات آسيا الوسطى وتحديدا كازاخستان (حيث لشيفرون استثمارات ضخمة)، ودونالد ايفانس وزير التجارة والصديق الحميم لبوش كان امضى الجزء الاكبر من عمله في قطاع النفط كرئيس لطوم براون، وكذلك الامر بالنسبة لوزير الطاقة الاميركي سبنسر ابراهام، او كاثلين كوبر (نائبة وزير التجارة والشؤون الاقتصادية) التي كانت على رأس الشركة العالمية العملاقة اكسون (وتتفرع منها ايسو المشهورة في محطات الوقود). وقد سارع تشيني بعد 4 ايام فقط على تولي جورج بوش الرئاسة، الى انشاء خلية خاصة بالنفط اطلق عليها اسم "Energy Policy Task Force". ويبدو ان عاملا آخر ساهم في تركيز معظم جهود الادارة الاميركية على النفط، وتمثل بالقلق من الاطماع الروسية والصينية في المنطقة. فبكين وموسكو كثفتا في الاشهر التي سبقت الاعتداءات على الولايات المتحدة والقطيعة مع طالبان، الاتفاقيات في ما بينهما لبناء خطوط انابيب لاحتكار نقل احتياطات آسيا الوسطى. وازداد القلق بعد ان باشر خط الانابيب الروسي الذي ينقل عبره النفط من بحر قزوين بالعمل، بينما منافسه في الجهة الغربية الذي كان من شأنه ايصال النفط الى تركيا كان لا يزال قيد التنفيذ، ما يعني ان الحقول النفطية والغازية في كازاخستان وتركمانستان واوزبكستان التي تندرج في اطار العقود مع الشركات الاميركية، ستصبح خاضعة على نحو غير مباشر للهيمنة الصينية والروسية. كان لا بد والحالة هذه من استعادة العلاقة مع طالبان، حيث ان افغانستان تشكل الحل الامثل. او اذا تعثر الامر، فالقضاء على طالبان والإتيان بحكم صديق تعزز »صداقته« وضبطه العلاقة الاميركية الباكستانية. شبكات بن لادن ومع استئناف الاتصالات مع طالبان، تبين للادارة الاميركية ان الحركة باتت اكثر صعوبة من السابق، خصوصا لجهة رفض تسليم بن لادن برغم الاشارات المشجعة التي كانت صدرت عن بعض اللقاءات. ولذلك، فإن السؤال الذي طُرح بالتزامن مع تلك الاتصالات تعلق بمفتاح السلطة في افغانستان، فمن الذي يسيطر على الآخر، الملا عمر ام اسامة بن لادن. ويعتقد الكاتبان ان الخطأ الذي تم ارتكابه تمحور حول الاعتقاد أن الملا عمر هو صاحب الكلمة الفصل. وهنا، يفرد الكتاب جزءا كبيرا للشبكات المالية والعائلية لبن لادن، حيث ان ما يصفه الكاتبان ب »الامارة الاقتصادية والمالية لعائلة بن لادن« والتي اسسها والدهم محمد ذو الاصل اليمني (من حضر موت) بعد انتقاله الى السعودية عام 1928، تتربع على ثروة كانت وصلت عام 1991 الى 36 مليار دولار، ما جعل شركة العائلة المعروفة عالميا باسم "Saudi Binladen Group" تمد خيوط اخطبوطها الاقتصادي الى اهم الشركات العالمية (جنرال الكتريك، نورتل نيتوورك، اودي، بورش، كادبوري شويبس، واميركان اكسبرس). لا بل ان العلاقات بين عائلتي بن لادن وبوش كانت عديدة في قطاعات النفط والبناء، وكان بينها علاقة خاصة بين الرئيس الاميركي الحالي وأحد اشقاء اسامة، والشركة كانت حتى العام الماضي توظف 5000 شخص. ويقدم الكتاب عرضا دقيقا لكل تفرعات العائلة وعلاقتها بعائلة بن محفوظ السعودية اليمنية الاصل ايضا، وذات الثروة الهائلة. ونجد اسماء لبنانية كثيرة في الشركات المتعددة والمتفرعة عن الشركة الأم، من العاملين في مؤسسات مالية ونفطية وكمقربين الى بعض الانظمة العربية. فهل، ان واشنطن تتحمل إذاً المسؤولية الاولى في ما وصلت اليه الامور، وهل يمكن النظر الى اسامة بن لادن بمعزل عن محيط هائل يجمع مصالح عربية ودولية كبيرة؟ مسؤول جزائري رفيع سابقا قرأ الكتاب، قال »ان ثمة لعبة دقيقة بين أجهزة الاستخبارات في العالم، تترك الامور تصل الى نقطة الذروة عادة لتفكيك شبكة او القضاء على شخص، ولكن في بعض المرات يفلت زمام الامور من المخطط، ويصل الجاني الى فعلته قبل القبض عليه. ولعل الاخطر من ذلك ان تُترك له حرية الوصول الى مبتغاه حين يكون في الامر مصلحة اكبر لراصديه«!.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة