في الحلقة الثالثة والأخيرة من متابعة »السفير« ل»مهرجان دمشق السينمائي الدولي الثاني عشر« (3 01 تشرين الثاني 1002)، قراءة نقدية لبعض الأفلام الفائزة. في مسابقة الأفلام العربية، فاز الفيلم المصري »الساحر« لرضوان الكاشف بجائزة أفضل فيلم عربي، في حين أن الفيلم السوري »قمران وزيتونة« لعبد اللطيف عبد الحميد فاز بالجائزة الفضية في المسابقة الدولية الرسمية. قيل إن الفيلم السوري »قد« يُعرض في بيروت، قريبا. المبادرة لافتة للنظر، إذ لا بدّ من تطوير شبكة التوزيع السينمائي العربي في لبنان، خارج حدود بعض الأفلام المصرية. الرغبة ملحّة بأن يشتمل التوزيع المحلي على مجموعة من الأفلام العربية المتنوّعة، وإن تفاوتت جودتها الدرامية والفنية والجمالية. إثر صدور نتائج المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة، مساء الجمعة في التاسع من تشرين الثاني الجاري، تساءل البعض عن »الخلل« الذي وقع فيه أعضاء لجنة التحكيم. كيف يُمكن منح »جائزة أفضل فيلم عربي« لشريط سينمائي لم يفز بالجائزة الدولية الثانية؟ والعكس صحيح أيضا: كيف يُمنح فيلم عربي ثاني أبرز جائزة في المهرجان »الدولي«، في حين أنه فشل في الحصول على »جائزة أفضل فيلم عربي«؟ »إنه منطق التسويات، بالمفهوم العربي«، علّق أحد الزملاء ساخرا من »الخطأ الشنيع« الذي أفضى إلى نتيجة كهذه. قبل يومين من إعلان النتائج، سرت أقاويل مفادها أن الجائزة المالية (الجائزة الفضّية في المسابقة الرسمية، وقيمتها خمسة آلاف دولار أميركي) ستذهب إلى فيلم سوري. أي، بمعنى آخر، »تفرض« التسوية العربية إعطاء جائزة أفضل فيلم عربي لعمل مصري، وتبقى القيمة المالية لفيلم سوري. أما الممثل المصري محمود عبد العزيز، بطل »الساحر«، فاعتكف في غرفته في »فندق الشام«، طوال بعد ظهر الجمعة، حين علم أن جائزة أفضل ممثل لن تكون من نصيبه (نالها الممثل البلجيكي جوس دي بو عن دوره في »الكل مشهور«). طفولة مُعذّبة وشباب ضائع حقّق عبد اللطيف عبد الحميد فيلمه الروائي الطويل الخامس، بعنوان »قمران وزيتونة«. عاد به إلى الريف. استعاد معه الرغبة الذاتية في البحث عن المعنى الإنساني خارج حدود المدينة. أطفال وعائلة ممزّقة. كبت وحرمان ووجع لا ينتهي. صُوَر عن مأساة مستمرة. تألّفت العائلة من أب مصاب بشلل كلّي، إثر إصابته في حرب فلسطين (تجري أحداث الفيلم في الستينيات). الأم بدت مكتملة الأنوثة. لكنها محبطة ومتعبة. تحتاج إلى رجل. تحاول أن تثير في بعلها العاجز بعضا من الشغف أو الحنين إلى لحظات مضت. تطلق صرختها بألم. للزوجين ولد وفتاة. الولد يمصّ إصبعه دائما، ويحلم بأن يصير قمرا على الأرض »كي لا تخفيه الغيوم«. الفتاة تحاول حماية أخيها من غضب الأم. هذه الأخيرة تحلق له شعره. تحلق شعر ابنتها أيضا. هذا نوع من القصاص. في المدرسة، روتين ورتابة. المشاهد مكرّرة. النسق الدرامي في صوغ الحكايات مبتور. الشخصيات ثقيلة. أي إن حضورها الفني والدرامي غير مكتمل. التصوير عادي. الحكاية لم تقدّم شيئا جديدا. أحبُّ في عبد اللطيف عبد الحميد حرصه الدائم على العمل السينمائي. عشقه السينما وفرحه بإنجاز الأفلام. أحبُّ عمليه الأولين كثيرا: »رسائل شفهية« و»ليالي ابن آوى«. فيهما خليط رائع من النقد الاجتماعي والسياسي بلغة بصرية ساحرة. لم أشاهد له »صعود المطر«. غير أن »نسيم الروح« تصوير شاعري مرهف عن الحب والتضحية والوفاء. قسوة المجتمع الريفي واضحة المعالم في »قمران وزيتونة«. حاول عبد اللطيف عبد الحميد نقلها بأمانة وواقعية، مازجا فيها بعض الفانتازيا والسخرية المريرة والكوميديا الخفيفة. بدا أن الفيلم محاصر بنص عادي. بصُوَر متتالية عن صديقين في عالم حاد الطباع. أعتقد أن مشكلة الفيلم في السيناريو. أو في الهدف من كتابة عمل كهذا. النية الحسنة وحدها لا تكفي. الرغبة في عمل متواضع، والحنين إلى تداعيات إنسانية وحسية لا ينتجان فيلما سينمائيا. عبد اللطيف عبد الحميد واحد من أبرز المخرجين السوريين والعرب، في التسعينيات. أبدى حماسة فائقة في معاينة التحوّلات الاجتماعية والثقافية في مجتمعه السوري. قدّم عملين ممتازين (»رسائل شفهية« و»ليالي ابن آوى«) شكلا ومضمونا. قبل أن ينزلق في العادي، وإن اتّسم العادي بشيء من السحر الشفّاف والهادئ في »نسيم الروح«، مثلا. في »قمران وزيتونة«، شيء يشبه التكرار. أي: عودة مجتزأة إلى الريف، من دون تقديم جديد يذكر. مشاهد متشابهة تمرّ على الشاشة من دون كلل. سياق عادي لحكايات معروفة. عاين »قمران وزيتونة« شيئا من عذاب الطفولة. إنه نتاج عذاب المقموع والعاجز أيضا. في »الساحر«، اختلف نوع القمع والعذاب. بدا الشباب ضائعا. المراهقة مرحلة حسّاسة ودقيقة. المجتمع المديني لا يقلّ قسوة عن شبيهه الريفي. والقاهرة، في هذا المعنى، لا تختلف كثيرا عن مدن وقرى عربية أخرى. الطفولة معذّبة، والشباب ضائع. رضوان الكاشف استعان بشخصية ساحر معتزل، وابنته ذات الأعوام السبعة عشر، كي يعاين واحدة من تفصيلات المجتمع هذا. الأب قلق على ابنته، بسبب طغيان الشرّ. خائف أيضا بسبب الطيش الشبابي. يريدها في المنزل. يبحث عن حصار يحيطه بها. هي تحبّه. هو أيضا ضائع. الجارة لها صيت مخيف. لكنها كشفت عن إنسانية رائعة (سلوى الخطّاب في دور جميل). وقفت إلى جانبه. أعانها على إنقاذ ابنها من العمى. أفهمته أسلوبا آخر للتعامل مع الصبية ابنته. الحب جامح، لكن القمع قاتل. الفتاة تريد جسدها وروحها. تكاد تهوي في الجحيم. غير أن العلاقات الإنسانية السوية أقوى. ابتعد رضوان الكاشف، كلّيا، عن »عرق البلح«. لا شيء يربطه ب»ليه يا بنفسج«. مال »الساحر« إلى ركاكة في صوغ السيناريو (سامي السيوي الذي وضع سيناريو »ليه يا بنفسج«. أليس غريبا أن يكون الرجل مختلفا في عمليه إلى هذا الحدّ؟). شخصيات غنية، ظهرت على الشاشة مبتورة. المعالجة مجتزأة أيضا. لم يتمّ استغلال شخصية الساحر إلى أقصى حدودها. أو شخصية »الحفّافة« (المرأة التي تحلق الشعر عن جسد العروس، ليلة زفافها). كيف أُقحمت شخصية الميلياردير (جميل راتب)، الذي فقد ذاكرته؟ ولماذا؟ هل بسبب المال الذي يحتاجه ابن الحفّافة لإجراء العملية؟ العلاقات ضائعة. تسارع فظيع في تطوّر السياق من دون منطق درامي متماسك. عن المرأة أيضا فيلمان آخران، فازا بجوائز أساسية، تناولا، بشكل أو بآخر، حكاية المرأة. »الكل مشهور« للمخرج البلجيكي دومينيك ديروديره. فاز الفيلم بجائزة أفضل ممثل (جوس دي بو)، وبالجائزة البرونزية مناصفة مع الفيلم الإيطالي »خبز وزنبق« لسيلفيو سولديني (نالت ليتشيا مالييتا عن دورها فيه جائزة أفضل ممثلة). هذان الفيلمان مختلفان. بدا الأول متمحورا حول المرأة، مع أنه تناول حكاية رجل. في حين أن الثاني تمحور حول المرأة، من خلال علاقاتها المبتورة مع ذاتها ومع الآخرين. من خلال علاقتها، أساسا، برجل محبط، يريد الانتحار ويعجز عن تنفيذه. في »الكل مشهور«، يحاول الأب العامل في أحد المصانع أن يحقّق رغباته الفنية عن طريق ابنته. يصطحبها إلى الحفلات الموسيقية. لا تريد ذلك. إنها بدينة وغير موهوبة. هو أيضا يكاد يكون أبعد الناس عن الموهبة. يروي الفيلم بعضا من التفصيلات المعقّدة في مجتمع أشبه بالريفي. يُطرد الأب من المصنع، بعد تقليص عدد العمّال. يهوى تأليف الموسيقى. ما من أحد يستمع إليه. حتى عائلته. وحين يخطف مغنية مشهورة، يفرض نفسه و»أعماله« على المنتجين. المرأة في الفيلم الإيطالي، »خبز وزنبق«، تبحث عن ذاتها وفرديتها. عن بعض استقلاليتها. تجد في صاحب المطعم الصغير ملجأ. يسمح لها بالبقاء عنده، بعد أن تأخّرت مرارا عن اللحاق بعائلتها والرفاق الذين يقومون برحلة سياحية. في منزله، تكتشف أنه موسيقي معتزل. أنه متألم من الداخل. أنه فقد لذّة العيش والفرح. في كل مرة يسعى إلى الانتحار، في غرفته، يحدث أمر ما يجعله يتراجع. في الشريط الأول، تصوير مبسّط للحالة الاجتماعية والإنسانية. في الثاني، تشريح درامي جميل للشخصيتين الأساسيتين.