As Safir Logo
المصدر:

ضرورة المأسسة وإعادة الاعتبار

المؤلف: صقر مروان التاريخ: 2001-11-16 رقم العدد:9057

تنعقد يوم الأحد المقبل الجمعية العمومية لنقابة المحامين في بيروت، في موعد تقليدي سنوي لمناقشة تقرير النقيب والتقرير المالي، ولعله الأهم، لانتخاب اربعة اعضاء في مجلس النقابة في دورة اولى وانتخاب نقيب جديد للمحامين في الدورة الثانية، بعد معركة انتخابية تتميز هذا العام بتوزيع سياسي واضح للمواقف من هذا المرشح او ذاك تلعب فيه الاحزاب السياسية والمجموعات المهنية والمكاتب الكبرى دورا اساسيا يعطي الانتخابات الحالية هذا الطابع المنظم الذي لا يترك مجالا كثيرا امام العلاقات الفردية والشخصية التي غالبا ما كانت تحفظ لنفسها هامشا واسعا في الانتخابات النقابية. اما خارج الاطار النقابي، فإن انتخابات نقابة المحامين تبقى الأكثر جذبا للانتباه والمتابعة من قبل فئات المجتمع اللبناني، فهي ظاهرة تدل على حجم الأهمية والآمال والاحلام التي يعلقها هذا المجتمع بمختلف فئاته على دور نقابة المحامين والنقيب بنوع خاص. والسؤال: لماذا نقابة المحامين ولماذا نقيب المحامين بالذات؟ وما هو المنتظر من هذه الانتخابات؟ مما لا شك فيه ان لنقابة المحامين اهمية خاصة اكتسبتها من كونها الأقدم تاريخا بين نقابات المهن الحرة بالدرجة الاولى، فضلا عن الاستقلالية التي تتمتع بها تجاه الادارة والسلطة التنفيذية باعتبار ان المحامين ليسوا بحاجة لنيل اذن من المحكمة لممارسة مهنتهم اسوة بسائر المهن الحرة الاخرى (كالاطباء والمهندسين مثلا...) اذ ان هذا الاذن يحصل تلقائيا من مجرد انتسابهم للنقابة مما يجعل هذه الأخيرة تقوم بدور سلطة عامة في هذا المضمار. ان مهنة المحاماة بحد ذاتها تلامس من قريب الشأن العام وهي احد الاركان الاساسية لأي نظام يدور على احترام دولة القانون. لذا، فإن نقابة المحامين تلعب دورا محوريا في تسيير المرفق العام القضائي الذي يشكل المحامون احد مقوماته الذي طالما ناضلوا في الدفاع عن استقلاليته، فضلا عن دورها في التشريع ومشاركتها في ابداء الرأي في مشاريع القوانين الاساسية. اضافة الى كل ذلك، فإن لنقابة المحامين مهمة اساسية في الدفاع عن الحقوق والحريات الاساسية للمواطنين وقد شكلت في السنوات الأخيرة رأس حربة المجتمع المدني في التصدي لأي مساس بهذه الحقوق والحريات. وقد برهنت نقابة المحامين في بيروت في مراحل ومفاصل عديدة من تاريخ الوطن انها قادرة على الاضطلاع بدورها المتعدد الجوانب، وأنها على قدر عال من الكفاءة والمسؤولية والاستقلالية بالرغم من الانتقادات التي كانت توجه اليها من جهات مغرضة. ان المواقف التي اتخذتها نقابة المحامين والخطوات التي قامت بها في مواجهة القمع الفكري والسياسي ومحاولة تدجين المجتمع المدني، عديدة ومعروفة ولا حاجة لتفصيلها، بل يكفي التذكير بمواقفها سواء في قضايا التوقيفات العشوائية التي طالت جهات مختلفة او في مظاهرات الاتحاد العمالي العام او في قضية الفنان مرسال خليفة او في سواها من عمليات القمع التي حصلت امام قصر العدل. من هنا، اصبحت النقابة محط انظار النخب السياسية اللبنانية، وأكثر من ذلك تحولت الى مركز استقطاب للعديد من شرائح المجتمع اللبناني الساعية للحفاظ على ما تبقى من احترام للقانون والحياة الديمقراطية. لذا، كان من الطبيعي بل من البديهي، ان يترافق مع هذا الاستقطاب اهتمام واسع بانتخابات نقيب المحامين نظرا للتفاعل القائم بين شخصية النقيب ودور النقابة. ان دور نقيب المحامين يتجاوز المهمة التنظيمية والصلاحيات المنصوص عليها في المادة/60/ من قانون تنظيم مهنة المحاماة بل يتعداها الى دور اخر مزدوج. فهو من جهة، محرك مجلس النقابة الذي يترأسه مما يجعله العنصر الأفعل في طرح السياسات التي يرتئيها على المجلس لمناقشتها على ضوء المشاكل العديدة التي تواجه النقابة. وهو من جهة اخرى، المسؤول الأساسي عن تنفيذ طروحات النقابة وخططها والدفاع عنها تجاه المحامين اولا وغير المحامين ثانيا. والنقيب الجديد الذي سينتخب يوم الاحد القادم ستكون مهمته الاضطلاع بهذا الدور المزدوج في ظل ظروف صعبة للغاية نقابيا ووطنيا. فما المنتظر من النقيب الذي ستأتي به انتخابات الاحد؟ ان المشكلات والتحديات التي تواجه نقابة المحامين عديدة ومتشعبة وهي تطال نشاط النقابة بوجهيها الوطني والمهني وفقا لما اصبح متعارفا عليه. وان مراجعة برامج المرشحين تعطي فكرة وافية عن هذه التحديات والصعوبات التي تطال مختلف جوانب مهنة المحاماة بدءا من تصويب العلاقة مع القضاء الى الامور المهنية الأكثر تفصيلا لشؤون التدرج والتقاعد والضمان الصحي والتأديب الخ...، الى الشأن الوطني العام الذي تتصدى له النقابة في غالب الأحيان. والحديث عن التحديات والصعوبات يستدعي الحديث عن الحلول المقترحة. وبرامج المرشحين تزخر بالحلول والمقترحات، منها ما هو ممكن وواقعي ولا يتطلب سوى امور بسيطة ومنها ما هو طويل الأمد وبعيد المنال حتى لا نقول غير واقعي وغير ممكن. ليست الغاية هنا القيام بتعداد تفصيلي للمشكلات والحلول، فهي معروفة من القاصي والداني من داخل جسم المحاماة ومن خارجه، فضلا عن ان المرشحين لم يتوانوا عن التطرق اليها في مناسبات عديدة. ولكن اذا اردنا مراجعة العناوين الكبرى للتحديات التي تواجه نقيب المحامين عامة والنقيب العتيد خاصة من موقع المراقب لحركة النقابة من الداخل، فان هذه المراجعة تقودنا مباشرة الى استخلاص عنوان عريض هو الأساس الوحيد لأي عملية اصلاحية ترمي الى النهوض بدور نقابة المحامين ومهنة المحاماة الى الواقع المرتجى. فالتحدي اليوم امام نقيب المحامين هو: وضع أسس صلبة لاعادة الاعتبار لمهنة المحاماة والارتقاء بها مجددا الى مستوى الدور الرائد الذي يفترض ان تلعبه في اطار دولة القانون. من هذا المنطلق، تبدأ الحلول لسائر المشاكل والصعوبات والتحديات التي تواجه المحامين والنقابة على حد سواء، وذلك باعادة الاعتبار الى مهنة المحاماة والتأكيد على دور المحامين ونقابتهم على الصعيد الوطني العام. ومن ثم تفعيل هذا الدور في المفاصل الاساسية من الحياة الوطنية. وهذا أمر يساعد على حلحلة المشاكل العديدة التي تعترضهم في ممارسة مهنتهم وتنظم علاقتهم مع القضاء، بحيث يصبح بالامكان اطلاق حوار متعادل ومتوازن بين الطرفين خال من اي حذر او تشكيك متبادلين. قد يتساءل البعض عن السبل التي تؤمن اعادة الاعتبار لمهنة المحاماة؟ ان السبيل الوحيد للوصول الى ذلك واضح ومعروف، لا سيما من المرشحين لمنصب النقيب. وهو تحصين المهنة والجدية في التعاطي مع شؤونها داخليا وخارجيا وهذا امر قد يتطلب في بعض الاحيان اتخاذ خطوات قاسية وغير شعبية، وعلى نقيب المحامين التمتع بالجرأة المعنوية لعرضها على مجلس النقابة واقرارها اولا وتحمل مسؤولية تنفيذها والدفاع عنها ثانيا. ولكن هذا التحدي المطروح اليوم على نقيب المحامين العتيد لن يتم بسحر ساحر ولا ينجز في سنتين، بل يتطلب مسيرة طويلة قد تمتد لعهود عديدة، ولعل هذا، هو التحدي الثاني الذي سيطرح على النقيب: تأمين الاستمراراية. ان تأمين الاستمرارية للخط الذي يكون النقيب المنتخب قد وضع اسسه، اصبح امرا حيويا من اجل تفعيل اي خطوات اصلاحية تكون قد بدأت، مهما قل عددها، ذلك ان عملية اعادة الاعتبار للمحاماة عملية طويلة الأمد ومتلاحقة لا يمكن لأي عهد نقابي واحد ان يتولاها في فترة زمنية محدودة. ولذلك، تبرز »مأسسة« institutionalisation آلية الاصلاح المزمع اطلاقها مع بعض من الليونة يسمح لها بمواكبة تطور الظروف القادمة حتى لا تصبح كل انتخابات مرحلة جديدة تعود فيها الأمور الى نقطة الصفر. هذا هو الدور المنتظر من نقيب المحامين الجديد والمطلوب ان يؤديه، وهذه هي المسؤولية التي عليه ان يتحملها وهي مسؤولية واقعية وكبيرة في آن معا. واقعية، لأنها تتطلب بعض الحزم والجدية في وضع آلية لاعادة الاعتبار لمهنة المحاماة وتأمين استمرارية هذه الآلية من خلال المؤسسات النقابية. ولكنها مسؤولية كبيرة لجهة نتائجها، ذلك ان نجاحها يفتح الباب واسعا لكي تأخذ نقابة المحامين دورها الكامل في مواجهة التحديات الوطنية الكبرى وفي ايجاد الحلول للمشاكل والصعوبات المهنية. ولعله من الضروري القول ان هذه المسؤولية لا يتحملها النقيب ومجلس النقابة فقط، بل جميع المحامين من خلال الاقتناع بموضع الخلل والكف عن البحث عن حلول جزئية ومؤقتة لمشكلة اساسية، والعمل على ان تكون الانتخابات القادمة الخطوة الاولى في هذه المسيرة عن طريق ايصال من يرون فيهم الكفاية لمواجهة مثل هذا التحدي. ولكن هذا الدور المطلوب من النقيب العتيد ومن مجلس النقابة، لا يمكن تحقيقه دون تأمين اوسع التفاف حولهما من قبل المحامين على تعدد انتماءاتهم. من هنا، فان تمثيل الوحدة الوطنية داخل الجسم النقابي تشكل دون ريب التحدي الثالث المطروح على انتخابات يوم الاحد القادم. وهذا التحدي هو بالغ الأهمية وسيكون الداعم الأساسي لأي اصلاح منشود. من هنا ايضا، تكمن مسؤولية المحامين الذين سيتوجهون الى صناديق الاقتراع يوم الأحد والذين عليهم ان يعوا أهمية صوت كل واحد منهم في تحقيق هذا الهدف المركزي بعيدا عن بعض التقنيات الانتخابية التي قد تطيح به. هذه هي التحديات المطروحة، وقد تعود المحامون ان يكونوا على قدر كبير من المسؤولية في مراحل سابقة، فعسى ان يكونوا على ذات القدر من الوعي المسؤول لدى اقتراعهم هذه المرة ايضا، فإن دقة المرحلة التي نمر بها وطنيا ومهنيا تفرض عليهم ذلك.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة