اي قانون جديد يتناول تنظيم قطاع هام وحيوي، كالعمل البلدي، لا بد له من ان يأخذ في الاعتبار التجربة التي مرّ بها. وتجربة لبنان في مجال الادارة المحلية طويلة، وتعود جذورها الى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، قبل ولادة الجمهورية اللبنانية بأكثر من خمسين سنة. وقد خضعت هذه التجربة لقوانين عدة ولاعتبارات مختلفة، كان لها الأثر البارز على العمل البلدي. لقد بيّنت التجربة الأمور الآتية: 1 ميل عام الى تقييد العمل البلدي، من خلال توسيع صلاحيات السلطة المركزية التي تمارس الوصاية او الرقابة على المجالس البلدية، في اطار اللامركزية الادارية. وقد جاءت الممارسة لتؤكد ذلك، ففي اوقات كثيرة كانت السلطة المركزية، اي سلطة الرقابة، تتجاوز النصوص القانونية في تشديد رقابتها على هذه المجالس وشل عملها. 2 ضعف الموارد المالية للبلديات، مما حد من قدرتها على تنفيذ المشاريع في اطار الصلاحيات الممنوحة لها. وعلى الرغم من ذلك تجاوزت الحكومة مرارا صلاحياتها وتصرفت بأموال الصندوق البلدي المستقل خلافا للقانون، مما حرم المجالس البلدية من بعض وارداتها. 3 ضعف الجهاز البشري الذي يتولى العمل البلدي ان على مستوى رئيس وأعضاء المجلس البلدي او على مستوى الجهاز الإداري، وعدم إعداده لممارسة المهام الموكولة اليه. 4 المشكلة التي واجهتها بلدية بيروت نتيجة تولي المحافظ السلطة التنفيذية في بلدية العاصمة، والخلافات شبه المستمرة بينه وبين رئيس البلدية. اضافة الى قضية التمثيل الصحيح والمتوازن لكافة شرائح مجتمع العاصمة في المجلس البلدي. وإذا ما تناولنا مشروع القانون نجد الأمور الآتية: 1 قلّص القيود الموضوعة على تنفيذ قرارات المجالس البلدية الى حد ما، فبدلا من ان تكون رقابة ديوان المحاسبة رقابة مسبقة جعلها رقابة لاحقة. ومن دون ان يلغي رقابة القائمقام والمحافظ الذي حدد لهما مدة زمنية للبت في المعاملات (15 يوما للمحافظ وأسبوعا للقائمقام)، وكان ينبغي ان ينص مشروع القانون على ان قرارات المجلس البلدي تعتبر مصدقة ضمنا اذا لم يتخذ قرار بشأنها ضمن المهلة المحددة. وذلك على غرار ما نصت عليه المادة 62 من مشروع القانون بشأن توقيع وزير الداخلية والبلديات. والذي يطبق على الوزير يجب ان يطبق على الموظفين التابعين له. وما عدا تحديد المدة الوارد ذكرها اعلاه، لم يقلص مشروع القانون عمليا من رقابة القائمقام والمحافظ على المجالس البلدية. اما بالنسبة للرقابة التي يمارسها وزير الداخلية والبلديات، فقد حدد لقراره مدة زمنية معينة، واعتبرت بعض قرارات المجلس البلدي مصدقة ضمنا اذا لم يتخذ قرار من الوزير بشأنها، وهي الواردة في المادة 62 من مشروع القانون. اما القرارات الاخرى الخاضعة لموافقة الوزير، فلم ينص مشروع القانون على اعتبارها مصدقة ضمنا اذا لم يجر البت بها ضمن المدة المحددة (المادة 57)، في حين نص على اعتبار قرارات اخرى للمجلس البلدي، تتطلب موافقة وزيري الداخلية والمالية، مرفوضة ضمنا اذا لم تجر الموافقة عليها ضمن المهلة المحددة (المادة 58). وقد يؤدي ذلك، في ظل بطء بت المعاملات الادارية، الى التأثير سلبا على عمل البلديات. فمشروع القانون خفف القيود على المجالس البلدية، وكان من الممكن تخفيفها اكثر من اجل اطلاق العمل البلدي، خصوصا انه اخضع البلديات للتفتيش المركزي، وهذا يشكل عاملا ضابطا لأدائها. 2 لم يأت مشروع القانون بجديد في شأن زيادة الموارد المالية للبلديات، في حين نص على اقتطاع نفقات الرواتب والأجور والتعويضات التي يتقضاها العاملون من خارج الملاك في المديرية العامة للإدارات والمجالس المحلية، من اموال »الصندوق البلدي المستقل«، مع العلم ان العاملين في المديرية العامة للإدارات والمجالس المحلية، يتبعون مباشرة السلطة المركزية، ويجب دفع رواتبهم وأجورهم وتعويضاتهم من الأموال المرصودة في الموازنة العامة وليس من اموال الصندوق البلدي المستقل. فأموال هذا الصندوق مجباة لمصلحة البلديات، ولا يجوز للسلطة المركزية ان تتصرف بأي جزء منها. 3 خطا مشروع القانون خطوة متقدمة في مجال اعداد الجهاز البشري الذي يتولى العمل البلدي، فنص على انشاء معهد تدريب يقوم بتدريب الموظفين في البلديات وعناصر الشرطة والحرس البلديين، كما نص على امور تتعلق بتنظيم هؤلاء بغية القيام بالمهام الموكولة اليهم. وحبذا لو نص على اجراء دورات تدريبية لرؤساء وأعضاء المجالس البلدية. 4 نص مشروع القانون على انتخاب رئيس ونائب رئيس المجلس البلدي بالاقتراع العام المباشر، وكان المرسوم الاشتراعي رقم 118 تاريخ 30/6/1977 قد اعتمد ذلك، غير ان تعديلات ادخلت اليه، قبل اجراء الانتخابات البلدية في ربيع 1998، قضت بالعودة الى الطريقة السابقة وهي انتخاب الرئيس ونائب الرئيس من قبل اعضاء المجلس البلدي، واعطاء هذا المجلس حق سحب الثقة من كليهما بعد انقضاء ثلاث سنوات. ان انتخاب الرئيس ونائب الرئيس بالاقتراع العام المباشر يعتبر خطوة ايجابية، نظرا للصلاحيات التي يتمتع بها رئيس البلدية، والتي تفترض اختياره مباشرة من قبل الناخبين وليس من قبل اعضاء المجلس البلدي، خصوصا ان انتخابه من قبل هؤلاء يجري، في معظم الحالات، في اطار صفقات، تأتي على حساب العمل البلدي. اما بالنسبة لفرض دوام كامل على كل من رئيس البلدية ونائب رئيسها، لتأمين وجودهما في صورة دائمة خلال اوقات الدوام الرسمي، لتتبع سير العمل الاداري والنشاط البلدي، فإنه ضروري في البلديات الكبرى، اما في البلديات الوسطى والصغرى فيكفي حصر الدوام بالرئيس، وبنائب الرئيس اذا كان يقوم مقام الرئيس، خصوصا ان الامكانات المالية لهذه البلديات لا تسمح بفرض دوام على اكثر من مسؤول واحد في المجلس البلدي، لأن الدوام يكون مقابل بدل اتعاب. 5 في ما يختص ببلدية بيروت. لقد أناط مشروع القانون السلطة التنفيذية في بلدية بيروت برئيس المجلس البلدي، كسائر البلديات الاخرى، خلافا لما نص عليه القانون المعمول به حاليا والقوانين السابقة له، والتي اناطت السلطة التنفيذية في بلدية بيروت بالمحافظ. لقد اتخذ هذا الاجراء من اجل انهاء الازدواجية، وتولي السلطة التنفيذية في المجلس البلدي من قبل رئيسه، وهو أمر طبيعي، وليس من قبل المحافظ الذي هو من السلطة المركزية، لما في ذلك من تعارض مع مفهوم اللامركزية الادارية. اما المستغرب فهو تعيين محافظ واحد لمحافظتي بيروت وجبل لبنان، وفقا للمادة 130 من مشروع القانون. فإذا كانت الصلاحيات المتبقية لمحافظ بيروت لا تتطلب تعيين محافظ للعاصمة فلتناط هذه الصلاحيات بمدير عام وزارة الداخلية، فيتولى هذا الأخير شؤون محافظة العاصمة. تبقى مشكلة اساسية في بلدية بيروت لم يعالجها مشروع القانون، وهي التمثيل الصحيح والمتوازن في المجلس البلدي. لقد نصت المادة 9 في الفقرة 2 منه على ما يأتي: »تؤلف البلدية دائرة انتخابية واحدة«. وإذا جاز ذلك بالنسبة للبلديات الصغرى والوسطى فلا يجوز مطلقا في البلديات الكبرى، وبخاصة بلدية بيروت التي يبلغ عدد الناخبين فيها، وفق لوائح الناخبين، اكثر من اربعماية الف ناخب، وقد بلغ عدد المقترعين فيها، في الانتخابات البلدية للعام 1998، نحو 130 الف مقترع. ومن المؤكد انه كلما كبر حجم الدائرة الانتخابية كلما ضعفت الصفة التمثيلية. ومن المفترض ان تمثل في المجلس البلدي مختلف فئات وشرائح المجتمع، فإذا كان يجري التذرع في الانتخابات النيابية بمقولة ان النائب يمثل الأمة جمعاء، فلا يجوز بأي حال من الاحوال التذرع بمقولة مماثلة والقول بأن عضو المجلس البلدي يمثل المجتمع البلدي بأكمله مهما كان كبيرا ومهما كان معقدا ومتنوعا في تركيبته. فطبيعة العمل البلدي تفترض مشاركة فعلية ومباشرة من قبل المواطنين، وبالتالي تمثيلهم بشكل صحيح في المجلس البلدي الذي سيتولّى شؤونهم المحلية. لقد شكلت صحة وتوازن التمثيل في مجلس بلدية العاصمة مشكلة مزمنة، ازدادت حدة مع الزمن بسبب التحولات الديموغرافية، مما حدا بالمشترع الى تضمين القوانين التي حكمت البلديات نصا قضى بتعيين ثلث اعضاء مجلس بلدية العاصمة بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء. وقد ألغي هذا النص قبل اجراء الانتخابات البلدية عام 1998، وجرى تدارك الذيول الناتجة عن الغائه بتأليف لائحة انتخابية توافقية ومتوازنة طائفيا فرضت نفسها في الانتخابات، بدعم مباشر من رئيس الحكومة رفيق الحريري، كأمر واقع، فجاء التوازن المفروض فرضا على حساب التمثيل الديمقراطي الذي يعبر من خلاله المواطنون عن ارادتهم. وعلى الرغم من ذلك خرقت لائحة التوافق البيروتي، وأكدت الانتخابات مدى تحكم العصبيات المذهبية في سلوك السواد الأعظم من المقترعين. وقد برز ذلك في الفارق الشاسع بين اصوات المرشحين على لائحة التوافق البيروتي نفسها، تبعا للون المذهبي الطاغي في كل منطقة من مناطق العاصمة. ان التمثيل الصحيح والمتوازن في مجلس بلدية بيروت، تنبغي معالجته في اطار القواعد والأصول الديمقراطية وبشكل ثابت ومستقر بعيدا عن الاصطناع والتركيبات الآنية، وذلك بتقسيم بيروت، في الانتخابات البلدية، الى اثنتي عشرة دائرة انتخابية، بحيث تتحول كل دائرة عقارية فيها الى دائرة انتخابية. مع العلم ان لوائح الناخبين وأقلام الاقتراع موزعة منذ زمن بعيد على هذه الدوائر العقارية. ويخصص لكل دائرة انتخابية عدد من المقاعد في المجلس البلدي يوازي حجم عدد الناخبين المسجلين فيها، ويجري انتخاب رئيس البلدية ونائبه من قبل الناخبين في جميع الدوائر الانتخابية في بيروت، في حين يجري انتخاب الاعضاء عن كل دائرة من قبل الناخبين المسجلين في الدائرة. اما المناطق العقارية التي تتحول الى دوائر انتخابية، وفق هذا الاقتراح، فهي الآتية: الاشرفية، ميناء الحصن، الرميل، المدور، المرفأ، الصيفي، زقاق البلاط، الباشورة، دار المريسة، المصيطبة، رأس بيروت والمزرعة. اضافة الى التمثيل الصحيح والمتوازن، يؤدي اعتماد هذه الدوائر الانتخابية الى تخفيف الاعباء المالية على المرشحين لأنه يحصر الاقتراع بالنسبة لاعضاء المجلس البلدي بدوائر محددة، ويحد بالتالي من دور المال في الانتخابات، ويحافظ في الوقت نفسه على وحدة العاصمة من خلال مجلس بلدي واحد، رئيسه ونائب رئيسه منتخبان من جميع الناخبين في العاصمة. (*) استاذ في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية. نائب رئيس ندوة العمل الوطني.