ينظم الشواطئ الشمالية حاليا، المرسوم رقم 3362 تاريخ 26/5/1972. وهو محطة من محطات تشريعية عدة، في التنظيم المديني والبناء، صيغت كلها في ظل مفاهيم »التنظيم المديني الحديث«، التي سادت في بلدان الغرب طيلة قرن ونيف، من 1860 حتى 1970. وقد وصلتنا هذه المفاهيم بداية، مع رواد من عندنا، درسوا في كبريات العواصم الغربية، ثم مع الانتداب الفرنسي ومع صدور قانون البناء الاول في العام 1940، ثم مع قانون البناء المعدل، الصادر في العام 1954، ثم مع قانون التنظيم المدني، الصادر في العام 1962، ثم مع المراسيم التطبيقية ومع التعديلات المتلاحقة للقانونين، آخرها تعديلات العام 1983. تنظيم الشواطئ اللبنانية نلاحظ اذا،ً ان النصوص التشريعية في التنظيم المديني والبناء، قد اكتملت نسبيا عندنا، خلال عقد من الزمن (1954 1962). وكان تنظيم الشواطئ اللبنانية من المواضيع الرئيسية، التي استرعت الاهتمام الرسمي، والتي عولجت انطلاقا من قانون التنظيم المدني الجديد. فصدر التصميم التوجيهي للشواطئ اللبنانية في مرسوم رقم 4809 تاريخ 24/6/1966، ومرفقا بالمرسوم رقم 4810 المخصص لنظام اشغال الاملاك العامة البحرية. المرسومان صدرا معا: } مرسوم تنظيم الشواطئ اللبنانية رقم 4809، الذي اعتبر الشاطئ حيِّزا طبيعيا واحدا، متواصلا، وهو ملك عام لجميع اللبنانيين يصلونه بحرية، وهو ثروة وطنية، الحفاظ عليها من التعديات ومن البناء العشوائي، واجب. ففرض المرسوم، في معظم اقسام الشاطئ عوامل استثمار منخفضة (3،0). وألزم البناء بالتراجع 20 مترا عن حدود الاملاك العامة البحرية. وكان صارما لجهة المساحات الدنيا الصالحة لانواع الاشغال المختلفة. واشترط في مناطق المنشآت الكبيرة، ان لا تتعدى الواجهة 30$ من واجهة العقار الرئيسية، كي لا تحجب الابنية البحر. إلا انه، سمح في هذه المناطق، برفع عامل الاستثمار الى 4،0، اذا بلغت مساحة العقارات 60000م2. وقد ادى هذا الاستثناء تسانده قرارات خاصة، الى اقامة مجمعات ضخمة في منطقة المعاملتين طبرجا، غيرت معالم خليج جونيه، وبدأت تشوه معالم الشاطئ فيه. وكانت قد سبقتها الى ذلك مجمعات قامت، في جنوب بيروت. } اما المرسوم رقم 4810، الذي حدد نظام اشغال الاملاك العامة البحرية، فقد سمح بخصخصة الشاطئ، عندما تجاوز المادة الاولى فيه، التي تؤكد على بقاء الاملاك العامة البحرية باستعمال العموم، وسمح في المواد اللاحقة، »بتخصيص جزء من الشاطئ لاشغال افراد او مجموعات، وحصر هذا الانتفاع بهم من دون سواهم«، ضمن شروط، كان من السهل تجاوزها، عندما سمح ايضا، »ببناء انشاءات دائمة على الاملاك العامة البحرية تعود للتجهيزات الرياضية والتنظيمية، وملحقات الانشاءات، التي يتوجب ايجادها قريبة من الشاطئ«. الشواطئ الشمالية والجنوبية في ظل هذه الرؤية، التي تدفع باتجاه زيادة عوامل الاستثمار على الشاطئ، وفي ظل القدرة على خصخصة الاملاك العامة البحرية كما نص المرسوم 4810، اصبح المرسوم 4809، الذي ينظم الشواطئ اللبنانية انطلاقا من الثوابت التي اشرنا إليها، اصبح المرسوم عائقا يلجم السياحة، ويلجم العمران على الشاطئ، ومن الملح استبداله. فاستبدل على عجل بمرسومين، مرسوم ينظم الشواطئ الشمالية، رقم 3362 تاريخ 26/5/1972، ومرسوم ينظم الشواطئ الجنوبية، رقم 5450 تاريخ 17/4/1973. نص واحد، وانظمة ارتفاقية واحدة في المرسومين. كيف نقرأ مرسوم تنظيم الشواطئ الشمالية؟ كيف نقارنه بالمرسوم رقم 4809. في القراءة المتأنية للمرسوم، يمكننا ايجاز اهتماماته بعنوانين رئيسين: الاول: تشجيع السياحة، وتعزيز دورها في الاقتصاد الوطني، وفق رؤية عقارية صافية. الثاني: تنظيم البلدات على الشاطئ، وفق النمط المعتمد في مدننا الكبيرة. في العنوان الاول، ثلاث آليات اعتمدها المرسوم لتحفيز السياحة، وفق تصور واضعيه: الآلية الاولى، هي في تعميم المناطق السياحية المخصصة للمطاعم والحمامات البحرية، والمؤسسات السياحية والفندقية، على الشاطئ الشمالي بكامله، من طبرجا حتى الحدود الشمالية، من دون الاهتمام بخصائص الشاطئ وميزاته واختلافها من منطقة الى اخرى، ومن دون التأكد من ملاءمة هذه المنطقة او تلك، للاشغال السياحي الذي خصصت له، ومن دون اي مراعاة للمواقع الطبيعية، والمواقع الاثرية، والاراضي الزراعية، والثروات الحرجية. باختصار، إباحة كل الشاطئ للبناء، وكامل الاملاك العامة البحرية للخصخصة. فالاراضي الزراعية من طبرجا حتى قرطبون، ووادي نهر ابراهيم ومصبه، بقيمته التاريخية وبثرواته الطبيعية، والشريط الشاطئي الضيق الطويل من المنصف حتى البترون، وسفوح راس الشقعة الفريد، في موقعه وشكله، وقيمته الجمالية، والمنطقة الاثرية في انفه وملاحاتها واحراج الزيتون فيها، والشاطئ بكامله من دير عمار حتى الحدود الشمالية، كل الواجهة البحرية الشمالية، هي للسياحة وللمؤسسات السياحية. انه البناء المتواصل، يغطي الشاطئ. انه طوفان السواح علينا وفق تصور المرسوم، يأتون من كل صوب، يسكنون عندنا في كل قفر، تحت الاسقف وفوقها، ويغرقوننا جميعا، في نعيم ثروة متجددة، لا تنضب. والآلية الثانية، هي في رفع معدل الاستثمار السطحي في هذه المناطق ورفع عامل الاستثمار العام فيها، من 15$ الى 20$ لمعدل الاستثمار السطحي، ومن 30،0 الى 4،0 لعامل الاستثمار العام. اما الآلية الثالثة، فهي تخفيف الشروط الارتفاقية، المفروضة على البناء في هذه المناطق بخطوات تسيء الى الشاطئ، والى الاملاك العامة البحرية، واهمها: تخفيض التراجع الالزامي عن الاملاك العامة البحرية من 20م. الى 10 امتار، وتخفيض المساحات الدنيا المعدة للاشغال السياحي المتنوع. نشير، في العنوان الثاني الى إصرار المرسوم على تنظيم مدن الشاطئ الصغيرة، وفق النمط التنظيمي المعمول به في مدننا الكبيرة. مثالاً البترون وشكا ففي البترون وشكا كمثالين لمدينتين صغيرتين، نفاجأ بداية، بأن كامل اراضي المنطقتين العقاريتين، يصنفها المرسوم اراضي للبناء، في رؤية مدينية جافة، لا علاقة لها بمفهوم ترتيب الاراضي. فلا وجود لارض زراعية تحمى، ولا لمساحة حرجية يحافظ عليها للنزهة او للتنفس، او لتكون احتياطا للمستقبل. والمرسوم يبعثر البناء في اراضي البلدتين في كل الاتجاهات برغبة وبتصميم غير مفهومين. ثم نفاجأ ايضا بأن التنظيم يقوم على لحظ منطقة تجارية حول الطريق الدولي، لها نظام ارتفاقي خاص، ويعتبرها قلب البلدة، متجاهلا قلبها التاريخي (في مثال البترون). ثم ينظم البلدة حول قلبها المفترض هذا، كما نظمت بيروت حول وسطها، في اربع او خمس مناطق سكنية بأنظمة ارتفاقية مختلفة، مع تخصيص الواجهة البحرية للمنشآت السياحية والفندقية، من دون نسيان المنطقة الصناعية الدائمة الحضور. فنستغرب كل هذه البعثرة في اشغال الاراضي، وكل هذه »العجقة« من الانظمة الارتفاقية المعقدة، في مثل هذه البلدات الصغيرة، والتي تفقدها طابعها، وهويتها. طفرة البناء في زمن الحرب علينا ان نقر بداية، بعد هذه المقاربة النقدية للمرسوم 3362، ان الاوضاع العامة في البلاد، لم تساعد على اختبار نتائج العمل به في ظروف طبيعية. اذ داهمتنا الحرب بسرعة بعد صدوره. والحرب حالة غير طبيعية. ثم داهمتنا بعد توقفها، سنوات الاعمار كما سميت، وكانت هي الاخرى غير طبيعية. ثم تبعتها سنوات الركود التي تستمر اليوم بكل ثقلها، وهي ايضاً غير طبيعية. الا اننا نستطيع، رغم هذه التقلبات، ان نتكلم عن طفرتين في انتشار البناء على الشواطئ الشمالية، الاولى اثناء سنوات الحرب، والثانية اثناء »سنوات الاعمار«، فكيف تجلت الطفرتان، في منطقة الشواطئ الشمالية؟ من نهر الكلب حتى طبرجا، اقفلت المجمعات البحرية، المغلقة، الواجهة البحرية باحكام. فاحتلت الاملاك العامة البحرية بالقانون او بالتعديات، وخصخصت الشاطئ وجزأته، مدمرة وحدته، وحولته الى جزر استثمارية متلاصقة. وبدت الطفرة شاملة حتى تجمع المعاملتين طبرجا. ومن طبرجا حتى بقاق الدين، بدا فعل الطفرة متناقصاً كلما ابتعدنا عن جونيه اي عن ضاحية بيروت، ليتوقف في حالات الفيدار على ابواب جبيل. فالفجوات في الجدار الذي يغلق البحر هناك كثيرة، رغم النزوح الكثيف الى هذا الجزء من الشاطئ اثناءالحرب. وتواصل النسيج المبني، الذي يوحي به استمراره الشريطي على جانبي الطريق الدولي، او على جانبي الاوتوستراد، هو ايحاء كاذب، لأن التدقيق الميداني يظهر بعثرة في البناء، وهدراً في اشغال الاراضي، واختلاطاً للبناء مع الزراعة الناجحة، في البيوت البلاستيكية وخارجها. وتنتصر الزراعة بصورة حاسمة في حالات ومستيتا وقرطبون. ومن القلمون حتى طرابلس، الوضع مشابه لما هو عليه بين نهر الكلب وطبرجا. فقد احتلت المجمعات البحرية الكبيرة كل الواجهة البحرية، فاعتدت وخصخصت، وشوهت. ولكن اين السياحة في كل هذا؟ اين المؤسسات الفندقية والسياحية التي نص عليها المرسوم 3362؟ نتساءل، لان المجمعات البحرية التي نشأت خلال الطفرتين، لا تشكل مؤسسات سياحية. انها نوع من قرى الاصطياف على الشاطئ يملك اللبنانيون 60$ منها، ويستأجرون موسمياً 20$ منها ايضاً. يعيشون في داخلها طيلة فصل الصيف، ويشاركون اهل المناطق حيث تقوم، الماء، والكهرباء، والطرقات. يلوثون البحر بمجاريرهم، والهواء بدخان سياراتهم، والارض بنفاياتهم. يحتكرون البحر، ويحتكرون الشاطئ، دون ان يقدموا الى مناطق اصطيافهم على الشاطئ، ما يساعدها ويساهم في نموها. والمجمعات البحرية ليست مؤسسات فندقية وليست مجهزة لتقديم الخدمات الفندقية المعروفة. ان المجمعات البحرية القائمة او التي ستقوم، هي عمليات عقارية صرف، يقوم بها افراد قلائل بهدف الربح. بعد الوقفة عند المحطات التشريعية الاساسية، وبعد تقويم المراسيم التي نظمت الشواطئ، كيف تبدو منطقة الشواطئ الشمالية اليوم؟ وهل من تصور لحل الاشكاليات التنظيمية المطروحة؟ } الحيز الطبيعي والاستعمالات الحالية للاراضي: يبدو حيز الشواطئ الشمالية في الخرائط، شريطاً طويلاً، ضيقاً، منبسطاً ومحصوراً طوبوغرافياً. هذ اما تؤكده ايضاً التحقيقات الميدانية المتكررة. واذا اعتبرنا النتوء البارز لمدينة طرابلس ومينائها في البحر فاصلا طبيعياً، يمكننا ان نقسم هذا الحيز الشريطي الطويل، انطلاقاً من شكله، ومن خصائصه الطبيعية،ومن الاستعمالات الحالية للاراضي فيه، الى قسمين، قسم شمالي، يمتد من البداوي حتى الحدود الشمالية، ويتصف بكونه اتساعاً، وقسم جنوبي، يمتد من كفرياسين طبرجا الى الحريشة، عند القلمون. دير عمار المنية البارد في القسم الشمالي، نستطيع، ان نلاحظ وجود منطقتين، بميزات، ووظائف مختلفة: المنطقة الاولى، الممتدة من دير عمار المنية حتى مصب نهر البارد هي منطقة زراعية اساساً، وهي غنية بآثارها التي تعود الى العود الفينيقية والعربية والمملوكة والعثمانية. اخترقها الاوتوستراد، فمزق الاراضي الزراعية. وانتشرت فيها اثناء الحرب، بعض الصناعات الحرفية، مثل الحدادة، وميكانيك السيارات وطلائها،... الخ. والكثير من النشاطات التجارية. فازداد عدد سكانها، رغم الهجرة الكبيرة الى اميركا واستراليا، وانتشر البناء المبعثر، بين البساتين وعلى جانبي الاوتوستراد والطريق الدولي القديم، وبدا الاختلاط فجاً بين الزراعة والبناء. هُدرت الاراضي، ولم يقم في البلدة نسيج مديني متماسك. لذا يبدو من المفضل ان يتم تكثيف البناء في الاماكن حيث يوجد فيها الان، وان ينظم التواصل، بين الجزر المبنية حالياً. وربما استطاع المعنيون بتنظيم بلدة المنية، تحقيق ذلك، باعتماد منطقتين فاصلتين، الاولى في شمالي المنية، والثانية في منطقة عرطوسي. والمنطقتان، هما في وسط المدينة، عبر حصره هناك.وربما ساعد ذلك في نشوء نسيج مديني متماسك، يليق بالمدينة وبسكانها، وهي مركز تجاري، ومركز حرفي صناعي، ومركز لتجمع مواقع اثرية وتراثية هامة. البارد العريضة اما المنطقة الثانية، فهي المنطقة الشاسعة، الممتدة من مصب نهر البارد الى الحدود الشمالية في العريضة. ولهذه المنطقة، خصائصها الطبيعية التي تجعلها شديدة الاختلاف عن باقي مناطق الشاطئ. والاستعمال الحالي للاراضي فيها يكاد يكون محصوراً بالزراعة في السهل، او ببعض النشاطات المرتبطة بالبحر على الشاطئ، مثل صيد السمك في العبدة، واستخراج الملح، في الشيخ زناد. لذا يبدو من الطبيعي تصحيح ما جاء في المرسوم 3362، الذي خصص كامل الواجهة البحرية للمؤسسات السياحية. والواجهة البحرية هذه، مكونة من كثبان رملية غير مثبتة، تعرضت ولا تزال للسطو، كما ان العواصف يمكنها ان تحدث فيها تغييرات كبيرة. لذا، يبدو من الضروري الآتي: حماية الشاطئ الرملي، ومنع اي عمران ثابت فوقه. ومنع السطو على الرمال، والمبادرة الى تثبيتها، وجعل الشريط الرملي فاصلا، يحمي السهل الزراعي، شرقه. تنظيف مصبات الانهر، وتنظيف الشاطئ، حل مشكلة النفايات. حماية السهل الزراعي، واختيار الزراعات الملائمة، مناخياً واقتصادياً. الحريشة كفرياسين اما في القسم الجنوبي، والممتد من الحريشة حتى طبرجا كفرياسين، فاننا نلاحظ، انطلاقاً من المعايير التي ذكرناها، وجود ثلاث مناطق: المنطقة الاولى، من الحريشة حتى البترون، يمكنها ان تشكل حيزاً مميزاً، يصلح لرؤية تنظيمية نموذجية بمراكز جذب متعددة، متكاملة، لكل مركز دوره، في التنظيم وفي التنمية، وقوة الجذب في انفة، هي البلدة بكاملها، وبمكوناتها التي تصنع هويتها وفرادتها نظراً للآتي: هي موقع جغرافي مميز برأسها الناتئ في البحر وبعلاقتها به. وهي بلدية تاريخية، تتراكم فيها الاثار، من الالف الرابع قبل الميلاد، الى العهد الفينيفي، فالروماني، فالبيزنطي، فالصليبي، فالمملوكي، فيها كنائس تاريخية بيزنطية وصليبية، تستعمل الان. وفيها منازل تراثية ذات قيمة معمارية اكيدة. وفيها خاصة، ذلك السحر العفوي، الذي يصنع جمال احيائها السكنية الداخلية التي تحوط الكنائس، وتجاور الاثار، وتعشق البحر منذ عقود، وتتجمع خلايا حية حول زواريب ضيقة. تطل على هذه الزواريب، معظم أبواب البيوت. ومن الصعب تصور بلدة انفة محرومة من الحرف الثلاث التي يمارسها اهلا، وقد ساهمت الحرف الثلاث هذه على مر العضور، في صنع هويتها، حرفة استخراج زيت الزيتون من البساتين التي تحوطها، وتساهم في صنع سحرها، حرفة استخراج الملح من مياه البحر. وفي رأس الناطور اكبر تجمع للملاحات في لبنان، وحرفة صيد السمك. ومن الصعب أيضا تصور المشهد العمراني العام لبلدة انفة بدون ملاحاتها، وبدون حقول الزيتون فيها، وبدون مرفأ صياديها. تماما كما أنه من المستحيل تصور بلدة أنفه بدون آثارها، وكنائسها، وكل ما يصنع قيمتها التاريخية. إنها الثروة الحقيقية، ومصدر الجذب المميز فيها. انها ثوابت تحافظ عليها كل رؤية موضوعية لتنظيم هذه المنطقة، وتبني فوقها، فتوسع الساحات العامة والمتنزهات أمام الكنائس تربط البلدة بالبحر، وتتمدد عبر زواريب الأحياء، وترسم المسارات الدافئة داخل هذه الأحياء، وتجعل منها مطارح تنزه، وزوايا تأمل، وشرايين تربط البلدة القديمة بالخلايا السكانية الجديدة شرقها. وتخص بالاهتمام مسارا مميزا يربط ساحة الكنائس، بالمغاور التاريخية وبمجمع دير مار يوحنا، ثم تزيل المرفأ المستحدث عند بوابة »القلعة الفينيقية« وتشيد مرفأ جديدا في منطقة البيادر، أو في أي مكان ملائم آخر، وتعززه بتجهيزات مكملة مثل سوق السمك، والمطاعم المتخصصة والدكاكين والزوارق الصغيرة للنزهات البحرية، وتقيم متحفا للملح، وآخر للزيتون وزيته، بالتعاون مع وزارتي الاقتصاد والبيئة، وتحرص على أن تبقى المباني في البلدة من ثلاثة طوابق، وعلى أن تُطلى كلها، باستثناء المباني المكسوة بالحجر الصخري أو الرملي، باللون العاجي، أو باللون الرملي، أو باللون الكلسي الأبيض. كما تحرص ان تتضمن أنظمة البناء المعمول بها داخل البلدة القديمة، شروطا خاصة تسمح بالتلاصق وبعدم التراجع عن الطرقات، بما يسمح بتجديد النسيج العمراني، دون الإساءة الى طابعه المميز، وتربط الطرقات الزراعية الموجودة شرق الخلايا العمرانية الجديدة، وتحولها الى طريق التفافي يزنر البلدة، يرسم حدود التمدد العمراني فيها، ويحمي حقول الزيتون. ثم يربطها بالطريق الدولي عند طرفيها في الشمال وفي الجنوب. وعلى الرؤية التنظيمية الموضوعية، ان لا تقع في شرك أوهام، تنتظر طفرة المجمعات البحرية التي لحسن الحظ، لم تأت خلال العقود الثلاثة الماضية رغم كل المحفزات. وهي لن تأتي بالتأكيد في العقدين المقبلين، خاصة بعد الذي حصل في العالم مؤخرا، بكل انعكاساته عندنا. وربما يكون من المفيد ان تحافظ على منطقة سياحية جنوب أنفة قبل الملاحات، وأخرى صغيرة في شمالها. البترون وتبدو بلدة البترون في الطرف الجنوبي لهذه المنطقة، مركز استقطاب مميزا أيضا. تتعدد فيه أوجه الجذب، التي من شأنها لو أحسن استخدامها، ان تساهم في تطور هذه المنطقة. ففي البترون، قبل كل شيء موقعها المميز، تطل منه على البحر بارتفاع ملائم تنسج معه علاقة حميمة عبر أدراج ومنحدرات توصل الى المرفأ وإلى الصخور. كما تطل منه على التاريخ يحمله السور الفينيقي والمرفأ الفينيقي الجنوبي. فيها تاريخها. إنها مدينة تاريخية بامتياز. في سلعاتا قبالتها مغاور إنسان العصر الحجري، وفيها آثار العصور الفينيقية والرومانية، وبجوارها العربية، والصليبية، (كبا والمسيلحة) وبجوارها أيضا، وادي نهر الجوز بكل قيمته البيئية والجمالية والتاريخية. و فيها الى ذلك كله قلبها المدينة التاريخية بكنائسها المعمرة وبمنازلها تحوطها الحدائق خلف الأسواق، وبأسواقها القديمة. تحتل المدينة القديمة معظم الواجهة البحرية لبلدة البترون، وهي مسكونة اليوم بنسبة مقبولة. والسكن فيها مميز ونسيجها المديني فريد وهو أحد عناصر الجذب فيها. إذ توصل الطرقات الضيقة السيارات الى بوابات الأسوار، وخلف كل بوابة فسحة وحديقة. والنسيج المديني في البترون هو نقيض النسيج المديني في أنفة، وهو يكمله عمرانيا وجماليا. ذابت معظم البيوت التراثية في انفة تحت الطوابق التي أضيفت فوقها، فغابت معظم الحدائق وأطلت كل الأبواب على الزواريب، في إلفة إنسانية لافتة. أما في البترون فإن الحدائق تحجب معظم الأبواب. لا مصنعات متحفية هنا، بل تاريخ آهل بالسكان، ومن عوامل الجذب فيه ناسه. وعلى المتصدي لتنظيم هذه المنطقة ان يحافظ على هذه الميزة الفريدة التي تخزنها بلدة البترون القديمة، فلا يسعى لتحويلها الى مدينة متحفية، سياحية، مشهدية، تملأها المطاعم والحانات، هذا إذا نجح في ذلك. بل يبقيها تراثا حيا يقطنها ناسها، ويضخ فيها المتاح من عوامل الحياة المعاصرة، ومن مقومات النشاطات الاقتصادية المنتجة. وعليه أن يعيد بعضا من دور إلى أسواقها القديمة عبر وصلها عمرانيا ووظيفيا، بمراكز الثقل التجارية المستحدثة خارجها. والبترون الحديثة المعاصرة هي: مركز القضاء، ومركز إداري رسمي. مركز تجاري مالي، وسوق كبيرة يزورها يوميا ما يزيد عن 3000 متسوق. مركز لتجمع أصحاب المهن الليبرالية بأعداد كبيرة ومركز الاستشفاء ومركز للأبحاث العلمية وللتعليم. مرفأ وسوق للسمك، وتجمع للصيادين وزراعة للخضار وللأشجار المثمرة. مركز للمجمعات البرية جنوب البلدة ومركز لحرف متعددة، موجودة في البلدة أو في القضاء. وعلى الرؤية التنظيمية الموضوعية للبترون ان تستثمر كل عناصر الجذب الظاهرة، وأن تبرز عناصر الجذب الكامنة، لتجعل منها عناصر فاعلة. عليها أن تحمي قلب المدينة التاريخي في موقعه بآثاره وبتراثه عليها دون اللجوء الى عمليات جراحية مدمرة أن تؤهله، وتعزز قيمة السكن فيه. عليها وهي تحمي هذا القلب أن لا تخنقه بالترميم الصارم، بل على العكس من ذلك، عليها بموافقة المديرية العامة للآثار، ان تلحظ ترميما مرنا للمباني القائمة، وأن تسمح بتجديد القديم وبناء الجديد ضمن شروط تضمن تماسك النسيج التراثي ووحدته، وقيمته التاريخية عليها ان تعيد الى القلب جزءا من دوره، يتحقق ذلك عبر تطوير منطقة المرفأ، بإضافة كل التجهيزات المكملة إليه كما في انفة. وعبر استحداث منشآت ثقافية سياحية في محيط الآثار الفينيقية (المتحف في القلعة) ومنشآت تعليمية سياحية وترفيهية، في منطقة المدرج الروماني (مركز إعداد المرافقين السياحيين، مطاعم). وعبر استحداث مسارات سياحية ثقافية ترفيهية، تربط بالترميم، بالتجديد، وبالوظيفة، الساحات الموجودة أمام الكنائس بالمؤسسات الثقافية السياحية المستحدثة، بالمرفأ، وبرصيف النزهة على البحر. وعبر استحداث مسارات تعيد توحيد المدينة القديمة بامتداداتها شرق الطريق الدولي. وعلى الرؤية التنظيمية، الموضوعية للبترون ان تدرس بعناية ديناميكية تطور العمران في المدينة خلال العقود الثلاثة الماضية. تعيد صياغة المخطط العملاني والوظيفي للمدينة، في ضوء فهم ديناميكية تمدد العمران على الأرض وتشجيع ما هو إيجابي فيها، فتحافظ على المواقع المشجرة في المرتفعات، وعلى الأراضي الزراعية عند مصب نهر الجوز، وتنظم بناء المجمعات البحرية على الشاطئ بين البترون وكفرعبيدا حيث هي قائمة الآن. وتشجع امتداد العمران حيث هو قائم الآن أيضا، أي بموازاة الشريان التجاري الممتد من قلب المدينة باتجاه التلال المجاورة لبسبينا. وتلحظ طريقا سياحيا ثقافيا يوصل البلدة التاريخية بقلعة المسيلحة. وتكتفي الرؤية التنظيمية الموضوعية بأن تشجع قرية كبا كي تبقى كما هي الآن، شريكة بلدة البترون في توجهها لحماية مصب نهر الجوز وحماية الأراضي الزراعية على جانبيه. كما تقترح عليها أن تواصل تمددها على السفوح الجرداء، متأملة الامتداد الأخضر أمامها، تاركة المرتفعات الصخرية تحميها من رياح الشمال. كما تكتفي الرؤية التنظيمية الموضوعية، باقتراح إقامة متحف للإنسان الحجري في مغاور سلعاتا، شرط إرغام الصناعة فيها كي تتحول إلى صناعة نظيفة. ربما لعب الشاطئ في حنّوش، دورا بارزا في حماية رأس الشقعة من التعديات ومن التلوث. وهكذا يبقى رأس الشقعة، موقعا طبيعيا فريدا، ومشهدا رائع الجمال، وواحدا من الأماكن النادرة على الشواطئ الشمالية التي لم تمتد إليها يد البناء، والتي تحافظ على خصائصها الطبيعية الأصلية على اليابسة، وفي محيط الشاطئ. والرؤية التنظيمية الموضوعية، تقترح رعاية رأس الشقعة، واعتباره ثروة وطنية لكل اللبنانيين، وحمايته بشكل ملائم، بالتعاون بين دير سيدة النورية، ومجلس بلدية حامات، ورعاية وزارة البيئة. الهري شكا أما حالة الشاطئ من الهري الى آخر شكا، فهي نقيض حالته عند رأس الشقعة، وعند رأس الناطور، فقد احتلت المجمعات المبنية الأملاك العامة البحرية، ومزقت الشاطئ، وجزأته الى نواد مغلقة، كما هي الحال تماما في شاطئ نهر الكلب طبرجا، وفي شاطئ طرابلس القلمون. والتدخل المتاح في هذا الجزء من الشاطئ، ينحصر في تنظيم بناء المجمات الجديدة، وفي الحد من التعدي على الاملاك العامة البحرية، وفي حماية الطرقات المؤدية إليها، وتأمين الوصول الحر للمواطنين الى الفسحات الحرة المتبقية على الشاطئ. أما الباقي من الشاطئ وهو الأساسي، فقد التهمته الصناعة. أما بلدة شكا فهي بلدة صناعية، يسكنها أهلها الأصليون، ويؤمها يوميا أعداد كبيرة (بحدود 3000) للعمل وللتجارة. إنها، مركز لصناعات كبيرة، مركز تجاري هام، ومركز مالي هام أيضا. يتمدد العمران في البلدة داخل جزر تحددها طرقات موازية للطريق الدولي بيروت طرابلس، وأخرى متعامدة معها. وتتكرر جزر البناء هذه، بين محورين من الغرب الى الشرق، طريق الأرز القديمة، وطريق أميون، اهدن، الأرز الجديدة. وتشكل المحاور الثلاثة هذه، الشرايين التجارية للبلدة حيث الحركة الرئيسية. والطابع السكني هو الطابع الغالب على النسيج المديني في البلدة. وعلى الرؤية التنظيمية الموضوعية، أن تسعى في بلدة شكا لتحقيق هدفين: وقف البعثرة في انتشار البناء، وقف الهدر في استعمال الأراضي وعدم المبالغة بالصفة التجارية المعطاة لجانبي الطريق الدولي الذي يخترق البلدة، وتعديل الأنظمة المعمول بها الآن. المجمعات البحرية إذا، هي نقطة ضعف أساسية في هذا الجزء من الشاطئ، إلا أن نقطة الضعف الكبرى فيه، هي في الصناعات، في سلعاتا، في الهري وفي شكا. بديهي القول إن هذه الصناعات هي صناعات منتجة، تساهم في زيادة الدخل الوطني، وهي تخلق فرصا للعمل. إلا أن هذه الصناعات هي في الوقت ذاته من أهم مصادر تلويث الأرض، والبحر، والهواء، بكل ما يسببه هذا التلويث، من تدمير للموارد الطبيعية، ومن أمراض تصيب الناس. وتمعن صناعة الاسمنت في تشويه مشهد التلال المطلة على البحر حيث أقامت محافرها. كما تمعن أيضا بنقل التراب الأحمر من سهل الكورة المكسو كليا ببساتين الزيتون. وعلى الرؤية التنظيمية، الموضوعية، أن تسعى الى تحقيق عدة أهداف أهمها: الحد من توسيع غير مفهوم لمساحات المناطق الصناعية، على الشاطئ، المساهمة في صياغة الشروط الفنية والنصوص القانونية، الكفيلة بتحويل الصناعات القديمة الموجودة، الى صناعات نظيفة، المساهمة في صياغة رؤية، تحمل هذه الصناعات قسما من كلفة إعادة تنظيم المنطقة، كتعويض عن الأضرار التي ألحقتها بها. كما تلزمها بإعادة تأهيل المحافر. البترون عمشيت والمنطقة الثانية في هذا القسم، هي المنطقة الممتدة من حدود البترون في جنوبها حتى بلدة عمشيت في شمالها. والشاطئ في هذه المنطقة صخري غالبا، كثير الخلجان، شديد التعرج، حصوي أحيانا، مرتفع من سطح البحر بنسب متفاوتة. وهو ضيق جدا، تحاصره مرتفعات التلال المتتابعة. وقد زاد الشاطئ ضيقا على شيق، الأوتوستراد الذي شطر قسما منه، وحصره بينه وبين الطريق الدولي. معظم الأراضي في هذه المنطقة بور، ما عدا أجزاء منها في المنصف، والبربارة، وكفركدة، وكفرعبيدا، وأطراف البترون الجنوبية. وقد زرعت أجزاء الشاطئ التي ذكرناها بالخضار، وبالأشجار المثمرة البعلية كالتين خاصة، الذي اشتهرت به. إن هذه المنطقة من الشاطئ، هي نسبيا غير آهلة، وتغيب عنها كليا المجمعات البحرية الكبيرة، وتجمعات القرى والبلدات. كما يغيب عنها أيضا تمدد البناء الشريطي. باستثناء كفرعبيدا التي أعيد بناؤها مؤخرا، وباستثناء المنصف، التي يمتد البناء فيها مسافة كلم واحد تقريبا، بين الأوتوستراد والطريق الدولي. أما البناء في البربارة فيبدو مبعثرا على الشاطئ، معتدل الكثافة في التلال. لم تغز المجمعات البحرية هذه المنطقة لأسباب عديدة، أهمها، موقعها البعيد عن بيروت وعن طرابلس في آن، وطبيعتها، وضيقها، الذي يجعل منها حيزا غير ملائم لاستعمالات عمرانية كبيرة. فحافظت على طبيعتها الجذابة، وعلى نظافة شواطئها، وعلى نقاء مياه البحر فيها. والرؤية التنظيمية الموضوعية، ربما انطلقت في نظرتها الى الأوضاع القائمة في هذه المنطقة انطلاقا من مبدأين هامين، الأول: الذي يعتبر أن الثروة الحقيقية في الشاطئ هي الشاطئ بذاته، بطبيعته، وجماله، ونظافته. وكل ما يبنى عليه إذا كان البناء مكنا وملائما، عليه أن ينطلق من هذه الرؤية، فيبرز الثروة الطبيعية، ويكملها. والثاني: الذي يعتبر، مع النصوص الرسمية، ورغم كل الاستثناءات، أن الشاطئ هو لكل اللبنانيين، والوصول إليه هو وصول حر، تضمنه القوانين. لذا تنطلق الرؤية الموضوعية، من ضرورة الحفاظ على الشاطئ هنا، بكل ميزاته، ثروة وطنية، ومركز جذب استثنائي لكل سائح ولكل زائر. فتشجع البناء في منطقة كفرعبيدا، وتحد من تمدده على الشاطئ، بالأدوات التنظيمية الملائمة، وتدفعه باتجاه التلال، وهو ما حصل فعلا في السنوات العشر الماضية. وتشجع امتداد البناء في المنصف، حيث يوجد الآن، تجنبا للهدر، وللبعثرة. وتحول كامل الحيز، بين المنصف وكفرعبيدا، الى منطقة خضراء، مخصصة لنوع مميز من السكن، ينتشر بانتظام وخفر، داخل الحدائق الواسعة، هذا إذا بنيت. وتسعى كي تقوم هناك، قبالة الأملاك العامة البحرية، تجهيزات موسمية مؤقتة من القصب، أو أشجار العريش، خيما تغطي المصاطب، فتستقبل الزوار والمتنزهين، في نوع من التنظيم البيئي السياحي، يحكي عنه، المختصون. عمشيت طبرجا والمنطقة الثالثة هي في هذا القسم، تمتد من عمشيت الى طبرجا. وحيز الشاطئ فيها ضيق وفيه ثلاثة اتساعات في عمشيت، في جبيل، وفي طبرجا كفرياسين. وينحصر اهتمامنا في الدراسة على شاطئ عمشيت وشاطئ جبيل. فلبلدة عمشيت مخطط توجيهي وتفصيلي ينظم تمددها في عمق التلال شرقا، ولمدينة جبيل مخططها الخاص بها، القائم أساسا على تأكيد وحدة المدينة حول قلبها الأثري والتراثي، وعلى إبراز هذا القلب، وحمايته بمناطق تزنره، وتتجانس معه، بيئيا وعمرانيا. والقائم أيضا على تنظيم الشاطئين الرمليين في جنوبها وفي شمالها، بما يتلاءم مع مفهومي، الإبراز والتكامل. لسنا بالطبع، في صدد صياغة تصور كامل لإعادة تنظيم مدينة جبيل، (ففيها 1700 ساكن، وهي مركز سياسي، ومركز إداري، ومركز حضاري دولي، ومركز ثقافي، ومركز تعليمي، ومركز مالي وتجاري... الخ) والموضوع هام، وهو خارج بحثنا. إلا أنه من الضروري، في سياق تحصين وحدة المدينة حول قلبها الحضاري والتاريخي، تصور منطقتي اختلاط عمراني زراعي فاصلتين، واحدة في قرطبون، تحمي جبيل في جنوبها، والثانية على ضفتي نهر جاج، تحميها في شمالها. وتقود هذه الرؤية آليا، الى وقف البناء الشريطي، في منتصف شاطئ عمشيت على جانبي الأوتوستراد، وتحويل شاطئها بكامله الى حيز أخضر، نظيف، مزروع بالبيوت الجميلة، المتباعدة، تحاصر المنطقة الصناعية هناك، تمهيدا لنقلها. خاتمة نعيش في لبنان حالة من الركود الاقتصادي، عمرها خمس سنوات، طالت البناء أيضا، أسبابها عديدة: بنيوية، متأصلة في الاقتصاد الوطني، ونتيجة السياسات المعتمدة منذ عقد تماما، ونتيجة الضغط الإقليمي المتزايد علنيا، ونتيجة الوضع الدولي المستجد، والذي سيزيد علينا ضغطا على ضغط، كما زاد الأوتوستراد الشاطئ، ضيقا على ضيق. إنها مأساة ستدوم عقدين، في التقديرات المتفائلة للمختصين. إلا أنها مأساة وفرصة. فهل نستطيع أن نصنع لغرورنا سقفا، ونتعلم العيش تحته؟ وهل نستطيع أن نلجم تعاملنا المتوحش، مع محيطنا المباشر بيئة وإنسانا؟ وهل نستطيع أن نسترجع قيمنا الحقيقية، ونعزز مطارح الجذب الفعلية عندنا؟ وهل نستطيع أن نعيد الاعتبار، الى ثرواتنا؟ الى مواردنا الطبيعية؟ الى مؤسساتنا الصغيرة؟ الى حرفنا المنتجة؟ الى محاصيلنا؟ فنحول المأساة المستدامة، الى فرصة تدوم!؟ إنني أشك في ذلك.