لعل اهمية كتاب »آخر الملوك، غروب مملكة« لمؤلفه الصحافي الفرنسي جان بيار توكوا، تكمن في انه واحد من المؤلفات النادرة التي نقلت صورا حميمة من داخل قصور مملكة المغرب المحصنة، كما كان شأن القصور في غابر التاريخ؛ ففيه نتعرف إلى عادات الملك الراحل الحسن الثاني الذي كان يتصل بخليلاته عشر مرات بالنهار الواحد حين يكون خارج بلاده، ولا يتردد في جلد احداهن لو اخطأت، وفيه نعرف ان الملك كان يملك 1000 سيارة وعددا لا يحصى من الملبوس والعطور، ويوكل الى عشرات الفتيات مهام تأمين حمامه وهندامه. لكن كتاب توكوا يقدم ايضا حصيلة سوداوية جدا لولاية الملك الشاب محمد الساس التي بدأت في صيف 1999. فالعاهل الذي كان يوصف بُعيد توليه العرش ب »ملك الفقراء« او »كندي المغرب«، يعطي الانطباع اليوم بأنه لا يملك اي مشروع، وليس له اي طموح، وغير راغب بترك بصماته على صفحات التاريخ، في بلد يبدو اليوم أكثر من اي وقت مضى بدون قائد. وهنا قد تفترض الدقة والموضوعية، وضع الأمور في نصابها لكي يحسن القارئ استيعاب ما جاء في هذا الكتاب التحقيق الواقع في 300 صفحة، فمؤلفه هو احد صحافيي جريدة »لوموند« المستقلة التي كانت لها، ولا تزال، علاقة معقدة مع المغرب لم تخل من تصفية حسابات متكررة. وتوكوا نفسه هو ايضا واضع كتاب »صديقنا بن علي« مع الصحافي نيكولا بو حيث قدما تحقيقا مذهلا باتهاماته ومحاكمته لولاية الرئيس التونسي، وهما بالتالي من النوع المغضوب عليهما عمليا في منطقة المغرب العربي. يقول الكاتب »ان الملك الحسن الثاني كان ملكا رحالة، فله من القصور عشرون، بعضها مدن قائمة بذاتها، حيث الشوارع والصيدليات والحوانيت والملاحم والمسابح وملاعب الغولف والغابات. وله من الخليلات العشرات، وعنده الف سيارة من افخم الماركات، وهو الذي كان يعاقب خادما او أحد ابنائه بالجلد بحبال مغطّسة بالماء والملح، او كان ينفي خادما آخر لأنه وقع بغرام احدى نساء الحريم. لكنه في الوقت نفسه الملك الذي يبدي كرما لا حدود له لو شعر بأن احد خدمه احتاج لمساعدة ويرسل مئات المغاربة الى الحج على نفقته الخاصة«. والملك الذي نكتشف بعض حياته في الكتاب الفرنسي هذا هو ايضا »المغرم بعلم الفلك والتنجيم، ولذلك فقد كان يضع في معصمه اسوارة يعتقد انها تحميه من الارواح الشريرة. وهو العاشق لرسم السيارات وخطط البناء، وهو الذي يخترع اشكال المجوهرات، ويرسم ملابس النساء التي يرسلها الى مصممي الازياء في اوروبا فيحيكونها له بدقة متناهية، فيدفع لهم نقدا، وغالبا متأخرا...«. وحين كان يدعو الضيوف لحفلة في واحد من قصوره، فإن الحسن الثاني يحتكر وحده حق مراقصة السيدات، وهو يجيد فنون الرقص تماما كإجادته العزف على الساكسوفون والبيانو وادارة الفرقة الموسيقية كمايسترو، وحتى لو ان معظم الفرق تأتي من الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية بينما يأتي بالمأكول من فرنسا في الحفلات الباذخة التي كادت احداها، في سخيرات، تودي بحياته في محاولة انقلابية فاشلة. وقد احب الملك مرتين، الأول كانت النجمة الفرنسية، أتشيكا تشورو التي نُصح بعدم الزواج منها حفاظا على العرش، والثانية فريدة (اسمها الحقيقي حياة)؛ فهذه المغربية الفاتنة بقدها الممشوق وعينيها الساحرتين والبارعة في السباحة، علّقت الملك بأهدابها فباتت مخبأ اسراره قبل ان تختفي قبيل مماته بظروف غامضة (ويقال انها اليوم سجينة القصر) في اعقاب فضيحة مالية. وكان الحسن الثاني يقود حاشيته ووزراءه خلفه الى ملعب الغولف، فهناك يوقع على الملفات ويحل القضايا العاجلة، ويقيم المآدب التي لا يأكل منها شيئا؛ إما حفاظا على رشاقته او بسبب امراضه، بينما كان توقف عن السباحة منذ محاولة اغتياله، وذلك لكي لا تحصل محاولة اخرى ويكون في المايوه، اي في موقف سخيف، على حد تعبير مؤلف الكتاب. وأما بالنسبة الى بناته، فهو الذي اختار زوجي المستقبل لاثنتين منهن، لا بل ان للا مريم (التي زارت لبنان مؤخرا) أُنبئت بزواجها قبل اسبوع واحد منه، فكانت النتيجة ان الزواج لم يستمر، بينما تبدو للا أسماء هي المفضلة لدى الملك الراحل حتى ولو انها كانت تعتبر لبس المجوهرات »شتيمة للمغاربة الذين يعيشون في البؤس«. الملك الجديد القديم هذا غيض من فيض ما يقوله جان بيار توكوا عن الحياة الخاصة للحسن الثاني، اما بالنسبة للملك الجديد، فانه كان كبقية اخوته يتعرض للضرب على أعقاب الأرجل »الفلقة« من قبل احد الخدم، وقد ضاق الأمر مرة بأحد اولاد الحسن الثاني حتى انه فكر بأن يرسل برقية الى منظمة العفو الدولية يشكو فيها من جور الملك. ومحمد السادس، وفق وصف الكاتب، كان تلميذا نشطا وجادا، يهتم خصوصا بالمواد الأدبية، ويحب الفنون التشكيلية، حيث انه رسام بارع ونحات لا بأس به. ولو انه لم يكن مرصودا للعرش، فلعله كان الآن فنانا من الطراز الرفيع. وغالبا ما كان يتسلى برسم رفاقه، وهو بارع في التقليد، وراقص ممتاز وهاو للتزلج على الماء واللياقة الجسدية. هذه الهوايات يعود اليها الكاتب الفرنسي ليقول ان الملك الشاب يوليها اهتماما اكثر من الأمور الاخرى، لا بل انه في خلال القمة العربية في عمان لدعم الشعب الفلسطيني، كان مشغولا بإحدى هواياته ولم يحضر فأغضب ملك الأردن عبد الله الثاني. والحقيقة، ان ما قام به الملك منذ وصوله الى السلطة كإطلاق سراح السجناء السياسيين، واعادة المعارض اليساري الشهير، اليهودي، ابراهام سرفاتي الى المغرب، والسماح بحرية الانتقاد، وزيارة الريف (الذي لم يجرؤ والده على زيارته) وإبعاد وزير الداخلية الفاعل جدا ادريس البصري، ورفع الاقامة الجبرية عن القيادي الاسلامي الشيخ عبد السلام ياسين، يبدو الآن قد توقف. فالملك الذي يتجنب الصحافة، ويستخدم العبارات نفسها التي كان يستخدمها والده واجداده كمثل (شعبي العزيز، وجلالتنا...)، والذي اضطر إلى إبعاد بعض رفاقه من مناصب المستشارية والعودة برموز العهد القديم، قد يكون بصدد وأد الأمل الذي نشأ. وهنا يصل الكاتب الى نتائج مقلقة، كمثل القول بأن محمد السادس الذي لم يحب اصلا الوصول الى العرش، كاد يتخلى عن فكرة توليه، وأنه قد يفكر بذلك لو شعر بأن الاستقرار سيستمر وأنه يستطيع العيش هانئا. وهكذا فإن العرش يذهب الى اخيه »مولاي« رشيد على ان يكون ابن عمه »مولاي« هشام ولي العهد. فالاسلاميون قابعون على قارعة الطريق، والجيش والقوات المسلحة والاستخبارات التي لم يكن محمد السادس يستسيغ دورها، اصلا، ليست مضمونة الاستقرار، بينما النمو في المملكة يبدو بالغ الصعوبة. (كل مغربي من اصل خمسة يعيش تحت حافة الفقر، و70 بالمئة منهم يحلمون بالرحيل). ويخصص الكاتب مجالا لا بأس به للأمير هشام (حفيد رياض الصلح من امه)، الذي يقول انه، خلافا للملك الشاب، فهو يناقش المثقفين وله علاقات واسعة وينتقد علانية انعدام الديموقراطية في بلاده. وعلى اهمية ما يقوله الكاتب في هذا الكتاب التحقيق، والذي يتقاطع مع تقارير اخرى حول الصعوبات التي يواجهها حكم محمد السادس، الا انه قد يكون من السابق لأوانه الوصول الى هذه النتيجة، اي »آخر الملوك« في بلد يُعتبر من اعرق دول العالمم ثباتا لعائلة واحدة على عرش مستمر. فهل هذا الكتاب واقعي، ام هو نموذج جديد من تصفية الحسابات، وترويج سابق لأوانه للأمير هشام؟ اسئلة تبقى رهن التطورات، وهي، لا شك، ستكون كثيرة بدءا بالصحراء الغربية التي يقول الكاتب انه لولا فرنسا لكانت شهدت الاستفتاء العتيد.