As Safir Logo
المصدر:

أكاديمية مروان وأولاد أيلول.. فنانون ومعلم ورحلة كثيرين في عقل واحد

مروان معلماً وطلاب الأكاديمية
دارة تاريخها أسبق من الأردن
محمد سعيد بعلبكي
المؤلف: بيضون عباس التاريخ: 2001-11-09 رقم العدد:9051

لنبدأ من المشهد الأخير. مروان قصاب باشي في باحة الطابق الأرضي من دارة شومان للفنون مسترخيا على كرسي وسط تلاميذ الأكاديمية الذين تحلق بعضهم حول بعض على كراسيّ وبعضهم على الأرض. وفي يدي مروان كتاب يقرأ منه بصوت مسترخ بطيء ويقاطع قراءته بين حين وآخر بشروحات سريعة ليعود الى القراءة. الكتاب نص لمروان عن فنه وشروحاته في الغالب اشارات عن معاناته في تجربته الفنية »قالوا عني منحل... أهملوني في البدء ثم تهافتوا عليّ...«. يقرأ مروان وسعيد بعلبكي يثبت كاميرا الفيديو عليه حيث هو في جلسته. وقلما يجلس مروان لمحاضرة او حديث صحافي إلا وكاميرا سعيد معه وعينها مثبتة عليه. إذا فرغ الفيلم سكت الى ان يأتوا بآخر فهو مهتم تقريبا بأن يوثق كل جلساته وأحاديثه. ان يسجل بالصورة والصوت كل كلام له وكل نشاط وكل درس. كنت اعتدت على ذلك. فوجئت في البداية بسعيد ولحيته المروسة وراء الكاميرا طوال الوقت الذي اقتضاه حديثي الصحافي مع مروان. وبوسعي الآن ان اتخيل ان كل نشاطات مروان في الأكاديمية مسجلة يوما بيوم على افلام، وأن جزءا لا بأس به من حياة الرجل هنا محفوظ في أشرطة يتيسر استعادتها. لقد جرى تثبيت وتسجيل، لنقل تخليد، كل لحظة. لا أدري إذا كان هذا شغفا بالكاميرا وللكاميرا سطوة وغواية لا جدوى من إنكارهما. لكني اجد تبسيطا كبيرا في اعتبار الكاميرا مجازا عصرية للخلود وطالما قدرت هؤلاء الفنانين الذين يصنعون من مواد نافلة او يبنونها لأوقات محدودة. ان امكانات الحفظ والتوثيق لم تقرب الانسان من فكرة الخلود. الأرجح ان فكرة العابر والنافل والسريع هي الابقى اليوم، ثم انني اجد رهبة في الحياة تحت الكاميرا. في حياة لا سبيل فيها الى المراجعة والنسيان والاختباء والتواري ولا مجال فيها لما يجلّ عن الذكر ويدرج في النوافل والسقط والترهات. انها أكاديمية مروان على كل حال. فكرتها جالت في رأسه وهو الذي اقترحها على السيدة سهى شومان وهو الذي تعهدها ثلاث سنوات تباعا، كما قال في حديث، فلا عجب إذا وجدنا انها جزء من تلك التجربة التي يجب ان تحفظ، وتلك الحياة التي ينبغي ان لا نهدر منها لحظة واحدة. أعني تجربة مروان وحياته. أكاديمية مروان لنعد الى الأكاديمية نفسها. انها أكاديمية مروان. مروان يقول انه يعطيها من ذات نفسه الى حد »يستنزفه« و»يلقيه مريضا«، انها طفلته. وضع فيها خبرته كلها وقسم نفسه فيها عشرين قسما. ليس للأكاديمية قصة خاصة. لقد خطرت فكرتها لمروان في احتفالات الذكرى العاشرة لتأسيس دارة الفنون التابعة لمؤسسة شومان. تقبلت الهيئة الإدارية للمؤسسة الفكرة بحماسة. الفكرة بسيطة: ورشة صيفية للتصوير. لنقل مدرسة صيفية. دورة. لكن اسم الأكاديمية الفضفاض قليلا راجع الى نزوع مروان الى مدرسة على الطريقة القديمة، لعل الاسم القديم عنوان هذا النزوع. اغراض الأكاديمية خليط. ثمة غرض فلسطيني. على الفن ان يسهم أيضا في كسر الحصار الثقافي والسياسي عن الشعب الفلسطيني، وخاصة في اقاصيه البعيدة التي لا تنعم بتعليم فني. غلب الحضور الفلسطيني وخاصة من غزة. الاغراض الفنية في لغة مروان اقل تحديدا بالطبع. هناك في لغة مروان كلمتا »البكارة« و»الطفرة«، والكلمتان تدلان الى فقرة انتقالية بل الى تحول غير محسوب من حال الى حال. المفهومان إذا ضربنا صفحا عن معانيهما الأصلية تعنيان ابتداءً غير مسبوق وخلقا من عدم. يصح ان نتساءل إذا كانت العودة الى البكارة او التحول الكلي امرين يمكن تلقينهما او تلقيهما في مدرسة. مدرسة كهذه ستكون اقرب الى سلك صوفي منها الى مدرسة من أي نوع قديم او حديث. لكن فكرة مروان الغامضة لا تنفصل عن هذا الاعداد الروحي، وإذا استرسلنا في تعداد الاغراض وجدنا الى البكارة مصطلح الفرادة والاختلاف والتحريض والحوار. أما الفن الذي تحرض عليه فهو فن بعيد »عن الترجمات الوصفية والترجمات الزخرفية والطرق المحلية التي تتصف غالبا بالجمود والبلادة والمعلوماتية التي لا تزال راسخة من الأربعينيات« بعيدة عن »الجرائدية والشعاراتية«. ومنطق الأكاديمية هو الليبرالية التي تقر لكل انسان بطريقته وحريته الأسلوبية والفكرية.. هذه خلاصة حديث من مروان الذي لا ينظر بتواضع الى تجربة الأكاديمية بل يراها فريدة وتاريخية في العالم العربي الذي أحسبه يظن ان فنونه لا تزال كما تركها هو من عقود: »زخرفية، معلوماتية، جرائدية، واقعية وصفية«. ظن كهذا يدل الى ان مروان ليس واسع العلم بالفنون العربية اليوم، فهذه تجاوزت من زمن طويل الجرائدية والوصفية والمعلوماتية، وعلم الفنانين العرب الجدد بفنون الغرب ومواكبتهم للمذاهب الجديدة تضعهم في موازاة مروان. لست متحمسا ولا منحازا. الأمر هنا يتعلق بنقاش مطوي ومسائل لم تعد أسئلة. ما هي الأكاديمية. ورشة. ورشة من نحو عشرين من فلسطين غزة والضفة والأردن ولبنان وسوريا وسوداني. أكثرهم، إذا استثنينا ابناء غزة، وافدون من معاهد فنية وكثيرون تخرجوا منها. لكنهم يجدون جميعا تقريبا دافعا حقيقيا ليشاركوا في هذه الدورة، ليس لضيف واحد فليسوا قليلين هم الذين جاؤوا على توالي عامين او ثلاثة أعوام. وما يتلقونه هنا في جزء كبير منهم من صنع أيديهم، من عكوف على الرسم طوال النهار وبعض المساء. ومن يزرهم يجدهم انتشروا في الباحة. اقتعد كل منهم في زاوية، بعضهم على كرسي ولوحته على حامل. بعضهم على الأرض ولوحته راقدة أمامه. شبان وصبايا، ومن اعمار مختلفة. فتيان وناضجون يرسمون اشجارا، او كتلة بيوت، او وجوها. يرسمون اشياء تقع عليها انظارهم من الباحة ويرونها في أوقات النهار كلها، في ضوء متبدل وجو متبدل. يرسمون في الغالب بأساليب متعددة وخبرات مختلفة. لا تجد صعوبة في ان تتميز في عمل كل واحد بصمة المعهد الذي قدم منه والجو الذي نشأ فيه. تتميز هذا في كلامهم نفسه وثقافتهم واطلاعهم. عمل كل واحد وكلامه بصمة المعهد. إذا القيت اسما او ذكرت مذهبا فأنت تعرف سلفا من سيعرفه. انهم قادمون من سجالات ومناقشات مختلفة بالطبع وليس وراء الجميع ذات الارث والتربية والتاريخ، لكنهم هنا معاً، يرسمون ويتعلم بعضهم من بعض. تسمع الواحد منهم يقول للآخر ان من الأفضل ان يفتح لونه او يغمقه او يمزجه أكثر او يضيف هنا شيئا، قد لا يعرفون تماما ماذا تفعل بهم هذه الصحبة لكنهم سعداء بها. يصرحون بسعادتهم بتفاعلهم دون ان يجدوا تفاصيل أكثر ليعبروا عن آثارها (صحبتهم) ويشعرون دون أن يحققوا بفعلها فيهم. قليلون هم الذين لا يحسبون حسابا لهذه العشرة. واحد يعد لمعرض في معهد العالم العربي مع فنان فرنسي ويظن نفسه غير محتاج الى معلم والى درس. وهو هنا للمكان فقط ولما يتيحه من فرصة للعمل. سواه لا يشعرون باكتفاء كهذا ولا باستغناء عن الرفقة. انهم هنا شهرا كاملا. العمل في الصباح والعصر والليل. الطعام معاً وعلى المائدة نفسها. المبيت في الفندق نفسه، ولا داعي للقول ان نفقاتهم جميعا مؤمنة من الدارة. ما يحصل هنا جدي وليس احتفاليا. ثمة عمل حق ودرس حق ونقاش حق وإشراف حق. لكن هذا منوط بمروان دون شك. عمان الصعبة السهلة كان مضى عليّ أعوام لم ادخل فيها الى عمان لكن عمان ليست مدينة صعبة على كل حال. لا اعرف لماذا وجدتني في هذه الزيارة قليل الاحتفال بهياكل هذه المدينة التي تنتشر على مدى شاسع. قليل الاحتفال بمعمارها المتفنن في العادة المتحذلق هندسيا في أحيان كثيرة والمتباهي بنفسه. ادهشني في يوم ان اجد على كتف جبل نوعا من متحف معماري لجمع فيلات. كل فيلا بأسلوب ولون. من دارة اسلامية الى نوع من هندسات حديثة بقدر كبير من التكعيبات والاستدارات والأقواس احيانا. في عمان يحسب حساب الهندسة والمعمار في فيلات طامحة غالبا الى ان تكون قصورا صغيرة. ومن السهل ان تفهم من البيت كل دعوى صاحبه وربما سيرته. لا اعرف ما الذي انعكس على هذه الفيلات والمباني والهياكل وجعلها فجأة عارية من دعاويها او على الاقل، متنافرة معها، شعرت وأنا امر هذه المرة بها في طريقي الى الفندق بأنها اشبه بأقنعة، وأنها في تباهيها وتفننها تبدو أحيانا غريبة ان لم تكن مضحكة. استغربت ذلك والأغلب ان التغيير، إذا وجد فهو فيّ. لا بد ان شيئا في داخلي ضاق بهذا التكتيل المبالغ غالبا لتكعيبات واستدارات وزوايا ومخروطيات وأقواس وشرفات، لا بد ان شيئا في داخلي كره هذا القدر من الفخامة او شعورا ضمنيا بما تنطوي عليه في النهاية من فقر معنى وادّعاء. لطالما صفحت عن معاضلات معمارية للحجر، لبياض الحجر وتشكيله، أما الآن فبدا هذا نفسه غير كاف، وربما أخافني هذا العراء الكبير من البياض والحجارة البيضاء. كأن ثمة شيئا شبحيا بل شيئا من العدم ساكن هنا. لا بد ان التغيير فيّ طبعا. لكنه مع ذلك تغيير ارهقني. هناك قدر من الوحشة لا اعرف مصدره. فعمان أليفة لي، ووحشتي الآن اصعب كذلك، فهي أشبه بوحشة المرء من نفسه ومخدعه ومنزله. تاريخ دارة ليس نادرا أن نلتقي رجلا ضخما في الأردن، فقد خطر لي دائما أن هنا ما يجعل الناس أضخم وأصلب. ما يجعلهم أكثر أكلا وتمهلا. لكن علي ماهر الذي جاء يصطحبني من الفندق الى دارة الفنون التي يديرها لم يكن ضخما فحسب بل أشقر متوردا بقميص مطبوع بمربعات حمراء وجينز فضفاض مما جعله يبدو أيضا من عمالقة الحكايات. والحال أن ابن اللواء الشركسي لا يغمرك بوداعته ولطفه الآسر فحسب بل بحسه التاريخي أيضا. قادني بسيارته الحمراء أيضا الى عمان القديمة وهو يوجز بكلمات قليلة تلك الرحلة الملحمية التي حملت شعبه من بلاد القوقاز الى بادية الأردن. وعلى الطريق كان نفوري من التكلف المعماري للفيلات العمانية يتبخر لتحل محله ألفة للحي القديم بشوارعه الضيقة وتدرجاته اللطيفة وزواريبه والتفاتاته وأدراجه الشاهقة أحيانا، ولم نصل الى دارة شومان قبل أن يوجز علي ماهر تاريخها الذي يسبق على نحو ما تاريخ الأردن نفسه. تاريخ الدارة سيرة متقلبة متغيرة فقد بناها متصرف تركي (حقي بك) وسكنها فؤاد الخطيب، شاعر الثورة العربية، وأقام فيها واحد من رؤساء الوزراء التاريخيين في الأردن (النابلسي) وانقلبت سيرتها فجأة لتغدو مقرا عسكريا، ولتجرجر بعد ذلك حياة قلقة فبائسة، فقد تحولت الى مدرسة رسمية للبنات قبل أن تؤول الى إهمال تام وشبه خراب ولتبقى هكذا ردحا الى حين قررت مؤسسة شومان شراءها واستصلاحها وتحويلها الى دارة للفنون. لم يكن بقي شيء من ذلك على تلك الدارة القائمة على منحدر والتي تهبط إليها منه. ثم تهبط فيها من المبنى الذي تحول الآن منامة لضيوف الدارة وجنبه مبنى أصغر يحوي الإدارة وصالة عرض وفناءً رائعا بسقيفة معشبة وسياج شجري تحولت أرضه وكراسيه ذات الطراز القديم وطاولاته الرخامية الى مقهى لطيف مظلل. كان علينا أن نلقي نظرة على المعرض الذي يحوي أعمال طلاب الأكاديمية في العامين الماضيين. معرض جماعي متفاوت بالطبع من تمارين مدرسية الى لوحات ناضجة. كان مروان حاضرا وغير حاضر. لم نجد له مقلدين كثرا لكن ألوانه وخطوطه وضربة ريشته تسربت مع ذلك الى مختلف الأعمال. على رأس الدرج الضيق نرى منحوتة العراقي هادي حليم المزخرفة بالأسود والأبيض وعلى اليمين نرى نحاتا سوريا عاكفا على منحوتاته المعدنية الكثيرة التراكيب من الداخل والذي يبدو مطلعا على النحت العربي (حنين، ماضي، شقير...). حمله الى هنا في الغالب ما يوفره المكان من مواد وجو هادئ لعمل يخشى أن يزعج بضجته الأحياء المدينية المكتظة إذا مورس في سكن عادي. أما على الشمال فندلف قاعة غطت جدرانها بورتريهات مروان المحفورة بالأسود والأبيض وحواليها صالتا عرض إحداهما للوحات مروان والثانية للوحات زوجته الألمانية. لوحات الزوجة تمت الى مروان ولا تمت. هناك ظل من دماه وضرباته القوية العصبية الكثيفة لكن ولع الزوجة بالرموز والطقوس والتفصيل الطبيعي خارج الجو المرواني أما لوحات مروان فهي هذه المرة تجمع بين رؤوس مقلوبة وأخرى مستوية وهي تحمل بالطبع طابع مروان وحرفته التي تنهال على الرأس بطبقات من هاشيرات لونية حادة وقاتمة ترسم التفاصيل المسامية وتعيد رسمها مرارا بعضها تحت بعض بحيث يتكافأ التكوين والهدم. التفصيل والطمس وبحيث يبدو الرأس تحت ركام من الأقنعة والوجوه مركبا متعددا. الرؤوس لكن مع تخطيطات خرائطية تجمع الرؤوس الأربعة في اللوحة الثنائية التي تحتل صدارة القاعة، برازخ ولوالب تفصل بين الرؤوس مضيفة درجة أكبر من الحيرة والقلق على اللوحة. يقول مروان إنه صنع هذه اللوحة، لذكرى صديقه صاحب المؤسسة، وحملها معه لهذا الغرض. واذا أخذنا بتفسير مروان فإن هذه الرؤوس المقلوبة ذات طبيعة شعائرية هنا. إنها منكسة كما تنكس الأعلام أوقات الحداد، الأمر الذي يجعلها مختلفة عن الأشخاص المقلوبين الذين اشتهر بهم زميل مروان وشريكه في يوم بازليتز الألماني فهذه مقلوبة بقدر من السخرية والسقوط. لن نحتاج الى درج لنهبط الى المبنى الأمامي الأساسي الذي تقوم فيه الأكاديمية فهنا واجهة المبنى نصف الدائرية ذات الأعمدة وهنا سنرى طلاب الأكاديمية وقد انتشروا في الباحة والغرف. هذه هي الدارة التي لا تعرف تماما ما يأسرك فيها. ليس تاريخ الدارة مرسوما عليها. فهنا لا نسمع أبواق الحاكم ولا قوافي الشاعر العربي ولا بروتوكولات رئيس الوزراء ولا طبول المقر العسكري ولا حتى أجراس المدرسة الرسمية. تلك الحياة التي جرجرتها الدارة تكاد لا تلحظ في الباحات المعشبة والأدراج الضيقة والجنبات الترابية حيث نرى أشجارا معمرة وصخورا لم يمهدها أحد. لن نشعر بالطبع بأن هذه الأمكنة اللطيفة مسكونة بالأشباح والذكريات فما يأسرنا هنا ليست العظمة ولا القوة، تأسرنا بساطة لا زمن لها فهي دائما بنت يومها او هي كل صباح تبدو مستعدة لتنشر سعادة الصباح ولتجدد ألفتها بمكانها وحيطها. بساطة برية إذا جاز القول تعطي جمالا للصخرة غير الممهدة والسياج الشجري هو نفسه الذي تمنحه للواجهة نصف الدائرية. لا تكلف ولا ادعاء بل قدر من الرقة والالفة اللذين نقدر أنهما أجدر بالفن من كل هذه التكتيلات الحجرية المزدهية. فهنا لا يكسر البناء عنفوان الرابية التي أقيم عليها ولا يستولي على المشهد بل يتناغم بلطف مع المرتفع والضوء والأفق المفتوح، ويغدو بتكسراته وانحداراته وبعثرته وانطوائه النسبي نوعاً من إشارات نحتية وتكوينات في الفراغ. أولاد أيلول لدى وصولي وجدت أن طلاب الأكاديمية سبقوني الى بيت لأحدهم في ضاحية من عمان. وصلت بصحبة مروان وفاطمة الحاج وصلاح الصولي الى سهل منحدر مغطى من أعلاه الى أسفله بأشجار الزيتون. كان الوقت في أوليات المساء وأمكن لي في الغبرة الرمادية أن ألحظ، ربما بذاكرتي، الأخضر المطفي المترمد لأوراق الزيتون. كان الشواء على سطح المنزل، ولأمر ما كان السمر في الظلمة التي خالطها الضوء الشاحب والدخاني لقناديل الكيروسين، وعلى السطح رأبت الظلال اللامعة قليلا لطلاب الأكاديمية. كانوا مبعثرين على السطح الذي قيل إنه يطل على القدس حين يكون الوقت صحوا. كانت هناك قنانٍ كثيرة وشربنا كثيرا ولما أنهكنا الجوع وجدنا أيضا لحما كثيرا طريا، هنا نأكل كثيرا. يقول علي ماهر ان لا مناص من أن نأكل كثيرا في الأردن، على السطح وفي ضوء الكيروسين لم أر جيدا الوجوه والأشخاص لكني لاحظت العلاقات الصريحة والمباشرة بين الطلاب. هذه اللغة غير العاطفية وغير المنمقة تناسب جيلهم لكنها لا تكشف عن مدى تقديرهم لهذه الرفقة كما ظهر ذلك من أحاديثهم لي في الغد. كما أن هذا الجو المسترخي لا يكشف أيضا عن الحضور الكاريزماتي لمروان. الفنان السوري الذي تدل سحنته وربما اسمه على تحدره من أصل غير عربي، لا يدل استرخاؤه الجسدي، رغم مشاقة قامته الطويلة، وتمهله وانفصاله النسبي وصوته شبه الآلي على أي كاريزما. إن له اسمه بالطبع وخبرته وقدومه من ألمانيا لكن كل هذا يفسر تماما كيف ينبث حضوره ببطء وثبات في مناخ »الأكاديمية« وكيف يستبطنه المشاركون ويتشربونه ليتحول هكذا الى روح جامعة للدورة. يغدو كلام مروان عند الصبح وهو خليط من فن وتاريخ شخصي وتنظير فلسفي وأدب وتاريخ فن وتصوف وتراث عربي. يغدو هذا الحديث ثقافة، أحيانا كل ثقافة المشاركين، نافذتهم ورؤيتهم، كما تتحول ملاحظاته الى دليل عمل. كل هذا دون أن يكون الخليط النظري الأدبي واضحا ومحددا، ولا الملاحظات واضحة ومحددة. لكن هذه العظة الصباحية تثير أشواق الحاضرين الفتيان غالبا وتطلعاتهم. إنها نوع من تحريض روحي لكنها أيضا ضرب من ديانة ثقافية. احاديث مروان تقدم في ما يبدو، تعليما كاملا يشمل لا الفن وحده بل الأدب والفكر والفلسفة الخاصة والمثال الشخصي. لا شك بأن مروان وتجربته هما المثال والتجسيد لما يقوله. هكذا لا نجد استاذ الرسم فحسب بل الأب الروحي والمعلم والغورو والفني والشخصي. الطلاب العشرون على اختلاف مصادرهم لا يختلفون على تأثير مروان الطاغي. احاديثه هي دروس الأكاديمية ولا يحتاج معظمهم الى سؤال ليتكلم عن دينه الكبير له. طالب من غزة، وطلاب غزة لا يأتون كما سبق القول من معاهد فنية، قال عن مروان انه »قدم لنا المعلومات الأولية والأساسيات وحثنا على رؤية الطبيعة من كل الاتجاهات وعلى محاورة الذات وإخراج اشيائنا من داخلنا، قدم لنا معلومات قيمة أكثر مما قدرنا« أما كيف؟ فهنا لا نطمع في جواب دقيق »يحثنا على العمل كل بطريقته وحسب اتجاهه. لا يتدخل بل يعطينا نصائح.. لا يصحح خطأ فكلمته ان لا خطأ في الفن وان الخطأ عن قصد فهو فن أيضا« هذا يتناسب بالطبع مع كليشيه الليبرالية الذي يردده مروان غالبا. أما ما حصله الطالب فغيره 180 درجة كما يقول »كنت انظر الى الرسم على انه تقنية، فصرت اراه تكوينا او تأليفا، اللوحة ليست موضوعا بل مجموعة احاسيس داخلية«. هذا جزء من تعليم مروان. الفن ليس تقنية فقط. طالب آخر من غزة شريف سرحان يصر على انه توصل مع مروان الى الطريقة الصحيحة »كان يدلني الى الصحيح وغير الصحيح« وإذا سمعنا طالبا آخر يقول ان مروان وضعه على الطريق المستقيم، فإن من العبث ان تنتظر تفسيرا للصحيح إلا بمرادف من مثله. الصحيح هو الجيد، هو الصادق. تمام عزام ابن روائي سوري معروف (محمود عزام). تخرج من كلية الفنون السورية. لكنه لم يتغير اقل من طالبي غزة فمروان نسف في رأسه »فكرة الزخرفة والخطوط الزائدة عن اللزوم. جعلني اشتغل بصدق«. وإذا التقينا بمحمد سعيد بعلبكي اللبناني الذي تخرج بتفوق من كلية الفنون في الجامعة اللبنانية والذي يشارك للسنة الثانية في أكاديمية أيلول فإننا ننتظر عبثا جوابا مختلفا فالأكاديمية »كسرت عندي أشياء كثيرة، تعلمنا في الجامعة كيف نعمل لوحة لكننا لم نتعلم هدف اللوحة« اما هذا العلم فنتج بالطبع عن الاحتكاك بمروان وكلامه وخبرته وكالعادة يصر بعلبكي على ان مروان لا يحب ان نقلده لكنه لا يستطيع بالطبع ان يتجنب تأثير لوحته القوية. ليس بعلبكي عصاميا كفناني غزة وليس اتيا من مناخ فني محافظ إلا ن ما يقوله توافق عليه لبنانيتان تخرجتا من كلية الفنون في الجامعة اللبنانية أيضا: زينة قمر الدين وتغريد المغربي دارغوث »وجود مروان هو الأساس، لا كفنان فحسب بل كانسان أيضا. انه يحدثك عن لوحتك كما لو كانت انت. وتطورك لا يجده في لوحتك فقط بل فيك أيضا، معه صرت ارى في اللوحة أكثر من شيء جميل«. سامر الكردي من عمان له تجربة في أميركا وهو مطلع على الفن الأميركي الحديث. ثم ان للعمر أيضا حقه فسامر اقل فتوة من زملائه، وعلى هذا فقد قطع شوطا أكبر في تفكيره لكنه أيضا مدين لمروان الذي »فتح عيني على الناحية الروحية في العمل« أمر آخر يتكلم عنه سامر وحده »مروان يصلنا بالتراث الفني. عندما تتحدث عن لوحة يصلها بتاريخ الفن، يصل بين ايمن بعلبكي مثلا وسوتين« مروان بهذا يضع الفنان في مكان، يرده من تيهه الى موقع في تاريخ الفن انه يحل، على نحو ما، واحدة من اشكاليات الفنان العربي المعاصر. مروان هو ذاته بالنسبة لفناني الأكاديمية جميعهم. جميعهم إذا استثنينا ثلاثة ليسوا هنا الا لظرف خارجي: نحات سوري وفنان سوداني وآخر أردني. الثلاثة »أسنّ من البقية«، لم يأتوا ليتعلموا. جاؤوا لما يوفره لهم المكان وانصرفوا لعملهم وحده. مع ذلك فإن نحاتا كباسل السعدي لا ينفي تأثره بمحفورات مروان. سيكون تكرارا ان نعيد ما اختصرناه من أقوال فناني الأكاديمية. مروان هو محور الأكاديمية وتعليمه محورها. أما التعليم نفسه فيتلخص بأن اللوحة ليست عملا جميلا ولا تقنية فحسب، انها تحرير للذات وشأن روحي وتعبير داخلي. ما الذي يشد فتيانا في عشريناتهم وأوائلها غالبا الى تعليم كهذا، شخصية مروان واسمه أم تعليمه. ألا يجدر بهم الانتباه الى ملاحظات فاطمة الحاج الناضجة والدقيقة والمفيدة تقنيا. كان صلاح وفاطمة مع مروان في هذه الدورة، لكن دين الطلاب لهم لم يكن بالقدر نفسه. حيوا فاطمة وصلاح دائما. اقروا لفاطمة بفضل ملاحظاتها لكنهم في معظمهم لم يجدوا دافعا لتجربة كتجربة صلاح صولي. تعللوا بالظرف غير المؤاتي في بلدانهم وبنقص المواد احيانا وب.. وب.. لكن الواضح انهم لم يتحمسوا كثيرا لفن ينبغي ان يلفت فضولهم على الأقل. على فن وفنان اقرب الى اعمارهم. لقد نسف مروان افكارهم الأكاديمية عن اللوحة. علمهم انها عمل حر وتحريري وخاص، لكن نظرة كهذه يفترض انها باتت تراثاً ولم تعد أمامه. تراها لا تزال تراوح في معاهدنا، ترانا ما زلنا في طور تعليم مروان ولا تزال حاجتنا قوية الى فن ليس جميلا وصحيحا فحسب. لطالما شعرت ان تعليم مروان، ككل تعليم، يسهل الأمور ويضع حلولا كلامية احيانا لمشكلات عالقة ومداومة. اسمعه بأي سهولة يعقد بين لوحته وتصوف بن عربي لأفهم كم تجد اشكالية كالهوية والخصوصية حلا بسيطا. هل تغوي حلوله شبانا يتخبطون في اشكالياتهم، ويتعبون عقليا وعمليا من مصارعتها. مهما يكن من أمر فإن معاصرة مروان هي بالنسبة لطلاب الأكاديمية نوع من ملجأ حام من اخطار المعاصرة. انهم هنا يتصالحون مع ذواتهم وأسئلتهم لكنهم يبتعدون عن الرياح العاصفة التي تهب في الخارج. مروان يستفزهم ويطلقهم لكنه يجعلهم في النهاية اهدأ بالاً وأكثر سعادة بعملهم وأنفسهم. انزل لمطاعم في اسفل المدينة أرى طلاب الأكاديمية حول موائد، يأكلون معاً، يشعرون بجمال هذه الرفقة وفضلها لكنهم لا يقدرون بسهولة على ان يقولوا ذلك. يقولون انهم يستفيدون من ملاحظات بعضهم لبعض، لكنهم لا يقدّرون ان في اجتماعهم هكذا، شبانا وصبايا من بلدان أربعة، كل تجربة الأكاديمية او على الاقل الجانب الأبقى منها. لا تفهم انت ما هي علاقاتهم الحقيقية ولا تستطيع ان تستشفها من اجتماعهم وحواراتهم. انها لغة أخرى تقول في نفسك وتعجب حين ترى بأي سحر يستطيع رجل في الثامنة والستين ومتمهل ومتفظ ان يستقطبهم بصوته المسترخي والآلي. ادخل الى معرض مروان معه، اجده يحاول ان يشرح لي ما أراه بعض ما يشرحه دارج، بعض ما يشرحه عميق. لكني اشعر انه لا يتركني لنفسي ولا يثق بقدرتي على الفهم. كنت اظن اني برهنت في مقالة طويلة عن مروان على هذه القدرة، لكني مع ذلك لم احس بإساءة شخصية. فكرت بأنه البعد، بأن اقامته الالمانية جعلته يظن اننا في هذه البلاد لم نغادر، بحسب لغته، فنا جرائديا وصفيا وقائعيا، مباشرا. اظنها فكرة ركبت رأسه منذ كان هنا ولا يريد ان يزيح عنها. لا يفسر الفنان فنه. قاعدة يعرفها مروان بالتأكيد من المانيا لكن لا بأس بتجاوزها حين يكون الآخر عربيا. انها بالتأكيد مشكلة لم نتحدث عنها. مشكلة من تجعلهم الاقامة في الغرب قادرين على انتماء بسيط وشعائري مع مزيج من الشعور بالتميز والفرادة حيال اقرانهم. كان مروان يشرح لي والكاميرا مسلطة علينا، لا اعرف من كنا نخاطب آنذاك؟

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة