كنا أشرنا في سفير الثلاثاء الماضي، الى حصول الروائي الفرنسي جان كلود روفان على جائزة »غونكور« عن روايته »برازيل حمراء« (منشورات غاليمار) التي يتحدث فيها عن الغزو الفرنسي الى البرازيل، عبر حكاية طفلين، أخذا بالقوة، ليكونا مترجمين. رواية، هي أيضا، رواية عن صراع الحضارات والثقافات، عن البرابرة والبرابرة الجدد، عن الأديان، عن قضايا ما زالت راهنة، ونشهد حضورها الطاغي، اليوم. هنا ترجمة لأجزاء من حديثين كانا أجريا مع روفان في وقت سابق، الأول، ويتحدث فيه الكاتب عن الرواية، كان صدر في مجلة "Paruس الأدبية، أما الثاني فهو مستهل من حديث طويل مع الكاتب، أجرته صحيفة »لوفيغارو« الفرنسية، بعد أحداث 11 أيلول، ويتطرق فيه الى مواضيع الساعة. فروفان ليس روائيا فقط، بل هو كاتب سياسي ورائد العمل الانساني، إذ إنه أحد مؤسسي منظمة »أطباء بلا حدود« التي عملت في جميع »النقاط الملتهبة« في العالم. من هنا، يأتي حديثه حديث العارف، إذ خبر جيدا أوضاع الناس في هذه المناطق. { من أين جاءتك فكرة هذا الكتاب؟ كنت قضيت مدة سنتين في البرازيل، بمهمة تعاونية. هناك زرت متحفا صغيرا يقع في الريو بين ناطحات السحاب والأوتوسترادات، حيث كان يقام معرض حول تاريخ اكتشاف المدينة. تيقنت عندها أنه لا يزال هناك حقل شاسع للبحث في تلك الحقبة، بيد أنني لم أكن أعرف كيف أحيل القصة حية. عندما اكتشفت أن أطفالا اختطفوا ليكونوا مترجمين تيقنت بسرعة، وبفضلهم، بأنني أملك لحمة روايتي. كان للأمر، بدون شك، تهويمات شخصية، إذ إنه ليس لأبطالي أبدا آباء. ومن خلال قراءاتي، عدت ووجدت مفهوم الأوروبيين للمتوحش الطيب، أي تلك الأسطورة التي تستل مصدرها من تلك الحقبة البرازيلية لتموضع صورة الهندي. في البداية، كان المتوحشون يثيرون الرعب، فكرة تحضيرهم، ونقلهم الى الإيمان والطهارة. مع مونتاني نجد أن رؤية الهندي رجراجة: إذ ليسوا هم البرابرة، وآكلي لحوم البشر، بل نحن. من هنا، فرض حلم »المتوحش الطيب« نفسه، بكونه يحترم الطبيعة. وقد استعاد هذه الفكرة روسو. كل تناقضات المتوحش أو الرجل البدائي، موجودة هنا، عبر هذه الإرساليات الى البرازيل. لقد ذهب ليفي شتراوس في ما بعد ليعمل مع هذه القبائل الهندية وليجلب معه جان دوليري، كتابه المفضل، ليكتب »مدارات حزينة«. جسر { في الواقع، لم تستمر هذه المستعمرة طويلا، كيف تفسر أن النورمانديين، بقوا في حصن، معزولين؟ لم تستمر المستعمرة سوى خمس سنوات، أما الحضور الفرنسي فقرناً. استمر النورمانديون في استثمار الغابة الحمراء. البعض منهم أصبحوا قراصنة، الى جانب الهنود. علينا أن لا ننسى أن أوائل الفاتحين كانوا من فرسان مالطا الذين لا يتخيلون أي حضور بحري، إلا عبر الحصون. لم يرغبوا في رؤية أحد. حين أرسل كالفن »الهوغونو« (= بروتستانتي فرنسي)، حدثت نزاعات دينية رهيبة. { عمَّ بحث أطفالك، أبطالك؟ كانوا يبحثون عن آبائهم. في النهاية، وجدوا امتدادا لهذا العالم الأسطوري، عالم الفروسية، المليء بالسحر. لقد مدوا جسرا بين هذا الزمن المشتهى وقيم عصر النهضة. { أيشكل ذلك مفصلا في التاريخ؟ أجل، إنه الممر ما بين أول خمسين سنة من القرن السادس عشر، من الغليان الروحي والثقافي ميكال أنجلو، إيراسم، أفكار التقدم، الإصلاح الديني، الحرية المتجددة والانكفاء على الذات حيث كل واحد كان يرمي الحرم على الآخر. التجديديون (= القائلون بإعادة التعميد) كانوا هنا، لإظهار أن ثمة أمورا مرعبة تحدث. بالنسبة إليهم، وبما أن الرحمة لا تعطى إلا من قبل الله، كانت الكنيسة لا تفيد بشيء. إنه الباب المفتوح على جميع تفسيرات الدين. لقد أعاد كالفن محاولة بناء كنيسة، سلطة، دوغما. تطور الأمر لغاية تبرير قتل الهراطقة. كل من كان يبتعد عن الايمان الحقيقي، يباح دمه. لقد طرد الله من مملكة الأرض، من عالم الأحياء. { وهؤلاء الهنود، ما كانوا يشبهون؟ لم يعودوا موجودين، نعرف أنهم كانوا يتمتعون بروحانية قوية، أنهم كانوا يعيشون غالبا في رعب الروح. كان هناك بعض العرافين، ومن مهماتهم، تفسير الأرواح. تركوا لنا رسالة: تقديس الحياة. على سبيل المثال، أسيء فهم آكلي لحوم البشر. كان الهنود يأكلون الآخرين في إطار توازن القوى حيث تُمتص الحياة لتعطي حياة مجددا. كانوا في الواقع يمتصون قوة الآخر! بالنسبة الى كولومبس، العيش مع الهنود، معناه أن يبقى هو نفسه. معناه أن يقبل مفهوما للحياة مؤسساً، لا على تحول العالم، بل على تناغم، على جزالة. أما في ما يخص الأفكار، الموسيقى، فالأمر لا يتعلق بتدمير الآخر بل القبول بهذا المزيج، بهضمه، بمزج ثقافته. إن المقترب الهندي، هو مقترب الهضم الاندماج، أي تفطر بقيم الخلاسية. المجتمع البرازيلي يبقى مثالا على هضم الاختلافات. وحدة البرابرة { منذ عشر سنوات، أعلنت عن انبثاق نوع جديد من الأزمات بين الشمال والجنوب. يبدو اليوم كأننا وصلنا الى ذلك. هل تستطيع أن تلخص لنا هذه الأطروحة التي تدافع عنها؟ قلت في كتابي »الأمبراطورية والبرابرة الجدد«، إنه عند نهاية الحرب الباردة، حلت مشكلة الشمال الجنوب مكان مشكلة الشرق الغرب، في حين أن ذلك لم يكن من الممكن تنضيده. لم يكن الجنوب موجودا. في الواقع، المقارنة الوحيدة التي كانت تتراءى لي صالحة، هي أمبراطوريات العهد القديم الكونية، التي تقف في مقابل كل ما لم يكن مثلهم، أي برابرة. عبر هذا المنظور، ركبت الجنوب وفق 3 مناطق. المنطقة الأقرب، أسميتها »الليم«، والمرتبطة بالشمال عبر مصالح آنية وعبر موجات الهجرة. تتألف هذه المنطقة من الكاريبي والمكسيك والمتوسط، ومن الشرق هناك البلقان والقوقاز... ثانيا هناك ما أسميته »الكونتوار«. إنها بلاد مثل أفريقيا الجنوبية، إسرائيل، أو المناطق النفطية في الشرق الأوسط المرتبطة بالشمال عبر شعوبها أو اقتصادها. أخيرا، هناك »المهملون«، الذين يسكنون في مساحة واسعة »أرض مجهولة«، حيث يسامح العنف الكبير. عبر »الليم«، تحاول دول الغطاء أن تحمي نفسها، أن تبعد عنها الخطر. لقد أصبح »الكاوس« في الجانب الآخر، وأزعم أن هذا التوازن لن يستمر طويلا. { ما الذي حدث إذاً؟ كيف وصلت الأزمة، وبهذا العنف، الى قلب الغرب؟ لقد أعادت المجموعات السياسية المسلمة الراديكالية انتشارها، لقد شيدت قواعدها الخلفية في الشمال، وفجأة، اندمجت الأزمات في الاقتصاد الغربي. لنأخذ مشكلة التاميل. بحد ذاتها، فإن قضية سيريلانكا لا تشكل قضية استراتيجية لأحد. لكن حين ينتشر النمور في أوروبا، لا تعود لدينا القدرة على تجاهل ذلك. الأمر ذاته بالنسبة الى القضية الكردية. مع انتشار »البي كي كي« في أوروبا، تصبح القضية استراتيجية. باختصار، لقد قاومت هذه الحركة التهميش عند إقامتها في الشمال. أي فجأة، تحول، اليوم، التهديد الخارجي الى مشكلة أمنية داخلية. هذا التهديد هو ما أوجد الشقاق بين الشمال والجنوب. في الأزمة الراهنة، نجد أن دعم روسيا لأميركا يساهم في إنشاء هذا الكيان الذي عليه الشمال، والذي كنا نسميه الغرب في ما مضى. { ولكننا نجد أيضا وحدة »البرابرة«. بعيدا عن تنوعهم، فإن أكبر تهديد يقف في وجه الأمبراطورية يتأتى من الإسلام الأصولي. لا يلخص التهديد الاسلامي كل شيء: على سبيل المثال، إن ذلك، لا يعني أميركا اللاتينية، ولا بأي شكل من الأشكال. يعني ذلك، أن ما يسم الاسلام الراديكالي هو بفضل أولئك الذين يتلاعبون به انه أصبح عدو الجميع تقريبا، من الصين الى روسيا الى أميركا. في الواقع، نجد أن الاسلام هو القاسم المشترك بين العدد الكبير. لكن وحتى الآن، لم يرغب الأميركيون في تقدير حجم الخطر. لقد تحركوا عبر مسرح عمليات، داعمين فيها الحركات الاسلامية في بعض الحالات، وفي محاربتهم في حالات أخرى، من دون أن يروا الشبكات التي تتآلف وتتوحد. اليوم، نجد أن الجواب الأميركي لما حصل قد حدد العدو، مع العلم أن العدو لم يتشكل بعد سياسيا. خلال حكم الرئيس كلينتون، جرت محاولات لإعادة إحياء تهديد الشرق عبر القومية الشيوعية. بعد وصوله الى السلطة، حاول بوش، بدون نجاح، إعادة إحياء الخطر الصيني. ربما سيحاول الآن أن يوحد الغرب تجاه الخطر الاسلامي. { ليس الأمر بسيطا لهذا الحد، إذ تحديدا بعد أن تشعب التهديد وتأمم، كيف يجب التصرف؟ من هو العدو؟ قصف أفغانستان ليس الحل. المهم من وجهة نظر الأمن الداخلي هو وجوب إعادة اعتبار مقتربنا بشكل كامل تجاه الناشطين. لغاية الآن، كان مقتربنا ينطوي بشكل خاص، على النظام العام: ما دام القادة لا يشكلون فوضى، نجد لدينا تسامحا كبيرا تجاه نشاطهم السياسي. إلا أننا ننسى أنه بين تشكيل قاعدة سياسية خلفية وتطور حركة مسلمة، هناك مرحلة طويلة من الكمون. من هنا، تجب العودة الى مفهوم الإضرار بأمن الدولة، وأن نكون جديرين في لجم نشاطات، عادية من حيث الظاهر ولكن خطرة ومرتبطة بمناطق النزاعات الخارجية. لدينا واجب حماية تجاه مجتمعاتنا، وخاصة، نجاة طوائف المهاجرين. حين يشتكي الأكراد لأنهم تعرضوا للابتزاز في باريس، لا شيء يحدث. إذاً فإننا بذلك نشجع »البي. كي. كي«. ندع المنظمات غير الحكومية الخيرية الاسلامية تتضاعف في الضواحي، بينما علينا إيقافها حالا. علينا أن نرفض أن يكون الاندماج وفق نمط طوائفي وأن يتحرك وفق قادة مرتبطين بحركات مسلمة. ثمة شيء مدهش في ذلك: إننا لا نسمع ما يقوله الأصوليون. إنهم يمضون وقتهم في القول إنهم يرغبون في قتل الجميع لكننا لا نريد سماعهم. (..). { في جميع الأحوال، اليوم، وفي مواجهة هذا العدو العالمي، هل يجب القيام بحرب عالمية؟ لقد تأممت الحركات الراديكالية بشكل أسرع من سياستنا الخارجية. ربما حان الوقت من أجل إيجاد جواب سريع. لكن علينا أن نفهم أيضا أن العولمة، هي، في جزء منها، خديعة. منذ نهاية الحرب الباردة، ثمة مناطق شاسعة تعرضت لتراجع لا مثيل له. ترجمة: اسكندر حبش