تعتبر قضية سفير لبنان السابق في اليونان الياس غصن، مع السلطة السياسية بادئاً، ومع أجهزة الرقابة والسلطة القضائية لاحقاً، واحدة من أكثر القصص الواقعية درامية. إلا ان هذه القضية، على فظاعتها في دولة تطمح ان تكون تحت سيادة القانون، بدأت تلمح نهاية النفق المظلم الذي زجت فيه، لأسباب اتضح انها سياسية بامتياز. وكانت لديوان المحاسبة ولمجلس شورى الدولة أياد بيضاء، في إبعاد »المزاج الشخصي« عن »القاموس القانوني«، و»الهوى السياسي« عن انتظام العمل المؤسساتي. كما كانت هذه القضية، مناسبة أطلّ من خلالها القضاء الإداري غرفة الرئيس خالد قباني، لتوجيه ما يشبه »الإنذار« الى السلطات السياسية والقضائية، إن هي حاولت الالتفاف على قرارات المجلس الدستوري بتطبيق معايير وانجاز تشريعات سبق لهذا المجلس ان حَكَم، بعدم انطباقها على الدستور. لا بل ذهبت غرفة قباني وهو كان من الأعضاء الفاعلين في المجلس الدستوري الى اعتبار كل النصوص القانونية التي ابطل المجلس مثيلا لها بمناسبة وصولها اليه، باطلة ولن يأخذ القضاء الإداري بها. وتكون غرفة قباني بذلك، قد رفعت أحكام المجلس الدستوري إلى مكان متقدم على القوانين. قرار مجلس الشورى الذي تضمن هذه الأحكام الدقيقة التي لا بد من توقف أصحاب الخبرة والاختصاص كما أهل التشريع أمامها، صدر قبل أيام، عندما ثبت الحكم الذي سبق ان اصدره مجلس شورى الدولة لمصلحة السفير غصن ضد قرار المجلس الأعلى للتأديب برئاسة ميشال ثابت الذي انهى خدمات غصن. وقد كبَّد قرار مجلس الشورى الدولة اللبنانية الرسوم والنفقات، بعدما رد طلب إعادة المحاكمة التي تقدمت به ضد السفير غصن. ولهذا السفير اللبناني قصة واقعية تتميز بدرامية عالية تقارب في كثير من لحظاتها، أرقى درجات »التراجيديا الوطنية«. هي قصة اتهام بالاقدام على الاضرار بالأموال العامة، استتبعت باعفائه من مركزه واحالته على القضاء الجزائي والقضاء المالي والهيئة العليا للتأديب. ولأن أي جهاز من هذه الأجهزة لم تنتظر الأخرى، تضاربت الأحكام، وتناقضت الوقائع، وكادت تضيع الحقيقة. ففي أواخر العام 1998، قرر مجلس الوزراء، بناء على طلب رئيس الجمهورية الياس الهراوي إحالة غصن وثلاثة سفراء آخرين، على النيابة العامة المالية، بتهمة الإضرار بالأموال العامة، في البعثات التي كانوا يترأسونها في غير عاصمة أجنبية. وتحرّكت ملفات غصن ورفاقه الى الأجهزة الرقابية، في آن. في آخر العام 1999، أصدر المجلس التأديبي العام قرارا، استند الى معطيات أكد انها غير ثابتة وغير نهائية، لينهي خدمات السفير غصن. وسارعت دوائر وزارة الخارجية الى تنفيذ هذا الحكم الذي ترافق مع تدابير قضائية نتج عنها، وضع اليد احتياطيا على كل ممتلكاته. إلا ان غصن قرر، مع ان النصوص الواضحة يومها لم تكن تجيز ذلك، الطعن بالقرار التأديبي، لاقتناعه انه لم يقع لا في محله الواقعي ولا في محله القانوني، فلجأ الى مجلس شورى الدولة، في بداية كانون الثاني 2000، لقناعة راسخة، انه لا بد من وجود مكان صالح لرفع الصوت غضباً. في هذه الأثناء، أدخل مجلس النواب تعديلات على قانون مجلس شورى الدولة قضت بإخضاع القرارات التأديبية الخاصة بالموظفين، للنقض أمام القضاء الإداري، ووسّع المجلس الدستوري هذه الصلاحية لتشمل تلك الخاصة بالقضاة. وفي 8/2/2001، وبناء على المآخذ التي ساقها غصن ضد قرار المجلس التأديبي العام، أبطل مجلس الشورى بغرفته التي كانت مؤلفة من الرئيس عزت الأيوبي والمستشارين كوبرت عطية ويوسف نصر، ذاك القرار. وقد أشار القرار القضائي الى انه »إذا كانت الإدارة حرة في اتخاذ التدبير الذي تراه مناسبا لمواجهة ظروف واقعية معينة، إلا انه يجب عند ممارستها لهذه السلطة ان يرتكز قرارها على وقائع ثابتة وصحيحة، وبما ان مجلس شورى الدولة في مراقبته لشرعية التدبير الإداري وتحققه من مادية وصحة الوقائع يعطي هذه الوقائع وضعها القانوني لتقدير جسامة الخطأ وملاءمة العقوبة المفروضة والتأكد من وجود تناسب بين الخطأ المرتكب وهذه العقوبة، وإلا كان القرار مشوباً بالخطأ الساطع«. وأثار هذا القرار استياء في المجلس التأديبي العام، ما دفع الدولة اللبنانية الى طلب إعادة المحاكمة في القضية، بالاستناد الى ان لا صلاحية، بتاريخ تقديم المراجعة، لمجلس شورى الدولة بالنظر فيها. وجاء طلب إعادة المحاكمة، متزامنا مع اصدار ديوان المحاسبة قرارا برأ فيه غصن، كلياً من تهمة الإضرار بالمال العام، وثبت بالمستندات ان المبالغ التي قيل إنها فقدت في سفارة لبنان، في أثينا، كان سببها تلاعبا بالمستندات في الإدارة المركزية في وزارة الخارجية التي بناء على اقوالها صدر حكم المجلس التأديبي العام. وعلى الرغم من هذين الحكمين، رفضت وزارة الخارجية إعادة وضع غصن الى ما كان عليه سابقا، بانتظار صدور نتيجة إعادة المحاكمة. وبالفعل صدر، قبل أيام عن مجلس شورى الدولة بالغرفة المؤلفة من الرئيس خالد قباني والمستشارين طاهر غندور وسليمان عيد، قرار قضى برد طلب إعادة المحاكمة.أهمية هذا القرار الذي تبلّغه وكيلا السفير السابق المحاميان سعد بيروتي وانطوان سعد، ليست في انعكاساتها الايجابية على مسيرة غصن اللبنانية، بل بالاجتهاد الذي انتهى اليه. لكنه إزاء ذلك لا بد من سؤال عن وضعية من خضعوا للاستشارات القانونية التي اشارت عليهم، بعدم جدوى مراجعة مجلس شورى الدولة، وكان قد صدرت بحقهم أحكام يعتبرونها عن خطأ او عن صواب، انها لم تقع في مكانها الصحيح؟ عدم إقدام هؤلاء على مراجعة القضاء الإداري، لم يكن سببه خطأ ارتكبه محام اختاروه، إنما هو عدم ادراك قانوني بأن مجلس الشورى، يمكن ان يمتلك كل هذه القدرة، لجعل المفهوم الدستوري للعدالة، فوق كل النصوص القانونية. القرار وفي ما يأتي أبرز ما تضمنه قرار مجلس شورى الدولة الرقم 71/ 2001 2002: أولا: في السبب الأول المدلى به لجهة عدم صلاحية هذا المجلس بما ان الدولة تدلي تحت هذا السبب بأن القرار المطلوب الإعادة بشأنه استند الى احكام المادة 64 من نظام مجلس شورى الدولة المعدلة بالقانون رقم 227 تاريخ 31/5/2000 التي اعطت المجلس الحق في مراقبة جميع النزاعات التأديبية، خلافاً لأي نص آخر، إلا ان هذا القانون لم ينص على اعطاء احكامه مفعولا رجعيا، وبالتالي فإن أحكامه لا تطبق على القرارات التأديبية الصادرة بتاريخ سابق على العمل به عملا بقواعد تطبيق القوانين الاجرائية، وهو ما تنص عليه صراحة الفقرة 3 من المادة الخامسة من قانون أصول المحاكمات المدنية التي تستثني من قاعدة العمل الفوري بقوانين اصول المحاكمات القوانين المنظمة لطرق الطعن في الاحكام الصادرة قبل تاريخ العمل بها متى كانت ملغية او منشئة لطريق من تلك الطرق. وبما ان عدم الصلاحية هو عيب يتصل بالانتظام العام، ويعتبر اهمال البحث فيه سببا مقبولا لإعادة المحاكمة؛ سواء تعلق ذلك بعدم صلاحية السلطة الإدارية او السلطة القضائية مصدرة القرار. وبما ان القرار المطلوب إعادة المحاكمة بشأنه بحث في مسألة الصلاحية وخلص الى رد الدفع المدلى به. وبما ان إعادة المحاكمة، ليست طريقا من طرق الطعن العادية بالاحكام القضائية امام هذا المجلس، ولا تسمح له بالتالي بمراقبة كيفية تفسير الاحكام القانونية وتطبيق القواعد القانونية كما هي الحال في الطعن عن طريق الاستئناف او التمييز (...). وبما ان الأمر يصبح مختلفا فيما لو ان الخطأ في تفسير القانون او تطبيقه تناول مسألة الصلاحية، لأن الصلاحية تتعلق بالانتظام العام، يمكن للخصوم إثارتها في أي طور من أطوار المحاكمة، كما على القاضي ان يثيرها عفوا ولو لم تكن محل إثارة من أطراف الدعوى. وبما ان مجلس شورى الدولة اعتبر انه وان كانت الأعمال التمهيدية (كالإحالة على المجلس التأديبي) لا تقبل مبدئيا الطعن إلا ضمن الطعن في القرار التأديبي، غير انه يمكن في حالات خاصة الطعن في التدابير والأعمال التمهيدية إذا كانت مشوبة بعيب خاص وتؤلف عملا منفصلا كصدور تلك الأعمال عن مرجع غير صالح. (...) وبما انه في حال نسبت محكمة الأساس لنفسها صلاحية قضائية، واتضح اثناء النظر في طلب إعادة المحاكمة ان هذه المحكمة قد وضعت يدها على النزاع المثار أمامها، انطلاقا من تفسير خاطئ للقانون، فإن ذلك يعتبر سببا كافيا لقبول إعادة المحاكمة، لأن مسألة الصلاحية لا تعتبر فقط من مقومات الحكم التي لا يقوم ولا يستقيم الحكم بدونها، بل تعتبر أيضا شرطا من شروط صحة الحكم. وبما ان طالبة إعادة المحاكمة تدلي بأن اجتهاد مجلس شورى الدولة قد استقر على تفسير احكام المادة 13 من القانون رقم 54/65 التي تنص على ان قرارات الهيئة العليا للتأديب لا تقبل أي طريق من طرق المراجعة بما في ذلك الإبطال لتجاوز حد السلطة، على ان هذا النص يعني عدم قبول مراجعة النقض في هذه القرارات. وبما ان المادة 64 من نظام مجلس شورى الدولة المعدلة بموجب القانون رقم 227 تاريخ 31/5/2000، قد نصت على ما يلي: »خلافا لأي نص آخر ينظر مجلس شورى الدولة في النزاعات المتعلقة بتأديب الموظفين«. وبما ان القوانين المتعلقة بالاجراءات وبأصول المحاكمات تعتبر ذات تطبيق فوري، وتطبق فور صدورها على القضايا التي لم يفصل بها بتاريخ صدور هذه القوانين، او التي لا تزال عالقة أمام المحاكم. وبما ان المادة الخامسة من قانون اصول المحاكمات المدنية الصادر بالمرسوم الاشتراعي رقم 90 تاريخ 16 أيلول 1983 قد كرّست هذا المبدأ، وبيّنت الاستثناءات التي ترد عليه. وبما ان قانون اصول المحاكمات المدنية المذكور يكون إذن قد استثنى في الفقرة 3 من المادة الخامسة منه من مبدأ التطبيق الفوري للقوانين الجديدة، القوانين المنظمة لطرق الطعن بالنسبة لما صدر من الأحكام قبل تاريخ العمل بها متى كانت هذه القوانين ملغية او منشئة لطريق من تلك الطرق، فإذا صدر بعد ذلك قانون جديد ينشئ طريقا للطعن لم تكن مقررة في القانون السابق او يلغي طريقا كانت مقررة فيه، فلا يطبق على الحكم الصادر قبل تاريخ العمل به. وبما ان القوانين الاجرائية المنشئة لطرق طعن جديدة لا تسري على الاحكام الصادرة قبل تاريخ العمل بها بل ينحصر مفعولها الآني بالقرارات الصادرة بتاريخ لاحق لها. (...) وبما انه يتبين من ملف المراجعة ان قرار الهيئة العليا للتأديب رقم 19/99 الذي قضى المجلس بنقضه قد صدر بتاريخ 2/12/1999 أي قبل صدور القانون رقم 227 تاريخ 31/5/2000 أي في وقت كانت فيه قرارات الهيئة غير قابلة لأي طريق من طرق المراجعة، بما في ذلك الابطال لتجاوز حد السلطة او طلب التعويض عن طريق القضاء الشامل وفقا لما استقر عليه اجتهاد مجلس شورى الدولة من تفسير للمادة 13 من القانون رقم 54/65 تاريخ 2/10/1965 الذي اعتبر فيه ان استبعاد المادة 13 من هذا القانون طلب الابطال لتجاوز حد السلطة بشأن القرارات الصادرة عن الهيئة إنما قصد استبعاد مراجعة النقض بشأن هذه القرارات التي لها طابع قضائي. وبما ان القانون رقم 227 تاريخ 31/5/2000 الذي عدّل المادة 64 من نظام مجلس شورى الدولة والذي أقر، وخلافا لأي نص آخر صلاحية المجلس في النزاعات المتعلقة بتأديب الموظفين لا يمكن من حيث المبدأ ان يفتح باب الطعن عن طريق النقض بالاحكام او القرارات الصادرة بتاريخ سابق لصدوره، لأن له مفعولا آنيا لا يمكن ان ينسحب، وفقا للمبدأ العام، على القرارات الصادرة عن الهيئة العليا للتأديب قبل صدوره، ولأن القانون رقم 227/2000، لم يعط لاحكامه مفعولا رجعيا. المجلس الدستوري وبما ان الفصل فيما إذا كان مجلس شورى الدولة يعتبر أساسا مرجعا صالحا للنظر في مراجعة الطعن المقدمة ضد قرار الهيئة العليا للتأديب رقم 19/99، يتوقف على معرفة ما إذا كانت المادة 13 من القانون رقم 54/66، في ضوء التفسير الذي أُعطي لها في اجتهاد المجلس، تبقى قابلة للتطبيق؛ لا سيما بعد صدور قرار المجلس الدستوري رقم 5/2000. وبما ان قرار المجلس الدستوري رقم 5/2000 تاريخ 27/6/2000 قد أبطل نص الفقرة الثانية من المادة 64 الجديدة من القانون رقم 227 الصادر بتاريخ 31/5/2000، والتي تنص على ما يأتي: »لا تخضع القرارات التأديبية الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى للمراجعة بما في ذلك مراجعة النقض«. وبما ان المجلس الدستوري اعتبر حق مراجعة القضاء Droit au recours هو حق من الحقوق الدستورية الأساسية، وهو مبدأ عام يتمتع بالقيمة الدستورية. وبما ان حرمان الافراد من حق مراجعة القضاء وبالتالي من حق الدفاع يعتبر ماسا بحق دستوري وهو مبدأ عام يتمتع بالقيمة الدستورية. وبما ان المجلس الدستوري قد اعتبر في قراره المذكور ان المادة 117 من نظام مجلس شورى الدولة التي تنص على انه يمكن تمييز الاحكام الصادرة بالدرجة الأخيرة عن الهيئات الإدارية ذات الصفة القضائية، وان لم ينص القانون على ذلك، ان مراجعة النقض لهذه الاحكام تتعلق بالانتظام العام، وهذا يعني ان مراجعة النقض لا تحتاج لممارستها الى نص تشريعي يكرسها، وانه يعود لكل انسان ان يمارس هذا الحق مع وجود نص مخالف، لأن وجود نص مخالف يكون متعارضا مع مبدأ حق مراجعة القضاء الذي اعطاه المجلس الدستوري قيمة دستورية تفوق قيمة القانون. وبما ان مجلس شورى الدولة نفسه قد اعتبر ان مراجعة النقض لها طابع الانتظام العام إذ ان من شأنها ان تؤمن وفق المبادئ العامة للقانون احترام مبدأ المشروعية. وبما ان المادة 64 من نظام مجلس شورى الدولة المعدلة بالقانون رقم 227 تاريخ 31/5/2000، التي اعطت المجلس الحق في مراقبة جميع النزاعات التأديبية خلافا لأي نص آخر، وذلك ضمانة لحقوق الموظفين وحماية لهم، قد جاءت تأكيدا لهذا المبدأ العام الذي يتعلق بالانتظام العام والذي يتمتع بالقيمة الدستورية. وبما ان المادة 13 من القانون رقم 250 الصادر بتاريخ 14/7/1993 المعدّل بالقانون رقم 150 الصادر بتاريخ 30/10/1999 المتعلق بإنشاء المجلس الدستوري تنص على ما يلي: »تتمتع القرارات الصادرة عن المجلس الدستوري بقوة القضية المحكمة وهي ملزمة لجميع السلطات العامة وللمراجع القضائية والإدارية. ان قرارات المجلس الدستوري مبرمة ولا تقبل أي طريق من طرق المراجعة العادية او غير العادية«. وبما ان قرارات المجلس الدستوري هي إذن ملزمة للقضاء، كما للسلطات العامة، وهذا يعني ان ابطال المجلس لنص تشريعي لا يؤدي فقط الى بطلان هذا النص، بل ينسحب على كل نص مماثل أو قاعدة قانونية مشابهة للقاعدة التي قضى بإبطالها، سواء كانت متزامنة مع قرار المجلس او سابقة له، وذلك لتعارضها مع أحكام الدستور او مع مبدأ عام يتمتع بالقيمة الدستورية لأن هذه القاعدة تكون قد خرجت من الانتظام العام القانوني بصورة نهائية بحيث لا يستطيع القضاء، سواء القضاء العدلي او الإداري ان يطبق نصا مخالفا للقاعدة او للمبدأ الذي أقرّه المجلس الدستوري وذلك احتراماً لمبدأ الشرعية وخاصة لمبدأ تسلسل او تدرّج القواعد القانونية. وبما ان تطبيق القضاء الإداري او العدلي لقرارات المجلس الدستوري لا تتوقف على تعديل او إلغاء المشترع للقاعدة القانونية المخالفة للدستور او لمبدأ يتمتع بالقيمة الدستورية التي يبطلها المجلس الدستوري، لأن الأخذ بعكس ذلك يؤدي الى تعطيل قرارات المجلس الدستوري في كل مرة يتأخر او لا يبادر المشترع الى تعديل او إلغاء النص او القواعد القانونية التي تتضمنها القوانين النافذة والتي تنطوي على نصوص مشابهة. وبما انه لا يمكن الرد على ما ورد في المادة 117 من نظام مجلس شورى الدولة من امكانية تمييز الاحكام الصادرة بالدرجة الأخيرة عن الهيئات الإدارية ذات الصفة القضائية، كالهيئة العليا للتأديب، وان لم ينص القانون عن ذلك، بأن هذه المادة تعتبر بمثابة نص عام بالنسبة للنص الخاص الوارد في المادة 13 من القانون رقم 54/65، لا يحول دون تطبيقه على المنازعات التي تتعلق بتأديب الموظفين، وذلك لأن نص المادة 117 يتعلق من جهة بالنظام العام، وهو يكرس مبدأ قانونيا عاما، يتمتع من جهة ثانية بالقيمة الدستورية. وبما ان اجتهاد مجلس شورى الدولة بدوره اعتبر انه في كل مرة تتضمن الأحكام القانونية نصوصا صريحة تخالف المبادئ العامة للقانون، كتلك التي تمنع تقديم المراجعات القضائية بما في ذلك المراجعة لتجاوز حد السلطة ام مراجعة النقض، فيلجأ القاضي في هذه الحالة الى التقليل بقدر الامكان من أهمية هذه النصوص تأميناً لتفوق المبدأ العام على الأحكام القانونية المذكورة باعتبار ان تلك النصوص تتضمن أحكاماً استثنائية يجب تطبيقها بصورة حصرية وضيقة. وبما ان الاجتهاد الإداري يميل، عند التصادم بين نص القانون ومبدأ من المبادئ القانونية العامة الأساسية، الى ترجيح تطبيق المبدأ القانوني العام، دون ان ينزع الى ممارسة رقابة ليست له أي رقابة دستورية على القوانين، وذلك من خلال اعتماده منهجا يقضي بتفسير القانون تفسيرا ضيقا عند تعارضه مع مبدأ قانوني عام أساسي ومرجّحا روح القانون على حرفية النص. (...) وبما انه وبمعزل عن نص المادة 64 الجديدة من القانون رقم 227/2000، والتي لم يعطها القانون مفعولا رجعيا، فإن المادة 13 من القانون رقم 54/65، وفقا للتفسير الذي اعتمده مجلس شورى الدولة، لم تعد قابلة للتطبيق لتعارضها مع مبدأ قانوني عام أساسي أضفى عليه قيمة دستورية، هو حق مراجعة القضاء وبالتالي حق ممارسة النقض للقرارات الصادرة بالدرجة الأخيرة عن الهيئات ذات الصفة القضائية، وهو حق يتعلق بالانتظام العام، وقد تكرس فضلاً عن ذلك بنص تشريعي لاحق لنص المادة 13 من القانون رقم 54/65، هو نص المادة 117 من نظام مجلس شورى الدولة الصادر سنة 1975، وارتقى أيضا في سلم البناء القانوني الى مرتبة المبدأ القانوني العام الذي يتمتع بالقيمة الدستورية بعد صدور قرار المجلس الدستوري رقم 5/2000. وبما انه لم يعد من سبيل الى تطبيق أحكام المادة 13 من القانون رقم 54/65، على القضية الحاضرة، لتعارض هذا النص مع المبادئ القانونية العامة ذات القيمة الدستورية. وبما ان الطعن بقرار الهيئة العليا للتأديب رقم 19/99، عن طريق النقض أمام مجلس شورى الدولة، وبمعزل عن المادة 64 الجديدة من القانون 227/2000 يكون إذن مقبولا وليس في ذلك اخلال بمبدأ التطبيق الفوري للقوانين المتعلقة بأصول المحاكمات او تعارض معه. وبما ان الدفع المتعلق بعدم صلاحية مجلس شورى الدولة للنظر عن طريق النقض، بقرار الهيئة العليا للتأديب، يكون في غير محله القانوني، ومستوجباً بالتالي الرد. ورد القرار السبب الثاني المدلى به لجهة النقض في تعليل القرار المطعون فيه، وأكد ان التعليل كان مسهبا يقع في أكثر من عشر صفحات. كما رد السبب الثالث لجهة عدم الرد على بعض الأسباب المدلى بها، واشار الى ان اجتهاد مجلس الشورى مستقر على انه ليس من الضروري الرد على جميع الدفوع والبراهين والحجج. نقرر، رد السبب الثاني المدلى به لجهة النقض في تعليل القرار المطعون فيه، رد السبب الثالث لجهة عدم الرد على بعض الأسباب المدلى بها (مشيرا الى ان اجتهاد مجلس الشورى مستقر على انه ليس من الضروري الرد على جميع الدفوع والبراهين).