As Safir Logo
المصدر:

غسان سلامة: قطب واحد.. مؤقت!

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 2001-10-03 رقم العدد:9019

أنا فعلاً أعتقد ان وضع الإشكالية بأسئلة سياسية أمر صحي لأني أعتقد أن إدغام الأمور التي لها علاقة بالمفاهيم الحضارية والثقافية في ما هو حاصل حالياً يشوش بدلاً من أن يوضح. لذلك فالتركيز على الجوانب السياسية والقانونية والدبلوماسية هو الأمر الأساسي، ذلك أن الأفكار المتداولة حول البعد الحضاري أو الثقافي يمكن ان تكون مضللة. لكني أسمع كل يوم وأقرأ كل يوم أن هناك صراعاً مديداً بين العرب والغرب أو بين الإسلام والغرب على يد زملائنا وأصدقائنا ومعاصرينا، ونسمع نظرية صدام الحضارات أكثر في أوساطنا مما نسمع عنها في الغرب. لقد أخذت أفكار هانتنغتون بقدر من الازدراء أو من النقد العنيف في عدد كبير من الأوساط أو حتى من اللامبالاة الغربية ولا يمكن اعتبارها جزءاً لا يتجزأ من سياسات الغرب تجاهنا، بينما كم من مثقف عربي وكم من مثقف مسلم يحدثنا يومياً عن الصراع المحتم بين الحضارات وعن الصراع المحتم بين الاسلام والغرب.. الخ. لذلك في هذا المجال علينا أن نكون حذرين مفهومياً وأن نسائل انفسنا: هل نحن فعلاً تبنينا عن دراية أو عن قلة وعي مفاهيم خصومنا؟ وفي هذا المجال أنا متأكد من أننا تبنينا إلى حد كبير مفاهيم خصومنا إن لم نكن نحن قد أوحينا لهم بها بالأساس. لذلك فإن طرح الموضوع على المستوى السياسي والأمني والقانوني هو الموضوع الأساسي لكي تبقى أمورنا واضحة. أعتقد ان هناك سؤالاً جوهرياً وهو ما هو المدى الزمني الذي نتحدث عنه عندما نقوم بعمليات التنبؤ التي تدعونا الورقة التي أمامنا للقيام بها، ما هو المدى الزمني؟ إذا كان المدى الزمني هو أسابيع فلديّ أجوبة عن هذه الأسئلة وإذا كان أشهرا أو سنوات فلدي أجوبة مختلفة إلى حد كبير، ذلك أن هناك مراحل عديدة في ما هو آتٍ: دعني أبدأ بالسؤال الجوهري في هذه الأسئلة وهو إعادة توزين القوى على الساحة الدولية وموقع أميركا منها. إذا رأينا الأسابيع الأولى لما بعد 11 أيلول فإن كل شيء يشير إلى أننا الآن دخلنا، بحزم وصرامة، كما لم ندخل يوماً في نظام القطب الواحد. القرار الأول لمجلس الأمن الدولي صدر خلال ساعات بعد 11 أيلول: اتخذ في فترة سبع ساعات. وهذا لا سابق له بالإجماع. القرار الذي اتخذ يوم الجمعة أنا مفاجأ حياله بعدم اهتمام واكتراث العالم به. هذا قرار لا سابق له على الاطلاق، إنه يضع لائحة طويلة من الأسباب التي تسمح للقوى باستعمال الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة في أمور شتى ويضع برنامجاً زمنياً لا يتجاوز تسعين يوماً ويضع سلسلة من الأسباب المبهمة والقابلة للاجتهاد إلى حد كبير لاستعمال القوة العسكرية وفق منطوق الفصل السابع. هذا لا سابق له على الاطلاق وهو يتجاوز القرارات ال21 التي اتخذت بحق العراق سنة 0991 بكثير وبأشواط. إذن ردود الفعل الأولى: إن بسرعة اتخاذ القرار في مجلس الأمن وبرضوخ مجلس الأمن الواضح والصريح لمنطوق الإرادة الأميركية أو بالاستعداد الواضح لدى دول مثل روسيا أو مثل الهند: التعاون والتعاطف مع الموقف الأميركي أو من خلال القيام الجماعي بالتنديد بعملية الارهاب أو بالتحول الملحوظ في موقف باكستان باستعمال مجالها الجوي وتقديمها المساعدات اللوجستية في حال الهجوم على أفغانستان. كل هذه مؤشرات على أننا على المدى القصير دخلنا الآن في مرحلة القطب الواحد. لكن إذا أمعنا النظر وكان هدفنا التنبؤ بالأشهر أو السنوات المقبلة فربما نصل إلى نتيجة معاكسة تماماً وهي أننا الآن انهينا مرحلة القطب الواحد لأن الحجج قوية. أولاً للمرة الأولى أكاد أقول إن أرض الولايات المتحدة تدخل في الكرة الأرضية، صارت جزءاً من الكرة الأرضية، لدينا وراءنا قرن من الزمن كانت تبدو فيها أرض الولايات المتحدة وكأنها خارج الكرة الأرضية، كانت تحصل عمليات وقصص غيرها، وكان الفكر الاستراتيجي الأميركي دائماً قائماً على ثنائية غير الثنائية المعهودة، الثنائية المعهودة هي أن هناك دفاعاً وهجوماً. هذه الثنائية ليست موجودة في الفكر الاستراتيجي الأميركي. الثنائية فيه قائمة على التدخل من عدمه: هل نتدخل أم لا نتدخل. في الحرب العالمية الأولى بقي الرئيس ويلسون أشهراً وسنوات يتساءل هل أتدخل لمصلحة الحلفاء أم لا أتدخل؟، في الحرب العالمية الثانية كان الاتجاه لعدم التدخل حتى بيرل هاربر. في حرب فييتنام طالب الفرنسيون سنوات وسنوات الأميركان بالتدخل إلى جانبهم. وفي لبنان تدخلوا مرتين، في البلقان، في الكويت.. الخ. الفكر الاستراتيجي الأميركي كان قائماً على فرضية أن أرض الولايات المتحدة فيها مناعة وكأنها تضعها خارج الكرة الأرضية، اليوم صارت الأرض الأميركية جزءاً من الكرة الأرضية، هناك تطبيع للأرض الأميركية وتطبيع للمشاكل الأميركية، وهذا أمر يحصل للمرة الأولى بهذا الوضع. الأمر الثاني هو أنه على عكس المرات السابقة، والأمثلة التي ذكرتها، في كل مرة في السابق كان هناك من يطالب القوى الأميركية بالتدخل. سنة 0991 كانت هناك دول عربية ترجو الولايات المتحدة أن تتدخل ضد العراق. في البلقان كان الاوروبيون ومسلمو البوسنة وكوسوفو يطالبون الولايات المتحدة بالتدخل إلى جانبهم. في الحربين العالميتين الأولى والثانية كانت هناك أطراف تطالب الولايات المتحدة بذلك. إذن كانت هناك ضحية، من جانب، ومرجع من جانب آخر. اليوم المرجع هو الضحية، وهذا يغير إلى حد كبير أيضاً في موازين القوى. إذن الجواب المنهجي عن الأسئلة التي تطرحون أعتقد انه يجب التمييز بصورة جذرية بين ما هو راهن، بين ما سيحصل في الأسابيع المقبلة وبين تحليل النظام الدولي على المدى الطويل. أنا فرضيتي، أن أشكال القطبية المتفردة ستبرز بقوة خلال الأسابيع والأشهر المقبلة. لكن إذا نظرنا إلى التحولات العميقة الضمنية في النظام الدولي، فإننا سنشهد، على العكس تماماً، إعادة توزين للقوى الدولية ومستوى أعلى من استقلالية القرار عند القوى الأخرى في المنظومة الدولية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة