ما العلاقة بين قول الملك التبعي اليماني قبل الميلاد »دعتني نفسي ان أنطح الصين«، وبين ما يجري من سخونة على حدود الصين الشمالية الغربية، داخل الاراضي الصينية وعلى الجبهة الأفغانية المشتعلة؟ ما العلاقة بين وصول جحافل العرب الى الصين قبل الاسلام وبعده، وبين ما يجري من تشكلات تنظيمية إسلامية اليوم في مناطق شمال غرب الصين أقلقت الحكومة الصينية وقدت استقرارها الأمني؟ أسئلة كثيرة حول الوجود الاسلامي في بلاد الصين التي كان يعتبرها الاسلام في أقصى الأرض، وهكذا كان يعتبرها الرسول محمد، عندما قال »اطلبوا العلم ولو في الصين«. فكان وصول الاسلام الى تلك البلاد تحديثا، وكان »نطح« الصين، أي الانتصار عليها، هدفا. وهذا هو التحدي الذي فعله الملك أسعد التبعي اليماني الجد السالف لسيف بن ذي يزن، عندما غزا الصين وابنه حسان الذي وصل اليها أيضا. والاسلام دخل الى الصين من طريقين: برية من الشمال الغربي، وبحرية، وهي الأسهل في ذلك الزمان، من السواحل الجنوبية التي زرناها واطلعنا على آثار المسلمين فيها... لكننا نذهب الى الصين اليوم لنشاهد، فنفاجأ، كيف حافظ الصينيون على آثارنا أكثر مما حافظنا عليها في بلادنا. يقول ابن بطوطة ان المدن الصينية التي زارها لم تخل من أحياء خاصة بالمسلمين. ويروي أنه عندما دعاه أحد أمراء الصين دعا معه أهل الطرب، وهؤلاء غنوا باللغات الصينية والعربية والفارسية. لكن ابن بطوطة الذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي، لم يرافق مرحلة الفتوحات الاسلامية الاولى لتلك المناطق، وقد سبقته ايضا الرحلات البحرية التجارية العربية زمن الاسلام وقبله. حططنا في مدينة تسوان تشو، التي أطلق عليها ابن بطوطة اسم »زيتون«، مقاربة منه للاسم الصيني وتسهيلا للفظه، من دون ان يعني ذلك أي علاقة بالزيتون، فالاراضي الزراعية السهلية والجبلية، التي تشبه سواحل وجبال لبنان كثيرا، والتي عبرناها قبل ان نصل الى هذه المدينة، ليست أرض زيتون، بل لم نرَ فيها زيتونة واحدة، ولا حتى تينة واحدة، وقد علمنا ان وجود الزيتون والتين نادر في تلك المنطقة وفي الصين عموما. كان البرنامج الرسمي لا بد يحترم وجود مسلمين في عداد الوفد فيخصص يوما بليلته لهذه المدينة، وزيارة للمعالم الاسلامية والعربية الموجودة فيها، وقد شمل برنامجنا زيارة المقبرة التاريخية التي ضمت أضرحة بينها اثنان لصحابة الرسول محمد ومسلمين آخرين بينهم دعاة ورجال دين وتجار، ثم زيارة الجامع الكبير في المدينة، فمتحف المدينة للآثار التاريخية، بالاضافة الى آثار جبل جيوري. وعندما وقّعنا على دفتر التشريفات، فهمنا ان كل الوفود العربية التي يمكن توسيع برنامجها في الصين وصلت الى مدينة زيتون. في محطة أولى من محطات المدينة، أطفال يحملون صحونهم الكبيرة ويأكلون في ساحة صغيرة قرب حيّ شعبي فقير. ثم نتوجه نحو »المقبرة المقدسة«. نعبر جسرا صغيرا فوق مجرى نهر صغير لنرتقي تلك »التلة المعجزة«، حيث يرقد جثمانان لاثنين من صحابة الرسول محمد، لم يعرف اسماهما، واحد منهما اسمه محمد، وهما اثنان من أربعة صحابيين أتوا الى بلاد الصين قادمين من المدينة المنورة التي هجر إليها الرسول العام 622. 4 من صحابة الرسول مؤرخو »المقبرة المقدسة« يقولون ان الصحابيين حضروا الى »زيتون«، بين العامين 618 و626، والارجح ان سفرهما الى الصين أتى بعد هجرة الرسول الى المدينة، أي بعد العام 622 كون أحدهما من المدينة المنورة. المقبرة داخل حديقة جميلة فيها بعض أشجار الصنوبر والسرو وعين التنين. مجموعة قبور قديمة لمسلمين كرسوا حياتهم للدعوة، تجاور مقام الصحابيين، جمعت في هذا المكان الذي يقدسه المسلمون في الصين، ويعتبرونه مزارا أساسيا في المناسبات الدينية، وتكثر حوله الروايات التي لا تخلو من المعجزات. هنا يجتمع مسلمو المدينة والمنطقة في ليلة القدر من كل رمضان مثلا. مقبرة عمرها أكثر من 1300 سنة تعتبر أثرا ثقافيا، وتحظى باهتمام رسمي، وقد أنيط الاهتمام بها بموظفين وحرس ومكتب خاص، ومن خلال مرسوم صدر العام 1961 من حكومة فوجيان المقاطعة التي تتبع لها مدينة زيتون. حجارة القبور الرخامية القديمة من زمن أسرة تانغ، وكذلك حجارة المقام الذي يقترب من الشكل المضلع نصف الدائري المفتوح على الحديقة تحته، سقفه مقطع تقطيعا قرميديا، لكن بحجارة صخرية قاسية. داخل المقام لوحات حجرية محفورة عليها جمل عربية، بعضها مقروء والبعض الآخر تصعب قراءته، الى جانب لوحة وضعها أحد القادة العسكريين في عهد الامبراطور يونغ لو، وهو خصي صيني مسلم اسمه شانغ هو، قام بخمس رحلات وصلت إحداها الى مكة المكرمة العام 1432. ومنذ العام 722 جددت المقبرة ورممت عدة مرات من قبل متبرعين يبتغون الأجر والثواب من الله. الا ان الصخرة »المعجزة« التي لا تزال رابضة، بارتفاع لا يقل عن خمسة أمتار، فوق صخرة اخرى، لم تسقطها الزلازل، في حين أنها تبدو على شفير السقوط ويستطيع واحدنا هزها وتحريكها قليلا، فبقاؤها يعتمد على توازن شديد الدقة. نغادر هذا الصرح الاسلامي، وقد زوّدنا المعنيون هناك بمعلومات عن وجود مقامين لصحابيين أتوا الى الصين وقضيا فيها فدفنا، واحد في قوانغتشو وآخر في هانغتشو من جنوب الصين. ولا شك في قدوم هؤلاء الصحابة الى بلاد الصين عن طريق البحر، ضمن حركة توافد العرب الى السواحل الصينية الجنوبية عن طريق البحر وقد حطّوا في موانئ لوفين وزيتون وحمدان وسوسة وصين الصينية وسيلا وكانتون وفي جزيرة هينان، وتكاثروا في العام 758م وصار لهم مستوطنات، ولكن سلبهم لمدينة كانتون وفرارهم بحرا كان خاتمة المرحلة الاولى من الرحلات العربية الاسلامية الى شواطئ الصين التي لم تتجدد بشكل فعلي الا في النصف الثاني من القرن الثالث عشر. 50 مصلياً زرنا في زيتون المسجد الكبير او »مسجد الأصحاب«، المبني في العام 1409م، وهو لخدمة حوالى 400 ألف مسلم يعيشون حاليا في زيتون. بناه مسلم من أصل عربي، ثم رمّمه مسلم من أصل فارسي. وهو واحد من أربعة مساجد شهيرة في الصين من أصل حوالى 30 ألف مسجد موجودة في الصين، يرعاها ويرعى المسلمين فيها حوالى 40 ألف عالم دين وإمام مسجد. عموما المسجد متواضع ليس فيه كثير زخرفة ولا تفخيم أثاث، على هامشه متحف يضم مجموعة من القرائين والصور الفوتوغرافية، بالاضافة الى تماثيل صغيرة لرجال يمثلون وضعيات الصلاة وحركاتها المختلفة. التقينا في الجامع الحاج عبد الله واسمه الصيني هوانغ قيورم، وهو عضو اللجنة الدائمة لشؤون الاسلام في الصين ورئيس الجمعية الاسلامية في مقاطعة فوجيان ورئيس الجمعية الاسلامية في زيتون، سألناه عن عدد المصلين الذين يؤمون الجامع يوميا فقال: قليل. وعن »حشود« يوم الجمعة قال: كثير. قلنا: كم. قال: حوالى خمسين مسلما. طبعا ليس هناك تيارات إسلامية سياسية تحرك المسلمين. ومع ان الحرية الدينية موجودة في الصين بشكل واضح وباحترام بارز، الا ان المؤمنين الملتزمين حتى بالبوذية قليل، فعدد المؤمنين بالأديان يبلغ حوالى مئة مليون نسمة. أما المسلمون فيتوزعون على عشر قوميات صينية من أصل 56 قومية يتشكل منها الشعب الصيني، ويبلغ عددهم حوالى 20 مليون نسمة موجودون في: الهوى والويغور والقازاق والقرغيز والتتار والأوزبك والطاجيك ودونغشيانغ وسالار وباوآن. ويتواجدون في مناطق الساحل الجنوبي في طريق الحرير البحري وفي الوسط في مقاطعة نينغشيا، ثم عند الحدود الشمالية الغربية على حدود قرغيزستان وطاجيكستان وأفغانستان وكشمير وباكستان، في مقاطعة شينجيانغ حيث يتخوف الصينيون هذه الأيام من قلاقل أمنية ومن ان تصاب بالعدوى من الفوضى الموجودة عند حدودها، في أفغانستان. المهم ان ميناء زيتون كان مهما جدا عندما كانت علاقته مفتوحة مع بحر العرب، فابن بطوطة، في ذلك الزمن، شاهد حوالى مئة من سفن الجنك الكبيرة عدا تلك الصغيرة التي لا تحصى. حتى ان جزيرة هينان كانت تعج بالمسلمين، ولا يزال أهلها يحملون صفات عربية حتى الآن. 30 ألف عرض مسرحي في متحف زيتون الأثري، شاهدنا مخططات لطرق المواصلات البحرية، ومنحوتة تمثل رأس ماركوبولو الرحالة الايطالي الذي عاش في الصين 20 سنة، وبقي ثلاث سنوات في طريق عودته الى البندقية التي وصلها العام 1292. نماذج لمراكب صينية وعربية. أشرعة السفن الصينية يدخل قصب البامبو في صناعتها، مدافع، وأدوات موسيقية، وجناح خاص بالآثار الاسلامية فيه الكثير من الشواهد واللوحات الحجرية المحفورة باللغة العربية، وقال لنا المسؤول في المتحف ان الآثار الاسلامية تساوي 70 في المئة من آثار المنطقة، وهذه النسبة هي تقريبا النسبة الموجودة في متحف زيتون، الذي شاهدنا في حديقته مجموعة كبيرة من القبور القديمة التي يعود معظمها لمسلمين وقد كتب عليها بالعربية آيات قرآنية وأدعية وما الى ذلك من كتابات دينية.وفي لقاء بين رئيس اتحاد الأدب والفن في زيتون تشن ريتشنغ مع وفد اتحاد الكتاب اللبنانيين الذي كان يترأسه الشاعر جوزف حرب، قال الأول: كان تبادلنا مع الدول التي خلف البحر أسهل من البحر الصيني الذي يقع خلف الجبال، وفي مناطق بعيدة، هذه المنطقة أسبق الى الانفتاح، والطرق البحرية كانت أكثر تطورا من الطرق البرية. كانت المنطقة قاعدة لمراقبة السواحل والبواخر وقاعدة للجيش زمن أسرة مين قبل ألف سنة. هنا بداية طريق الحرير، وملتقى الأديان العالمية، وكانت هناك كنيسة يدخلها كل الأديان ويمارسون عباداتهم فيها. تابع تشن ريتشنغ: في المدينة 15 مسرحا، لكن النشاطات المسرحية موجودة أكثر في الارياف، والنشاطات الثقافية عموما ليست متركزة في المدينة، وانما تتوزع على الأرياف، تبعا لسياسة عامة، فالحكومة تهتم بالثلاثي معا: السياسة والاقتصاد والثقافة. وشعارنا: نبني ثقافة صينية اشتراكية متميزة منتجة نحو المستقبل والعالم. ومحدثنا كان نائب مدير دائرة الثقافة في مقاطعة فوجيان التي تنتمي اليها زيتون، ولهذا كان يتحدث بثقة العارف بالسياسة الثقافية وبدقائق الأمور. قال: البلديات تخصص مبلغا كبيرا لدعم الثقافة. ونحن بصدد بناء متحف جديدة في المقاطعة يكون جاهزا بعد سنة. لكنها ثقافة صينية أم ثقافات؟ أجاب: الثقافة الصينية تتكون بالفعل من ثقافات مختلفة تتفاعل فيما بينها، فتنتج ثقافة كل قومية مشعلا، فكيف وان القوميات ال56 تجتمع معا على إنارة الطريق... ولهذا أملنا كبير بالمستقبل. واستطرد في كلامه على النشاط المسرحي قائلا: هناك 376 قرية، في كل منها مسرح، ويُقدم فيه يوميا عرض مسرحي، وتبلغ العروض في هذه القرى أكثر من 30 ألف عرض مسرحي سنويا. وهذه نسبة نادرة في الصين. أكثر من ذلك، فقد نصبت مسارح في الحقول الزراعية لتقديم العروض. ولا نشك في ان مقاطعة فوجيان أهم مقاطعة لتقديم العروض المسرحية. ولمزيد من الايضاح دعانا تشن ريتشنغ الى أحد المسارح الليلية الصغيرة، لمشاهدتنا عرضا تراثيا لشرب الشاي الصيني التقليدي الاخضر، نفذته جميلتان صغيرتان وجريئتان، ثم لمشاهدة عرض موسيقي غنائي، يعيدنا الى التراث الفني للمنطقة قبل ألف سنة.فرقة موسيقية من خمسة أشخاص، أربع آلات وترية بالاضافة الى آلة إيقاعية صغيرة. كمان وعزف على وتر واحد، اثنين، وثلاثة... موسيقى هادئة تتداخل مع شيء من الحزن تتصاعد وتيرتها من دون ان تعنف، ثم معزوفة عيد أكل الكعك، وعرض عرائس، قدمته لاعبة مثلت قصة صبية تذهب الى بكين، باحثة عن زوجها الذي أتى لتقديم امتحان امبراطوري، وفي حال نجاحه يتولى منصبا مهما. ويجلس أمامنا أحد الخطاطين يعرض أسلوب الكتابة الفنية بالريشة الصينية... مجموعة من اللياقات الفنية على وقع الموسيقى وشرب الشاي الاخضر، وأمامنا أصناف غريبة من المملحات والفواكه المجففة التي لم نعرفها جميعها. ويكفي ان نضرب مثلا على الزيتون المحلّى والتين المملح. (جنوب الصين)