ان الخلل الهائل بين الدول المتقدمة والفقيرة ينحو الى لبس متعمد تجاه ما يسمى الدول النامية والفقيرة في علاقة هلامية هشة قابلة الى الانفجار في كل لحظة، ومن هنا قراءة في توصيات البنك الدولي في هذا الاطار.. اكد خبراء البنك العالمي في عديد لقاءاتهم الفكرية وخاصة خلال محاضراتهم الاخيرة في مدينتي بروكسل وبون على أن مشكلة الفقر لها علاقة وطيدة بعدم المساواة في توزيع الثروة الوطنية في العديد من البلدان النامية، وان القدرة على مكافحة الفقر ترتبط ايضا بالنسق القيمي للبلد، وبكفاءة مؤسساتها الحكومية والخاصة والاهلية في الاستفادة من النمو الاقتصادي دون محسوبية او فساد. هذا على المستوى المحلي في البلدان الفقيرة، اما على المستوى العالمي فان قادة البنك الدولي يدّعون محدودية كفاءة البنك في مكافحة الفقر بسبب ضعف الاجماع العالمي، علما وان المظاهرات الجماعية الاخيرة في سياتل، ثم اخيرا في جنوا أبرزت ارتفاع الوعي الشعبي في البلدان الغنية، مع العلم ان النخب الحاكمة قد اعتادت التفريق بين البلدان الفقيرة والبلدان متوسطة الدخل. فهي تشجع توفير بعض الموارد ورصدها لفقراء البلدان الفقيرة والنامية، بينما لا تهتم بالفقر وعدم المساواة في البلدان متوسطة الدخل. ويرجع هذا الوضع الى اهتمام البلدان الصناعية المتقدمة والغنية باستقرار اسواق المال في البلدان متوسطة الدخل التي تستقطب حجما هائلا من استثمارات البلدان الغنية، وان رؤوس الاموال تذهب بدون اي اعتبار للهيكل الاجتماعي بهذه البلدان فلا يهم البلدان الغنية الا مردودية استثماراتهم فقط. وبناء عليه، يتوقع قادة البنك ان يضعف الاجماع العالمي لمكافحة الفقر ايضا بين النخب الحاكمة في البلدان متوسطة الدخل حين تنتبه هذه البلدان الى تسرب موارد البنك من أيديها في صورة منح واعانات وقروض مختلفة الى أيدي البلدان الفقيرة. ومع ذلك فقد اكدت قيادات البنك مرارا ان دوره أساسي في تشجيع النخب الحاكمة على رصد الموارد لعملية مكافحة الفقر مع اعترافهم بأن صندوق النقد الدولي عليه عبء ثقيل ايضا. من جانب آخر،فقد تخطى صندوق النقد الدولي في الماضي حدوده الاصلية المبنية على تصحيح الاختلالات الظرفية التي تشكو منها موازين المدفوعات لأعضائه في الأمد القصير. وتدخل في سياسات التصحيح الاقتصادي الهيكلي والاصلاح الاجتماعي المتأتي من السياسات الانمائية المغلوطة في العديد من البلدان الصناعية والنامية على حد سواء. ومن هنا أجمع رئيس البنك الدولي وزميله في صندوق النقد الدولي على ان يركز الصندوق مهامه وعملياته المستقبلية في مجالات الاستقرار المالي، وحث البلدان الاعضاء المعنية على انتهاج سياسات نقدية تقشفية، بينما يتناول البنك عمليات الاصلاح باستطلاع المناهج ورسم السياسات الهيكلية والاقتصادية والاجتماعية عموما. وهكذا، اعترفت قيادات البنك الحالية في محاضراتها العامة ولقاءاتها وندواتها في جل البلدان وبالاحرى في أوروبا بأن هذا الدور جديد نسبيا عليها، ذلك ان البنك الدولي عمل لسنوات طويلة بأسلوب المشروعات الفردية والجماعية والسياسات العامة التي تتطلب استراتيجيات متوسطة وطويلة المدى والتي تهم أكثر فأكثر البلدان النامية التي تتخبط منذ استقلالها السياسي في اشكاليات التخلف والاختلالات الهيكلية الاقتصادية والاجتماعية طويلة الأمد. وبناء عليه، نرى ان قادة البنك الدولي يشجعون الدارسين والباحثين على توسيع عمليات النقاش والحوار مع العاملين في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية مع اعادة النظر في دور الدولة الذي هُمّش في السنوات الاخيرة لفائدة قوى السوق وآلياتها المبنية على العرض والطلب والمنافسة والمردودية والكفاءة ودون النظر الى ما تخلفه من اشكاليات بين الطبقات الاجتماعية والشرائح المهنية في جل البلدان المتقدمة والصاعدة والنامية والفقيرة. اذن، فان تقرير البنك الدولي لسنة 2000 2001 يفتح النقاش أمام كل الباحثين والمهتمين بقضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وهي فرصة متاحة جدا لإخراج النقاش والحوار من دائرة القياسات الاقتصادية الى دائرة المناهج الثقافية والسياسية للتنمية شريطة ان يبدأ النقاش من داخل البلدان بدون حساسية او شروط، وان يخرج النقاش من عند البلدان المعنية في أسلوب عالمي يخاطب كل الفقراء على اختلاف ألوانهم وأفكارهم ومعتقداتهم. فإشكاليات الفقر بكل مقاييسها وأصنافها وشرائحها لم تعد مواضيع لا تهم الا البلدان النامية والفقيرة فقط، بل تهم كذلك البلدان الصاعدة والمتقدمة على حد سواء. وهي تتطلب حلولا دولية وعالمية، سيما وان عولمة الاقتصادات الوطنية وانفتاحها على بعضها البعض، جعلت من اشكالية الفقر معضلة عويصة جدا على الصعيدين الوطني والدولي. فعلى الصعيد الوطني لا بد من اتخاذ التدابير المحكمة قانونيا وماليا لتقليص الآثار السلبية لهذه الظاهرة وذلك ببعث صناديق ومؤسسات اجتماعية أهلية. واما على الصعيد الدولي فلا بد من بعث بنك دولي يختص فقط في المساعدات العينية لشد أزر الطبقات الفقيرة التي يتزايد عددها بكثرة في كل البلدان مهما كان مستواها الانمائي واستقرارها السياسي ومعطياتها الاجتماعية مما يتطلب سياسات اجتماعية نوعية على غرار ما تفعله البلدان السكندنافية اليوم وبعض الدول العربية وخاصة الخليجية منها. (*) كاتب تونسي مقيم في سوريا.