اربعة من »رواد« الاغنية الشبابية اصدروا هذا الموسم اربع اغنيات رئيسية. اربع اغنيات خاصة تستعيد، كل منها، من خلال الاغنية او روح الفيديو كليب، قصة او صورة اخرى، غربية، تعيد صياغتها بلغة محلية، بلغة »خاصة«: نوال الزغبي في اغنيتها »طول عمري«. ديانا حداد في »اللي في بالي«. هاني العمري في »ما كلن شافوك«. عمرو دياب في »ولا على باله«. وأكثر ما يميز عناصر الاستعارة هذه المرة ان مغني الشباب الاربعة قدموا، في استعارتهم، عناصر بصرية مغرية، عناصر اغنية »ضاربة«، لا تستند حصريا الى الاستعارة. الرقص في البرازيل في البدء، تنوع شكل الاستعارات: نوال الزغبي قدمت اغنية على ايقاع السالسا (Salsa) الجنوب اميركي.. »طول عمري بحلم يا غالي، إن إنت حلم الليالي«. وبما ان نوال الزغبي باتت معروفة جدا بتغيير شكلها، او ال (Style)، من اغنية الى اخرى، اي ان بين الشريط والاخر مشهدا بصريا يختلف 180 درجة، كان لا بد من التغيير تبعا لنمط الاغنية. فالاغنية تحمل نمطا، هذه المرة، هو (Salsa) يفتح مجالا واسعا للاجتهاد تحت عنوانه. فتوجهت الى البرازيل وصورت فيديو كليبا راقصا، في وضح النهار، في مقهى يتراقص بين الليلي والنهاري، وتقمصت شخصية هذا الدور: جنيفر لوبيز. فجنفير لوبيز ممثلة ومغنية شبابية شهيرة، شهيرة جدا في هذه الايام، وهي جنوب اميركية، وفي الان ذاته مثيرة، انيقة، جميلة.. ما يؤمن العناصر الثلاثة الاسياسية اللازمة لتنفيذ استعارة، من الوزن الثقيل. فأتى شكل نوال الزغبي، هذه المرة، وكأنه اعادة صياغة لجنفير لوبيز، بنظاراتها الشمسية الشهيرة، تلك التي تذكر بموديل رجال شرطة المسلسلات الاميركية في الثمانينات. الحذاء العالي الكعب، الملابس الضيقة (بنطلون وسترة من دون اكمام)، الشعر المنهدل، لون البشرة الجنوب اميركي حيث لحدة الشمس اثار لونية مستديمة. باختصار، تزاوج ايقاع ال Salsa مع الفيديو كليب البرازيلي لانتاج شكل نوال الزغبي »الجنيفر لوبيزي«. واغنيتها الجديدة. ذبذبات Grease من جهتها، اصدرت ديانا حداد اغنيتها للموسم: »اللي في بالي، ولا على باله«. وبما ان تلك الاغنية لا تحوي جوا او نفسية خاصة، هي اغنية اخرى، جديدة وربما ضاربة، من اغنيات كل موسم، لم تفرض على النجمة شكلا محددا. فكان مجال الاستعارة اوسع، فاتجهت الاعين نحو سينما السبعينات الاميركية الضاربة والتقطت ذبذبات فيلم "Greaseس الذي قام ببطولته جون ترافولتا الى جانب اوليفيا نيوتن جون، وكان سببا في تأمين شهرة مدى العمر للبطلين. فيبدأ »الكليب« من قاعة الصف حيث يدخل الاستاذ وتبدأ »التلميذة« ديانا حداد بالغناء لحبيبها، قبل ان يهرع الطلاب، كلهم، الى الخارج، باللغة السينمائية ذاتها التي عرف بها "Greaseس مترجمة فيديو كليبيا. فنجد انفسنا، في الباحة، امام يافطة تفيد بانه لم ينجح احد من الصف سوى »اللي في بالي«.. فرقص على الادراج.. بالاضافة طبعا الى اشكال الشباب والبنات المستنسخة عن اجواء Grease، من امشطة شعر وشعر »مزيت«، من رقص وسيارة حمراء وغيرها من اكسسوارات فيلم السبعينات. وبينما كانت اغنية الفيلم الرئيسية »دويتو« (duo) بين بطليه، بقي دور البطولة في الفيديو كليب لنجمته ونجمتنا: ديانا حداد. عضلات ووجه جميل اما اغنية الموسم »حبيبي ولا على باله« لعمرو دياب التي تميزت بكلامها ولحنها وبعض ما جاء في الفيديو كليب الخاص بها فقد حافظ فيها هو على شكل ريكي مارتن، بالهمس واللمس لا بالاعلان المباشر. يذكر شكله، خاصة في مشهد ختام الفيديو كليب، بريكي مارتن في فيديو كليب اغنيته »بانغ بانغ« (Bang bang). فالمشهد المذكور يختتم على صورة عمرو دياب محاطا بالفتيات الجميلات داخل علبة اشبه بالصندوق اما نقاط ارتكاز استعارة شبيهة فهي على الارجح: شكل ريكي مارتن الذي يميزه الجمال، جسدا ووجها، والذي اعترف به الغرب الاميركي لمغني اسباني، اوروبي النكهة، فقدم له النجومية، الى جانب اشتهاره بأغان ايقاعية تستهدف عضلات الرقص . وعمرو دياب بات من المعترف لهم بالجمال بين مغني اليوم، وهو ايضا يتوجه الى عضلات الرقص في اغنيات شرائطه الاولى، تلك التي تتميز بفيديو كليبها. وبما ان المقارنة بينه وبين مارتن واردة، فاختاره، ربما، ليكون في فيديو كليبه هذا (على عكس رومنسية »تملي معاك«) »مصدر الهامه«، مرجعه »الشكلي«. IT wasnصt me وتبقى قصة الاستعارة الاكثر تمايزا او ابتكارا هي قصة هاني العمري في اغنيته الاولى لهذا الموسم: »ما كلن شافوك«. تقول كلمات الاغنية، وهي موزعة بين كلام المغني وكلام الكورال الاتهامي: »لا رحت ولا جيت، لا شفت ولا حكيت/ ما كلن شافوك، كلن عرفوك/ مش انا/ ابدا ولا مرة حاكيتها، ولا حدي مرة مشيتها، ما شفتها ابدا ما عرفتها، ولا بعرف وين مطرح بيتها/ ما كلن شافوك (مش انا).../ ما بعرف شكلها ولا اسمها ولا عيني شافوا رسمها، ولا بعرف طولها ولا كسمها ولا مرة اخدتها وخبيتها/ ما كلن شافوك (مش انا).../ قلت بخبيها بعيوني حتى العالم ما يشوفوني، ما زلتوا عرفتوا وشفتوني... هيدا انا«. قصة تلك الاغنية هي، تماما، قصة اغنية الاميركي Shaggy في اصداره ما قبل الاخير: "It wasnصt meس (مش انا). القصة ذاتها مع الاختلاف، والاختلاف الرئيسي يبقى على مستوى الاغنية والفيديو كليب، اذ ان هاني العمري اعترف في نهاية الاغنية ب »هيدا انا« واتت اسباب الافكار نتيجة ل »نخبيها بعيوني حتى العالم ما يشوفوني«. اما في الاغنية الغربية فأسباب الافكار ناتجة عن الخيانة والهرب من الحبيبة ولم تنته بالاعتراف.. هربا من شر الحبيبة الاصلية. ومن جهة الفيديو كليب، تتميز الاغنية الغربية بترجمة خفيفة الظل لكلمات الاغنية على نسق مؤامرة بين المتهم وصديقه تتخللها تقنيات ملاحقة وهروب جيمس بوندية. وهي فكرة مغرية للاستعارة ايضا، الا ان هاني العمري قدم، للاغنية المعادة، فيديو كليبا جديدا بامتياز، يتميز بالكارتون، كارتونه هو، او بالاحرى، ترجمة الكترونية لشكله في اطار بصري وجمالي محترم، يحترم اعين المشاهد ويرسم صورة جديدة، مبتكرة، للفيديو كليب. المهم.. تلك هي عناصر الاستعارة التي »امنها« اربع من »رواد« الاغنية الشبابية العربية. الحاضر والغائب لكن تتميز تلك الاستعارات، هذه المرة، ببعض المحافظة على حس صناعة مناسب للاعين، فلم تكن مجرد استناد مطلق على شهرة الاصل، لاستعارة شهرة للعربي، للشخص، وانما استعارة متقنة وبمجماليات بصرية متفاوتة. فنوال الزغبي قدمت اغنية ضاربة وفيديو كليبا مصورا بتقنيات جيدة »من مكان الحدث«. لم تستند، حصريا، على شكلها »الجنيفر لوبيزي«. وديانا حداد، وهي تعيد اخراج (Grease)، حافظت على بعض عناصر الاغراء البصري. لم تقم بما قام به سابقا نقولا الاسطا عندما استنسخ فيديو كليب "crazyس لفريق "airosmithس لاغنيته »فرفش«، فأتى فيديو كليبا لبنانيا من الدرجة السابعة. هي حافظت على جمالية في الصورة، جمالية الفيديو كليب اللازمة لتعريف اغنية ضاربة. وعمرو دياب قدم اغنية جديدة جدا على السوق، الى جانب مستوى الفيديو كليب الذي اعتدنا عليه. وهاني العمري نفذ استعارة موفقة لاغنية تحمل معان مختلفة عن تلك التي اعتادت السننا علكها بملل.. لم يترجم وانما لبنن، واهتم بالفيديو كليب، قدمه مختلفا تماما عن الاصل وجديدا بين رفاقه. اما المضحك المبكي في مجمل تلك الاستعارات، المضحك لانه ميزها جميعها والمبكي لانه ميزها جميعها، فهو ما غاب عن الاستعارات الاربع في اللحظة التي دخلت فيها المنطقة العربية. استعارة كاملة يوحدها غائب مشترك. الجنس. غاب تماما. وكان في الاصل اساسا. فإغراء جنيفر لوبيز، قدراتها على الاثارة، ميزتها كامرأة »حامية«، التأمين الخيالي المبلغ الذي دفعته صونا لمؤخرتها تحولوا الى »جمال« نوال الزغبي وتميز الاشكال التي ترتديها. نوال الزغبي استعارت شكل جنيفر لوبيز وجردته من عناصر الاثارة المباشرة، في الرقص تحديدا، ليكون الفيديو كليب عربيا. وعمرو دياب تسلح بابتسامته البريئة. الطفولية، بال (baby face) لينفي شبهة الاثارة الجنسية الاوروبية التي تميز ريكي مارتن. وفي المشهد الختامي المشترك بين الفيديو كلبين. بان الفرق واضحا. ريكي مارتن في العلبة تداعب جسده ايدي الفتيات المثيرات المحيطات به وهو عاري الصدر، بعدما فك قميصه. اما عمرو دياب فواقف ببراءة المغني بينهن وهن يرقصن ببراءة الراقصات من حوله وحواليه.. لا اكثر. غابت الايدي وغابت الاثارة الجنسية. اما ديانا حداد فحولت قصة (Grease) المفعمة بجنس مراهقي المدرسة الى قصة »شقاوة« شباب، من دون ايد او ايحاء حتى بالرقص. ما عادت القصة قصة علاقات ومشاكل وانما »لم ينجح احد« و»اللي في بالي«.. في بالي. فقط. باتوا »اشقياء«، ما عادوا »مشاغبين«. اما هاني العمري فاقتبس فكرة الاغنية وجردها من كل الجنس الذي يسيطر عليها: في النسخة الغربية، يهرب الشاب من حبيبته لانه خانها بعدما واجهه الجميع بانهم رأوه يضاجع الاخرى على الكنبة، ومن ثم تحت الدوش، ومن ثم في المطبخ. فاذا بها، عربيا، تصبح قصة كزدورة في الضيعة.. من دون تحديد ما الذي »شافوه« او »عرفوه«. كأنه يهرب من تحديد ما الذي شافوه. هروب من دون تحديد. ربما في ذلك مجال اوسع من الحصر تحت خانة الطهارة. وان بقيت اجواء الضيعة مسيطرة اذ انه ينفي حتى معرفته لطولها او شكلها وكسمها. وقد يكون هاني العمري يكشف اسباب هذا الهروب في تحديد المعاني بجملة الاعتراف، اذا انه يخشى عليها وعلى نفسه من كلام الناس. وكأنه يغيب الجنس ويبرر تغييبه له في آن. كأنه يحافظ على هامش بينه وبين ما يقبله مجتمعنا. فكثيرا ما حاول العمري اجتياز هذا الهامش من خلال فيديو كليباته، بعيدا عن الجنس طبقا، وبلغة اقرب الى الحب.. كأن يصور حبيبته في احد فيديو كليباته شابة سوداء اللون، عادية، من دون مقومات خارقة لا بد لصاحبة اللون الاسود من التمتع بها لتصلح لفيديو كليب لبناني! ويبقى ملفتا للنظر ان مجمل الاستعارات الاربع تستهدف صورا غربية مفرطة في الايحاءات الجنسية، ومفرطة في تغييب الجنس عنها. فلم يتم مثلا استهداف اي اسم غربي غير مرتبط بشكل مباشر جدا بالجنس، او صورة غربية طاهرة وحاضرة في آن. وربما لذلك تنفذ الاستعارات، فالايحاء يبقى حينها ضمنيا، من دون تنفيذ ابتكار خاص في هذا المجال عربيا. كمن لا يريد ان يبقى بعيدا عن الجنس، عن الشباب، عن جمهوره شبه الوحيد.. كمن لا يريد ان يدخل مباشرة في صلب الموضوع (لاسباب اجتماعية على الارجح) فبقي التلميح مغريا وضرورة. كمن يستعير خوفا من ان يملك. او، على الارجح، كمن يعترف باهمية الجنس في حياة الشباب فلمح اليه، بإصبع غيره، حتى ان سئل يقول: »مليش دعوة«. فعلى الارجح، معظم المغنين الاربعة، ان لم يكن مجملهم، ان وجدوا على شاشة تلفزيونية، عربية، فضائية، وسئلوا عن الاخلاق و»قيمنا«، رثوا غيابها عن »مجتمعنا«.. وقالوا: »انما الامم الاخلاق...«.