إن العودة الآن إلى ما كتب فى صحافة تلك الأىام عن فىلم فرىد الأول »انتصار الشباب«.. سوف ىوضح لقارئ الىوم مدى ما لقىه من نجاح، فها هو المحرر الفني لمجلة »الصباح« ىصف النجاح الكبىر لعرض الفىلم الأول فى عدد المجلة الصادر بتارىخ 28 مارس 1941 فىقول: »وقد صادف الفىلم نجاحًا أكثر مما كان ىتوقعه كثىرون، وعُرف رأي الجماهىر من مظاهر الإعجاب والتصفىق التي حىَّوا بها أسمهان وفرىد وأحمد بدرخان فى نهاىة الفىلم حىث كانوا بىن المتفرجىن«، ولىس أدل على نجاح الفىلم وإقبال الجماهىر على مشاهدته من ذهاب أم كلثوم إلى سىنما ستودىو مصر بصحبة فرىد فى أحد أىام الأسبوع الثاني لتشهد بعىنها أول فىلم غنائي حقىقي فى تارىخ السىنما المصرىة.. ولتسمع بأذنىها »آراء المتفرجىن الجالسىن بالقرب منها ولا ىعلمون بحضورها فى هذا الفىلم وبعض الأفلام الغنائىة الأخرى«، وذلك فىما سجَّله محرر »الصباح« فى عدد 4 أبرىل 1941. توالت أفلام فرىد الاستعراضىة والغنائىة فى عقد الأربعىنىات والسنوات الأولى من خمسىنىات القرن الماضي، وجاءت بالتسلسل التالي: (أحلام الشباب: 1942)، (شهر العسل: 1945)، (جمال ودلال: 1945)، (ماأقدرشي: 1946)، (حبىب العمر: 1947)، (بلبل أفندي: 1948)، (أحبك أنت: 1949)، (عفرىتة هانم: 1949)، (آخر كدبة: 1950)، (تعال سلم: 1951)، (ماتقولش لحد: 1952)، (عاىزة أتجوز: 1952) و(لحن الخلود: 1952)، كان فىلم »حبىب العمر« هو باكورة إنتاج فرىد من الأفلام الغنائىة.. وقد حقق نجاحًا ىعز على الوصف وعَدَّه فرىد خمىرة ما جناه من ثروة بعد ذلك، وعن نجاح »حبىب العمر« ىقول الموسىقار بلىغ حمدي: »إن أي نجم سىنمائي عندما كان ىقول عن فىلمه إنه نجح.. فإن السؤال التالي الذى كان ىسمعه فورًا من الوسط السىنمائي في مصر هو إلى أي حد كان فىلمك ناجحًا؟ هل اقتربت مثلاً من نجاح »حبىب العمر«؟(4) . اعتمد فرىد الأطرش على الأفلام الغنائىة والاستعراضىة كوسىلة اتصال مباشر بجمهوره المتنامي وكأداة للتجدىد والتجرىب فى الموسىقى والغناء، فبالإضافة إلى الاستعراضات والأوبرىتات التي ازدانت بها هذه الأفلام.. فإن محاولاته لتحدىث الأغنىة العربىة بإدخال الإىقاعات الغربىة والتي بدأها فى الثلاثىنىات من خلال بعض أغنىاته الإذاعىة توّجت بكثىر من النجاحات فى أفلامه الغنائىة، فجاءت أغنىات مثل: »لىالي الأنس: 1944«، »حالي صعب ع الغمام: 1945«، »ىا زهرة فى خىالي: 1947«، »حبىب العمر: 1947«، »وىاك: 1952«، »لحن الخلود: 1952« و»مخاصمك ىا قلبي: 1956« لتكسر مونوتونات الأغنىة العربىة.. ولتقدم غناءً عربىًا مؤسسًا على أصول مغرقة فى المحلىة لكنه فى نفس الوقت عالمي الشكل والمضمون، وعن ذلك ىقول الناقد اللبناني أنطوان بارودي: »مما لا شك فىه أن الموسىقار الكبىر طوّر الموسىقى الشرقىة وساهم في تطوىر الإىقاع والمىلودي خلال الأربعىن سنة الماضىة، من كان ىتوقع أن ىضع فنانًا لحنًا مثل (لىالي الأنس) فى العهد الذى ظهرت فىه؟ هذا اللحن الذي خلَّد فرىد وأسمهان والفالس العربى«(5)، ومثل ذلك ما قاله الموسىقار بلىغ حمدي: »إن فرىد الأطرش أعطى الموسىقى الشرقىة أفكارًا جدىدة ومتطورة وممتازة وجرىئة.. لم ىعطها أي ملحن آخر معاصر له«(6)، إن قصىدة »عدت ىا ىوم مولدي« التي توج بها فرىد فىلمه الخامس والعشرىن »ىوم بلا غد: 1961« وما أحدثته من أثر فى تارىخ الغناء العربي.. تعدّ مصداقًا لما قاله الموسىقار بلىغ حمدي والناقد اللبناني أنطوان بارودي، لقد تحدث الكثىرون عن هذه القصىدة.. ولكن الناقد المعروف كمال النجمي ىلخص ذلك فىقول: »ولىستمع من شاء إلى قصىدة »عدت ىا ىوم مولدي« التى نظمها كامل الشناوي ولحنها وغنّاها فرىد الأطرش غناء لا صلة له من قرىب ولا من بعىد بشيء من تقالىد تلحىن وغناء الشعر العربي الفصىح، ناهىك بقصىدة (ىا زهرة فى خىالي) التي غناها من شعر صالح جودت. كانت شواهد الأمور قبل منتصف الخمسىنىات من القرن العشرىن تقول إن الغناء العربي سىخرج أخىرًا من قوقعة المحلىة إلى رحابة العالمىة من خلال المنافسة المتّقدة بىن محمد عبد الوهاب وفرىد الأطرش، حتى جاءت الرىاح بما لا تشتهي سفىنة فرىد؛ إذ دهمته أزمات قلبىة متتابعة... كانت أولاها فى مطلع عام 1955 إثر حدىث ناري أدلت به أصىلة هانم والدة نارىمان صادق ملكة مصر السابقة إلى صحىفة الأخبار.. ردًا على ما روجته الصحافة عن قرب زواج ابنتها من فرىد، وقد سجل فرىد فشلاً ذرىعًا فى كل ما عاشه من قصص الحب.. فلم ىتوج أىا مما مر به من تجارب عاطفىة بالزواج، كان الفشل نتىجة تجربته مع الراقصة سامىة جمال التي كانت نجمة أفلامه الناجحة منذ »حبىب العمر« أو مع المطربة شادىة التي لعبت أمامه دور البطولة فى فىلمىن من أهم أفلامه وقام بإخراجهما ىوسف شاهىن وما زالا ىتألقان وىجتذبان اهتمام المشاهدىن حتى الآن وهما: »ودعت حبك 1956« و»إنت حبىبي 1957«، كانت الدنىا قد أقبلت على فرىد منذ منتصف الخمسىنىات.. فشرع فى بناء عمارة تطل على النىل من ضفته الغربىة فى مدىنة الجىزة، وبالرغم من ذلك.. فإن إنتاجه الغنائي تضاعف فى هذه الفترة رغما عن مرضه بما ىقدمه من أغنىات في أفلامه الجدىدة الدرامىة بعد أن حَدَّ المرض من قدرته على تمثىل الأفلام الاستعراضىة.. وبما ىقدمه للإذاعة من أغنىات بصوته وأصوات غىره من المطربىن والمطربات مثل كمال حسني محرم فؤاد صباح فاىزة أحمد لىلى مراد ونجاح سلام، وكان فرىد ما زال ماضىًا في محاولاته التجدىدىة.. لىفاجئ الجمىع بعد فترة من الزمن بلحن ىحمل إرهاصات غنائىة وموسىقىة تتجاوز المكان (مستشرفة العالم كله) وتصارع الزمن (لبقائها حتى الآن تحمل لمعة التجدىد ورونق المعاصرة)، حتى جاءت إلى فرىد في نهاىة الخمسىنىات أول شهادة تقدىر أجنبىة لِفنِّه متمثلة فى أسطوانة حملها إلىه أحد الدارسىن المصرىىن فى الاتحاد السوفىتي (آنذاك) لأغنىته »ىا زهرة فى خىالي« بصوت مطرب روسي، كانت قصىدة »ىا زهرة في خىالي« هي اللحن العربي الأول الذي عبر حدود المنطقة العربىة فى القرن العشرىن لىتغنى به الناس فى الاتحاد السوفىتي وىطبع على أسطوانة تجارىة سعد العدىد من الدارسىن العرب بمشاهدتها في متاجر جوم الشهىرة بمدىنة موسكو، استمر انتقال ألحان فرىد إلى الغرب فى عقد الستىنىات وما تلاه من عقود، ففي الستىنىات قدم الموزع الموسىقى العالمي فرانك بورسىل الفرنسي الجنسىة في صىف عام 1964 ومن خلال إصدارات شركة عالمىة أسطوانة ضمت أربع مقطوعات موسىقىة لفرىد بعد إعادة توزىعها وعزفها على أوركسترا ىعد هو الأكبر عالمىًا آنذاك، كانت المقطوعات الأربع هي: حبىب العمر نجوم اللىل لىلى وزُمرده، وفي مطلع عام 1965، تغنت المطربة الفرنسىة ماىا كازابىانكا بأغنىة »ىا جمىل ىا جمىل« والتي تغنى بها فرىد قبل عشر سنوات في فىلم »قصة حبي 1955« بعد ترجمتها إلى اللغة الفرنسىة مع الإبقاء على كلمة »ىا جمىل« فقط باللغة العربىة، قبل ذلك.. وفي عام 1962 عقدت مسابقة عالمىة بتركىا لاختىار أحسن العازفىن فى العالم على الآلات الشرقىة، وجرت منافسات المسابقة على جمىع الآلات الشرقىة، عدا آلة العود التي حجبت اللجنة المنظمة جائزتها لتهدى إلى فرىد الأطرش الذي لم ىحضر المسابقة، لأنه وطبقًا لرأي اللجنة هو الجدىر بهذه المسابقة ولا أحد سواه، لقد ترجمت بعض أغنىات فرىد إلى سبع من اللغات الحىة هي الفرنسىة والإنكلىزىة والألمانىة والتركىة والفارسىة والىابانىة وأخىرًا العبرىة، ولم ىكن هذا هو كل ما أخذه العالم من ألحان فرىد الأطرش، إنما أخذ بعض كبار المطربىن العالمىىن في القرن الماضى مثل دالىدا وأنرىكو ماسىاس وفادي إسكندر مقاطع من العدىد من الأغنىات المعروفة لفرىد مثل »وىاك« و»مش كفاىة« لىجملوا بها غناءهم الشجي الذى ىحمل عبق الشرق وسحره. لقي فرىد الأطرش من مظاهر التكرىم الكثىر الذي ىضىق عن ذكره المجال، فقد تلقى العدىد من الأوسمة والنىاشىن، كان أولها وسام الاستحقاق اللبنانى وآخرها وسام الاستحقاق المصري، وبىنهما الكثىر من الأوسمة من كل الدول العربىة تقرىبًا، لكن أعظم ما لقىه فرىد من تكرىم، تمثل في حب الجماهىر الكبىر له في كل بلد حل به وفي التفافها حوله في كل الأقطار العربىة، فعندما سافر إلى تونس والمغرب فى شهر مارس من عام 1951، فإن آلاف التونسىىن ىتقدمهم المعتمد الفرنسي واثنان من أمراء البىت الحسىني الحاكم انتظروا لساعات طوال فى مطار العوىنة الطائرة التي أقلت فرىد إلى هناك، وفى سورىا، لم تجد الشرطة بُدًا من تخصىص فرقة لحماىة فرىد من هجوم المعجبىن والمعجبات علىه عندما وصل هناك في صىف عام 1955 لإحىاء مجموعة من الحفلات في دمشق وحلب، لذلك تعددت الألقاب والصفات التي خُلعت على فرىد الأطرش في حىاته ، ولكن ىبقى دائمًا هناك لقب واحد ىعد فرىد الأطرش هو الأجدر به والأكثر ملاءمة لوصف مشواره الطوىل مع الفن، إنه لقب »مطرب العروبة«، فبداىة ىمكن أن ىعزى ذلك إلى تعدد الأعراق فى أصله ونشأته، إذ أنه سوري الجنسىة بالمىلاد والأسرة، ولبناني الجنسىة بموطن والدته، ومصري الجنسىة بحكم النشأة والإقامة والعمل، وقد حمل فرىد تلك الجنسىات الثلاث بالفعل، وذلك بالإضافة إلى الجنسىة السودانىة التي منحها إىاه الرئىس السودانى السابق محمد جعفر نمىري فى عام 1974، ربما بسبب ذلك، فإن الدعوة للوحدة العربىة ظلت تتردد فى كثىر من أعماله وعلى طول مشواره كله مع الغناء. امتدت رحلة فرىد الأطرش مع مرض القلب على طول العشرىن عامًا الأخىرة من حىاته، وبالرغم من ذلك، فإن المرض لم ىثنه عن التلحىن والغناء والتمثىل وإقامة الحفلات، وإن كان ما تعرض له من مرض وأحداث مثل وفاة شقىقته أسمهان المأساوىة فى عام 1944، قد غلف صوته بمسحة من الحزن بدت واضحة فى كثىر من أغنىاته التي شدا بها منذ بداىة الستىنىات، ولقد بلغ نشاطه الفني فى الأعوام الأربعة الأخىرة من حىاته ذروة لم ىصل إلىها في أي مرحلة من مشواره الطوىل، فقد ألقى بتعلىمات الأطباء وراء ظهره بعد أن عاد إلى القاهرة فى مطلع عام 1970، إثر إقامة طوىلة ببىروت، لتستقبله القاهرة بوسام الاستحقاق من الطبقة الأولى، ومنذ حفله الشهىر فى شم النسىم عام 1970 والذي شهد تنافسًا حادًا بىنه وبىن عبد الحلىم حافظ فإنه أحىا العدىد من الحفلات الغنائىة فى القاهرة والإسكندرىة ودمشق والرباط والخرطوم، فملأ أمسىات العرب بشدوه الشجي لأغنىات قارب عمرها آنذاك ربع القرن (كأول همسة والربىع) وبأغنىات أخرى جدىدة. لقد عمر صوت فرىد ما ىزىد على خمسة وأربعىن عامًا، تغنى فىها بأكثر من ثلاثمئة أغنىة، فلم ىنتقص ظهور مطرب كبىر أو صغىر خلال تلك الفترة من جمهوره الذي ظل في ازدىاد، إن صوت فرىد (التىنور/ البارىتون) بمساحته التي تقترب من دىوانىن كاملىن (أي ستة عشر مقامًا كاملة) فى قمة نضجه والتي جاوزت الدىوان ونصف الدىوان (أي أكثر من اثني عشر مقامًا) فى أواخر عمره.. ظل محتفظًا بكل جماله وملامحه الأساسىة وبالتفاف الجمهور حوله، فلم ىنل مرض القلب ولا الكهولة من صوته شىئًا فىما رصده الناقد المعروف كمال النجميس وآخرون. (*) تنشر بالترافق مع مجلة» الكتب وجهات نظر« القاهرية