As Safir Logo
المصدر:

»المسيحيون واليهود في العالم العربي العثماني«: هوية دينية لا ثقافية

المؤلف: حيدرصفوان التاريخ: 2001-10-26 رقم العدد:9039

يستكشف كتاب بروس ماسترز »المسيحيون واليهود في العالم العربي العثماني« »جذور الطائفية« الصادر عن كامبريدج يونيفرستي برس، عام 2001 تاريخ المسيحيين واليهود في المناطق العربية زمن الامبراطورية العثمانية، وكيف تطورت هويتهم غير المسلمة عبر اربعمئة عام. في بداية تلك الفترة، في القرن السادس عشر، تمت احاطة الجماعات المسيحية واليهودية العربية »بالهوية الدينية«، بوصفها حاجزا اجتماعيا بين المسلمين وغير المسلمين. وعاش غير المسلمين ضمن التراتبية التي أسستها الشريعة الاسلامية، بدءا من »عقد عمر« ايام الخليفة الاسلامي الثالث عمر بن الخطاب. اما في القرن التاسع عشر، ورداً على التأثيرات والتدخلات الغربية، حدثت تغيرات متطرفة. وانفجر الصراع بين المسلمين والمسيحيين في مناطق عدة من الامبراطورية، في تحدٍّ لتلك »التراتبية التاريخية« التي بقي النشاط الفقهي الاسلامي ايام عصر الانحطاط مساهماً، نسبياً، في تثبيتها. وفي القرن التاسع عشر، افسح العداء الطائفي في البلقان واناضوليا، المجال لعداء قومي، بعدما تغيرت الهويات الدينية، بفعل المصطلحات السياسية المستوردة من الغرب، بينما في المشرق العربي، ساعدت اللغة القومية في المناطق العربية، على لأم التصدعات بين المجموعات المتباينة طائفيا، عندما تبنت نخب تلك الجماعات هوية العروبة، باعتبارها »هوية سياسية جديدة«. وعلى العكس، لم يتأثر اليهود المتكلمون بالعربية، لا بغضب ومرارة جيرانهم المسلمين، ولا بالصراع الداخلي من اجل الهوية، الذي عرفته الجماعات المسيحية. وحافظ اليهود العرب على حواجزهم التقليدية السياسية، مما جعلهم اكثر تباطؤا في وعي انفسهم كعرب، يتكلمون العربية. ومثلما يصوّر ماسترز في هذا الكتاب المثير للتأمل، فاتحا تلك »الالتباسات الدينية والاتنية«، التي غذَّت الى حد كبير، خطابية الاصولية الدينية التي ازدهرت في الدول التي خلفت زوال الامبراطورية العثمانية عبر القرن العشرين. وبهذا المعنى، يحادث هذا الكتاب وإن كانت هذه المحادثة ناقصة مثلما سنبيّن ذلك في نهاية هذه المراجعة الحاضر من خلال الماضي، مسهما وان كان هذا الاسهام ناقصاً في ايجاد فهم افضل للتوترات السياسية والدينية للشرق الاوسط المعاصر. هذه الدراسة تتبع »التميز السياسي »فقط« المترجم الذي يتميز به تاريخ غير المسلمين في المناطق السورية«. اذ في هذه المنطقة بالذات، كان النفوذ الاوروبي السياسي الاقتصادي هو الاكثر عمقاً، مما ادى الى حدوث تحولات دراماتيكية اجتماعية سياسية اقتصادية للاقليات. واكثر من ذلك، يشير ماسترز ولو بإشارة سريعة الى ان »اليهود السوريين والمسيحيين خدموا عملية نقل الافكار والمعرفة الجديدة من خارج مدنهم الاصلية الى ارجاء اخرى من العالم العربي العثماني. كذلك حظيت سوريا الجغرافية باهتمام الباحثين الغربيين المعاصرين، في الماضي العربي العثماني. وهو الامر الذي دفع ماسترز الى الغوص في عدة مصادر »اجنبية« عن غير المسلمين في ارشيف المدن الريفية، وفي اسطنبول، مركزا على حلب، التي استقى منها ماسترز أمثلة عدة، بإشارات مسهبة الى كيفية دخول المجموعات الكاثوليكية خصوصاً إليها. لان حلب، وحتى بداية النمو السريع لبيروت والاسكندرية في القرن التاسع عشر، كانت المرجع الاول للتفاعل الثقافي الديني في المشرق العربي. ولان حلب، ثانياً، كانت المركز السكاني الاكبر لغير المسلمين، مما يعني ان »التطورات الاجتماعية التي حدثت في حلب، كانت طليعة لتطورات لاحقة في مناطق اخرى من الامبراطورية«. التسامح يشير ماسترز في نهاية مقدمته للكتاب الى ان »سكان المناطق العربية تحت الحكم العثماني، مسلمين وغير مسلمين، لم يكونوا متلقين سلبيين لعالم متغير تفرضه اوروبا عليهم، بل وعلى العكس، فإنهم تولوا قيادة نشطة في تجهيز الاستراتيجيات لمواجهة التغير والاستفادة منه، من اجل الامساك بمستقبلهم«. ويبقى السؤال في نهاية تلك المقدمة، حول مستقبل المصير الديموغرافي لغير المسلمين في العالم العربي، غير معروفة اجابته، طالما بقي حضور غير المسلمين مستمرا في التناقص نتيجة للهجرة التي بدأت في بداية القرن التاسع عشر، وازدهرت في نهايته، وما تزال مزدهرة حتى ايامنا هذه. ويختم ماسترز مقدمته بالقول »مهما يكن مستقبل مصير غير المسلمين، فإنني اريد من القارئ ان يلم بأعجاب بالتغيرات الاجتماعية، والسياسية والثقافية التي عاشها غير المسلمين في الماضي العثماني«. في الفصل الاول من الكتاب والذي بعنوان »حدود التسامح: الوضع الاجتماعي لغير المسلمين في البلاد العربية العثمانية«. يرى ماسترز بعدما تتبع »آثار التفاعلات بين الجماعات الدينية من سجلات »المحاكم الشرعية العثمانية وفي »الفتاوى« التي صدرت حول هذا الموضوع، ان السؤال يبقى قائما: كيف كان الناس آنذاك، يفكرون حقا؟ وهل كان هناك نوع من التسامح الاصيل »المتوارث تاريخياً« المترجم والجواب على ذلك، يرى ماسترز »كامن في معنى هذا التسامح«. فزوار حلب، من المؤرخين الاجانب، سواء »سيمون اوف لفيف« في القرن الثامن عشر، او »رابي هيللو« في بداية القرن التاسع عشر، افادوا جميعهم ان سكان حلب المسلمين كانوا متسامحين إزاء غير المسلمين، يتعاملون معهم من غير اية عدوانية ظاهرة. وقد كتب »رسال«: »بينما غالبا ما تذمر المسيحيون من »عزلهم بعيدا« والذي قامت به سلطات القمع العثمانية فإنهم كانوا في الواقع، هدفا لسلوك مجحف قام به موظنو المدينة الرسميون »العثمانيون«، ولم يقم به مسلمو المدينة«، ولكن رسال يضيف قائلا: »إن غير المسلمين كان مفروضا عليهم ان يعانوا من الفظاظة والغطرسة لجيرانهم الاتراك«... ولكن السجل التاريخي المدون في دوائر المحفوظات سواء في سوريا ولبنان او في تركيا، يظهر كيف ان بعض المثقفين المسلمين من المؤرخين مثل »النابلسي« حصلوا على احترام عميق من معاصريهم المسيحيين. وفي حالات سياسية اجتماعية عدة، كانت قائمة شبكة اعمال اقتصادية، يتم فيها التبادل الاقتصادي والاجتماعي عبر الخطوط الطائفية، فمثلا كان هناك تبادل لبعض انواع الطعام والكساء ايام الاعياد الدينية، واحتفالات مختلطة مسيحية إسلامية بأعياد بعض القديسين ولكن، كان هناك ايضا حالات من العنف. ولكن »عدم المبالاة ممتزجا بالتذمر«، مثلما هو مدون في مذكرات »أبي سعود افندي« كان »مهيمنا اكثر من العداوة المفتوحة«، والذي كان هو الحال السلوكي العاطفي الذي »تحكّم بالعلاقات بين الجماعات في الفترة التي سادت قبل الاضطرابات الطائفية في القرن التاسع عشر«. ويبقى السؤال عما اذا كانت »الولاءات الطائفية والهويات الدينية في سوريا العثمانية، مظهراً لعادات قديمة متأصلة، وقبلية، او حالة ظرفية ناتجة عن ظروف خاصة، او تتعلق بالذاكرة التاريخية او بالمكان، او انها لم تكن حاضرة دائما في وعي السوريين ذوي الولاء العثماني«. و»لا يمكن الاجابة« يقول ماسترز »على هذا السؤال اجابة وافية«. اذ يؤكد المؤرخ »جيمس رايلي«، منتفضا ضد اولئك المؤرخين الذين يموضعون التعصب الاسلامي ضد غير المسلمين، بوصفه »حقيقة مستمرة في مجتمعات الشرق الاوسط،« يؤكد رايلي »ان العلاقات بين الجماعات الدينية المختلفة كانت متغيرة الوجوه، ولم تتخذ دائما طابع المواجهة. والعضوية في جماعة دينية خاصة لم تؤد، بالضرورة، الى ظهور حس »بالتضامن الاتني« في الشرق الاوسط، تحركه جماعة دينية ضد جماعة دينية اخرى«. عنف ظرفي غير ان ماسترز يلاحظ ان التوترات بين اعضاء جماعات دينية مختلفة في الامبراطورية العثمانية قبل القرن التاسع عشر، نشأ عنها »عنف ظرفي« من وقت لآخر، ولكن ذلك »لا يعني ان ثمة مناخا من مجابهة كامنة مستترة، كان مستوطنا قبل ابرام الاتفاقات الطائفية«، كما ان ذلك لا يعني »ان القاعدة السائدة كانت التعصب الديني«. ويضيف ماسترز »لان الجماعات الدينية المختلفة كانت تتشارك مع بعضها في قواسم مشتركة تجمعها، فيما يتجاوز ذلك النسيج الطبيعي للذوبان الاجتماعي، والذي هو اللغة العربية فالموسيقى، والمطبخ، والثقافة المادية، ليس ممكنا تمييزها بين المسلمين والمسيحيين او تفريقها«، بين موسيقى إسلامية وموسيقى مسيحية، او مطبخ إسلامي ومطبخ مسيحي. ولكن ماسترز يرى انه »طالما ان الدين يقبع في قلب كل رؤيا فردية للعالم، فإن امكانية تكسر وتمزق المجتمع بين الخطوط الطائفية، تبقى قائمة«. والجواب على هذه المشكلة التي يطرحها ماسترز، والتي لا يقدم لها حلا، كامن في تقريب مساعي التأويل الديني والصوفي لدى الطرفين لاقامة نوع من الانسجام بين الرؤيا الفردية الاسلامية للدين، والرؤيا الفردية المسيحية للدين، وهي عملية ما تزال تواجهها تحدىات صعبة، سياسية، وثقافية، واقليمية، ضمن نطاق عالمية الصراع الدائر حاليا، على المستوى الاقتصادي خصوصا، والمتعرّض للتفاقم، بين »الشمال والجنوب« المترجم بعدما كان هذا الصراع قائما بين »الشرق والغرب« ايام الدولة العثمانية المترجم . في الفصل الثاني بعنوان: »العالم العربي العثماني: تنوّع في الطوائف والشعوب«، يستنتج ماسترز ان »المناطق الريفية العربية العثمانية كانت تمثل »مزيجا« متغاير الخواص والعناصر« من طوائف وتقاليد، »اربكت واحبطت السلطات العثمانية والزوار الاوروبيين ايضا، ولكن ذلك التغاير يمكن ان يكون متواجدا في امكنة اخرى بعيدة في الامبراطورية البلقان مثلا حيث خدم الاختلاف اللغوي بشكل اضافي في تمييز الجماعات الطائفية المختلفة«. ويرى ماسترز انه في »اسطنبول مثلا، كانت »الملة« الارمنية تتكلم الارمنية، و»الملة« الارثوذكسية تتكلم اليونانية او ألسنة سلافية، والملة اليهودية تتكلم »اليودزمو« او اليونانية، بينما تكلم اغلب المسلمين في اسطنبول بالتركية«. اما على السطح الثقافي للعالم العربي الاسلامي، فقد كان هناك »استثناءات لغوية واضحة: الارمن المتكلمين بالارمنية، و»السفارديم« اليهود المتكلمين بالعبرية، ومتكلمو الآرامية من غير المسلمين، والاكراد والتركمان، ولكن »بقيت اغلبية المقيمين في الهلال الخصيب وفي مصر تتكلم العربية، وينخرط الجميع في ثقافة موحّدة، بغض النظر عن معتقداتهم الدينية، حتى وإن كانت يقول ماسترز »اللغة العربية باعتبارها هوية سياسية وثقافية« غير متحققة كليا على مستوى المشافهة والتدوين«. ويؤكد ماسترز ان »المجتمعات الدينية المختلفة عاشت منذ مجيء السلطان سليم الى سوريا، في عالم محكوم بتقاليد سياسية راسخة على مر القرون، وترى هذه التقاليد ان المجتمعات الدينية المختلفة ينبغي ان تبقى منفصلة عن بعضها«، كما يؤكد ماسترز، ان » الهمّ السياسي الاول للبيروقراطيات العثمانية بين القرن السادس عشر والقرن الثامن عشر، كان الحفاظ على هذا »الستاتيكو« الاجتماعي الديني. واغلب القوانين العقلانية العثمانية التي شرّعها الاصلاح العثماني كانت رد فعل مؤقت إما على تهديدات خارجية او على تهديدات داخلية«، ويضيف ماسترز »ومهما يكن، كان ينبغي على العثمانيين الرسميين، اثناء رسمهم للسياسات او اصدارهم للقرارات، ان يبرروا قراراتهم ضمن عالم منظم محكوم بالقوانين«. ومع بداية القرن الثامن عشر، يقول ماسترز »لم يعد مديرو الدولة العثمانية قادرين على الاستمرار في تجاهل ديناميات التغير الاجتماعي ضمن الامبراطورية، والذي كان الاتصال بالاوروبيين سبباً له« ويضيف ماسترز »إن رد فعل الدولة العثمانية المتفهم كان السعي لتنظيم ما يبدو تهديما للنظام الاجتماعي والاقتصادي«. »ونادرا ما تحكم الاوروبيون بما كان معتملا في عقول العثمانيين في سعيهم لتثبيت هذا »الستاتيكو« المحافظ على التقاليد. وكان الاوروبيون يلاحظ ماسترز »عرضة للبلف وللارتباك من افعال العثمانيين رداً على الضغوط الاوروبية. اما غير المسلمين العرب في الامبراطورية العثمانية، فكانوا على العكس، متفهّمين كليا، ومقدرين تماماً لوزن »التقاليد« في الطروحات العثمانية القانونية، ولكيفية توظيفها لخدمة مصالحهم«. التجارة والإرساليات في الفصل الثالث بعنوان »التجار والارساليات التبشيرية في القرن السابع عشر: الغرب يتدخّل«، يرى ماسترز ان »البعثات التبشيرية التي بدأها رجال الدين المسيحيين اللاتين في سوريا منذ القرن السابع الميلادي بلغت نضجها الكامل في منتصف القرن السادس عشر عام 1750. واعتنق مسيحيو حلب، وكثير من مسيحيي دمشق والمدن الساحلية اشكالا متعددة من الايمان الكاثوليكي، مع ان اسباب ذلك النجاح التبشيري ليست شفافة رؤيتها كليا«. ولكن مع نهاية القرن الثامن عشر، فإن »حلب واسطنبول فقط، تحمّلتا تواجداً سكانياً متحداً يمكن الامساك به«. والواقع انه منذ عام 1750، »تعرض كاثوليك سوريا لتحولات اقتصادية وثقافية غير متوقعة«. »ومع إبرام العقود التي تعترف بالمصالح الاوروبية في التجارة الحرة في نهاية القرن السادس عشر، بدأ التجار الكاثوليك في الاستعداد الى الانتقال عبر الكوة التي ملأها سابقا الاوروبيون«. »ولقد تغيرت جذرياً قوانين التجار الكاثوليك وممارساتهم التجارية جذريا ًلتلائم القوانين السائدة في اوروبا«. ومن خلال هذه العملية، »بدأ كاثوليك سوريا الشعور بأنهم جزء من عالم كاثوليكي اوسع يمتد الى ما خلف الحدود السلطانية العثمانية«. ولكن »وبالتوازي مع قبولهم لعناصر من النظرة العالمية الغربية، الصاعدة من تأثرهم بالتربية اللاتينية، حافظ كاثوليك سوريا على احساسهم بهوية قديمة، تحتوي على ما هو مزيج من التقاليد الاقدم عهدا«. وحافظت الكنائس »التي أُعيد توحيدها، على طقوسها القديمة وصلواتها »الليتورجية« (حتى مع ترجمتها الى العربية)، »وظهرت الروزنامات الدينية باللغة العربية وتواريخ العطل الدينية مع اضافة روزنامات وتواريخ العطل الدينية اللاتينية«. ولكن ماسترز يشير الى انه »كان هناك ايضا تحول نفساني كبير كان متوارثا وكامنا في الذاكرة الكاثوليكية اثناء عمليات الاعتناق الجديدة للكاثوليكية. فلقد حفظ الكاثوليك ما كان مريحا لهم من ماضيهم، رابحين ايضا، ارتباطا روحيا بالغرب من خلال روما. ولقد تأمنت للكاثوليك الحماية خلال طوال تلك المراحل الهامة من سيطرة »التقليد«، بتكريس انفسهم لاحتلال مكان ما في نظام سياسي عالمي جديد، يزداد الغرب في السيطرة عليه«. اما في الفصل الرابع، فيتناول ماسترز »الفرص الجديدة والتحديات في القرن الثامن عشر الطويل« كما يعالج ماسترز في الفصل الخامس »الاختلال والتحطم ضمن رابطة الجماعات الدينية في القرن التاسع عشر« مستنتجا هنا انه »وبسبب حصول الاشراف المسلمين في مدن سوريا الداخلية والساحلية على حالة من الادارة الذاتية، وتطويرهم لها، نتيجة لتداعيات القرن الثامن عشر، والتي امتدت لتتسع خارج السيطرة المباشرة لاسطنبول تجربة محمد علي في مصر وحملته في مطلع القرن ال19 الى سوريا المترجم بحيث راح الاشراف المسلمون يتصرفون مثلما يرغبون، مع أقل تدخل ممكن من اسطنبول، فإن السلطنة العثمانية، مع بداية القرن التاسع عشر وبعد هزيمة او اندحار مشروع محمد علي باشا، بدأت في التدخل في شؤون حياة اشراف المسلمين والمسيحيين وفي متطلبات مساكنهم وسلطاتهم، بطريقة غير مسبوقة. لذا، فإن التمرد الذي قام به المسيحيون، كان وببساطة، اشعاراً بكل ما كان يجري بشكل سيء واحتجاجا عليه. ففي حلب، كان المسيحيون، طوال القرن الثامن عشر، راضين عن علاقاتهم »الزبائنية« المميزة مع النخب الاسلامية الغنية، اما في القرن التاسع عشر، فقد اصبحوا على قدم المساواة مع المسلمين او اقل مرتبة منهم«. ويضيف ماسترز، »اما في دمشق فالتغير في الوضع الاقتصادي والسياسي للمسيحيين حدث بتسارع اكبر، وبدا دافعا للمسيحيين نحو ثروة ونفوذ غير متوقعين، في وقت شعر فيه المسلمون المحليون ان امتيازاتهم التقليدية والمكتسبة اصبحت في خطر ومهددة من نظرائهم المسيحيين«. اما في الفصل السادس والاخير والذي بعنوان »بعد الحوادث: السعي من اجل مجتمع، عند غروب شمس الامبراطورية«، فيستنتج ماسترز انه »مع نهاية الحرب العالمية الاولى، اجتاح المرض والمجاعة والاوبئة سكان المناطق العربية اثناء الحرب، واصبحت المنطقة عند هاوية الدمار والخراب الكلي«. ويضيف ماسترز، »بدت نقاط الرئيس ولسون ال14 واعدة بأن الحلفاء سوف يسمحون بتقرير المصير الذاتي بين شعوب الامبراطورية العثمانية المنهارة. ولكن كان واضحا ان الجيوش البريطانية والفرنسية في العراق، فلسطين، وسوريا، لم تتواجد في هذه المناطق، وببساطة من اجل ان تطرد العثمانيين بعيدا، وفقط«. »ومع انتهاء الخلافة العثمانية«، يقول ماسترز، »بدت الدولة القومية الخيار السياسي الوحيد، للكثيرين، ولكن نوع هذه القومية، بقي مشكلة للنخب المتكلمة بالعربية، والذين، بخلاف معاصريهم في البلقان، لم يختبروا ولم يحددوا في مخيلتهم السياسية الحدود الفعلية لأمتهم القومية، او لأممهم«. ويشير ماسترز، الى »بعض المثقفين المسيحيين الذين تراءت لهم سوريا كأمة، فريدة بتاريخها وثقافتها، ورثها المسلمون والمسيحيون واليهود، بشكل متساو«، ولكن ماسترز، يشير ايضا، الى ان »المسلمين في المنطقة العربية، راحوا يسعون الى ايجاد توافق على هوية جغرافية خالية من الشعور الديني. فالتماهي مع الهوية العربية، مع اعلاء ماضٍ زاهر إسلامي، كان يبدو اكثر إلحاحاً امام النخب الاسلامية، من بعث حضارات قديمة، سورية، فلسطينية قبل الاسلام«. ويلحظ ماسترز انه »في كل مكان في المناطق التي غالبيتها من المسلمين، وجد بعض المثقفين المسلمين ان انتقال الولاءات من مفهوم الامة الى مفهوم القومية مثيرا للعقبات، على الوجهين«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة