As Safir Logo
المصدر:

»أسرار البنات« الفائز بجائزة مهرجان بيروت السينمائي الجسد مرآة المجتمع والمجتمع محكمة الجسد

المؤلف: مندور سحر التاريخ: 2001-10-20 رقم العدد:9034

»أسرار البنات«، فيلم مصري من إخراج مجدي احمد علي. قصته: فتاة مصرية، »ما كملتش ال17 سنة«، ابنة وحيدة لعائلة محافظة، متدينة، من الطبقة المتوسطة، يعلن حبلها لحظة الولادة للاهل، المقرّب منهم، ولادة طفلة. فقصة مجتمع بين أب وأم، خالة وعم، حارة ودين، طب و»أخلاق«. قصة ولادة تهدد مجتمعا بالموت. »يا دنيا يا غرامي« كان فيلمه الاول، وكان من بطولة ليلى علوي، هالة صدقي وإلهام شاهين. وكان، ايضا، قصة ثلاث بنات، على حافة »فاتني القطار«، قطار الزواج، يعانين من الموضوع، داخل إطار يتأرجح بين المأساوية والدموع وبين الكوميديا وخفة التعاطي مع المشاكل التي لا يكلّ المجتمع عن توريدها لهن. والمشاكل فيه تبدأ من البحث عن »ظل الحيطة« الأنسب ولا تقف عند محاولات اقناع الذات بعملية إعادة اصلاح غشاء بكارة إحداهن. في الفيلمين، »يا دنيا يا غرامي« و»أسرار البنات«، يرسم مجدي احمد علي محوراً هو علاقة الفتاة المصرية بجسدها انطلاقا من علاقة المجتمع بذلك الجسد، جسدها. تلك هي النواة، قدرة الفتاة على التمتع بملكية ما بجسدها، ويضيف إليها، على طول الفيلم، عناصر اجتماعية تبقى الاقوى، على طول الفيلم ايضا. تبقى الأقوى في الفيلم كونها الأقوى في الحياة العامة، في الواقع. ينطلق من علاقة الفتاة بجسدها ليرسم علاقة المجتمع، بكل تركيباته (الدين، العائلة، المدرسة...)، بالفتاة، بالجسد، بالذات، بكل شيء. وكأن المجتمع، في الفيلمين، يأتي على طبق جسد الفتاة. فمن هنا، بحسب الفيلمين، تبدأ الاشكالية... اشكالية المجتمع المصري، او العربي. من هنا تبدأ مصيبتنا، من جسد المرأة. وانطلق مجدي أحمد علي في الفيلمين من »المصيبة« الأولى، الخطيئة الاولى. وفي الفيلمين ايضا، لم يتنازل المخرج عن حرصه على الواقعية المفرطة، اراد لفيلميه ان يكونا قصصاً اخرى من قصص ذلك المجتمع، تحكمها واقعيته، ولا يملك هو سوى إخراجها، مع بعض »اللعب« التوجيهي. وهو يقدم التنازلات كي يقبل المجتمع توجيهاته، كي يؤمن بعض »التعاطف« تجاه فيلمه الذي صنعه، خصيصا، ليكون فيلم جمهور شارع لا فيلم مهرجانات. ملاحظة: فاز »أسرار البنات« بجائزة افضل فيلم روائي في مهرجان بيروت السينمائي. الحبل بلا دنس اهم تلك التنازلات في »أسرار البنات« هو وهم الحبل من دون دنس، فالعملية الجنسية لم تكتمل بين شادي وياسمين (مايا شيحا)، وهي تصر على ذلك وهو يصر على ذلك والطب، في الفيلم، يبرر ذلك بوصفه »بعض الحالات النادرة«. فإذا، الفيلم يدعي الانطلاق من »حالة نادرة« ليتناول »مشكلة« عامة... يؤمن لياسمين الطهارة اللازمة لتكون فتاة مصرية يمكن للمجتمع المصري ان يتعاطف معها ويأخذ طرفها. يقدم تنازلا املا بالحصول على موافقة عامة. اضف الى ذلك مشاهد البكاء والرفض التي رافقت ياسمين خلال الاتصال الجنسي بين المراهقين، ليس اغتصابا، هناك إرادة خفية موافقة ضمنية تتعارض مع الدموع على وجنتيها. فاللذة أيضاً خطيئة اجتماعية أخرى يحاول تغييبها لتبقى ياسمين، بطلته، الضحية الطاهرة، الفاعلة البريئة. ولم يخض المخرج في مصاعب تبرير اللذة الجنسية امام أعين مشاهديه، وكأنه يوفر على نفسه ليقول ما هو اكثر اساسية من ذلك، بنظره، في ما يخص مجتمعه. وان بقي تفصيلا اللذة الغائبة والحبل من دون دنس تفصيلين من السهل تجاهلهما. بعيداً عن هذين »التوضيحين«، تمكن »أسرار البنات« من ان يكون واقعياً، حقيقياً، غير مدّعٍ ومباشر... كما أريد له. فمجدي احمد علي ينطلق من المجتمع الحقيقي ليعالج مشكلة حقيقية فيه ويوصلها الى المأساة، تماما كما يوصلها المجتمع الى المأساة، بأدوات ذلك المجتمع. لا يتذاكى ولا يرسم صوراً وردية ولا يتفذلك. يلقي بعض الضوء ويكتفي ببعض »الخطب« التوجيهية، بين الفينة والاخرى، ومن دون تحرر هجين، نسبة للمجتمع المعالج. فسوسن بدر، وهي خالة ياسمين في الفيلم، هي المتحررة فيه، وهي الشقيقة الصغرى لوالدة ياسمين، دلال عبد العزيز، المحافظة الى حد التعصب، ال»أنا بقيت لحد ما اتجوزت يسمّوني العسكري«... ليست »الحرية الحمراء«، وانما المنفتحة في ظل الانغلاق وسيطرة العقد النفسية والدينية. سوسن بدر تكون الى جانب الفتاة، متفهمة، مفجوعة طبعا، ولكن الى جانبها، وفي الآن ذاته، تكون »أنا عارفة مربية ايه« في لحظة دفاع امام زوجها الأب، وتكون ايضا صاحبة خطاب »في دين وفي اخلاق لازم نحترمها«. ليست كائنا فضائيا مقارنة بمحيطها ولكنها اجمل ما في محيطها الذي تنتمي إليه. على عكس عمّ الفتاة، وهو أبشع ما في ذلك المجتمع، الاكثر انغلاقاً فيه، مما حتّم على العائلة إخفاء المعلومة عنه، المغرق في التدين والذي حجّب ابنته عن عمر لا يزيد عن ست سنوات. طرفا نقيض، الخالة والعم، الخالة الصغرى والعم الاكبر. اما الأم والأب (عزت ابو عوف) فعلاقتهما قصة اخرى، العلاقة التي قتلتها الحياة اليومية، العلاقة التي باتت تعرّف بالعادية في مجتمع الطبقة الوسطى المصرية. هو يحمل كاميرا ويهوى التصوير، يمنع ال»دش« من بيته لان »عندنا بنت«، يفخر بابنته ويلهو معها، يصلّي جدا وان بقي يهوى الجمال. هي سيدة تستعين بالجانب المتزمت عند زوجها، تستند إليه، تلتزم به نوعا ما، لتكون حياتهم اقسى واكثر تماشيا مع ما يفرضه المجتمع عليهما. تمنعه من تصويرها لان »أيام الصور خلصت«. تستخفّ به غاضبة عندما يجلس امام المرآة، بعد ممارسة الجنس معها، ويرثي شكله وهو لم يكمل الخمسين عاما بعد. كأنها تهرب من تلك الجماليات، او الكماليات، (وإن بقيت اساسية) كونها لا يمكن لها تحمّل كلفتها، اجتماعيا، لا تقوى على تحمل اعباء ان تكون وزوجها أفراداً. فأكثر ما نكبها في حمل ابنتها كان كلام الناس. »بنتي كسحتني« بعدما ألبستها احسن لبس وأطعمتها افضل طعام. و»خلاص بقى، ما انتي ما سكاهالي ذلة... اختك الكبيرة اتكسرت«، تقول لاختها، فتثور الاخيرة: »كلام ايه ده، ياسمين زي بنتي«. فيأتيها الرد: »بنتك؟ هو أنا اقدر اقول عليها حاجة دلوقتي؟«... فهي لا يروق لها نظام حياة ابنة شقيقتها الصغرى، كأن تحتفل بعيدها على انغام »بابا أوبح« وان تنزل المسبح بملابس السباحة... في حين فُرِضَ على ياسمين »الشورت والبلوزة«. لغة الأغاني وللاغاني قصة في الفيلم، فهو يلعب على معظم الاوتار الاجتماعية. الأب والأم يفخران بياسمين كونها تحب موسيقى محمد فوزي وأغانيه. يعتبرانها »اصيلة« ولا تنتمي الى شذوذ جيلها، جيل »بابا أوبح«. في حين يعتبر زوج الخالة ان لكل عصر اغانيه. ابنة الخالة تلتزم »بابا أوبح«، وإن راق للجميع، بعد اعتراض اولي، ان تطفئ شموع عيدها على انغام »يا نور جديد في عيد سعيد« لمحمد فوزي. رفض المراهقون اسم محمد فوزي كونه غير عصري وتمايلوا على انغام تلك الاغنية، التي تبين انهم يحفظون كلماتها، لحظة سماعها، حتى آخرها. يعرفون الاغنية ويجهلون اسم صاحبها، كونه قديم، لا اكثر. المهم... ياسمين »الاصيلة« هي التي حبلت وابنة خالتها، »بابا أوبح«، لم تحبل. الأب يحترم في ياسمين محمد فوزي، ليعود بعدها ويطالب بإيقاف المسجل عند المأذون، بعد الولادة بفترة، وهو يحمل اغنية لمحمد فوزي. كأنه اكتشف متأخرا ان في محمد فوزي ما هو »غرامي« وتحرر اكثر من »بابا أوبح«، اغنية الاطفال »الهابطة«. وكأنها مقارنة بين مجتمعين، بين بشر عايشا المجتمعين، وكرّسا تحرر الاول، الاقدم، على شكل »الاصيل« في مجتمع اليوم. رفضوا المضمون والتزموا بالشكل رفضوا الغرام الذي غناه محمد فوزي، حوّلوه الى صوت ونغم »أصيلين«، بغض النظر عن المضمون، فمجتمع اليوم راقص بالشكل، بالايقاع، بالموسيقى، ومحتشم بالمضمون، بالكلام، ب»بابا أوبح«، هكذا الأب نفسه، وابنته أماً، وفي ذمتها طفل غير شرعي، يواجه، لوهلة، كلمات محمد فوزي، المضمون. تماما كما جلس امام المرآة وقال: »مش هو ده الراجل اللي اتجوزتيه من 17 سنة ولا هي دي الست التي تجوزتها من 17 سنة«. المشكلة على مستوى الشكل، هكذا يراها، ويغمض أعينه عن المضمون، فمن المتعب ان يراه. من المتعب ان يعترف انه، منذ 17 سنة، كان أكثر تحرراً. الفيلم يروي قصة تبدأ من ولادة »غير شرعية« في حمام بيت الخالة، ولادة في الخفاء عن الجميع، خوف من معرفة الاهل وانتشار »الفضيحة« اكثر من مخاطر الولادة في الحمام. يمر بختان قرره الطبيب ونفّذه من دون استشارة او تبليغ. وصولا الى وفاة الطفلة، زواج وطلاق بين مراهقين، إقفال باب غرفة وراحة عائلية. فضيحة وانتهت، كأنها قصة عابرة، قصة فيلم عادية تنتهي بThe End، بانتهاء »الرواية«. هكذا ارتاح الاهل. اما ياسمين فتكلم باسمها مشهد الختام. »ابطال« الفيلم كلهم، بكامل عتادهم وأصواتهم في غرفتها. تختفي وجوههم ويبقى ضوضاؤهم. يحاصرها في غرفتها، ممددة على سريرها وباب غرفتها »متربس«. الفضيحة والصمت »أسرار البنات« يبيّن، بقساوة وبروائية، ديناميكية الفضيحة في المجتمع المصري، ديناميكية تطبق على سواه من المجتمعات العربية: مجتمع يدين »الفضيحة« ويقدم في الآن ذاته كافة الوسائل اللازمة لطمس معالمها. مجتمع يعاني من امراضه. ما ان تظهر عوارض مرض يسارع الى تسميته فضيحة. وما ان تحصل »الفضيحة« حتى يعود ليقدم كافة التسهيلات اللازمة ليخفي معالمها ويلفها بالصمت اللازم له كي لا يضطر الى مواجهة »فضيحة«، اشارة ما الى امراضه. طبيب في المستشفى ينفذ عملية ختان بإيعاز »أنا عملت اللي يمليه عليّ ضميري كطبيب مسلم« لفتاة قاصر. مأذون يرتشي وآخر يزوِّر. دفن بالسر لطفلة ماتت. كمية من العفن تحيط بالمؤسسات الاسمى في المجتمع الاستشفائية، الدينية، التربوية. فأستاذ مادة التربية الجنسية »خجل« من »وقاحة« المراهقات في صفه وعزف عن تقديم الحصة. والعائلة، تلك القيمة المقدسة وقد ظهرت على شكل أب تقي وأم ملتزمة بتقاليد مجتمعها حد التطرف. فجأة تحولا الى كاذبين، مزورين، راشيين. حفاظا على الطهارة. بغمضة عين. بحبَل واحد. ذلك الحبل الذي سلبت منه كل معالم الولادة وكاد ان يسبب بثلاث وفيات: محاولتا انتحار للمراهقة ومحاولة قتل للطفلة على يد والد ياسمين لم يمنعها سوى »استغفر الله العظيم«... حلقة مفرغة. والرومنسية الوحيدة المتبقية في »أسرار البنات« تميز العلاقة بين ياسمين والوشاح الذي تخفي استدارة بطنها بواسطته. رومنسية تعود مرة تلو الأخرى في الفيلم وكأنها الرومنسية التي نقصت الاتصال الجنسي بين المراهقين. تعويض، بديل. علاقة خصوصية شبه وحيدة، بعد »انفضاح« كل شيء، بعد سيطرة »البغيض الاجباري« على كل شيء، حتى يخيّل للمرء ان تلك الرومنسية كانت العائق الفعلي، الضمني، بين ياسمين والاجهاض. وان بقي المال والنوم في المستشفى عائقين »واقعيين«. المأساة الاجتماعية، الفضيحة، تحولت، بمجمل وجوهها، الى راحة لحظة سيطر الصمت عليها، لحظة أطبق الصمت عليها. لحظة تمت السيطرة، تماما، على الفتاة... الباب مقفل بالترباس، وبالختان.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة