As Safir Logo
المصدر:

الكتائب اللبنانية بعد 65 عاماً على تأسيسها .. هل تشبه نفسها؟ بدأت منظمة رياضية بتنشئة عسكرية شعارها »لبنان لنا«

عرض كشفي عسكري للكتائب في عيدها الخمسين عام 6891 في المتن (م.ع.م
الشيخ بيار الجميل أزمة الرئاسة بعد المؤسِّس
جوزيف أبو خليل كتاب جديد عن بيار الجميل
المؤلف: سعادة وسام التاريخ: 2001-09-24 رقم العدد:9011

لم يشهد حزب لبناني ما شهدته الكتائب من محطات بارزة في تاريخها الطويل. ولعلها من أكثر الأحزاب اللبنانية التي دار حولها جدل كثير، منذ نشأتها عام 1936 كمنظمة رياضية تأثرت بالألعاب الأولمبية في برلين أيام أدولف هتلر، مرورا بالاسم والتنظيم والعناوين العقيدية التي أخذتها عن إسبانيا »الفرانكوية«، الى عهد الاستقلال والمراحل التي أعقبته، الى الحرب اللبنانية التي قادت الكتائب أحد طرفيه الرئيسيين، الى غياب المؤسسة ودخول الحزب في أزمة الرئاسة. هذه الأزمة مفتوحة اليوم على مصراعيها. فلأول مرة تنبري شخصية أرمنية لتزعم حزب الموارنة في لبنان. وتقف الكتائب على مفترق جديد يشكل محطة أخرى من محطاتها البارزة، وإن كان الحزب أساسا قد فقد وهجه الذي انطبع به طوال أكثر من خمسين عاما. الكتائب اللبنانية اليوم، هل تشبه نفسها بعد 65 عاما على تأسيسها؟ هذا السؤال تعالجه »السفير« في هذا التحقيق على ثلاث حلقات، قبل أسبوعين من انتخابات الرئاسة الكتائبية: لبنان لنا! لنا، لنا، لنا! رددها الكتائبيون مطولا في غابر الزمان، وبدت عنوانا للفخر الجماعي والثقة اللامتناهية بالنفس. حين يستذكرها كتائبي قديم يجهد نفسه كي يحبس الدمعة، ويعود الى الأيام الخوالي، ويسترسل في تسجيل مآثر الشيخ بيار مع هذا وذاك، ويطلب منك أن تكتب على وجه الأشهاد، بأن أيام العز »راجعة«، وان »من خلّف ما مات«، وانه ما من حق ضاع ووراؤه مطالب. لبنان لنا! لنا، لنا!.. ذهبت الصرخة، وقد يكون بقي الحزب بيتا مركزيا أو عائلة. ولكن أين العصبية الكتائبية، تلك التي انقسم البلد حولها بين من يعتبرها ضمانة، ومن يصنفها في مقام الغطرسة؟ كيف يمكن تفسير موقف الشارع المسيحي من الكتائب اليوم؟ كيف يجمع هذا الشارع بين هزالة العصبية الكتائبية واندثارها، وبين هذا الحنين الذي يُفلت من كل قيد بين الحين والحين، فينشد بصخب وفتوة الى الأمس الكتائبي برموزه وشعاراته. تندثر العصبية فيشتد الحنين. تلك مفارقة تبرز تعدد أبعاد المسألة. ليس السؤال كم يشبه حاضر الحزب ماضيه، بل كم يشبه الحزب نفسه. يبقى في كل الأحوال ان ما يسمح بمقارنة حاضر الحزب مع وحدة التاريخ الكتائبي، زمن الانتداب والاستقلال والحرب، هو استمرار التشابه بين حال الكتائب وحال الشارع المسيحي. ان كتائبيا أصيلا سيقول لك ببساطة »إن الحزب ان ضعف، فمن البداهة أن يضعف المسيحيون، والعكس صحيح«.. تسأله عما كانوا ينشدونه علك تلامس عصبية الماضي، فيأتيك الجواب سريعا، وبصوت أجش: »نحن الكتائب، نحن جنود، جنود بلادي على مر العهود، فالويل لمن بعد لم يهتد، والويل لكل من يعتدي، ويا أبناء عيسى، ويا أبناء أحمد، لبنان لنا على مر العهود، للخلود، للخلود«. أنشودة »لا طائفية«، فيها لبنان والكتائب صنوان. قد يتضاءل عديد من يحفظ هذه الكلمات إلا أن أناشيد وأغاني أخرى ما زالت تقيم الصلة بين جيل العصبية الآفلة وجيل »النوستالجيا« المتجددة: »نحنا بساحل متن شمال، عنا رجال لكل مجال، ومن مدرسة الشيخ بيار، تخرّجنا أسود وأشبال«.. »نمشي صفوف صفوف صفوف، كتائب لبنانية.. ناس بأقلام وناس بسيوف، تنحافظ عالشرعية«، ويخطر لمصلحة الطلاب في الكتائب بين الفينة والفينة ان تعيد إصدار مثل هذه الأناشيد الحماسية في أشرطة منها ما يحمل عنوان أغنية »عالصخر منحفر كتائب«. »من هاك الملعب ما نسينا« ان أغنية تتفرد ب»نوستالجيتها« من بين الإصدارات المعادة، تكفي لوحدها لتختصر التاريخ الكتائبي من وجهة نظر كتائبية. تقول اللازمة: »من هاك الملعب ما نسينا، هالقامة الرمح المسحوب.. عا دعساتك نحنا مشينا. دعساتك مرسومة دروب«. تعيدك اللازمة إلى ملعب في زمن الانتداب الفرنسي، وبالذات الى 21 ت2 1936 يوم نشأت حول الخماسي المشكل من الشيخ بيار الجميل وجورج نقاش وشارل الحلو وشفيق ناصيف وإميل يارد.. منظمة رياضية كشفية، لم تخف ملامحها السياسية منذ قيامها، كما لم يخف تاريخ قيامها، دلالاته في مجرى الرد على الدعوات التي أثارتها مؤتمرات الساحل والمنادية باستعادة الوحدة السورية. تمسكت منظمة الكتائب في المقابل بالفكرة الكيانية اللبنانية بما هي دعوة قومية، وقالت بالاستقلال عن فرنسا في هذا الإطار. وتطلعت المنظمة الى التمايز عما سبقها أو عايشها من تجارب تنظيمية لم يكتب لها الانتشار أو الاستمرار، وان حملت الفكرة الكيانية القومية نفسها. والمعني بذلك تجارب يوسف السودا وتوفيق لطف الله. كذلك سعت المنظمة، ومنذ تشكيلتها القيادية الأولى الى حماية نفسها من الثنائية الحزبية القائمة بين الكتلة الوطنية والكتلة الدستورية، وهو أمر لا يشير الى »الوسطية« ان عنى بها الانتقاء بين موقفين، وإنما يعبر عن نزوع محدد يتطلع الى بناء حزب ماروني كياني لبناني، من نوع آخر ستتضح سماته تباعا. التشكيلة الأولى لم تعمر أكثر من شهرين، إلا أن الجميل استطاع أن يكسب منتسبين جددا الى المنظمة التي قيل الكثير حول تأثره بأجواء الألعاب الأولمبية في برلين 1936 حين أنشأها. الأهم من ذلك ان الجميل اختار بناء مولوده التنظيمي على تربة اجتماعية محددة يعرّفها حازم صاغية في »تعريب الكتائب اللبنانية« بالبيئة المدينية الجبلية. ويمكن أن نشير إليها اليوم بجدلية الأشرفية وبكفيا. بيد ان الجميل الذي بايعته المنظمة في 29 نيسان 1937 رئيسا أعلى، لم يولد في إحدى المنطقتين المذكورتين، انه ينتمي إلى من اصطلح على تسميتهم ب»الشوام« الذين هاجروا إلى مصر. وآل الجميل كما يوضح مسعود ضاهر في »الهجرة اللبنانية الى مصر«، كانوا قد وفدوا بكثرة من بكفيا وغيرها الى أرض الكنانة، وكان تمركزهم الأساسي في مدينة المنصورة، فبرز منهم أنطون الجميل الكاتب وعضو مجلس الشيوخ المصري، ويوسف بشير الجميل، والأخير هو عم الشيخ بيار وقد وُلد في بكفيا عام 1874 ودرس الصيدلة في اليسوعية، ثم في باريس، ثم فتح »صيدلية الجميل« في ساحة البرج، لكنه ما لبث ان هاجر الى مصر »هربا من اضطهاد الأتراك له بسبب ميوله الفرنسية المعروفة، ودعوته الى استقلال لبنان عن السلطنة«. وكان الشيخ يوسف من أول العائدين الى بيروت بعد الحرب الكبرى. كما شارك في الوفد اللبناني الثاني الى مؤتمر الصلح عام 1920. وفي عام 1944 انضم الى المنظمة التي أنشأها ابن شقيقه بيار أمين الجميل، المولود في المنصورة عام 1905 والذي درس الصيدلة في اليسوعية ثم عمل في صيدلية الجميل. ولكن لماذا نجحت الكتائب وأمّنت استمرارية متصاعدة على مدى عقود في حين لم يكتب لتجارب يوسف السودا وتوفيق لطف الله الاستمرار؟ ترى التاريخ وهو يعود في عيون جوزيف أبو خليل عقودا الى الوراء. يغالب التشظي الراهن ليقول »هناك كتائب واحدة. وليس هناك أكثر من واحدة. انها تلك التي نشأت سنة 1936. الكتائب تنظيم سياسي كان يعبر منذ نشأته عن تيار سياسي قديم أساسه فكرة الكيان اللبناني من عام 1920. الكتائب من التنظيمات التي كانت تعبر عن فكرة هذا الكيان، وهي وحدها تمكنت من الاستمرار بفضل الرجل وبفضل مناقبية معينة. ومن جهة ثانية نشأت الكتائب كحركة وطنية ليس لها علاقة بموضوع السلطة، وخصوصا في أول 15 سنة، أي قبل تحولها الى حزب سياسي. هذه الصفة مكنتها ان تعيش بينما لم يعش »حزب الوحدة الوطنية« مثلا. ويضيف أبو خليل: »الكتائب معبرة عن تيار تاريخي وعن فكر سياسي حمله الموارنة الذين كانوا الوحيدين الذين يمتلكون مشروعا سياسيا في بداية القرن، كونهم أقلية تبحث عن معقل. ان غاية وجود الكتائب على مدى تاريخها هي الدفاع عن هذا الفكر، ومقاومة أي تدخل من المحيط العربي والإسلامي لتغيير معنى وجود لبنان الذي انوجد للحريات ومن أجل ال17 طائفة«. بيد ان ما قاله أبو خليل لنا في مقابلة خاصة بهذا الملف، يبقي المشكلة معرفة لماذا برزت الكتائب على طرف نقيض من الكتلة الوطنية وإميل إده، وبدت في أحداث عدة أقرب الى الكتلة الدستورية؟ لماذا ناهضت الكتائب خط إميل إده المتمسك بالانتداب والذي كانت كفته راجحة في حينه ضمن الطائفة المارونية؟ في الواقع لقد انتقل آل الجميل من موالاة إده الى مجابهته. فالشيخ يوسف والشيخ أمين كانا من أشد المتحمسين لإميل إده، وبيار نفسه في بادئ الأمر، إلا أن الأمور سارت فيما بعد لتأكيد المثل الذي درج »الآباء كتلويون والأبناء كتائب«، وتدرج ذلك من النفور الى المواجهة. ففي عام 37 رفضت الكتائب المشاركة في استقبال الرئيس إده في مرفأ بيروت عند عودته من زيارة لباريس. وفي 21 ت2 1937، تظاهرت واصطدمت بالفرنسيين وأنصار إده وسجن رئيسها، وفي نيسان 1941 شاركت الكتائب في التظاهرات ضد الغلاء والفساد التمويني وشكلت جزءا من المناخ الذي اضطر إده للاستقالة من منصبه، حتى إذا جاء استحقاق الاستقلال، برزت الكتائب والكتلة ضمن الساحة المسيحية كخيارين مفترقين. وسمح اعتراف العهد الاستقلالي للكتائب بدورها في معركة 1943، بالإضافة الى تبني الكتائب لصيغة الميثاق وتحولها الى الحالة التنظيمية المارونية الأولى الداعمة له في توطيد أركانها أكثر فأكثر. وهذا ما يحب أن يذكرنا به كريم بقرادوني (الرئيس العتيد للحزب)، حين يقارن بين خيار الطائف وخيار الصيغة: »الصورة التي استقرت عليها الكتائب مع دخولها في الطائف لم تكن مغرية للمسيحيين. اني أرى ان المسيحيين يجدون أنفسهم بعد كل تسوية في مرحلة إحباط. عام 43 كانوا مع إميل إده ضد الاستقلال وبشارة الخوري. وعام 89 كانوا ضد الطائف. انها الموجة نفسها. في الأربعينيات ومع الوقت بدأوا يتمسكون بالميثاق وبالتوجه الذي مثله الشيخ بيار. هذا هو خيار الكتائب. واليوم هناك خيار العقل وليس خيار الغريزة. هذا الخيار يبدأ من 43 وصولا الى القرار الذي ساهم في إيقاف الحرب عام 89. فالصراع بين العقل والغريزة هو صراع وجود في كل طائفة. حزب الاتحاد اللبناني 24 ت2 1946، احتفال الكتائب بعيدها يبرز مدى ما بلغته من تنظيم وجماهيرية. أربعون ألفا ساروا في عرض شبه عسكري اخترق شوارع العاصمة من سينما »روكسي« الى بيت الكتائب. الرئيس الأعلى ينال على الصعيد الرسمي »وسام الجهاد اللبناني«. المنظمة تتحضر أكثر فأكثر للدخول في قلب الحياة السياسية. فقد باتت تضم 284 قسما وتمكنت من بلوغ رقعة الانتشار المسيحي في لبنان بأكثرها. لقد كانت النتائج الواعدة التي حظي بها الكتائبيون في الانتخابات الفرعية عام 1945 حين رشحوا الياس ربابي دافعا لهم للتحول الى حزب سياسي. وكي يؤمنوا التواصل مع القواعد المتسعة بدأوا الاكتتابات التي أمنت صدور »العمل« اليومي في 24 ت2 1946 باللغة العربية واActionب بالفرنسية. بدأت الكتائب تستعد لانتخابات 1947 التي شكلت مفصلا هاما في حياتها. كانت اللقاءات التنسيقية في البداية مع الحزب القومي الاجتماعي الذي يقول جان شرف في »تاريخ حزب الكتائب اللبنانية« إن أركانه نعمة ثابت وأسد الأشقر وولسن مجدلاني، كانوا قد انتهجوا نهجا لبنانيا صرفا في غياب الزعيم أنطون سعادة. ولكن ما إن عاد الأخير حتى أكد الجميل »ان الكتائب لا يمكن أن تتعاون مع هذا الحزب إلا على أساس العقائد الصريحة«. وهكذا فقد جاءت »العقائد الصريحة« مع الزعيم لتنهي أول إمكانية تحالف انتخابي كتائبي قومي، ولتنتقل »العمل« الى تصدر الحملة ضد أنطون سعادة. بعد ذلك سارت الأمور نحو التفاهم مع كمال جنبلاط وكميل شمعون العائد لتوه من لندن، إلا أن اعتراضات الكتائب ألغت إمكانية اللوائح المشتركة. فقد رفضت الكتائب ترشيح رئيسها باعتبار أنه لم يؤلف المنظمة للوصول الى النيابة، كما رفضت ان يختار حلفاؤها مرشحيها، إذ كان جواب الجميل »انني أنا الذي اختارهم لأني أعرف بمن يجب أن تمثل الكتائب«. حمّل كثيرون مثل هنري فرعون الكتائب مسؤولية إفشال مفاوضات تشكيل حلف سياسي في انتخابات 25 أيار 1945 التي خاضتها الكتائب بجوزف سعادة (رئيس مصلحة التأديب) والياس ربابي (رئيس مصلحة الدعاية وتحرير »العمل«) وهؤلاء في محافظة جبل لبنان، الأول ماروني والثاني كاثوليكي. كما خاضت الانتخابات في بيروت بأمين سرها العام جوزف شادر (أرمني) عن الأقليات، وفي الشمال رشحت جاك شديد. وفي هذه الانتخابات التي اشتهرت بالتلاعب والتزوير لم تبق السلطة إلا نحو عشرة آلاف صوت لكل من ربابي وسعادة. طوال عهد الرئيس بشارة الخوري كانت الكتائب تبرز نفسها كمعترض حاد في مسائل كثيرة، غير انها سعت دائما الى إبقاء رابط يجمعها بالرئيس، وهكذا، وعلى الرغم من انتخابات 47 والمطالبة الكتائبية بعدها بحل المجلس أو استقالة قسم من أعضائه لتمثيل الآخرين، فإن الكتائب لم تندفع الى رفض التعديل الذي سمح بتجديد ولاية الخوري، والذي كان كميل شمعون قد رفضه بشدة واستقال بسبب ذلك من مجلس الوزراء. اندفعت منظمة الكتائب، التي كانت قد أخذت عن كتائب »فرانكو« الاسم والتنظيم والعناوين العقيدية، الى مواجهة حزب آخر كان يظهر بصورة شبه عسكرية، وهو الحزب القومي، فكانت حادثة الجميزة بعد انتهاء مهرجان كتائبي صغير في »مقهى باز«، والتي بدأت بمرور مجموعة قومية من ضمنها سعادة على وقع هتافات »تحيى سوريا« وقعقعة السلاح، وانتهت بمهاجمة الكتائب لمطبعة جريدة الحزب القومي في شارع فيليب الخازن بالجميزة. وفي مساء 9 حزيران 49، اجتمع مجلس الوزراء بشكل طارئ واعتبر ان في الأمر »مؤامرة واسعة النطاق« فأمر باعتقال منفذي الحزب القومي، ثم حل هذا الحزب إداريا في 11 حزيران. وكانت الكتائب وجريدتها »العمل« سباقة في هذا المجال الى إلصاق التهمة بالقوميين بالتعامل مع إسرائيل، وهي إحدى التهم التي اعتبرها حسني الزعيم مبررا لاعتقال سعادة في دمشق وتسليمه الى القضاء اللبناني لإعدامه. بعد قضية الحزب القومي وإعدام زعيمه عمدت السلطة الى مواجهة الكتائب، وراحت تروج الشائعات عن قرب حل المنظمات وضرورة تحويلها الى أحزاب سياسية. فكانت حادثة ليل 17 18 تموز 1949 حين أطلق حراس بيت الكتائب النار على بعض العمال العائدين من المرفأ ما أدى إلى إقفال البيت »وحل المنظمات الجمعيات شبه العسكرية« فكان تعليق الجميل بأن الكتائب هي أول من نادى بالاستغناء عن اللباس الخاص دفعا لأي التباس مع وحدات الجيش، وبأنها كانت قد تحولت الى حزب سياسي. وانتهى الأمر بأن قدمت الكتائب طلب رخصة باسم »حزب الاتحاد اللبناني« وحصلت على العلم والخبر رقم 2333. من الثورة البيضاء إلى الثورة المضادة شارك »حزب الاتحاد اللبناني« في الاجتماعات المشتركة للمعارضة، غير انه عاد وانسحب من لجنة الأحزاب بسبب تأبين كمال جنبلاط لأنطون سعادة. واعتبرت »العمل« ان الكتائب هي قائدة المعارضة. وفي انتخابات 1951 تمكن مرشحو الكتائب من الفوز في بيروت وعكار والبقاع، في حين بقي الشيخ بيار في »البالوتاج« بالمتن ولم يحالفه الحظ. اعتمدت الكتائب ازدواجية المواقف في ظل اتساع رقعة »الجبهة الوطنية الاشتراكية« الهادفة الى إسقاط بشارة الخوري، وكانت في الآن نفسه ضمن »الثورة البيضاء« التي أطاحت به وخارجها. دعمت الكتائب حميد فرنجية في وجه كميل شمعون وكانت آخر من قام بتهنئة الرئيس الجديد، وساد جو من التوتر في البداية بين الجميل وشمعون. ولم يكن تفصيلا ما حدث في انتخابات 1953. فقد نجح المرشح القومي أسد الأشقر بدعم شمعوني في المتن في حين فشل الشيخ موريس الجميل أمام الرئيس السابق ألفرد نقاش، إلا أن الحزب تمثل في الندوة البرلمانية بجوزف شادر لوحده. ويعتبر حازم صاغية في »تعريب الكتائب« ان هذا الفوز المتكرر لشادر جاء يشي »باستمرار الأرجحية البيروتية الجبلية للحزب« في حين فشلت المحاولات الكتائبية للإطاحة بسياسيين تقليديين (تقلا، نقاش، إده) وهذا ما يفسر أيضا انسحاب عدد من المؤسسين الأوائل (حلو، نقاش..). أما النتائج المحققة في الأطراف والتي استطاعت إيصال النائبين جان سكاف وألبير الحاج، فقد كانت بسبب اعتبارات عائلية وشخصية أكثر منها حزبية. فالكتائب لم تتمكن من اجتذاب مسيحيي الأطراف على نحو مكثف قبل أحداث 1958، وعلى الرغم من اتهام الكتائب شمعون بتزوير نتائج انتخابات 1957 في المتن لصالح إيصال رئيس الحزب القومي أسد الأشقر على حساب الشيخ موريس الجميل في المتن، فقد انضمت الكتائب الى الحلف الذي كان يقوده شمعون خلال أحداث 1958 جنبا الى جنب مع القوميين السوريين، وإن كانت قد تميزت عشية الأحداث بمظهر الساعي الى الوساطة والمطالب شمعون بالامتناع عن التجديد. بعد وصول اللواء شهاب الى الرئاسة وتواصل تصريحات رشيد كرامي لقطف ثمار الثورة، أطلقت الكتائب »الثورة المضادة«، وليس بمعزل عن رؤية توازنية عند شهاب نفسه، وكانت شرارة تلك »الثورة المضادة« اغتيال الصحافي الكتائبي فؤاد حداد، فجاءت »الحكومة الرباعية« التي حظيت فيها الكتائب بنصف التمثيل المسيحي، وكرت سبحة توزير بيار وموريس الجميل في العهد الشهابي الذي أسند لها وزارات تموينية حساسة، كما عين الشيخ بيار وزيرا للداخلية في حكومة عبد الله اليافي في نيسان 1966، وفي تلك المرحلة بدأ انقلاب الكتائب على النهج ما تكلل بائتلافها مع الكتلويين والشمعونيين في الحلف الثلاثي عام 1968، وتصاعد مواقفها شيئا فشيئا مع دخول البلاد الأزمات المتتالية، ثم الحرب الأهلية حيث آثر بعض الدولة اعتماد الحل الكتائبي، فيما آلت الأمور ضمن »المنحسر المسيحي« الى قيام نوع من دويلة كتائبية شكلت الإطار الأنسب لظهور الانتقاد الكتائبي للصيغة هذه المرة، مجسدا في مواقف وأعمال الشيخ بشير. كما كان على الكتائب ان تدفع ثمنا من نوع آخر، فهذا الحزب الذي باشر بتوسيع قواته النظامية وفتح معسكرات التدريب بمؤازرة الرهبانيات المارونية سينبت ضمن ذاك الوليد القواتي الذي سيتطلع بعد ذلك الى الإطاحة بدور الكتائب في الشارع المسيحي لصالح ممارسته هذا الدور، وإن لوظيفة مغايرة. الكتائب »بتطلّع« نواب ببعلبك يتحدث جوزيف أبو خليل، الأمين العام السابق للحزب عن الوظيفة التي شغلتها الكتائب، فيقول: »ان دور الكتائب هو في السيادة والحريات دون الذهاب الى حدود الانتحار. وان خصوصية الكتائب في ان تقاوم لكي يحدث توازن، وعندها تدخل في الحل السياسي. أبو خليل، ابن »معلم العمار« من بيت الدين، قدم الى بيروت في نهاية الثلاثينيات ليعمل في صيدلية الجميل، وانتسب الى الكتائب، وبرز خلال أحداث 58 بإنشائه إذاعة كتائبية، وساهم ذلك في أن يكون من أقرب المقربين الى الشيخ بيار، الذي يعكف أبو خليل اليوم على تحضير كتاب عن مسيرته من عام 36 الى وفاته، وهو كتاب لا يريده عملاً بيوغرافياً، لأنه تقريباً تاريخ لبنان«. الكتائب والشيخ بيار عند أبو خليل صنوان. فالجميل هو »الرجل الذي أنشأها وسهر عليها ورباها مثلما تربي شجرة أمام الدار، فكانت صورة عنه وعن شخصه، واكتسبت شخصية متميزة«. يفسر أبو خليل اختلاف الكتائب عن غيرها من خلال عراقة التجربة: »لقد انوجدت كتائب لها دور. وانوجد كثير من الموجات في أيام بيار الجميل مثل الموجة الاشتراكية داخل الكتائب (عبيد عيسى، إدمون عون، نخلة مطران) والموجة العروبية (جوزف مغيزل) فكان طلبه ان تبحث هذه الموجات عن نفسها خارج حزب الكتائب«. وهو يعرّف الكتائب بأنها »طليعة الصف المسيحي المنظم لتأمين التوازن في البلد«. ويحدثك أبو خليل عن الانضباط الكتائبي في الأيام الخوالي: »كان العضو إذا ارتكب جرما في الحياة المدنية يحاكم في الكتائب، وهذا ما حصل مع سفير ونائب سابق« (في إشارة الى الياس ربابي الذي أدين بجرم نقل شيفرات الى استخبارات ألمانيا الغربية). كان الانضباط مثل الرهبنة. كان الكتائبي يمشي في البرج على الرصيف وليس في الشارع ولا يعبر الطريق إلا حيث هناك مسامير للمشاة. كانت التنشئة شبه عسكرية، وكانت المظاهر الاحتفالية الجماعية وخصوصا عند حلف القسم« (كان المنتسب يمنح دقيقة ليتكلم مع نفسه قبل أداء القسم كون الانضمام هو قرار مصيري). ويعتبر أبو خليل »ان الحرب أفسدت. تصور ان شابا صغيرا يقتل«، غير انه يستدرك: »لكن في حرب السنتين كانت الكتائب والكتائبيون على قدر كبير من الشهامة«. أما عن الحاضر فيرى ان ذهنية انتهازية تحكمت بمصير الحزب منذ سنوات.. »أمست الكتائب كناية عن مجموعة من الأشخاص، وأصبح مبرر وجودها ان توصل نائبا. تصور الكتائب بتطلّع نواب ببعلبك«. بيد ان الأمر يبدو أكثر تعقيدا من مسألة انتهازية أو عدم انتهازية. ان المسألة هي أزمة خيار ضائع، وهذا ما تشي به الأزمة الكتائبية منذ الثمانينيات وبالشكل الذي برزت فيه كأزمة رئاسة الحزب. غداً حلقة ثانية: إشكالية ما بعد المؤسس

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة