As Safir Logo
المصدر:

العرب والغرب في ظل العولمة هل العرب شركاء مفلسون في الحوار؟

المؤلف: شحادة مهدي التاريخ: 2001-09-21 رقم العدد:9009

»اشكالية الحوار الثقافي للحضارتين العربية والغربية في ظل العولمة« تستدعي تحديد معنى بعض المصطلحات الواردة في هذا العنوان حيث هناك »الثقافة والحضارة«، وهناك العولمة التي اصبحت من الكلمات الاكثر شيوعا مع حلول الألفية الميلادية الثالثة. بخصوص المقولة الاولى المتعلقة بكلمتي »الثقافة والحضارة«، ورغم وجود تمايز وتفارق بينهما إلا انه يبدو ان التعريف الانتروبولوجي هو الاقرب لحل هذه الاشكالية ومفاده ان الحضارة هي النمط العام للحياة الذي يتمثل بعلاقات السلطة والتنظيم الاجتماعي بداية من العمل والانتاج والملكية والمعرفة والسلوك العلمي والقيمي والابداع الفني والنتاج الثقافي عامة. وبذلك يتضح ان هذا التعريف يجمع ما بين الجانب المادي الموضوعي للحضارة والجانب المعنوي الثقافي القيمي لها. اما عن العولمة ونقصد بها هنا العولمة الثقافية فهي كما يقول المفكر سمير امين »قائمة بالفعل عبر التاريخ وشكلها الراهن مرتبط بالمرحلة الراهنة من التطور الرأسمالي للحضارة الانسانية«. اما محمود امين العالم فيقول: »ان العولمة هي ظاهرة طبيعية قدرية رضينا بها او لم نرض وهي نتيجة للطابع التوسعي لنمط الانتاج الرأسمالي فضلا عن الاكتشافات الاتصالية والتكنولوجية والمعلوماتية«. ويفرق الباحث اسامة خليل بين نوعين من العولمة: »العولمة الرأسمالية منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى نهاية النصف الاول من القرن العشرين وتتميز بكونها عولمة منفلتة ادت الى الحربين العالميتين الاولى والثانية. والعولمة الرأسمالية الجديدة او ما بعد الحداثية او ما بعد الصناعية وتتسم بتعاظم سطوتها على النظام الدولي وتقريبها المذهل للمسافات وتوسيعها لاطار السوق وتجاوزها لحدود وسيادة الدول ومنافستها غير المتكافئة مع قدرات وصلاحيات الدول الوطنية في اعداد وتشكيل وسائط مناهج اعادة انتاج وابداع نماذجها الثقافية التقليدية والحداثية«. فالسمة الجوهرية للعولمة الجديدة هي مركزية التقني والمالي والمصرفي الثقافي وليس مجرد عولمة التبادل التجاري او الانتشار المعلوماتي والاتصالي. اما المغفور له الشيخ محمد مهدي شمس الدين فيعرّف العولمة بقوله: يعبر مصطلح العولمة الذي تداول المفكرون والباحثون استخدامه منذ عقد من السنين (منذ نهاية الثمانينات) عن تحول عالمي في رؤية كثير من المرتكزات في مجال القيم الاخلاقية والاقتصاد والسياسة، التي كانت سائدة على المستويات الوطنية والاقليمية والدولية بين البشر. كما ويستبطن هذا المفهوم رؤية جديدة حول الهوية، هوية المجموعة وهوية الجماعة وهوية القوم، وحول شخصية المجتمع وشخصية الدولة على المستويات الوطنية والقومية بالنسبة الى المجتمعات التي تعاني من ضعف في سيادتها او في اقتصادها او في قوتها، اي لتلك المجتمعات التي تعتبر مغلوبة على امرها في مجال المنافسة على المستويات الاقتصادية والسياسية والامنية والعلمية والثقافية وما الى ذلك. ويميز الإمام محمد مهدي شمس الدين ما بين العالمية وبين النظام العالمي حيث يعتبر ان النظام العالمي هو لغة للتعبير عن طموح نحو ايجاد نظام سياسي عالمي تهيمن فيه او تفرض فيه قوة وحيدة او تحالف قوى، هيمنة سياسية انطلاقا من مصالحها المادية ونظرتها الفلسفية على اكبر قدر ممكن من دول وشعوب العالم. اما العالمية فهي تعبير عن مجال قد يكون بعيدا عن السياسة والاقتصاد، بل هي تعبير عن التنوع الثقافي. فالعالمية تعني الاعتراف بالتبادل، الاعتراف بالادوار، بحيث يكون العالم منفتحا على بعضه مع الاحتفاظ بتنوعاته، ولقد كانت هذه هي السمة البارزة في الحضارة والثقافة والايمان الاسلامي بشكل خاص: الاعتراف بالآخرين، احترام خصوصيات الآخرين. وهو الامر الذي انتج حالة الحوار بين الثقافات والحضارات والدول والشعوب والمصالح والاديان وما الى ذلك. اذن العالمية لا تعني الهيمنة الاقتصادية كما لا تعني في الوقت نفسه ايضا الهيمنة الثقافية وإنما تعني التنوع وانفتاح الثقافة الخاصة على الثقافات الاخرى وتعني التعارف وفقا للمبدأ القرآني »يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا«. تحديدنا لمفهوم العولمة يقودنا للتفتيش عن موقع الحوار الثقافي العربي الغربي من هذه العولمة وتحديدا في الزمن المعاصر لان العولمة كما أسلفنا الذكر حديثة النشأة. عقلية النقل إن ثقافة المثقف العربي المعاصر تتضمن عناصر منتقاة من لغات اجنبية، تفوق ما هو متيسر باللغة العربية، كما ان المجتمعات العربية تتصف بوجود ثقافات متشظية لدى القاعدة الاجتماعية العامة، فضلا عن ان هذه الظاهرة قد يعظم من مفارقاتها احيانا. وبرأي حسن حنفي ان الثقافة العربية تنقسم اليوم الى تيارين رئيسين: التيار التقليدي السلفي والتيار التغريبي العلماني. والتياران يختلفان في المرجعية ولا يختلفان في العقلية وهي عقلية النقل عن نصوص التراث او النقل عن النصوص الغربية، وبينهما تيار ثالث يحاول ان يقرأ الغرب من منظور التراث القديم والفكر الحديث. وهو التيار التأليفي الذي بدأه الطهطاوي. ولقد فشل هذا التيار لانه على حد قول حسن حنفي »اجتزأ قطاعا من الثقافة الغربية خارج اطاره وخارج سياقه التاريخي في الغرب ثم قرأ التراث في منظور خارجي تاركا تفاعل التراث بعضه مع البعض الآخر«. وبمعنى آخر يمكن القول ان عدم تطابق تحقيب التاريخ العربي مع تحقيب التاريخ العالمي، ونظرا الى ان العصور الحديثة لم تبدأ بالنسبة الى العرب إلا مع بداية اكتشافاتهم لتأخرهم في عالم متقدم عليهم نسبيا، وذلك على وقع صخب الحملة النابوليونية على مصر وفلسطين، فقد كان لا بد من انتظار القرن التاسع عشر ليعاود العرب الاكتشاف التدريجي لمقولة »العالم« التي غابت عن وعيهم طيلة قرون عديدة من عصر الانحطاط. ونظراً الى ان »العالم« تمثل في من تقدم ليقتحم على العرب عزلتهم، وليفرض نفسه عليهم، بدلا من ان يكونوا هم المبادرين الى الخروج للقائه، والى فرض انفسهم عليه، صنيع تجليتهم الكبرى في عصر الدعوة المحمدية والفتوحات الاسلامية الاولى، فقد مالت علاقة العرب ب »العالم« على ان تكون منذ البداية علاقة سالبة. ومما عزز من الطابع السلبي لهذه العلاقة ان »العالم« الذي تحداهم حيث اقتحم عليهم ديارهم، وفرض عليهم نفسه وقانونه، تلبس بالنسبة اليهم، كما بالنسبة الى اكثر شعوب الارض وجها شديد العدوانية والجارحية، هو وجه الاستعمار الذي اتخذ من الوطن العربي مسرحا لممارسة كل الاشكال التاريخية التي قيض له ان يتمظهر بها، بدءا من الانتداب، الى الاحتلال، الى الاستيطان، الى الضم القسري. يضاف الى ذلك ان الثقافة العربية لم تنجح منذ اكثر من قرن وحتى اليوم في صنع حداثتها وفي وضع الاسس السليمة لهذه الحداثة. فالصراع بين الغرب والشرق عرف المد والجزر ولبس اثوابا متباينة منذ ايام جمال الدين الافغاني ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وعبد الرحمن الكواكبي وشكيب ارسلان وصولا حتى بطرس البستاني. ولكن يبدو ان هناك اليوم محاولات لتحديث الفكر العربي الاسلامي يقوم بها المصري حسن حنفي والجزائري الاصل محمد اركون والمغربي محمد عابد الجابري والبحريني محمد جابر الانصاري وآخرون، ولكنها جميعها كناية عن مجرد مشاريع تطرح بديهيات اساليب التحديث ولكنها لم تباشر فعلا بعملية التحديث لانها اعطت الاولوية قبل التحديث لاعادة قراءة الفكر العربي الاسلامي وفق اسس منهجية علمية جديدة، فغرقت في هذه القراءة واغرقت معها المثقف العربي مما نتج عن ذلك ان الفكر العربي بدأ يجتر نفسه بحيث يعيد المثقفون قراءة ما سبق وكتب ولكن بأساليب جديدة لا تختلف في فحواها العام عن غيرها، كما لم تأت بأي شيء جديد. من هنا فان السؤال الذي يطرح نفسه حول ما هو جديد الفكر العربي..؟ واذا كان المطلوب ان نتحدث عن حوار حضاري بين الشرق والغرب فان الحوار يجب ان يكون متكافئا بين طرفين متساويين او على الاقل متقاربين في العطاء الحضاري. ولكن واقع الحال يفيد ان المثقف العربي هو في موقع المتلقي وان المثقف الغربي هو في وضعية الملقن، بدليل ان كل الافكار التي يتم تداولها اليوم حول »صدام الحضارات« و»نهاية التاريخ« و»ديموقراطية الحرية« و»حقوق الانسان« و»حرية التعبير« و»حرية المرأة« وغيرها هي من انتاج فكر غربي، وان الفكر العربي لم ينشغل في العقود الاخيرة الا باعادة انتاج او اعادة قراءة الفكر السياسي الاسلامي، وقد ادت هذه القراءة المشوهة الى ولادة اصولية سياسية تركت بصماتها السلبية على كافة المجتمعات المدنية بدءا بالجزائر، مرورا بمصر وصولا حتى افغانستان. ولعل هذا ما اتاح الفرصة للغرب لكي ينعت الاسلام بشتى انواع الاوصاف وان يضعه في خانة »الدين الارهابي«، وهذا ما دفع بالتالي الكثيرين من المفكرين العرب والمسلمين الى توظيف كل طاقاتهم الفكرية للدفاع عن حقيقة الاسلام وكأن المطلوب بات اقناع الغرب بأن الاسلام هو دين التسامح والرحمة والعدل والاخاء بعد ان كانت هذه المسألة من المسلمات. ولعل هذا ما دفع بالدكتور عبد الله الدائم الى القول ان النظام العالمي الجديد، كثيرا ما يتحدى الثقافة العربية الاسلامية تحديا سافرا ومباشرا. الامر الذي يخلق بالضرورة ردود فعل مغالية، تجنح الى التقوقع والانكماش واجتناب مخاطر الهجمات الغربية عن طريق احتماء الذات العربية »بجلدتها« و»إهابها« التقليدي المألوف. ويزداد هذا الانكماش، ويشتد العداء للحداثة في اطار العداء للغرب، حين يصف الغرب الحضارة الاسلامية بأبشع الاوصاف ويرى فيها »الشيطان« العالمي الجديد، وخاصة عندما يخلط بين الاسلام وبين الارهاب، او عندما يرى في محاربة الاسلام وثقافته البديل الطبيعي عن محاربة الاتحاد السوفياتي سابقا. الإسلام والغرب وقد يظن البعض انه ما دام الغرب قد اختار الاسلام العدو البديل عن الماركسية فهذا يعني اننا متقدمون حضاريا. وطبعا هذه الفرضية مغلوطة وكذلك كل ما بني عليها من نظريات لان الغرب يعادي الاسلام من خلال خلفيته الدينية باعتبار انه ينتمي الى ايديولوجية دينية مغايرة ولأن الحضارة ليس لها وجه واحد فقط بل هي جملة مقومات وعوامل وابعاد وميادين ومجالات. فالحضارة العربية لكي تقيم حوارا فعليا مع الغرب يجب ان يكون لها حضورا في مجالات التقنيات الحديثة وفي ميادين الاتصالات والمواصلات وكذلك في ميادين الانسانيات والآداب والعلوم الاخرى. وبذلك تنخرط في مسيرة العولمة التي لا تفرق بين التقدم الاقتصادي والتقني والعلمي والانساني. وقد يقول البعض اننا نحن الذين منحنا الغرب حضارته، وان منبع العلوم من عندنا وقد اخذه الغرب عنا، وهذا صحيح، ولكن ما هو صحيح ايضا هو اننا نحن العرب توقفنا عند حد معين من العطاء بينما الغرب تابع، وطور، وحدّث ما اخذه عنا الى حد بتنا مندهشين مما استحدثه وغير قادرين في الوقت نفسه على مواكبة المتغيرات التي حصلت، اللهم الا الدارسين من العرب، وهذا الامر لم يحصل في العالم العربي. ان للثقافة العربية الاسلامية كما قال عبد الله عبد الدائم دورا كبيرا يمكنها ان تضطلع به في عالم الاقتصاد والمال والاتصال على نحو ما نجده اليوم، شريطة ان تعي ذاتها وسواها وتجدد نفسها، وتنطلق من مبادئ قادرة على صياغة ثقافتها صياغة تمكنها من ان تحيا، ومن ان يكون لها شأنها في تصويب خطاها اولا ثم خطى العالم. ولا حاجة الى القول ان تنمية الثقافة العربية الاسلامية، وفق المنطلقات المبنية سالفا تستلزم استراتيجية ثقافية كاملة، وتحديد العلاقات المتبادلة بين مثل هذه الاستراتيجية الثقافية وبين الاستراتيجية الاقتصادية العربية التي تعتبر اكثر من ضرورية في هذه المرحلة من تطور العالم. وهذا لا يعني ان الثقافة الغربية هي القدوة والمثال، لا بل لديها ايضا ثغراتها، وعن هذا الموضوع يتحدث المفكر عبد الله العروي عن الثقافة الاميركية والانكليزية والفرنسية كأمثلة للثقافات العصرية المندمجة فيقول ان وجود مسافة كمية، او فارق افقي بين ثقافة الاستاذ وثقافة الرجل العادي لا يلغي حقيقة وجود ثقافة عصرية مشتركة تجمع بينهما. فهناك دول نجحت في تغطية جغرافيتها البشرية الوطنية او القومية بمناهج تعليمية وقيم سياسية واخلاقية ترتب عليها ان القاعدة الاجتماعية العامة اصبحت مشتركة في قاسم مشترك اعظم من مفاتيح رؤية العالم والعلاقات والتفكير والعمل. والمجتمعات المنسجمة هي تلك التي تشترك نخبتها في هذه الثقافة العامة وتنجح في ربط الجماعات ذات الثقافات المتباعدة بثقافة »المسيرين« اي النخبة السياسية والاجتماعية العالمة. ولو اردنا استعارة التعريف الذي وضعه الامام محمد مهدي شمس الدين عن الثقافة الغربية لتبين انه يعرف الغرب بقوله ان الغرب الماثل امام المسلمين الآن هو الغرب الذي يقوم على الفكر الوضعي في مجال العلوم، وعلى اخلاق المنفعة في السلوك، ويتنكر للقيم الاخلاقية التي بشرت بها المسيحية في المضمون الداخلي للانسان، ويزج بالانسان في حياة استهلاكية تقوم على الثقافة الحسية البصرية، وعلى تقديس مبدأ اللذة والمنفعة. من هنا تكمن صعوبة الحوار بين الاسلام والغرب، حيث ان صورة الاسلام والعرب في الغرب مشوهة جدا وغير محببة، وصورة الغربي لدى العرب هي صورة المستعمر، المستغل، المعادي للقضايا العربية. والنتاج الثقافي الذي يخرج عن هذين المعسكرين هو بمجمله وليس كله هو نتاج ثقافي معاد الواحد للآخر.. وان تبعية العرب للغرب هي تبعية تكنولوجية وليست تبعية سياسية او ثقافية. من هنا تحدث هنتنغتون عن »صدام الحضارات« ورد عليه الرئيس الايراني محمد خاتمي ب »حوار الحضارات«. وهذا يعني ان الغرب يرفض الحوار الثقافي ويرى انه تصادم، وان الثقافة الغربية برأي الغربيين هي الثقافة المهيمنة او التي تستحق الحديث عنها. ويبدو ان اركان الهيمنة الثقافية يتغافلون عن ان لكل مجتمع من المجتمعات انتماء ثقافيا وخصوصية تميزه عن غيره من المجتمعات قد تكون هذه الخصوصيات جدارا يفصله عن الناس، وقد تكون معبرا يصله بالناس. لذلك فان الحوار الثقافي بات لا يمر كثيرا عبر الكتب والندوات والمؤتمرات بل عبر الاقنية الفضائية التلفزيونية، والانترنت، والكمبيوتر، وهذا ليس بحوار بل هيمنة ثقافية لان المتقدم تكنولوجيا والذي يملك الامكانيات المادية هو الذي يفرض ثقافته. وعليه فهناك تناقض بين العولمة والهويات الوطنية والاديان، فالعولمة لا هوية لها ولا دين.. والخشية على الهويات ليست خشية عربية اسلامية فحسب بل هي اوروبية حتى يابانية رغم انها من اعمدة العولمة. فالبث المعلوماتي والاعلامي من خلال المركز الاميركي الذي يسيطر على 80 في المئة من الثقافة المبثوثة اصبح يمثل تهديدا للهويات الاوروبية، عبر عنه الاتحاد الاوروبي بانشاء لجنة داخل البرلمان الاوروبي تعني بالحد من امركة الحياة الاوروبية من الاعلام والمعلومات.. فكيف اذن الامر بالنسبة للعرب والمسلمين. حواجز الحوار إن المعروض على الشعوب العربية والاسلامية هو بث من مرسل غربي الى متلق شرقي وليس تبادل ثقافي بين طرفين متعادلين. من هنا يرى المفكر المصري أحمد محمود صبحي أن التأثير الغربي على الفكر العربي الاسلامي يجب أن لا يطال العلوم الوثيقة الصلة بالدين كالتفسير والحديث وأصول الدين والفقه وأصوله. ويجب أن يطال الى حد ما بعض العلوم الانسانية كالأخلاق والسياسة والاقتصاد والاجتماع وفلسفة الجمال. ويجب أن يطال كثيرا علوما أخرى كالطب والتكنولوجيا. ولكن المشكلة أننا أمام الحوار الثقافي الغربي العربي، وامام العولمة السائدة حاليا لا نستطيع أن نقيم حواجز لمنع حصول حوار في بعض المجالات ولإفساح المجال لحوار معمق في مجالات أخرى لأن كافة العلوم أصبحت متداخلة وذات صفة عالمية، ولأن التفاعل عادة بين الشعوب يحصل على كافة المستويات والصعد. وخير دليل على ذلك أن العرب عندما كانوا يملكون مفاتيح الحضارة والعلوم قد نقلوها بأكملها، أو بالأحرى نقلت عنهم بأكملها، الى أوروبا وبعد ذلك تم انتقاء ما يفيد وما لا يفيد الغرب. وهذا المثال تؤكده المستشرقة الالمانية زيجفريد هونكه في دراسة أعدتها تحت عنوان »شمس العرب تسطع على الغرب« وتفيد أن المخطوطات العربية المتناثرة في أنحاء أوروبا بعد سقوط الاندلس كان لها دور كبير في صناعة عصر النهضة الاوروبية. إضافة الى ذلك فقد باع الغزاة الاسبان مكتبة قرطبة بعد سقوطها وكانت تضم أربعمئة وأربعين ألف مجلد الى الباعة المتجولين، وباعوا مكتبة طليطلة بعد سقوطها، وكانت تضم أكثر من خمسمئة ألف مجلد، وباعوا مجلدات المكتبة العامة لغرناطة. وحمل الباعة أحمالهم على ظهور البغال في قوافل طويلة، عبروا بها الهضبة الاسبانية، وجبال البرانس، وانتشروا بها في أوروبا يبيعونها للطلبة والمترجمين والدارسين وتغير بها وجه الحياة في القارة التي عاشت قبلها في الظلام. وختاما ولخلق جو جدي من التفاعل الثقافي بين العرب والغرب، وفيما يؤكد المثقفون العرب على ضرورة قيام حركة ترجمة عربية جديدة في مختلف ميادين العلوم من اللغات الغربية الى العربية، يقفز حسن حنفي من النقل الى الابداع بقوله: »نحن نأخذ عن الغرب منذ خمسة أجيال والمسافة تتسع، لأن ما ينتجه الغرب في يوم نحتاج لقرون لكي نترجمه«. وعليه فمن الصعب الحديث عن حوار ثقافي فعلي بين العرب والغرب بل هناك تبعية ثقافية من العرب للغرب تعبر عن نفسها في شتى المجالات والميادين. فأزمة الثقافة العربية كما يقول حسن حنفي أنها »تلقن الانتصار في زمن الهزيمة«. أما السيد يسين فيقول: »في المجال الثقافي هناك ردة فعل فكرية ترفض بنى وثقافة الدول الغربية. وهناك مسألة أخطر وهي عدم المتابعة الاستراتيجية الفكرية لأجندة التفكير العالمي في العالم اليوم. في العلوم كلها هناك ثورة لإعادة صياغة النظريات. وفي النظام الدولي هناك اعادة صياغة للنظام الدولي. هناك مثقفون عرب عديدون غير متابعين لهاتين العمليتين. وبالتالي فإن أحكامهم إما أن تكون نتيجة الجهل أو عدم المتابعة أو رفضها، وهكذا ينسحبون من الواقع أكثر رجعية وتخلفا«. وبرأيي أن الاشكالية ليست فقط أننا كعرب »نلقن الانتصار في زمن الهزيمة« كما قال حسن حنفي، ولا كما قال سيد يسين إن أزمة المثقف العربي تكمن في رفضه للآخر أو في جهله للثورة العلمية الحاصلة عالميا، بل الاشكالية الحقيقية أنه لا يوجد حوار بين الشرق والغرب. فالمعلوم أن الثقافة تشكل عاملا من عوامل تكوين هوية أي شعب أو أية أمة، وان الثقافة لا يمكن لها أن تتقدم بمعزل عن حصول تقدم مواز في حقول السياسة والصناعة وفي المجالات العلمية والاجتماعية. وبما أن العرب لا ينتجون في الزمن المعاصر لا طروحات سياسية، ولا ابداعات تكنولوجية، ولا نظريات علمية، ولا تطورات اجتماعية فلذلك من الصعب عليهم الدخول في حوار مع الغرب، لأن الحوار يكون بين ندين، أو بين طرفين متكافئين وهذا ما لا ينطبق على الواقع العربي. إضافة الى ذلك فإن الآخر وأعني به الغربي يرفض أساسا أي حوار مع العربي، وتأكيدا لذلك سأسوق بعض الأمثلة الحسية وأهمها فشل الحوار العربي الأوروبي الذي كان يجري منذ عشرات السنوات بين دول الاتحاد الاوروبي وجامعة الدول العربية لأن العرب برأي الغرب لا يمتلكون سياسة واحدة، ولا يتطلعون لتحقيق نفس الاهداف، وليس لديهم نفس الغايات، بل لكل دولة توجهاتها وأغراضها ومآربها. اضافة الى ذلك فإن الاوروبيين لا يعترفون بأية هوية ثقافية قومية عربية أو على الأقل يعتبرون أساسا أن هذه الهوية غير موجودة. ولهذا فضّل الاوروبيون محاورة كل دولة عربية على حدة أو محاورة كل تكتل جهوي عربي على حدة مثل مجلس التعاون الخليجي أو اتحاد المغرب العربي لأن في ذلك برأي الاوروبيين فرصا أكبر لنجاح الحوار. بناء على ذلك اقترح الاوروبيون مشروع الشراكة الاوروبية المتوسطية والذي من ضمن أهدافه خلق مناخ مناسب للتفاعل الثقافي بين شاطئي المتوسط. شركاء مفلسون ونلاحظ أن الدول الاوروبية تولي حاليا اهتماما خاصا بثقافة الأقليات، وتخصص من أجل ذلك أموالا طائلة فيما تبتعد عن دعم سائر الأنشطة التي يمكن أن تعالج أطر العلاقات العربية الأوروبية. فالأكراد أصبح لهم في باريس معاهد لغة، ومكتبات خاصة، ومدارس، ومنشورات، ومطبوعات، وكذلك البربر، والأرمن... الخ وهذا يعني أن التجزئة الاقتصادية والسياسية والامنية التي اعتمدتها الدول الاوروبية بشكل خاص والغربية بشكل عام كمنطلق لاستراتيجية باتت تطال التجزئة الثقافية أيضا، فأمسى العرب بذلك كناية عن »جزر« اقتصادية وسياسية وثقافية مقطعة الأوصال ومتباعدة عن بعضها البعض. الحل إذاً ليس بالاكتفاء بترجمة انجازات الغرب وتقديمها للمثقف العربي، ولا انتظار الغرب لإدخال العرب كشركاء وهم في الحقيقة أشبه ما يكونون بشركاء مفلسين، بل الحل يكمن في توظيف الطاقات والامكانيات العربية الفكرية والبشرية والمادية من أجل تأسيس هوية مستقلة من جهة، و»معولمة« من جهة أخرى. مستقلة أي بمعنى مساهمة العرب بفعالية في مجال التكنولوجيا الحديثة واستغلالها على أكمل وجه للتعبير من خلالها عن المقدرات العربية، وعن الثقافة العربية. و»معولمة« أي بمعنى أن تكون هذه الهوية العربية جزءا من الهوية العالمية ومكملة لها وبذلك يحصل الحوار الثقافي العربي الغربي في زمن العولمة بكل تجلياته وعطاءاته. وانخراط العرب يجب أن يكون في اطار الاعلام الذي أصبح سلطة جديدة تتحكم في انتاج وتوزيع المعرفة ووسائل الاتصال. والانخراط يجب أن يتم أيضا في اطار الانتاج الفكري الذي من جهة هو انتاج تراكمي مكثف، ومن جهة أخرى انتاج متخصص بحيث يطال كل المجالات والقطاعات. والانخراط يكون في اطار اللغة وتطويرها وجعلها قادرة على محاكاة التطورات الحاصلة، والتقنيات المستحدثة. والشيء نفسه بالنسبة للفضائيات والانترنت.. المهم أن مجمل هذه العوامل كفيلة بأن تؤسس لثقافة عربية قادرة وفاعلة في محاورة الغرب، وفي مقاومة هيمنة الثقافة الغربية لأن الثقافة الغربية التي يروج لها الكثيرون اليوم هي »ثقافة جاهزة« مثل الوجبات الجاهزة. إنها ثقافة تزيل الفوارق والخصوصيات، وتلغي العمق الفكري عن طريق بثها للمعلومات المبسطة، وخطورة ذلك تتمثل في الظهور الحتمي مستقبلا ليس »لعالم ثالث معلوماتي« بل في ظهور »عالم رابع« محروم من المعارف والمعلومات، مما يعيدنا الى عصر العبودية حيث كان الرجل الأبيض »المتعلم« و»العارف« يستعبد الأسود والهندي الذي لم تصل اليه المعرفة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة