As Safir Logo
المصدر:

لا يهتم بالخارطة الشعرية والثقافية العربية اليوم.. فليس عليه أن يتابع درجات الهبوط.. يكفيه أن ينصرف إلى نفسه وفنه سعدي يوسف: أنا في لندن حرّ ففي البلاد العربية أفقد حقوقي كلما طالت إقامتي

المؤلف: بيضون عباس التاريخ: 2001-09-14 رقم العدد:9003

في الثماني عشر ساعة التي قضيناها معلقين في الجو في الطريق الى كولومبيا فاجأني سعدي »عشت كثيرا، عشت اكثر مما ينبغي« لم يكن حزينا وهو يقول ذلك ويعقب ولكن ماذا نفعل هناك كثير من الكتب وكثير من الاسطوانات ونحن لا نستطيع ان نقرأ كل شيء او نسمع كل شيء. كان ثمة وقت طويل مضى على آخر لقاء لي بسعدي. علمت من الصحف بأنه ذهب الى الفيليبين ليعود بجثمان وحيده. جعلني كلامه أحسب بأنه نادم على الحياة وانه لا يزال سادراً في حداده، يصعب في الواقع أن نضع سعدي في لحظة او هنيهة واحدة، انه طائر. او ان له حركة طائر وخفة طائر فثمة شيء هوائي في طبع الرجل وسلوكه. ولنقل شيء مديني، من معاشرة المدن والموانئ والحانات كلها كما سمّى احد دواوينه. لنتحدث عن ذاكرة كوسموبوليتية، عن حدس مديني للارصفة والحانات والتسكع وربما التصعلك مادته. اهتدى سعدي بسرعة الى أول بار والى أول حانوت والى أول كنيسة، كان يقرأ المدينية بحسه وبقدميه اسرع منا جميعا، واهتدى بطبيعة الحال الى المشروب المحلي، ويمكن القول ان من شأنه هذا تبقى فيه بذرة من السعادة، من تآلف الحياة والأشياء. والحق ان رفقة سعدي خلال عشرة أيام جعلتني أقلع عن صورة الحداد التي توهمتها في البداية، كان الرجل طلقا وحرا وخفيفا وعالميا ومتسكعا وصاحب كأس. هذه صفات لا يلعب فيها العمر على ما يبدو. ربما لا نبالغ اذا وصفنا سعدي بالطائر بل ان له جسديا وجه طائر ونقلة طائر، وربما كان له من الطائر سهو وغياب ومفاجأة ومبادرة، فأنت تجده كل لحظة على غصن لكنك مع ذلك ان تشعر ان شيئا فيه عصيا على الإمساك، كتلك النبرة الغائبة في صوته والتي تجعله احيانا غير مسموع. كنت طموحا دائما الى حديث مع سعدي، فأنا من الذين يعتبرونه احد المعلمين الأهم في شعرنا، لكن سعدي ليس ممن يسهل امساكهم في لحظة ولا في مكان، ولا في ظرف، فاتني دائما هذا الحديث وحين سنح كان علي ان أتعجّله، ثم اتركه شبه مقطوع، فالشاعر الذي تفرغ لي قرابة ساعتين دخل في عجيج حياته وبات صعبا اعادته الى لحظة ماضية، لقد طار من هذا الموقف الى غيره من تلك الساعة الى سواها وهيهات ان يرجع الى غصن فارقه. لكن عشرة سعدي هي دائما عشرة شاعر، شعره وحياته يُصنعان بالحبر نفسه تقريبا، وليس سهلا ان نعثر على القصيدة ولا على الشاعر. { بخلاف ما كنت أظن، وجدتك تتكلم براحة عن لندن، وحياتك فيها في الفترة الاخيرة، وكأنها تراها أكثر فترة في منفاك اطمئنانا؟ صحيح، وربما اكثر فترة في حياتي كلها اطمئنانا. الاطمئنان اولا من على جسدي باعتبار ان الجسد معرض للفناء بسرعة او بعنف هناك. ثانيا الاطمئنان على ما يخص العيش، بمعنى الاقامة المشروعة في مكان ما، لأني كلما كنت أطيل الاقامة في بلد عربي أفقد حقوقي. فالحقوق تتناقص على طول الاقامة في البلاد العربية، لا تكتسب شيئا وتكون ما لديك اكثر عرضة لمهبّ الريح. تفقد حقوقك كاملة بالتدريج. وهذا حدث لي في كل مكان عربي أقمت فيه. فجأة تجد نفسك أمام الجدار، فاما ان تخضع لهذا الجدار واما ان تقفز عنه. اما في ما يتعلق بالاقامة في انكلترا، فأنا داخل في هذه المنظومة الثقافة وأتعامل معها منذ فترة مبكرة جدا من حياتي ولم أنقطع. اللغة الانكليزية والأدب الانكليزي مكوّن طبيعي وأساسي في ثقافتي، الى جانب اللغة العربية. كثير من الشوارع التي أمر بها يذكرني بروايات وقصائد، وكتابا وشعراء. أشعر بألفة عجيبة مع الامكنة هنا. ثم ان هناك أمرا مهما جدا، فأنا لأول مرة في حياتي أستطيع ان أفكر بحرية، بمعنى ان دورة التفكير لا تُعرقَل، فتظل طبيعية هادئة واعتيادية. ربما في التفكير المنطقي هذا الشيء أساسي ومن منطق الاشياء، ولكن في العملية الابداعية تكون القضية اخطر بكثير، لان العملية الابداعية في الأساس تقوم على وهْم اعادة تشكيل الكون، وعلى وهم الخلق، وفي هذه النقطة أحس بالحرية المطلقة، او على الأقل بوهم امتلاك الحرية المطلقة. هذا الشيء ظل صعبا ومعقدا وفادح التضحية. فمن اجل ان أعبّر في النص الشعري عن اشكالات معينة في واقعي، كان عليّ أن أترك وطني وأهلي وامرأتي وان أدخل السجن وأتعرض للتعذيب... كل هذا يخلق رغبة بسيطة في حرية التعبير. الآن، فعلا، أجد نفسي مطلق الحرية. هذا بالاضافة الى أمور اخرى مهمة، فأنا اليوم لست بحاجة الى عمل، ولست بحاجة الى الكتابة بأجر في أي مكان، كما لست بحاجة الى ان يكون لي مركز في اي حركة سياسية معينة في سبيل العائد المادي. كل هذه الأمور تحررت منها بالكامل. ومن هنا أنا أحتفي بمُقامي هنا. { هل تحتفي بالتخلص من أي إلزام سياسي وثقافي واجتماعي عربي... إلزام ولا أقول التزام؟ هذا أكيد. يكفي أني خدمت في الارض العربية خمسا وستين سنة، لي لذلك حق التقاعد في اي مكان، فأنا الآن أتقاعد من خدمة هذه الارض وأشتغل لنفسي، للنص. خارج الخارطة { هذه الاقامة اللندنية، ماذا تفعل فيها على صعيد التفكير بالشعر وكتابة الشعر... في كتابة النص الشعري أحاول ان لا أنظر في الخارطة الشعرية العربية. فاهتمامي ينحصر بعدد محدود جدا من الأصدقاء. اما باقي الخارطة الشعرية العربية فلم أعد أهتم لها كالسابق. هذا يجعلني مستقلا عن رد الفعل ازاء ما أحاوله في الكتابة، بمعنى أني بعيد عن السجالات ليست في ما يتعلق بالقصيدة بل أيضا بمجمل الوضع الثقافي العربي. بصراحة تعبت من المتابعة ويئست منها ايضا، فعدت الى المحاولة الاصلية والبسيطة، هكذا. { ما الذي يشغلك الآن في عملك الشعري؟ ما يشغلني الآن في عملي الشعري هو الجهد الاول، اي كيف أحاول القيام بما أراه معادلا فنيا للحياة، او للعقدة، هذا شيء أساسي وهمّ حقيقي. الوسائل والعناصر والأدوات ليست مشكلة ولا تثير إشكالا أمامي. الآن بدأت التفكير والتخطيط في مشروع، يبدو بسيطا جدا، أحاول أن أكتب معادلا معاصرا، ذاتيا الى حد ما، للأوذيسة. حاليا انا في مرحلة قراءة، قرأت الأوذيسة مرتين بترجمتين، قرأتها باللغة الانكليزية، ومع الترجمتين كان هناك كتاب مساعد، شروح تاريخية ولغوية الخ... ولأن الأوذيسة كانت تالية للإلياذة لذلك يتعين عليّ أن أقرأ الالياذة ايضا، ثم عليّ أن أبدأ بقراءة روايات وكتب في التاريخ والجغرافيا، القريبة من هذا الجو. الإشكال بسيط، لأن الأوذيسة هي حوالى خمس وقفات أساسية، بالامكان تحويلها الى عصر، الى ذات ايضا ووضع نص ليس عمديا الى هذا الحد، لكني تعلمت، مع الكتابة وتعقيدها، ومع التخطيط لمشروع، تعلمت ان أي نص طويل المدى (إذن يكون طويل الأمد) ينبغي ان يعتمد على عمود فقري أولي وأساسي واضح. وهذا هو عمل الشاعر الذي اعتمدته. { هل هو كتاب وصية كما يُقال؟ لا أختلف معك في هذه المسألة، لأنه بعد حوالى شهر او شهر ونصف مثلا سيصدر المجلد الرابع من أعمالي الشعرية، عند صدور هذا المجلد أكون قد كتبت حوالى ألفي صفحة من الشعر، غير المهمّش والمهمل... كتبت ألفي صفحة من المتن. وأعتقد ان هذا يكفيني كثيرا وأكثر من اللازم. خططت لأن يكون العمل الجديد في عشرة كتب، الكتاب منها في خمسين صفحة، فيكون كامل المشروع الجديد 500 صفحة. وقد وضعت خطة دقيقة جدا للعمل. { هل سيكون شعرا خالصا؟ نعم، سيكون نصا شعريا. { أنت تكتب أول مرة عملا بهذا الطول، رغم غزارة شعرك لم تكتب قصيدة تغطي كتابا كاملا ومع ال2000 صفحة التي كتبتها، أنت تفكر بكتابة ضخمة، كتابة عمل كبير. هذا يبدو على نحو ما انعطافا؟ صحيح. ومن الأسباب التي أدت الى هذه الانعطافة، طبيعة إقامتي الجديدة التي لا تتحمل هزات مفاجئة، ولا انقطاعات غير محتملة، عندي فرصة نادرة في حياتي لأن أكون في حال من الاطمئنان والاستمرارية والتلاقي الثقافي الخ... لذلك من الممكن ان أقوم بهذا العمل. { ليس الانعطاف فقط على مستوى الطول والحجم، بل على مستوى النظر الى الشعر وعلى مستوى الشكل الشعري وتناولك للعالم... على المستوى الثقافي... الأمر فيه تداخل، فالسيرة الذاتية ستدخل على نحو واضح لكن النص في تخطيطه سوف يكتسب موضوعية ما. { نوع من »فاوستك« الشخصي او أوذيستك الشخصية؟ ربما تكون الأوذيسة الشخصية لي، فاوست بعيد عني الى حد ما. { أسألك الى أي حد في هذا العمل الجديد وهذا هو المهم في سؤالي ومن خلال هذه الاقامة، تجدد نظرتك للشعر؟ هل عندك مشروع ما، فأنت من الشعراء القليلين الذين امتلكوا مشروعا من النص الاول تقريبا، قصائد مرئية، وهناك شعر عليه بصمتك، كما هناك مشروعك الشعري، النظرة، التناول الحساسية وهذه هي ذاتها مع التطور. هل اكتمل هذا المشروع فصرت في صدد مشروع آخر؟ أنا أستفيد من مُضيّي في المشروع ذاته، لكن بطريقة اكثر تركيبية. { اقتربت من الغناء الشعبي، ولكن هذه المحاولة لم تصبح أساسية في شعرك، بل بقيت منحىً من مناحٍ... هي بالضبط هكذا، لا أستطيع ان أمضي بها، كثير من المقترحات لا أستطيع ان أمضي بها لأني لا أريد ان اكون أسيرا لها. { عودا الى كلامك السابق عن انصرافك عن المشهد الشعري العربي، هل في ذلك نوع من الموقف النقدي مما يحدث في الكتابة الشعرية العربية. هل تبلورت عندك، بعد كل هذه التجربة والمعرفة بالتجارب العربية المعاصرة، فكرة عن لا جدوى الانشغال بالتجارب الشعرية العربية؟ درجات الهبوط أنا لا أقصد عدم المتابعة للمشهد الشعر العربي وحده وانما ايضا للمشهد الثقافي بمجمله. الوقت الذي نحن فيه الآن هو وقت انهيار، لا يزال يأخذ مداه، لأن هناك درجات في الانهيار وفي الهبوط لم نبلغها بعد. في هذه المرحلة من حياتي، أنا لست مستعدا لأن ألاحق وأتابع درجات الهبوط، لا اكثر. لم يعد لدي من العمر ما يكفي لمتابعة درجات الهبوط. أنا الآن احاول ان أرمّم نفسي، وان أستعد لمنجزات جديدة. {لو توسّعنا قليلا في الكلام عن حال الشعر العربي اليوم، هل ترى ان هذا الشعر مسدود الآفاق تقريبا. نتكلم في الاجمال، هل ترى ان هذا الشعر وصل الى مرحلة من الاستنقاع وتكرير نفسه ومن الدوران حول ما سُمّي بحركة الحداثة، التي هي بحد ذاتها حملت من الاول كمية كبيرة من المشاكل وتحولت الى سجن؟ تحديث الشعر العربي عملية مستمرة، لكن المشكلة انه لم يعد هناك اختراقات هائلة كالاختراقات التي حدثت منذ نصف قرن، هذا الشيء لم يتكرر مرة اخرى، بالرغم من إتاحة وسائل جديدة واضافة حريات الى النص، ليست هناك حتى الآن اختراقات كبرى. { هل تذهب الى ما يتواتر عن فقدان الشعراء الجدد حساسيتهم اللغوية بل حتى معرفتهم للغة؟ أنا أهتم بمسألة التكوين، تكوين الفرد الذي يؤهله لممارسة عمل إبداعي. هذه هي المسألة الاساسية، وهنا تحديدا تدخل اللغة، والثقافة في الجماليات، وتدخل الفلسفة والموقف النقدي من المجتمع والسياسة هذه كلها تدخل في عملية التكوين. أعتقد انه لا يمكن ان تقوم الرجعية بعمل طليعي أبدا. اذا كانت اقترنت الحداثة بالرجعية فستغدو قناعا طليعيا لكنها تبقى رجعية. وقد تكون مسألة اللغة في هذا الاطار، كيف أبقى بعد ذلك معنيا ومهتما بمراقبة مشهد، هو راديكاليا مرفوض عندي. لست ملزما بمعاينة هذا الوضع. { هل ترى اذاً ان الثقافة العربية فقدت القدرة على المعارضة بهذا المعنى؟ تحدثت أنت في المشهد العام، أنت في واجهة الشعر العام وتعرف كل شيء، تبلغ نسبة الرجعيين اكثر من تسعين بالمئة، ولنقم بعمل احصائيات. ماذا نفعل عند ذلك بأمتنا وبأنفسنا، وما موقفنا من حكامنا وسلطاتنا، من الرقابة وسلطات الضباط... { بعد انتقالك الى لندن، كنت لا تزال مشغولا ببعض المشاريع العربية، ومشاريع تجمّعات ومجلات، اي كنت مهجوسا بالفعل في الثقافة العربية وبعمل ثقافي جماعي، هل اقامتك في لندن جرّت عليك اقتناعك بلا جدوى العمل والمتابعة؟ أنا أعرض اقتراحا، ولكني لست ملزما بالمضي فيه، فأنا لست قائدا سياسيا بالمطلق ولا معنيا بأن اكون على هذا الطريق، أقدم مقترحا أراه نظيفا او جديرا بأن يهتم به الناس لكن يبدو ان قدرتنا الذاتية على العمل الجمعي صارت محدودة وهينة. { هل يعود هذا الىى ان ثقافتنا حاليا فاقدة مخزونها وأساساتها والتراكم الذي ينبغي ان يكون سابقا عليها.. هل ترى ان هناك خفة في الثقافة، وارتجالا وسرعة... ليست المسألة مسألة الثقافة فقط، فالثقافة كلمة كبيرة لكن فلنقل الأساس التعليمي. فبعد عشرات السنين من الاستقلال تظل نسبة الأمية في مصر مثلا 50 بالمئة، هذه أشياء خطيرة جدا. إذاً نظل مع سؤال الدولة الوطنية، ما هي الدولة الوطنية؟ بعد خمسين او سبعين سنة من الاستقلال ولا أتحدث فقط عن مصر لا تزال نسبة الأمية 50 بالمئة والحدود مفتوحة للآخر، الاقتصاد منهار. وهذه هي الواجبات الاولى لأي دولة وطنية، ان تطور ثقافتها وان تحمي حدودها وان تطور الاقتصاد الوطني. هناك شيء أخطر من القضية الثقافية او من إشكالات الحركة الشعرية او غيرها، فأساسات الحلم بتطوير هذه الأمة وإدخالها في التقدم، غير قائمة. وأنا أرجح وأرى أنه لم تقم دولة وطنية في منطقتنا. { بالمعنى الحضاري؟ حضاريا وسياسيا. فالدولة الوطنية هي منجز حضاري كبير، لأنها نتيجة حلم حضاري، يؤكد حلما أبعد بإنهاض هذا الشعب وتعليمه وتطوير اقتصاده وحماية حدوده. فقري النبيل { مع فشل المشروع القومي، هل ترى أنه كان هناك ايضا فشل للمشروع النظير له، مشروع الحداثة والثقافة، ألا ترى أنه بدا ايضا وكأنه ضئيل وصغير ومدّع؟ لا أستطيع ان أفصل حركة التحديث الاولى التي طرأت في الشعر العربي، عن صبوة التحرر والنهوض الشعبي بعد الحرب العالمية الثانية. فهذه موجة أمل عظيم وبناء حلم بشيء من الديموقراطية، ان تصوّت الشعوب في يوم من الأيام وتتحرر من الجيوش الاجنبية... وليس ذلك في الشعر فقط بل ايضا في الرواية والأغنية... من هنا أرى تساوقا بين النهوض الوطني والنهوض الفني. لا أتحدث هنا عما هو خارق وما هو نادر او عن شهاب مارق في السماء، وانما أتحدث عن مجمل الحركة الثقافية التي تظهر ثمارها واختراقاتها طبيعية، لأنها مؤسسة على كينونة حقيقية حيوية. { لم نتحدث ولا مرة بالتفصيل عن حياتك الاولى، مرحلة العراق الاولى، أنت من البصرة، هل نتحدث عن تكوينك الاول، في الاسرة التي نشأت فيها، التكوين الثقافي الاول، القراءات الاولى، العلاقة الاولى بالشعر والكتابة. أنا أساسا من ابو الخصيب جنوب البصرة ومن أسرة مالكة بساتين نخل متوسطة، ومع مرور الوقت أخذت الأسرة تفتقر، ففتحت عيني على فقر حقيقي ظهر في طبيعة ملابسي ودراستي والأشياء التي أفعلها. عشت فقرا حقيقيا ونبيلا، درست المرحلة الابتدائية في أبو الخصيب وتابعت في ثانوية البصرة، لأنه لم تكن في أبو الخصيب ثانوية. والمسافة طويلة بين قريتي والبصرة إذ تبلغ اكثر من ثلاثين كيلومترا. { تحدثت عن الفقر في هذا العمر، ما الذي يحدد مستوى هذا الفقر مستوى الطعام، شراء الكتب.. الخ؟ شراء الكتب مسألة مستحيلة، فقد كنت أنسخ الكتب على ورق الأكياس وأخيطها بالخيط. { هل تتذكر كتابا معينا نسخته بهذه الطريقة؟ كتاب (دي موسيه) وكذلك قصائد بدر شاكر السيّاب مثلا: حسناء القصر وحسناء الكوخ. كانت فترة جميلة جدا. { هل كان لأهلك علاقة بالثقافة، هل كان والدك متعلما؟ والدي توفي وأنا في الثالثة. لا أتذكّر وجهه الا في الحلم احيانا. ظلت أمي معنا وتوفيت عام 1986. { عاشت معك في العراق؟ لا، كانت تزورني احيانا، عندما اكون هاربا الى بلد ما، كما كانت تزورني حين كنت في السجن. { هل كانت أمك شخصا مميزا؟ كانت تتميز بحنان واضح وحب. { هل لك إخوة وأخوات؟ كان عندي أخ كبير توفي قبل بضع سنوات. والآن لي أختان إحداهما أكبر مني والثانية أصغر. والاخيرة لم أرها منذ حوالى 22 سنة الا مؤخرا في عمّان. { كنت شيوعيا في سن الرابعة عشرة، ما الذي قادك الى الشيوعية، الجو العام، الجو المدرسي الطلابي، الحساسية المبكرة.. الخ؟ البدايات حساسية مبكرة. ثم إن بيتنا كان بشكل ما في الحركة الشيوعية. أخي الاكبر كان في الحركة النقابية وثوريا، وكنا في كثير من الاحيان نستقبل مناضلين في بيتنا ليلة او ليلتين ثم يغادرون البيت فجرا. { هل دخل أخوك الأكبر السجن؟ لا. لم يدخل السجن، لكنه تعرض لمضايقات في العمل وغير ذلك. { هذا كان جو البلد؟ الكثيرون، وخاصة عندما يتحدثون عن بدر شاكر السياب يقابلون بين الريف والمدينة ويفترضون ان بدرا خرج من بيئة مغلقة واصطدم بالمدينة. الواقع ان بدر نشأ وترعرع في بيئة اكثر تقدما من المدينة غير المعروفة، لأنها بيئة اكثر تركيزا في وعيها السياسي وحركة الاجتهاد الديني فيها. فجيكور كما أبو الخصيب كانت بلدا عريقا فنحن نعرف ان جمال الدين الأفغاني مر بها، وكان فيها حركة اجتهاد ديني وفيها من يسمون الطبيعيين أهل الطبيعة وهم حركة إلحادية لا تؤمن بالله بل بالطبيعة، وحتى مطبعة الحبر كانت هناك كما ان شعارات التظاهرات كانت تهيأ فيها وتنقل الى البصرة لترفع وتتداول. بدر لم يكن متفاجئا بالمدينة لانه نشأ في وعي متقدم عن المدينة غير المقروءة، وصل الى المدينة مجهّزا بوعي فكري. { بداية علاقتك بالحركة الشعرية او بالشعر، ما كان أول ما قرأت من الشعر؟ أول ما بهرني في ذلك الوقت، هو بدايات شعر بدر شاكر السياب، المبكرة جدا، سواء العمودي منها او ما تلاه مباشرة (حسناء القصر وحسناء الكوخ) ومرثية الحسين. { هل لقرب المكان علاقة بهذا الاهتمام بالسياب والاقتراب منه؟ نحن قريبان ليس فقط لكوننا من أبي الخصيب وانما نحن من قريتين متصلتين، وبيننا ايضا صلة نسب. { إذاً كان هناك سبب شخصي لهذا التقارب؟ فجأة تجد شخصا من قريتك يتزعم تظاهرة يوم فلسطين مثلا، او ينشر نصا في صحيفة في بغداد. هذه المسألة مهمة جدا. { كم هو الفارق في السن بينك وبين بدر؟ هو من مواليد 1926 وأنا 1934. { نعود الى أول قراءاتك... قرأت بدر أولا، ثم المعلقات لأني أردت ان أتعلم العروض، ثم المتنبي. والعجيب ان أحد اقاربي هو إمام مسجد اسمه (الحاج عمر) ولكنه مع ذلك كان علمانيا. المنطقة كلها وجدت فيها روح علمانية عجيبة، كما كانت فيها تكية نقشبندية ايضا، كنا نحن الشباب والفتيان نذهب الى التكية لنقرأ كتبا شيوعية. فأولاد الشيخ كلهم شيوعيون، قسم منهم دخل السجن وقسم نقلوا من المنطقة. { ماذا تذكر من كتاباتك الاولى؟ التجارب الاولى بدأت عمليا مع »إحدى وخمسون قصيدة« محاولات مبكرة جدا. في احد الأيام وفي بواكير حياتي الشعرية »دخت«، فقد رحت أنظر الى تاريخ الشعر العربي كأني أنظر الى قاع بئر ليس له قاع. وأنا مقبل على ذلك وأمام هذا الهول ماذا أفعل بهذه الصنعة التي اخترتها: لست مسلحا بشيء، وهذا القرار العميق الذي هو الشعر العربي لا أدري ماذا أصنع به. كنت قرأت قليلا من آداب اجنبية كالقصة القصيرة وبعض الأشتات من الشعر الاوروبي. الوضع الثقافي في العراق آنذاك كان متقدما جدا وكذلك بحيث انك لو سمعت بكتاب صدر مثلا في انكلترا يكفي ان تذهب الى مكتبة لتطلب هذا الكتاب، فيصلك بعد أسبوعين. أذكر من ذلك مثلا كتاب »صديقتي الشجرة« الذي أوصيت عليه من فرنسا وجاءتني نسخة منه. { أريد ان أسألك كيف تعلمت اللغة الانكليزية؟ تعلمت الانكليزية على ذاتي، فأنا خريج لغة عربية. لم أدرس الانكليزية دراسة أكاديمية او منهجية، ومع ان الانكليزية تدرس في المدارس والجامعات العراقية الا ان هذه الدراسة تبقى قاصرة ولا يعتمد عليها في التكوين الثقافي. { متى انتبهت الى ضرورة تعلم الانكليزية ومتى بدأت بتعلمها؟ في أواخر الخمسينيات. { ما كان الدافع وراء تعلمك الانكليزية، هل هو سبب اجتماعي أم ثقافي، في بلد لا يغلب على منفعته الاهتمام بلغة اخرى؟ وجدت البصرة مجموعة من المثقفين لا بأس بها وأنا من بينهم. كنا نراجع بعضنا في ما نقرأ. كنا مهتمين فعلا بتوسيع اطارنا الثقافي. ومن ضمن هذا الاهتمام قراءة روايات باللغة الانكليزية. أتذكر مثلا سلسلة »بنغوين« الشهيرة. تابعنا وتكفل احدنا بقراءة ما صدر منها. كان علي مثلا ان اقرأ كل مؤلفات شتاينبك. من لا يقرأ لا يمكنه ان يحضر الحديث. ومن أجل ان اشارك في الحديث يعني علي ان اقرأ هذه الكتب. احضرت قائمة مؤلفات شتاينبك ورحت أقرأها كلها بالتدريج. ثم أشطبها مؤلفا مؤلفا الى ان قرأت شتاينبك وكل همنغواي. تلك المرحلة أفرزت جوا نوعيا. { هل من أسماء معروفة من هذا الجو الذي كان في البصرة؟ محمود بركات مثلا. أنا والسياب { سأسألك عن السياب نفسه، وعن علاقتك به، هذه العلاقة بين قريبين من جهة وشاعرين من جهة اخرى، وبعمرين مختلفين. ماذا يعني لك السيّاب؟ هو بالنسبة الي معلم حتى الآن، بشكل مباشر وغير مباشر.. وفي غير المباشر أكثر، في فترة الستينيات كنت اتصلت ببدر مباشرة قرأت له مرتين قصائد لم تنشر. كنت أستمتع كثيرا واستفيد من ملاحظاته حول النص. أسأله احيانا عن دقائق في حرفة الكتابة في احدى قصائده، فيجيب بوضوح. كان شخصا مرتجفا أي منفعلا باستمرار. { هل كان عصبيا جدا؟ ليست العصبية بمعنى العدوانية بالمشاكسة، واستفزاز الآخر، لا بل تشعر بأن لديه حدة داخلية عجيبة. الارتجاف الذي أقصده لديه كان من هذه الناحية. { هل كانت له شخصية زعيم تيار او حركة.. أبدا، مع أنه كان فعلا كذلك. في تلك الآونة كان واحدا من مجموعة أسماء جيدة في العراق. { قرأت رده العنيف على نازك الملائكة، ليس حول موضوع الريادة التاريخية للقصيدة الحديثة وانما حول شعرها بالذات. لم يتردد في القول عن شعرها بأنه غير حديث. هكذا بدا في مقالاته غير الشخص الخجول المنزوي. الذي كنا نتخيله. ليس خجولا من هذه الناحية، سجالاته على كل حال قليلة وليست متواترة. { هل كان الاعتراف به من الشعراء الشباب في تلك الفترة أقل؟ كان بدر معدودا مع نازك وعبد الوهاب البياتي وبلندر الحيدري، كلهم أسماء مؤثرة. ولم تطرح مسألة الزعامة الشعرية ذلك الحين. كان السياب من بين الشعراء الجديد هو الذي يملك اذا جاز التعبير قصيدة بمعنى من المعاني. الاسماء الاخرى لم تمتلك قصيدة ولا تأثيرا ولا لغة ولا عالما. الطريق الخاص { متى صدرت »قصائد مرئية«؟ في الستينيات، عام 1964. { كيف توصلت الى هذا الطريق الشخصي، الذي هو في رأيي مشروع شعري مختلف مواز لذلك التيار الذي مثله السياب، مشروع يمنح الشعر وظيفة مختلفة، ونظرة مختلفة. الشعر العربي لا يتحدث عن الانسان، الفرد العادي مطلقا، لا في الشعر الكلاسيكي ولا في القصيدة الحديثة التي جاءت مع بدر ونازك، هذا الفرد مُبعد لذا قررت ان اتعامل بتشدد في مسألة الضمائر، قلت يجب ان اكتب بضمير المتكلم حتى لا يكون هناك طقس جمعي، حتى لا يُلغى الفرد، نوع من ضمانات لغوية في هذا المسعى. بقدراتي المحدودة، قد أستطيع ان أصف هذا الفرد الشاكي وشبه الساكن، صرت أحركه بالتدريج. هذه المسألة فلسفية وهي في عمق جماليات الفن وقوى الشعر. وما دمت أتناول إنسانا فردا عاديا، إذن فليكن تعاملي مع اللغة متناسبا، وعندما أحرك هذا الفرد فعليّ ان أحركه في محيطه، وهذا يستدعي ان تكون علاقتي مع الطبيعة ومع الاشخاص ومع الميراث الشعبي، علاقة جيدة. هكذا بدأت في سلوك طريقي الخاص. { ما الذي مهّد لهذه النظرة، هل أثرت عليك الايديولوجيا الماركسية وهل هناك قراءات اخرى حرّضتك على هذا الطريق طبعا قراءات شعرية، عربية وغير عربية؟ ماركسيتنا لم تكن على هذا النحو، كانت تدعو بالعكس الشاعر الى الكتابة في العام حين تصف الشعر بأنه ذاتي وتشتمه. هكذا كان تأويل الماركسية لدينا. التركيز على الفرد عندي لم يصدر عن الماركسية بل تعلق باختيار فني، ان أبدأ بالفرد وبضمير المتكلم. { ألم تساعدك في ذلك قراءات اجنبية مثلا؟ بالتأكيد. بالتأكيد. ساعدني لوركا بشكل أساسي، كما ساعدتني القصة الاميركية ايضا. { هل من قراءات اخرى. لا أعرف كيف انتقيت قراءاتي في تلك الفترة. لكنها مع ذلك كانت مختارة ومنتخبة، لا أدري كيف. انما انتخبت من هنا وهناك ونقل إليّ ذلك رؤية اخرى نفذت الى كتابتي، أهم النصوص التي استفدت منها في اختيار كتابتي، رسالة من ناقد اميركي الى كاتب قصة قصيرة شاب، يقدم له نصائح جميلة في كتابة القصة القصيرة، ومن جملة هذه النصائح كيف تبدأ بالتعامل مع من حولك وما حولك، وكيف تخرج من وقت الاستقبال الى الشارع، كيف تقطع ممر المشاة، مجموعة تدريبت هائلة للخروج من غرفة الاستقبال الى ان تفتح باب البيت ثم تخرج الى الرصيف، فاذا عبرت ممر المشاة استطعت ان تكتب قصتك القصيرة الاولى. هذه النصائح فيها دلالات جمالية وأخلاقية، التعويد على الملاحظة الدقيقة وعلى دراسة التفصيل، التعويد على التحريك الجوهري.. من هنا باتت مسألة الصدق عندي ملازمة للكتابة فأنا لا أستطيع ان أكتب نصاً ان لم يكن ناتجا فعلا عن تلمّس عن أمانة أولى للحواس. لا أستطيع بالمطلق ان أفعل سوى ذلك. عاطفة لا عاطفية { في كتاباتك الاولى يبدو ان هناك قطعا مع الرومنطيقية ومع الوجدانية المفرطة وقطعا مع الدراماتيكية المفرطة. مع ان الشعر الحديث كان اما سيولة رومنطيقية وجدانية وإما ادعاءات داخلية اذا أردت مفرطة.. أحفظ من تلك الفترة المبكرة جدا عبارة باللغة الانكليزية معبّرة جدا، عاطفة لا عاطفية. استوعبت هذه العبارة تماما. ولهذا سعيت الى ان أكبح ذلك الفيض من المشاعر. هذه الاوليات التي ارتكزت عليها كانت واضحة جدا لي، وربما هي ما جعلني أمضي شوطا أبعد في مسيرتي، لأنها مبادئ صارمة في الفن، كما ان فيها أخلاقا عالية ايضا. { لو نتحدث قليلا عنك اليوم؟ باختصار، أنا شيوعي خارج الحزب، أعمل للحزب ومعه. { خارج وداخل؟ أنا كنت مبتهجا لكوني في الحركة الشيوعية، وحتى الآن أشعر بابتهاج لأني لم أنفصل عنها. { هناك صعوبات جعلتك خارج الحزب. نعم، لكنها صعوبات قد تكون ناتجة عن تكويني، فأنا لست شجاعا بما يكفي لأن أتحمّل كثيرا، ولست على قدر عال من الانضباط لكي أتحمّل البقاء في خلية فترة طويلة وأكتب تقارير وآتي بأنصار وأجمع تبرعات الخ... مع أني في فترة معينة وزعت جريدة سرية ومنشورات في معسكر للجيش. { دخلت السجن، هل استفدت من هذه التجربة؟ نعم دخلت السجن في فترة البعثيين وعبد الكريم قاسم. تجربة السجن مهمة جدا في حياتي باعتبار انها جعلتني دائما أصبر وأن أكتفي بالقليل وأن أحترم الآخر. أفادتني التجربة كثيرا في الواقع.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة