إذا كان »حُسن السؤال نصف العلم«، فإننا حين نذكر أبا حيان التوحيدي، فإنما نذكر رجلا تحصّل في عقله مسبقا هذا النصف من العلم باعتباره فيلسوف السؤال، كما وصفه المرحوم زكريا ابراهيم، وذلك قبل ان يتحصل لديه نصفه الآخر عن طريق المباحثة والمدارسة وجودة الجواب. وتوضيحا لهذا النعت الذي فيه من القلق العظيم أكثر مما فيه من الاطمئنان، لثروة أبي حيان التوحيدي الفكرية والثقافية، نستأنس بما نعته به ياقوت الحموي (575 626) ه. في معجم الأدباء، حين ذكره فقال: »شيخ الصوفية وفيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة ومحقق الكلام ومتكلم المحققين وإمام البلغاء«. وقد بالغ ياقوت في تقصيه لأحوال التوحيدي وقراءاته المتأنية لآثاره، بسبب شدة انبهاره بها وتعظيمه لها حتى أثار اهتمام من جاء بعده من المؤرخين والدارسين، فقال الصفدي: »وقد طوّل ياقوت في ترجمته زائدا الى الغاية«. والواقع إن ترجمة ياقوت الطويلة التي خص بها أبا حيان التوحيدي، تعكس درجة الاهتمام بحياة وثقافة هذا الرجل الفرد الذي انشغل به الباحثون قديما وحديثا، فجعلهم في لَبْث من أمرهم: أهو في صف المتكلمين من معتزلة وأشاعرة كالنظّام والعلاّف وأبي الحسن الأشعري، أم في صف الفلاسفة كالكندي والفارابي وابن سينا، أم في صف المتصوفة كالحلاج ومحيي الدين بن عربي والسهروردي المقتول. أم أن أبا حيان التوحيدي من طائفة الأدباء الفلاسفة؛ حيث الأدب عنده جوهر والفلسفة عرض، أم من طائفة الفلاسفة الأدباء؛ حيث الفلسفة عنده هي الجوهر والأدب هو العرض. أم أنه من طبقة العلماء العظماء، حيث هم فلاسفة بالجوهر وأدباء بالجوهر أيضا. أسئلة كثيرة تحتشد في الذهن، كلما ذكر أبو حيان! ويبدو أن التنوع المذهل في الثقافة، هو وجه الشبه القوي الذي كان ولا زال يوازي بين أبي حيان التوحيدي وأبي عثمان الجاحظ. وقد انطوى هذا النموذج الثقافي والفكري على مبدأ الحرية الذي يرفض القيد، كما أنه لا يحجر على حركة العقل أو الوجدان في تعرف الأشياء وابداعها. فآمن بوحدة »النوع الانساني« في علاقات النزعة الانسانية التي تتخلل تراثنا العربي والتي تبدأ من معنى العروبة بوصفها مبدأ الخصوصية والهوية، لتصل الى الوحدة الانسانية التي تقوم على تنوع الحضارات والثقافات. وعلى الرغم من قوة حضور هذا النموذج في شخصية أبي حيان التوحيدي، فقد احتفظ بصفات طبعت ثقافته بطابعها، وتجلّى في نوع الكتابة التي تميز بها وفيها. ذلك النوع الذي بدأ من الدائرة الجاحظية ليجاوزها، محققا التركيبة الفريدة التي أشار اليها ياقوت عندما وصف أبا حيان بأنه فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة. لماذا كتابة أبي حيان؟ ذلك أن هذا النوع من الكتابة التي عُرف بها التوحيدي، تجاوزت الانفعالات الذاتية، أو محاكاة السابقين، أو الاندراج في خدمة الدواوين والسلاطين والتزلف لذوي الجاه والسلطة، لقد تجاوزت كل ذلك لتصل الكتابة بالأفق المفتوح للابداع، وبمغامرات العقل وكشف الروح، كما الرؤيا التي تضيق عنها العبارة. إنها الكتابة/ المساءلة، التي لا تكفّ عن تغيرها من أجل نقض عناصر الثبات. إنها التعريض الذي ينقلب على التصريح، أو كما قيل: »لغة الكتابة النقيض المتعددة الأوجه والأبعاد، تعدد كتابة السؤال المعلق ما بين الهوامل والشوامل، أو تعدد موجات الحوار المتردد في مجالس الامتاع والمؤانسة، أو مجالس المقابسات التي تضيف الى البصائر والذخائر، أو تعدد معاني الاشارات التي لا تكون الا على وجه الاستعارة والاعارة، قرينة الرمز الذي يمطر سماء المحبة، ويغنّي ضمائر الحكمة، ويجلي عرائس الحقائق التي تظل في حاجة الى الكشف«. سحابة العمر لقد حاول كثير من الباحثين القدماء والمحدثين، الوقوف على تاريخ حياة هذا العَلَم الثقافي الكبير، فقالوا إن مولده يجب أن يكون بين سنتي 310 ه/ و922 م و320 ه/ 932 م في مدينة شيراز أو في مدينة نيسابور أو واسط، وانه انتقل في تاريخ مجهول الى بغداد. أما تاريخ وفاته فكان في حدود سنة 414 ه/ 1023 م كما أجمع عدد كبير من المؤرخين، وقد سجل تاريخ وفاته هذا على قبره بمدينة شيراز، وعليه، فهو قد دخل الألفية الثانية للهجرة، ما يأذن بتحديد ذكراه! تلقى أبو حيان علومه النحوية في بغداد على يدي أبي سعيد السيرافي وعلي بن عيسى الرماني، أما علومه الفقهية في المذهب الشافعي فقد أخذها عن القاضي أبي حامد المروروذي وسمع الحديث من أبي بكر بن عبد الله الشافعي، وأخذ التصوف عن جعفر الخلدي. وكان أبو سليمان المنطقي، أكثر أساتذته تأثيرا عليه، خصوصا في مجال الفلسفة، على الرغم من تصريحه في كتاب المقابسات، بأنه كان يحضر مجالس الفيلسوف يحيى بن عدي في بغداد. واذ أكْدَته مهنة الوراقة، حيث كان يتكسب حياته من نسخ الكتب في بغداد، فإنه كان كثير الشكوى، لأن نكر الزمان تمكّن منه »الى الحد الذي لا يسترزق فيه مع صحة نقله وتقييد خطه وتزويق نسخه وسلامته من التصحيف والتحريف بمثل ما يسترزق البليد الذي ينسخ النسخ ويمسخ الأصل والفرع«. وكان التوحيدي يأمل بالتخلص من حرفة الشؤم/ الوراقة، حين انتقل الى الري، غير أن الصاحب بن عباد، كان في انتظاره هناك، لينسخ له رسائله، وهي في ثلاثين مجلدة. وقد رفض ذلك لأنه يأتي على العمر والبصر، وهذا ما أوغر صدره وصدر وزيره ابن العميد عليه، ولم يجد عندهما مؤمله، فانتقم لنفسه منهما في كتاب أخلاق الوزيرين أو مثالب الوزيرين، بعد أن أمضى في بلاط الصاحب ثلاث سنين، وفارقه الى بغداد بغير زاد ولا راحلة، سنة سبعين وثلاثماية، ذاكرا أنه لم يعطه في مدة مقامه درهما واحدا. حقيقة أن التوحيدي، لم يحسن أسلوب الاستجداء من الحكام وأهل السلطة والشأن، ولو كان كثير الشكوى من صروف الزمان. ومردّ ذلك، أن أسلوبه في الشكوى، كان جافا مشوبا بالإدلال والتعاظم، حتى أنه كان يستعلي على المسؤول، ويفهمه أن هذا حق له لا احسان اليه. وهذا ما كان ينفّره منه، ويجعله يمعن في حرمانه. أما ابن مسكويه، فقد قرّعه على كثرة الشكوى، كذلك فعل ياقوت الحموي، على الرغم من إعجابه به، فقال إنه سخيف اللسان، قليل الرضى عند الاساءة اليه. الذم شأنه والثلب دكانه »دائم الشكوى من صرف زمانه، ويبكي في تصانيفه على حرمانه«. إلى جانب ذلك، فقد اعتبر التوحيدي ثالث زنادقة الاسلام وأشرهم بعد ابن الرواندي والمعري، لأنهما صرّحا بزندقتهما ومجمج ولم يصرّح، كما يقول ابن الجوزي. أما الذهبي فقد جعله سيء الاعتقاد ضالا ملحدا. كذلك فعل ابن فارس، إذ وصفه بالكذب وقلة الدين والورع، وبالقدح بالشريعة. وهناك من أنصفه مثل محب الدين ابن النجار، الذي قال عنه إنه كان صحيح الاعتقاد، وكذلك فعل تاج الدين السُّبكي إذ قال في التوحيدي: »ولم يثبت عندي الى الآن من حال أبي حيان ما يوجب الوقيعة فيه«. واضاف قائلا: »ووقعت على كثير من كلامه، فلم أجد منه الا ما يدل على أنه كان قوي النفس مزدريا بأهل عصره«. وازدراء أبي حيان لأهل عصره، هو وليد الاحساس بالمسافة بينه وبين الدهماء. ذلك أن روح الفلسفة التي كانت قائمة في نفس التوحيدي، هي نفسها، داعية الانفصال والعزلة من أجل ممارسة التأمل الفلسفي، بعيدا عن الاستغراق في الأشياء وعدم التطابق مع الواقع القائم، وتأكيدا لعدم الاستسلام لسلطة الدهماء أو الحشد. قلق الوجود واذا كان ألد أعداء الفلسفة هم الدهماء، فليس غريبا أن يأتي موقف الفلاسفة من الجماهير أو عامة الناس، موقفا سلبيا وعدائيا في كثير من الاحيان، يلخص مشروعية النضال ضد سلطة الكثرة أو الحشد/ الجمهور. إذ هذه المشروعية لا تقل أهمية من مشروعية نضال الجمهور ضد سلطة الاستعباد. وعزلة وانفصال أبي حيان عن الناس، إنما هي عزلة سيكولوجية، افترضتها ضرورات الفلسفة وهي تتابع الحاحها الدؤوب على صاحبها، من أجل اقتناص برهة التأمل الصافية غير المشوبة بالالتباسات. وهذه العزلة السيكولوجية، إنما هي عزلة الفلسفة التي أسست للاغتراب الفلسفي، المتصل بالتفكير الفلسفي المحض ونزوعه المعهود الى المثال، وذلك على قاعدة الانخراط في المجتمع، لا اعتزاله عزلة الراهب. فالتوحيدي، عايش الاغتراب بوصفه تجربة، حية بين الناس، وداخل الصف الاجتماعي التراتبي وصولا الى حواشي السلطة. وهذا ما أتاح له فرصة التحليل المفصل لتجربة الاغتراب، في إطار المجتمع، لا في إطار المحبس، الذي يحبس الفلاسفة أنفسهم فيه كالعادة. فأبو حيّان لم يكن فيلسوفا يمارس الفلسفة بوصفها عملية عقلية وعلمية مجردة، وإنما عمل على التخويض في شؤونها بوصفها تجربة حية معاشة، وهذا ما نلمسه بشكل خاص في أهم كتبه وأعذبها وهو كتاب »الإشارات الإلهية«. فقد بلغ فيه التوحيدي أعلى درجة من درجات النضوج الفكري، »إذ عبّر فيه عن شخصيته وتجاربه الحية، وأحواله النفسية، على نحو يبرز فيه الجانب الشخصي، وهو جانب من الصعب ان نتلمّسه في سائر مؤلفاته »كالامتاع والمؤانسة« و»المقابسات« و»الصداقة والصديق«، ففي الإشارات الالهية، نجد الاستقلال الروحي عند التوحيدي، وهو دليل قوي على نضوج صاحبه وغنى تجاربه في حياة، يستمر منحى التطور فيها على نحو آخذ بالاطراد باستمرار. وليس في الكتاب أدنى إشارة الى أحياء او أحداث. وإذا ذكر شخصا، فإنما هو شخص متخيّل على أغلب الظن، تتم معه دائرة الحوار النفسي او المناجاة. مما يعكس مدى احساس التوحيدي بالاغتراب والتوحّد مع الذات. يقول التوحيدي في كتاب الإشارات، معبّرا عن عظمة معاناته واغترابه: »إلهنا! إن ذكرناك نسيتنا، وإن أشرنا اليك أبعدتنا وان اعترفنا بك حيّرتنا، وان جحّدْناك أحرقتنا، وان توجّهنا اليك أتعبتنا«. ويظهر التوحيدي مرتديا عباءة الميسنتروبيا المتوحشة النافرة: والله لربما صليت في الجامع، فلا أرى الى جنبي من يصلي معي، فإن اتفق، فبقّال او عصّار او ندّاف او قصّاب، ومن إذا وقف الى جانبي أشدرني بصنانه وأسكرني بنتنه، فقد أمسيت غريب الحال، غريب اللفظ، غريب النحلة، غريب الخلق مستأنسا بالوحشة، قانعا بالوحدة، معتادا للصمت، ملازما للحيرة، متحملا للأذى، يائسا من جميع من أرى«. وبلغت به الغربة أوجها، فكتب يقول: وأغرب الغرباء من صار غريبا في وطنه (...) يا هذا: الغريب من إذا ذكر الحق هُجِّر، وإذا دعا الى الحق زُجر. الغريب من إذا أسند كُذِّب، وإذا تظاهر عذّب«. ويجد ان مأساته هي عين حضوره في ذلك الزمان. فالزمان الذي أحوج مثله الى ما بلغناه عن احراقه كتبه، »لزمان تدمع له العين حزنا وأسى، ويتقطع له القلب غيظا وجوى«. وهو الذي اضطره بين الناس، بعد الشهرة والمعرفة، »في أوقات كثيرة الى أكل الخضار في الصحراء، والى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة، والى بيع الدين والمروءة، والى ما لا يحسن بالحرّ ان يرسمه بالقلم«. ان تجربة قاسية كهذه، جعلت أبا حيان يعاني محنة حقيقية في معيشه ومعاشه، هي التي طبعت رؤيته للعالم بتشاؤمية، ظلت رغم تجذرها وقساوتها، متفتحة على الحياة من باب السخرية والهزل. ولعل ذلك هو الذي رقي بالتوحيدي بإبدال الانتحار الواقعي بالانتحار الرمزي من خلال اقدامه على احراق كتبه. كما رقي باسلوب السخرية والهزل، فأخرجه من حيّزه الفني الى حيّز آخر، بلغ به ذرى الواقعية، حين أحرق بعبثية مطلقة، جماع مادة أدبه وفنه وهزله وسخريته وحكمته وعلمه، برمي كتبه دفعة واحدة للنار وجلوسه قبالتها يسخر منها ويهزل. سؤال الحداثة حقيقة، إن أبا حيان التوحيدي، كان شخصية ثقافية أثارت ولا تزال، جدلا عظيما. فكما اعتبر بعضهم الوقوف عند هذه الشخصية، هو وقوف عند علم تراثي مميز، أحسن سؤال التراث، كذلك وجد البعض الآخر في شخصية أبي حيان، العالم الذي أحسن سؤال الحداثة. فلم يركن التوحيدي الى الجاهز والمحنط في الفكر والثقافة والمعرفة، بل كان يتوق الى تجاوز حدود المعرفة تجاوزا مستمرا، ساعيا الى عقلنة كل المعطيات، سواء كانت من الطبيعة أو المجتمع، وعاملا على صهر الموجودات المعنوية والمادية وإخراجها بحسب معيار الجدوى: جدوى القول وجدوى الفعل معا على حد سواء. وتعتبر كتبه ورسائله خير دليل على ما نقول، وخصوصا منها: »الامتاع والمؤانسة« و»البصائر والذخائر« و»الاشارات الإلهية« و»الهوامل والشوامل«، وأخيرا وليس آخرا، كتابه الذائع الشهرة المعروف ب »المقابسات«. والواقع أن أبا حيان، كان يستحث الناس على ولوج الحداثة من باب التساؤل القلق، لبلوغ الحقيقة أينما كانت وحيثما تحققت. فهو يقول مثلا في آخر المقابسة الثلاثين: وهذا كما تسمع، وما أزيدك استبصارا وتعجبا منه واستغرابا له، وهو نمط ما سمعته من صنف من أصناف الناس، فإن سرك، فاستفده، وإن سقط عليك فدعه لأهله، فلست العيّار على هذا الخلق«. فمنهج أبي حيان، لا يقوم على التسليم بالسائد دون إعمال رأي أو دون روية. وهو يخرج على أهل الوثوقية الطاغية في عصور الانغلاق والاستبداد بالرأي، حيث أكسب الزمن بعض الآراء والافكار، قداسة تمنع التساؤل أو التمحيص، أو أي شكل من أشكال إعمال الرأي. ونحن نراه في كثير من نصوصه، يدعو الناس الى حرية الاختيار. فلم يكن للماضي أي سلطان عليه، كما لم يكن للحاضر أي حجاب يحول بينه وبين الاعتراف بفضل أعلامه. كذلك يشترط على من يرد أن يفهم بعض الشروط، وهي شروط الحداثة الحقة التي نادى بها الحداثيون، ولأبي حيان ما يعادلها في وصفه للعلاّمة الفهّامة: »اذا أنعم النظر ونشط الاصغاء وصمد نحو الفائدة، بغير متابعة الهوى وإيثار التعصب«. ونشير أيضا الى ما يمتلك التوحيدي من جرأة على اقتحام أكثر المواضيع رسوخا في الاعتقاد، بالنقد والتقليب والتمحيص والتفكيك، فيحمل قارئه على اعادة النظر في الجاهز من الآراء والموروث من الأفكار، فإنما في جرأته هذه بالذات تكمن حداثته، وفي تبنيه لهذا الموقف سر خلوده، بقطع النظر عن النتائج التي أداه اليها بحثه، والملتبس او المحيّر او المقلق الذي انتهى اليه. يناقش أبو حيان النعيم الحسي في الجنة، فيخالف الشائع والمتداول، ويدلو برأيه، من خلال قول أبي اسحاق النصيبي، »ما أعجب امر أهل الجنة، لأنهم يبقون هناك لا عمل لهم إلا الأكل والشرب والنكاح. أما تضيق صدورهم! أما يملّون! أما يكلّون! أما يربؤون بأنفسهم عن هذه الحال الخسيسة التي هي مشاكلة لأحوال البهيمة! أما يأنفون! أما يضجرون!«. ثم يتبع التوحيدي ذلك بجواب أبي سليمان: »انما غلب عليه هذا التعجّب من جهة الحس.. لأنه قد صح ان شأن الحس ان يورث الملال والكلال.. وليس كذلك الأمر في المعاد، إذ فرض من جهة العقل، لأن العقل لا يعتريه الملل ولا تصيبه الكلفة ولا يمسه اللغوب ولا يناله الصمت ولا يتحيّفه الضجر.. فكيف إذا كان منقلبه الى عالمه الصرف الذي لا حيلولة له ولا تغيّر، وهو الوجود المحض والأمر الصرف..«. فالنعيم الحسي في الآخرة، يؤدي فعلا الى مشاكلة لأحوال البهيمة، ولهذا يتعين تصوره من جهة العقل. وهذا رأي حديث وجريء في ذلك العصر، يناقض التفسير الشائع لظاهر النص القرآني، محاولا التوفيق بين المعطى الايماني والمعطى القرآني. وقد آزره في ذلك فيلسوف قرطبة ابن رشد، حين وجد الغزالي يدعو الى غلق باب النقاش في هذه المسألة، مستعملا سلاح التكفير، فأبرز قصور فهمه لمقاصد الفلاسفة الذين يسعون وراء جلاء الحقائق. وموقف أبي حيان من الصوفية، بالرغم من اتهامه بهم، موقف جريء وحديث في عصره. فالحكمة عنده مرتبة يصلها الانسان بسعيه وجدّه في الطلب. وهو موقف مباين لطرح الصوفية العقل بالكلية، وتعلّقهم بالأوهام. فقد جاء في المقابسة 59: رويت لأبي سليمان يوما كلاما لبعض الصوفية، فلم يقله له، ولم يهش عنده، وقال: لو قلت أنا في هذه الطريقة شيئا لقلت: الحواس مهالك والأوهام مسالك والعقول ممالك.. الحواس مضلة والأوهام مزلّة والعقول مدلّة. فمن اهتدى في الأول وثبت في الثاني أدرك في الثالث. ومن أدرك في الثالث فقد أفلح. ومن ضل في الأول وزل في الثاني وخاب في الثالث، فهو من الهمج«. شدّد التوحيدي على ضرورة تمجيد العقل وإيلاء الدور اليه لأنه حاكم عفيف وقاض عادل وصديق مُشفق.. وهو يعارض دعوة الداعين الى حصر العقل في معنى العقال، لأنه إطار للحرية، وليس منزعا للتقوقع خشية الأخطار. وهو يؤمن بالانسان وقدراته، مؤسسا بذلك للنزعة الإنسوية، التي ترى في الانسان قوة بناء واكتشاف وصناعة غد عظيم. إن ايمان التوحيدي بقدرات الانسان العظيمة، يتوازى أيضا مع ايمانه بأن الناس »في أصل جبلتهم وبدء خلقهم وأول سنحتهم قد افترقوا مجتمعين واجتمعوا متفرقين، واختلفوا مؤتلفين وائتلفوا مختلفين«. وهذا الموقف يدل على شدة تمسك التوحيدي بخيارات الانسان العقلية، وحريته العميقة المنبثقة عنها. فما بالنا إذ عرفنا موقفه من الملك أي ملك، ومهما اختلفت الأسماء والألقاب: »الملك من ملك رقاب الأحرار بالمحبة«، فكأنه بذلك قد وضع تعريفا حديثا لا صلة له بمفهوم الراعي والرعية، ولا علاقة له بالحق الإلهي ولا بالتغلب والقهر، تلك التصورات التي عاشت عليها الأجيال، حتى باتت تحسبها قدرا محتوما. وبعد، فهل يصح لنا ان نقول إن أبا حيان التوحيدي، هو بحق سؤال الحداثة، كما كان سؤال التراث؟ انه كذلك، خصوصا إذا ما وجدنا فيه شخصية مجنونة بالأدب ممسوسة بالتغيير، تتطلع الى المستقبل، بكل سؤال، فلا تريح ولا تستريح. ومن خلال السؤال الذي لا ينتهي إلا بعد ان يولّد سؤالا آخر، يستيقظ في التراث سؤال الحداثة، كما يستيقظ في الحداثة المعاصرة سؤال التراث، على يدي أبي حيان التوحيدي!