»الإسكافي حافي.. الحايك عريان.. والحلاق ناكش شعرو«! يرتجل فادي ايوب (28 سنة) اضافة جديدة، من وحي المناسبة، الى تلك المقولة الشعبية المعبرة بتناقض كاريكاتوري فاضح عن واقع مرير آلت إليه كل المهن في لبنان، العظيم منها كما المتواضع، الحر كما »المقيد«. فمقص الازمة الاقتصادية الحاد دخل ايضا الى صالونات الحلاقة، تلك المهنة التي اعتبرت في فترة من الفترات »طليعية« بين المهن الحرة لجهة كونها »ربيحة« ولا تحتاج الى كلفة او رأسمال كبيرين، فكانت جاذبا طبيعيا لجيل اقبل عليها بخبرة وتدريب ودراسة ورغبة اكيدة بأن يكون مؤهلا للحفاظ على »رؤوس الناس«. لكن الحال تغيرت وصارت تلك المهنة وكأنها »مهنة الشباب« الذي لا مهنة له، تستقطب من عجز منهم منهم عن رؤية واضحة وترميه في مواجهة مرايا ومقص وزبون »بدو قصة غير شكل«، ليغدو واقع المهنة في بلادنا »غير شكل« مع اكثر من عشرة آلاف صالون »تفرخ« يوميا في كل حي وزاروب، غالبيتها غير منضم الى نقابة (او بالاحرى الى احدى نقابات) المزينين التي تعترف جداولها بسبعمئة مزين فقط، فيما الباقون لا يرغبون بالانضمام »لأن واقع المهنة بات مزريا في لبنان وربما لتوفير رسم الخمسة والثلاثين ألف ليرة الذي يتوجب سنويا على العضو النقابي ولأن الدولة لا تساعدنا على تنظيم هذه المهنة وإنقاذها من الفوضى الغارقة فيها«، كما يشرح امين سر النقابة المزين سمير يونس. ولكن بين الامس واليوم، ما الذي تغير في ملامح مهنة الحلاقة؟ وهل باتت فعليا اختصاص شباب اليوم العاطل عن العمل؟ هنا صورة لواقع تلك المهنة بين فكي مقصات شبابية. الحلاقة.. مناطقياً! »من كم سنة كان الزبون يحرص على قص شعره مرة كل جمعتين على القليلة تيضل انيق بين العالم.. كان اللبناني يهمه المظهر كتير.. هلق الواحد صار يفضل قعدة البيت على الضهرة وصرف المصاري وبيقلك بقص كل شهرين مرة ومني مضطر.. صارت الشغلة ما عبتوفي اجرة محل وضرايب«. هذا ما يجعل المعلم فادي، الحلاق منذ خمسة عشر عاما في قرية العدوسية الجنوبية (منطقة الزهراني)، »قرفان وما الي خلق.. آخر همي البس الكوستيم وهندم حالي.. وبيوم ما رح تفرق معي احلق لزبون وأنا منكش شعري«! »فشة الخلق« تلك قد تتفاوت في حدتها بين بيئة وأخرى. فعلى خلاف فادي يبدو ريان ضاهر (27 سنة) »مرتاحا على وضعو« وواثقا من انه لن يغلق يوما صالونه في صيدا مهما ضاقت الاوضاع، »فآخرتها الزبون بدو يحلق لأنه مش عايش بجزيرة لوحده«. لذلك فهو لا يندم على اختياره هذه المهنة بالرغم من كونها »بتهلك الاعصاب وبدها طولة صبر وتتحمل كل نق الزباين« لكن »فيك تؤسس بفضلها بيت وعيلة«، علما انه كان يفضل اتمام دراسته »وما وقفت بعمر 14 سنة. شو كان صار لَوْ الاستاذ الحكومي كان اروق شوي وبيهتم اكتر؟«. قصة البدايات تتشابه بصورة اخرى لدى علي بركات (20 سنة) الذي حمل المقص أول مرة وهو في الرابعة عشرة من عمره: »كنت اصغر حلاق بالضاحية لما فتحت الصالون.. ما كملت المدرسة وكنت بدي طلع مصاري كيف ما كان كرمال ساعد اهلي.. نحنا عشرة بالبيت وبيي شوفير تاكسي«، يقول الشاب الذي يجد ان تسعيرة الخمسة آلاف تتناسب وإمكانيات زبائن المنطقة التي غالبا ما يتمتع سكانها بتسهيلات تجنبهم غضب فواتير الكهرباء والماء وضرائب الحراسة والكناسة »كوننا مهجرين من الجنوب بالاساس.. لو كنت بالحمرا اكيد ما بقبل بهيك تسعيرة بس هونيك، لما بدك تستأجر محل ب700 دولار وتحط ديكورات بألوف الدولارات، اكيد بيصير لازم الزبون يدفع العشرة دولار وهوي مرتاح«. هكذا يصير لمهنة واحدة وجوه متعددة تختلف بغالبية تفصيلاتها بين منطقة وأخرى، حي وآخر.. شارع وآخر. فعلي، على سبيل المثال، خبر في بداياته هذه المهنة في صالونات الاشرفية كمتدرب، وخلص الى النتيجة التالية: »هونيك المعلم كتير بيحترم الزبون. هون الزبون بيقلك ما تحترمني، انو بيصير بدو يشتريك بخمسة الآف ومش عاجبو«. هذا عن »المعلم« أما الزبون فله نظرية اخرى »هونيك اذا طلع على رقبتو شعر، انو ييه .. طول شعرو ولازم يقص.. آخر همه شكل الموديل المهم قصة مرتبة ونضيفة.. هون بيقص بالشهر مرة وبيجي كل يوم يضبط دواير الرقبة والسوالف وكتير بيضلن الشباب موسوسين بشكلن وبينقوا«. بين »الهنا والهونيك« مسافة قد تتسع لتصل الى دبي حيث عمل ريان سنوات في احد الصالونات اللبنانية ما اتاح له امكانية اجواء مقارنة من قبيل »بلبنان الزبون بيجي عند الحلاق ضايق خلقو من كل شي وبدو شي يحلق ويفل.. هونيك بيجي الزبون تيتسلى ويمضي وقت ويمكن يدفعلك 15 دولارا على القصة، فضلا عن انه لا يطلب »صرعات« وتخفيف شعر بل موديلات عادية لأن الشعر ما رح يبين كتير«. من جهته، يجد فادي في بيئته الزراعية تحجيما لقدراته الابداعية »هون المزارع ما رح يطلب »سبايكي« او »فيرزاتشي«، تيقابل الوردة او الخيارة؟ كل همه يرتاح من الشعر وبسعر رخيص«. داخل »أسوار«.. الصالون! وبعيدا عن الوجه المهني، لا بد وان يبرز وجه آخر تعكسه مرآة الصالون لشاب يعيش باستمرار بين عبارتي »اهلا وسهلا.. ونعيما«، يعيش مع اصبعين ومقص ومنشفة وقتا يجاوز اثنتي عشرة ساعة يوميا. وجه انيق (هكذا يجب ان يكون دوما لفتح »شهية« الزبون) مرسوم بدقة على ابتسامة ثابتة »كرمال الناس يحسوا حالن بالصالون تبعن«، واستعداد تام لاصطناع عبارات الترفيه والضحك كما المواساة والحزن وكل ردود الفعل الضرورية للتفاعل مع ذلك الذي يأتي الى الكرسي آملا بتحويلها، لساعة مستقطعة من زمنه الشاق، الى كرسي الشكوى والفضفضة وحتى.. الاعتراف! »كل الوقت بدك تتسمع على الناس.. بدك تكون كاتم اسرار وكاتم صوت مرات.. وجهك بشوش، صدرك رحب، بالك طويل وابتسم انت حلاق.. صدقني مرات بكون مش طايق شوف حالي عا كتر ما بشوف ناس.. بفكر انعزل بالبيت شي يومين وما احكي مع حدا«، يشرح ريان بلهجة من حان دوره اخيرا.. للشكوى. هى ضريبة تلك المهن التي يكون الفرد فيها على تماس مباشر ومستمر مع الناس بأعمارهم وأجناسهم وأمزجتهم المختلفة فضلا عن ثرثرتهم التي تعوض بمراحل عدة من تلك »التهمة« التي تلتصق شعبيا بصورة الحلاق: »كل العالم بيفكروا الحلاق ثرثار وبيخرب البيوت العامرة ما بيعرفوا انو الزبون بيحكي اكتر من الحلاق«. وماذا عن حياة الشباب؟ عن حكايات الحرية والعواطف والمغامرة؟ ألها متسع من الوقت ام ان الشباب الحلاقين »كنسوها« منذ زمن مع بقايا شعر يطردونه يوميا خارج اسوار الصالون: »اللي بدو يشتغل هيك مصلحة ما بدو يلحق البنات.. ما بيقدر كل شوي يسكر محلو ويروح على موعد غرامي.. عن جد الله يعينها اللي بدا ترتبط بحلاق!« يقول علي الذي وجد في اولئك الاصدقاء الشبان الذين يحتلون بنراجيلهم مساءً واجهة الصالون »ترضية« ما قد ترفه عنه وتنسيه ما يفتقده »بس القصة مش كلها قمح (افادة) في شعير (ضرر) كمان«! وجه »الشعير« في الموضوع ان مشهد الشبان »المؤركلين« على عتبة المحل قد يصبح منفرا طبيعيا لفتاة ترغب باصطحاب اخيها الصغير الى الصالون الرجالي.. الرجالي جدا! وان عجوزا يرغب بتمضية »ساعة يوغا على الكرسي وما يسمع إلا صوت المقص ما رح يرتاح بالطوشة، كرمال هيك فهمتن بالذوق بس ما زعلت حدا مني.. الحلاق ما في يخسر ولا راس«. ومن »الرجالي« الى »النسائي« يتضح الفرق. فالحلاقون من الشبان قد يحسبون ألف حساب قبل ان يقرروا التوسع الى اليونيسكس« او »النسواني حاف.. الكوافير يعني« لأسباب عدة تتأرجح بين الخوف من فقدان الرجولية »لأنك بتصير بتاخد على طريقة حكي النسوان وردود فعلهم«، يقول فادي، وبين احتمال فقدان الاعصاب في مواجهة »مرا ما بتعرف شو بدها تتطفيلك قلبك وشو ما عملتلا ما بيعجبا وبتقلك جارتي قصتها احلى.. ليه؟« يشرح ريان، دون اغفال الجانب الاقتصادي: »صحيح كل شي بيتعلق بالنسوان بتقدر تطلع منو كتير مصاري.. بس كمان اذا بدك تقعد كل النهار تقص لمرا بالوقت اللي فيك تقص فيه لعشر شباب، ايه اكيد ما بتوفي وبلاها كل هيدي الشغلة«!. »بلاها هيدي الشغلة« عبارة قد تتكرر على لسان الكثير من الشبان »المزينين« الذين لا ينسون دائما اقرانها ب»بهيدا البلد«، تجنبا لإهانة مهنة قد تكون مجدية اكثر في »بلد آخر« كغيرها من المهن التي يقبل بها الشباب في لبنان مضطرين لأن يحنوا الرؤوس لها، تماما كما يفعل الجميع على كرسي حلاقة، تحت.. مقص!