As Safir Logo
المصدر:

محمد شكري في »الخيمة«..من اللذّة إلى فلسفة اللذّة*

المؤلف: شمس الدين محمد علي التاريخ: 2001-09-11 رقم العدد:9000

المجموعة القصصية الصادرة للكاتب المغربي محمد شكري، عن »منشورات الجمل في كولونيا ألمانيا، العام 2000« بعنوان »الخيمة«، ترسم خطّا بيانيا لهذا الكاتب المتميز، في نقلته الكبيرة من العيش الى رواية العيش أولا، ومن ثم من رواية العيش الى التأمل، وهو في مراحله الثلاث شبيه بالنار، فأصل النار في الموقد أحطاب مجتمعة ما تلبث ان تشتعل من خلال قدحة او قدحتين، وحين تتأجج يتصاعد منها اللهب ألسنة طويلة مشوبة بداية ببعض الدخان، ثم ما تلبث ان تتصفّى وتتحول الى لهب خالص صاعد في الفضاء، ومتلاش فيه. المرحلة الاولى من قصص محمد شكري شبيهه بالأحطاب وقود النار في الموقد. وهي تلك المؤرخة في مجموعة »الخيمة« في العامين 67 و68. والمرحلة الثانية المؤرخة في العام 71 شبيهة باللهب الملتبس فيه خيوط الدخان في ناره الابداعية، اما المرحلة الثالثة، وهي مرحلة نضوج اللهب الابداعي في ناره، وخلوص هذا اللهب من شوائبه الدخانية ليتحول الى ألسنة خالصة حمراء صفراء صاعدة في اتجاه الفضاء، فتمثلها قصتا »نعل النبي« و»الخيمة« المكتوبتان على التوالي عامي 1972 و1973.. حيث دخل شكري من بعدها في ما يشبه الغيبوبة الابداعية التي امتدت لحوالى سبعة عشر عاما، »طلّق خلالها الكتابة، على ما يقول، وتزوج الحانات« (»الحياة«، 21 حزيران 1993) حتى كتب روايته الشطارية الثانية بعد »الخبز الحافي«، المسماة »زمن الأخطاء«. ومن خلال رصد مراحل تطور شكري، في مجموعة »الخيمة«، يظهر هذا التطور مرتبطا بمراحله الزمانية. ولعل العامين 1967 و1968، هما عاما الحضانة الابداعية لعمارته الفريدة. فالقصص المكتوبة خلال هذين العامين، في طنجة، وهي على التوالي: الرجال محظوظون والأفواه الثلاثة والمستحيل (العام 67) ونسيج العنكبوت والليل والبحر (العام 68)، هي قصص فجة، بدائية، ضعيفة السبك قليلة الحيلة والمخيلة، ولا يشي السرد واللغة، من خلالها، بكاتب سوف يكون الاكثر جاذبية، في فن السيرة، الحكاية، التي نبغ فيها في »الخبز الحافي« و»الشطار« و»زمن الأخطاء«. فالكاتب يحشد في هذه القصص مفردات قاموس اريوتيكي حسي واجتماعي، اعتمده في سائر أعماله الابداعية، انما بفنية أعلى، وبحبكة أمتن، من مثل زانية، قوّادة، قحبة، تقحب، بنت الكلبة، بنت الجروة، أضاجعها، بقرة بشرية، لا تفتح فخذيها قطّ.. الى آخر هذا النسق المباشر في العبارة الجنسية.. ما يسلكه في سلك الكتابة العارية، تلك التي لا تتوسل بالرمز والايماء الا نادرا، بل تحاول ان تبقر بطن الحياة وتكشف أحشاءها كشفا سافرا بما فيها من دم وروث وعظم ولحم، وتسمّي الأشياء والأعضاء بأسمائها المباشرة.. هو يكتب في قصة »الرجال محظوظون«: »تخيلتها مثل طفلة لوّثت ثوبها الجميل بالخراء، او هي مراهقة فاجأها الحيض لأول مرة فلم تعرف ما تفعل بنفسها«. فهذه الكتابة الحافية كثيرة في قصصه الاولى والتالية على السواء. يقول عن »فريد« زوج »يامنة« في القصة المذكورة: »يسدد على احدى مؤخرات الفتيات محتكا بها والحافلة سائرة فيحصل له القذف... شربتُ من ماء السقاية: ماء دافئا مذاقه مثل مخاط الزكام...«. وشكري شبيه في هذه القصص البدائية برجل بدأ وعيه على جسده، فتحسس العالم حوله من خلال عضو واحد هو »شيئه« لكأنه كاتب يكتب بعضوه التناسلي. حسياته وباصرته هي كذلك، ومخيلته ايضا. يكتب.. »لا بد من ان الشموع المنتفطة ذابت في الغيبوبات الوحشية في هذا الفراش (....) وقف يرى في واجهة حانوت ركاما من البرتقال على شكل نهود نائمة. انا جائع.. توقف أمام أربعة كلاب او خمسة تحوم حول كلبة واحدة. الكلاب تشمّ مؤخرة الكلبة...«. المعدة، القضيب وهو الذي كان قد كتب سيرته في »الخبز الحافي« انطلاقا من معدته بسبب الجوع الذي آذاه طيلة سنوات طفولته. يكتب القصص الاولى في »الخيمة« من خلال غرائزه الجنسية، بل من خلال »عضوه« الذي يملي على الجسد أحواله وسلوكياته. وتلاحظ ان عالمه النسوي ومسرحه السلوكي، عالم سفلي: عاهرات ليل ومنحرفات ومغنيات وراقصات رخيصات، إنهنّ نساء المتعة الرخيصة والعابرة والمأجورة. لا وجود لما يسمّى »الحب« بعمقه ورمزه وديمومته، وبالتالي طهرانيته، في قصص شكري. يقول: »ان حياة سلوى متعلقة بسلامة فرجها«. ويصف إحداهن بقوله: »انها اكثر قحبة« من دجاجة »كما يقول الإسبانيون. وفي قصة »الافواه الثلاثة« يسرد تجارب جنسية عابرة مع عاهرات.. »كتب لي صديقي أحمد من تطوان: أكتب لي عن أكبر عدد من تجاربك الجنسية في هذه الأيام«. وغالبا ما يصور الرجل أمام المرأة بثور يشم مؤخرة بقرة... فالعالم (عالمه) حانة او سوق دواعر، والرجال كائنات ليلية، تنتقل من ماخور لآخر وتتشمم روائح العاهرات. هو عالم هيبيين، لذّيين، يقول في »الأفواه الثلاثة«: »الجميع يحققون زمنهم في اللذة. تخيلت ان زمنهم برميل ضخم ومرحهم يسيل من خلال ثقب في قاع البرميل«. ولعل هذه الجملة السريعة، من جمل قصته الطويلة المسماة »الأفواه الثلاثة«، تشير الى موضوعته الطاغية »كانت متزوجة في تطوان. يشاع عنها ان زوجها ضبطها تمارس الحب مع امرأة فطلقها«.. فهنا نعثر على عناصر قصة سريعة في حكاية طويلة. ومثلها قوله عن »نورا« في نفس القصة »أبوها سكّير، عندما أضاعت بكارتها حاول ان يذبحها. مات، فأعلنت بداية حياتها الجديدة راقصة مبتدئة«. ان هذه الخامات اللذية في قصص شكري، التي تظهر فجة ومبتذلة في قصصه الاولى، سوف يطوّرها بالتدريج، في قصصه التالية، فيُدخل عليها عنصر التأمل، والشطح، واللغة المتأججة والحوارات الخاطفة كبرق، ويصنع منها عالمه الخاص والجذّاب. فهو الذي بدأ حسيّا ونقليا في بداياته، ما لبث ان انتقل بحسياته الى جوهر سردي تأملي، فأضاف الى طبقة الواقع والخارج والحسي، طبقات اخرى من التأمل والتمعن في الأشياء. فمن اللذة الى فلسفة اللذة كانت نقلاته. ولا بد له من عالم وسيط بين هذا وذاك. ففي قصتي »نسيج العنكبوت« و»الليل والبحر« المكتوبتين العام 1968، وفي قصتي »الجثة الغريبة« و»الفردوس الصغير« المكتوبتين العام 1971، وفي قصة »العلك والصيف« المكتوبة العام 1972، نقلة نضج تأملية في تجربة شكري. هنا حيث تسيطر تقنية الشذرات المتفرقة بلا هدف وبلا تركيز، وعبارات وأحوال سريعة لأشخاص عابرين هامشيين بالكاد نحفظ أسماءهم، او يثبت حال لأحدهم في قصة، يتابعها الكاتب بدأب. العالم سريع، عنكبوتي، شتات.. زاحل وهشّ، وأشخاصه هكذا. انه يكتب من خلالهم سير التعساء والعابرين بلا دوي او بصمة. ولا يفوته الموضوع التأملي المعبّر كما في قصة »الجثة« حيث جثة تسقط فجأة في ساحة كبيرة. وتبدأ بالاحتراق فوسفورياً وببطء. يلتف حولها الناس بدهشة، ثم بدأب بحيث تنتقل الحياة بكاملها الى ما حول هذه الجثة حتى ان امرأة تلد، والأطفال يلعبون، والتلاميذ يراجعون فروضهم والأساتذة يحضرون دروسهم او يصححون لتلامذتهم.. »كثيرون يحملون معهم بطانيات ووسائد وأدوات الطبخ وأفران الغاز«. وهذا التمهيد التأملي لنقلة شكري القصصية، في »الجثة الغريبة«، يتعزز في قصة »الفردوس الصغير«، حيث الفكرة المهيمنة نقدية، فالمكتوب على باب الفردوس الصغير »أنا لا أفكر، إذاً أنا موجود«، ويُطرد رجل وامرأة من الفردوس لأن »رب الفردوس يغضب على كل من يفكر ويحلم ويحزن في فردوسه«.. فيخرجان للبحث عن فردوس آخر للمطرودين. من تقنية النقل الحسي الى تقنيته الملاحظة الطيارة فالموضوع الرمزي، ينتقل شكري الى مرحلة نضوجه العالي في قصتي »نعل النبي« و»الخيمة«. وهذه النقلة الجوهرية لم تأخذ من حياته اكثر من سنوات خمس. لقد نضجت تجربته وتقنياته نضوجا لافتا، فلم يعد عضوه التناسلي يستغرقه، بل الحياة كلها بحسياتها وما فوق حسياتها، بواقعها والمتخيل. ولعله هنا حقا انتقل من منطقة العيش الى منطقة الكتابة، حيث الحقل مركّب ومعقد وذو طبقات. يبدأ شكري قصة »نعل النبي« بالجملة التالية »مزيدا من اللذة والخيال، مزيدا من المال والحِيل«. ثم يردفها بكلمة »متعب« يكررها مرتين.. وتأتي بعد ذلك جملة بمنتهى الغرابة والكشف الجنسي »تضيع وسط الذين ينكحون الهواء«. ويستخدم شكري في هذه القصة، زبدة خبراته السابقة، من كتابة حافية وجسدية، الى السرد الطيار »فاتن أراها تكتب على ورقة من دفتري، انا أشرب وأدخن وأفكر في بيع نعل النبي...«، الى وصف مرن وملون ومعبّر »فاتن أنتِ فراشي الأحمر، وأنا غطاؤكِ الأسود... تقترب مني سوداء بيضاء شقراء، أمد لها الورقة الزرقاء..«. أما فكرة القصة فخطيرة وجذابة، هي فكرة محتال أمّه تزور النبي، ويقنع رجلا انكليزيا بأنها أحضرت معها نعل النبي، ويعرض عليه شراءه. يقول لمستر ستيوارت مغريا بالصفقة: »ما حيلتي، ان النعل هو روح جدي«. وخلال تنفيذ الصفقة، وبعدها، يستغرق البطل عالم النساء والشراب والعلاقات النسوية، فنصف مليون افرنك، هو ثمن نعل النبي الذي تقاضاه من الشيخ الانكليزي، يذهب في هذه اللذاذات. والقصة تنتهي بالجملة المعبرة التالية »مزيدا من التوت واللحم البشري، مزيدا من الخيال والمال«. خيمة البدائية لقد دخلت المخيلة على جميع عناصر القصّ السابقة في تجربة شكري، فمنحتها بريقا خاصا. لكن الألق الجذاب الذي توّج به الكاتب تجربته في هذه المجموعة، كائن في القصة التي منحت المجموعة اسمها »الخيمة«. والخيمة تجربة قصصية ذات طبقات إبداعية تلخص أبلغ تلخيص مراحل النار الابداعية لدى شكري، انطلاقا من الأحطاب، وانتهاء باللهيب الصافي المندلعة ألسنته في الفضاء. هي قصة بدائية لذية وحسية قبل كل شيء. ولكنها تنتهي فلسفية وتأملية، شبيهة بزوربا اليوناني لكازانتزاكس. ومسرحها خيمة على شاطئ البحر يجتمع فيها ليلا صعاليك وفتوات وهوامش لذيّون، في الليل، رجالا ونساء، على الشراب والمتعة العارية، وعلى الطعام، المؤسس على خروف ينحر نحرا أمام أعينهم ويأكلونه شواء مع الشراب.. ويسرح النساء والرجال على الرمل، وفي البحر، حيث المتعة مباحة وأولية كما خلقها الله لأول مرة. وأشخاص قصة الخيمة، رجال بدائيون وقساة ولذيّون: »عبدون فوروسو« الذي له أكثر من ثلاثين دخلة على الحبس، وقيل انه في شبابه نطح يوما رأس حمار فصرعه، ولصوص إنما متعاطفون مع الفقراء أمثالهم »اثنان يسعيان إليّ على مهل، براثن تطل من نعليها، ووجها هما أسودان، نعلاهما ووجهاهما سواء، جناحاي يضعفان يقويان«، الا انهما ينتهيان بالتعاطف مع فريستهما الليلية الضعيفة الفقيرة.. »ما عندي فلوس، عندنا أكل وشراب ونسا«... وتنشأ بينهم صداقة البؤساء. المهم في القصة هو ما يجري تحت الخيمة، في الليل، قرب البحر. الحياة كلها تدور او تُدار هناك من خلال فلسفة اللذة، »فكرت: العمر يوم وبعده مرحبا بالطاعون«. في القصة الحوار السريع التالي المنقول في السياق: »قالت طفلة في خيمة: رأيت إنسانا يغرق في البحر. قال طفل: وفي البحر أسماك تأكل الانسان. قالت الطفلة: والانسان يأكل الأسماك. قال الطفل: والانسان يأكل الانسان في الأسماك. قالت الطفلة: أنت أحمق. قال الطفل: مؤنث أحمق حمقاء«. لحظات البدائية والعنف والتلذذ بالدم تظهر في وصف ذبح الخروف. ولحظات اللذة الحسية من شراب وطعام وتدخين ومداعبة للنساء، هي محور الكلام. ولا تخلو القصة من »مكر ديني« اذا صح التعبير، وذلك من خلال استعمال »الحجر الأسود« للدلالة على حجر يجلس عليه اصحاب الجلسة، وكلمة »الصحابة« للدلالة على رفاق الجلسة. ومن قوله »صرنا كأسنان المشط«، والعالم البدائي هذا في الخيمة، الذي يصوره شكري، لا تنقصه الحيوانات. »كافور« اسم كلب في الخيمة »كافور اسكتْ الله يعطيك الموت« »قذفوه بما أعواه لحظة فسكت«، ولا ينقصه العيش المباشر: »تلاعبت بأزرار قميصه والرغبة تسيل منهما، باسته في صدره المشعر، الضخم كأنها تعضّه ويداها تضمان صدره وبطنها على بطنه كأنهما جسد له ظهران«.. »ضرب على خدّي قفاها وشد بعنف رقيق..«. ونلاحظ ملامح من خطف اللذة وصخبها واقتناصها، حيث يكرر »ما العمر إلا الآن حتى يأتي الطاعون، كما يقول عبدون«. وبهذه الجملة تنتهي القصة.. قصة عبادة الحياة واقتناص اللذة، شهية ودامية وقصيرة. والقصة هي قصة نضج محمد شكري بلا ريب. * من منشورات الجمل

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة