نال الدكتور حسين صايغ جائزة الاكاديمية الفرنسية عن كتابين: Un Quartier du port Phژnicien de Beyrouth au Fer III/ Perse. Les Objets. وكتابه الثاني الذي يحمل عنوان: Un Quartier du port Phژnicien De Beyrouth au Fer III/ Perse. Archژologie et Histoire. والكتابان صدرا على التوالي في العامين 1999 و2000 عن دار نشر جابالادا. ود. حسين صايغ يحمل درجة دكتوراه الدولة في علم الآثار والفنون من جامعة باريس العاشرة. وشارك في عضوية فرق حفريات فرنسية وايطالية والمانية ويونانية في كل من: بيروت، تل الشيوخ التحتاني سوريا، تل قرما سوريا، دوردان فرنسا ومعبد ابولون في جزيرة فاكسوس اليونان. وصايغ هو استاذ محاضر منذ العام 1992 في قسم الآثار في الجامعة اللبنانية. وقد تولى الاشراف على اعمال التنقيب في واحد من المواقع في الوسط التجاري، علما ان الجامعة اللبنانية كان لها ثلاثة مواقع تنقيب في المنطقة المذكورة. وقد ضمن كتابيه مكتشفاته وابحاثه حول مدينة بيروت الفينيقية عموما، لا سيما خلال الحقبة التي كانت فيها المدينة تابعة لولاية صيدا، التي كانت عاصمة للولاية الفارسية الغربية الممتدة من غربي الفرات حتى فلسطين. واهمية الكشوفات والابحاث في انها تميط اللثام عن مشكلات في دراسة الفينيقيين بعيدا عن التمجيد والتعظيم »اللبناني« والاعدام الذي أطلقه اصحاب المدرسة التوراتية... من خلال تفسير علمي للمرحلة بالعلاقة مع الكنعانيين والعبرانيين وامبراطوريتي فارس ومصر. وهنا نص الحديث مع صايغ محذوفا منه الأسئلة: يقول صايغ: لا شك ان التنقيبات سواء كانت في بيروت او في اي مدينة لبنانية، تعتبر حدثا بحد ذاته، لعدة اسباب. ابرزها ان هناك شبه استحالة لاقامة تنقيبات موسعة في معظم المدن اللبنانية التي تعتبر من امهات العواصم التاريخية على طوال الساحل بفعل تراكم الحضارات والنمو العشوائي للمدن دون رقابة موضوعية من الجهات المختصة، خصوصا في الاماكن المصنّفة اثرية. لذلك كان التنقيب في بيروت يعد فرصة ذهبية للوصول الى الطبقات القديمة: الكنعانية والفنيقية. لا سيما وأن التنقيبات في المدن الاخرى لم تتوصل الى طبقات فينيقية واضحة، ففي صيدا وصور وطرابلس وارواد نادرا ما تم العثور على طبقات واضحة خلافا لما اكتشف في جبيل. وبالتالي كانت معلوماتنا عن هذه الفترات غامضة جدا. وهي مترجمة او مكتوبة في فترات متأخرة نسبيا، لذلك كانت هذه المعلومات ناقصة ومشوهة وهذا ما عرضها للاخذ والرد، لا سيما من قبل انصار المدرسة الفينيقية »فينكوفان« او المعاكسين لهذه النظرية »فينيكو فون« وهم ايضا تجنّوا في اقوالهم في بعض الاحيان حول اهمية هذه الحضارة التاريخية، لذلك كان لا بد من الاحتكام الى التنقيبات من اجل تأكيد او نفي وجود مدن عامرة في الحقبات الماضية، وبالتالي تقييم الدور الاقتصادي والحضاري بشكل عام لتلك المدن. التجربة في بيروت كانت صعبة نظرا لتعرض الطبقات القديمة فيها للكثير من التعديات لا سيما في العصر الحديث. فالمباني الحديثة ارتكزت عمليا على الصخر الطبيعي بما معناه انه كانت هناك محاولات لجرف الطبقات الاثرية فيها، لا سيما الطبقات الكلاسيكية الرومانية، وبالتالي الطبقات الاقدم وهي الفينيقية، الا ان نسبة الخسارة كانت 50 في المئة. اذاً عملنا يجب الا يظن انه كامل، لان نسبة النصف فقدت عبر العصور. وكان عملنا على ال50 في المئة الباقية وهي نسبة عالية لأماكن من هذا النوع. طبعا مختلف البعثات التي تناوبت على التنقيب عانت من ثغرات وفقدان طبقات بكاملها. الا انه عند العثور على اماكن محافظ عليها يعتبر ذلك وثيقة، اذ ان العثور على طبقة مهما بلغت مساحتها نعتبرها وثيقة تاريخية للتعرف على الماضي الصحيح. كان عمل فريق الجامعة اللبنانية على مساحة لا تتعدى الثلاثة آلاف متر مربع، في المكان الذي كانت تقع فيه سوق الطويلة وساحة العنتبلي وسوق اياس. طبعا الفكرة كانت اجراء بعض التحريات الاثرية قبل اقامة مشروع سوليدير الذي يقضي بتحويل المكان الى مواقف سيارات، حيث عثرنا على عدة طبقات اثرية تعود للفترات الاسلامية واليونانية والرومانية واقدمها يعود الى الفترات الفينيقية والكنعانية. والاكثر حفظا بين تلك الطبقات واحدة تعود الى القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد وهي فترة الحكم او السيطرة الفارسية على المنطقة بأكملها. وكان لا بد من الاهتمام بهذا الاكتشاف لا سيما وان هذه المعلومات تظهر للمرة الاولى على الساحل اللبناني السوري الفلسطيني. وكان الاكتشاف يتعلق بحي سكني مؤلف من عدة مجموعات سكنية منظمة تفصل بينها شوارع رئيسية واخرى ثانوية. وتمكنا من تمييز عدة انواع منها تجاري، حرفي، سكني. مما يشير الى اهمية تلك الاحياء في تلك الحقبة. بلاد كنعان والتوراة يجيب صايغ: باستطاعتنا اطلاق صفة الماضي الكنعاني او بلاد الكنعانيين على كامل المنطقة. اذ ان استعمال مصطلح فينيقيا لم يظهر في الادبيات الا اعتبارا من القرن الخامس قبل الميلاد، وتعتبر المرحلة الفينيقية آخر الحقبات الكنعانية على الساحل المشرقي. وامتدت طوال الالف الثاني قبل الميلاد. ونطلق صفة الكنعانية على سكان هذه المناطق. واعتبارا من ظهور اليونان كقوة عسكرية وحضارية اطلق المؤرخون اليونانيون صفة فينيقي على سكان هذه المنطقة. اذن لا تعارض بين المصطلحين وانما هناك نوع من التخصيص. اذ ان كلمة كنعاني تشمل اكثر من الفينيقي بما معناه سكان الداخل، ان كان البقاع او الشمال السوري والهضبة الفلسطينية. اما بشأن التوراة فقد اعتبرت نصوصها لوقت غير بعيد المرجع الوحيد للماضي الكنعاني، وهنا تكمن اهمية الاكتشاف الحديث، ولكي لا تكون التوراة المرجع الوحيد والموجّه للدراسات التاريخية يفترض وجود مصادر اخرى. من هنا اهمية كل نص يتم اكتشافه سواء في لبنان او سوريا او فلسطين. فقد وجدت مكتبات بكاملها تم الكشف عنها في المدن السورية مثل مدينة رأس شمرا اوغاريت، ماري، تل مرديخ. هناك العشرات من النصوص المكتشفة والتي تعود لفترات اقدم بكثير من النص التوراتي. التوراة وعلم الآثار اصبحت التوراة مرجعية لان علم الاثار نشأ في الغرب وتحديدا في الفترة قبل 200 و300 سنة داخل المعاهد، ولم يكن هناك ما يكفي من النصوص القديمة. ولم يكن بين ايدي اللاهوتيين سواء كانوا من اليسوعيين او اليهود اقدم من النص التوراتي. بعد حملة نابليون على مصر ازداد الاهتمام بالتنقيب وفكت رموز الهيروغليفية، ومع التنقيب في بلاد ما بين النهرين ظهرت الكثير من النصوص الادارية والحقوقية والعقائدية. وكان لا بد من تعديل النظرية واصبح هناك مصدر آخر، مع ان الغربيين او بعضهم لم يتخل عن النص التوراتي. المصادر الجديدة لا تقل اهمية، ان لم نقل انها تفوق النص التوراتي ذي الصفة الدينية الايمانية، مما يعني ان غايتها لم تكن تاريخية، ولو على حساب الحقائق. تحوي التوراة ظلما للكثير من الشعوب التي اشتبكت في صراعات مع اليهود. لم تكن الشعوب المجاورة للقبائل اليهودية على وفاق معهم، وكانت هناك نزاعات وخصومات، وتنافس اقتصادي وسياسي مما دفع الى موقف سلبي من هذه الشعوب. وهذا ما هي عليه صورة الكنعانيين والفينيقيين والمصريين من تشويه في النص التوراتي. التنقيبات الإسرائيلية قبل قيام اسرائيل كدولة في العام 1948 كان هناك اهتمام بالغ بالتنقيبات في فلسطين. وكانت هناك بعثات انكليزية واميركية، وكانت في معظمها في ثوب ديني يهودي متزمت. كان هناك ربط بين الناحية الدينية والتنقيب عن الآثار في فلسطين. ونحن نسمي هذه المدرسة المدرسة التوراتية في علم الآثار. خلاف البعثات العاملة في لبنان او سوريا ولديها توجهات بفصل الدين عن الآثار. في اسرائيل لا زالوا اسيري المعتقد الديني ويفتشون عن الاماكن التي ذكرت في النص الديني وفي اكثر الاحيان لا يصلون الى اية نتيجة. لكن الملاحظ ان هناك اهتماما اسرائيليا بالغا بالتنقيب. وهناك ضمن الجيش الاسرائيلي فرق متخصصة. مما يعني انه اثناء فراغها تتحول الى اعمال التنقيب، خصوصا في الاماكن العسكرية والاستراتيجية ذات الطابع الحربي. مثلا هناك موقع اثري في شمال فلسطين هو مدينة حازور وقد اشرف الجيش على التنقيب فيه منذ عدة عقود وتوصل الى نتائج هامة وخطيرة. خصوصا وان المدينة هي بوابة الشمال والممر الاجباري باتجاه دمشق او البقاع اللبناني. وعليه كان موقعا استراتيجيا طوال آلاف السنوات الماضية. وقد اشرف على جزء من هذه التنقيبات الجنرال ييفال يادين الذي كان قائد الجبهة الشمالية في العام 1967 وهو عالم آثار وعسكري. ثم اننا نعلم التعديات التي قام بها الجيش الاسرائيلي اثناء احتلاله للجنوب اللبناني، حيث تعرضت العديد من المواقع الاثرية لاعمال التنقيب والنهب. وشوهت العديد من المواقع. مما يتطلب نوعا من المسح لكل تلك الاضرار بغية المطالبة بكل ما فقد منها خلال فترة الاحتلال. اذاً في اسرائيل هناك اهتمام بالغ وربط بين المشروع السياسي والعمل على المواقع الاثرية. ويفترض وجود اهتمام مقابل من جانب السلطات العربية، لأن المخزون الاثري سيساعدنا كثيرا لاثبات بطلان الدعوى الاسرائيلية في ما لو تعاطينا بشكل علمي وواقعي وموضوعي. لكن ما يتوجب ذكره اننا حتى تاريخه لم نقرأ كتابا يثبت المسرح الفلسطيني للتوراة. لكن هذا لا يعني ان الاسرائيليين يملكون وعيا مغايرا، اذ ما زالوا يعتقدون انهم على الارض التي جرت عليها احداث التوراة، لا سيما مدينة القدس. بيروت وصيدا لقد ثبت لنا ان بيروت لم تكن مدينة مستقلة، وانها كانت اداريا تتبع مدينة صيدا خلال الحقبة الفارسية. وكانت الاخيرة العاصمة الاقليمية، اي عاصمة الولاية الخامسة التي تشمل الاراضي الغربية للفرات كافة. يعني من نهر الفرات غرب سوريا وفلسطين بأسرها. وكانت العاصمة تتناوب بين الشام وصيدا حسب الظروف. وكان هناك سيطرة للحكام الصيداويين على كامل الاراضي الواقعة من نهر الكلب الى كل المناطق المحاذية لبيروت، بما فيها المدن الثانوية كبيت مري التي كانت تتميز بالنشاط الديني ومركز الحج التابع لسكان بيروت. اي ان هناك علاقة وثيقة بين آثار بيت مري وسكان بيروت التاريخية. كما كان هناك مراكز تجارية ومحطات في خلدة وعرمون والناعمة والدامور. وهذه كانت تتبع بيروت اداريا، التي هي تحت الوصاية الصيدونية. وهناك نصوص تؤيد ذلك، ولعل الهبة التي قدمها الملك الفارسي دارا لملك صيدا اشمون عازار تؤكد ذلك. اذ ان التابوت الذي اهداه دارا حصل عليه اشمون لخدماته للاول في التحالفات الحربية وغيرها، وقد وهبه المدن الموجودة في السهول الفلسطينية حتى مدينة دورا قرب يافا وتشمل هذه المناطق جنوبا عسقلان ويافا وشمالا بيروت ونهر الكلب تقريبا. كما ان اول اصدار نقدي يعود لمدينة صيدا قد تم اكتشاف البعض منه في التنقيبات مما يؤكد وجود علاقات وروابط اقتصادية. هذا مع العلم ان المؤرخ اليوناني هيرودوت الذي جاب المنطقة بحدود النصف الاول من القرن الخامس قبل الميلاد لم يأت على ذكر بيروت، ومثل هذا ثغرة في تدوين تاريخها، رغم انه ذكر اماكن ثانوية. واذا اجبنا بان بيروت كانت تابعة لصيدا نكون قد حللنا جزءا من المشكلة، اذ لم تكن مدينة مستقلة ليذكرها هيرودوت، وبالتالي لم يكن لها ملك مستقل له سياسة خاصة وتوجهات اقتصادية. اذن ذكر هيرودوت المدن الرئيسية ذات الدور السياسي وتتمتع بشيء من الاستقلالية امام السلطة الفارسية، وعليه فإن بيروت تأتي في الدرجة الثانية بعد صيدا ذات الدور الاقليمي والعالمي. وصف المدينة يستحيل تعداد المكتشفات من دون العودة الى التقارير النهائية التي تضمّنها الكتاب اختصارا. هناك معلومات اكيدة عن ميناء بيروت المفقود، لانه ردم في العصود القديمة والوسطى. وكان عملنا على اكتشاف جزء من ارصفته بمثابة خبر هام واكتشاف في غاية الاهمية، اذ انه لم يكن ميناء استيراد وتصدير فقط، بل كان ميناء تجاريا وسوقا للتبادل، مما يعني ان هناك الكثير من الاحياء ذات الطابع التجاري والبيوت والمحلات التجارية والنشاطات الحرفية والصناعية كانت تتموضع في الجهات الثلاث له. وقد فتح تحديد موقع الميناء الباب على بقية القضايا ذات الطابع الصناعي والتجاري والاجتماعي في حياة المدينة. ونحن متأكدون من خلال الكشوفات على وجود الرصيف الغربي ولم يسمح لنا بكشف مساحات اكبر لتعارض ذلك مع المشروع المقام في المنطقة. وقد تم الكشف عن الرصيف بطول 15 مترا وعرض 5 امتار. وهذا كاف للتأكد من وجود ارصفة ومثبتات للسفن. هذا الرصيف يرتبط بشبكة من الطرق اعدت اعدادا جيدا ومهمتها ربطه بالأحياء المحيطة. وهناك معلومات عن بيروت القديمة جدا والعصور التاريخية المتعاقبة. انما حصرنا بحثنا في المرحلة الفارسية لانها كانت غامضة، بيروت قبلها كانت موجودة، في عصر البرونز، لكنها كانت تتموضع في مطار يسمى التل الأثري. وكانت بيروت التي تعود لعصر الحديد الاول والثاني في ذات المنطقة، وكانت محصورة وضيقة ومتراصة نظرا للظروف والتقلبات والأحداث الدرامية التي شهدتها. كانت هناك اسوار تحيط بهذا الحي والمباني داخله، الا انه في نهاية عصر الحديد الثاني. اي في نهاية القرن السابع وبداية القرن السادس قبل الميلاد حصلت كارثة لا نستطيع تحديد اسبابها. فقد قضت حرائق على التل، مما دفع الى تأسيس احياء بديلة. وخرجت بذلك عن المنطقة القديمة. وهذا يرتبط بازدياد عدد السكان او لوصول هجرات جديدة. او بسبب سوء احوال الأحياء القديمة وعدم صلاحيتها للسكن. نشهد في الاحياء الجديدة تخطيطا على مستوى عال من الوعي تم بأمر من السلطات، اذ لاحظنا ان المنطقة المكتشفة بنيت تقريبا كلها دفعة واحدة، كما لو كان هناك قرار وسلطات تخطط. فمثلا بعد كل زلزال، وهزات أرضية تضرب مدينة يقومون بعملية تعمير. اذن المنطقة المستحدثة المضافة الى بيروت القديمة هي هي التعمير، هذه بيروت عصر الحديد الاول والثاني لا سيما بعد الحرائق التي تعرّضت لها. فاذا دخلنا في المرحلة الفارسية، وكان عهد ازدهار واستقرار ولا داعي للسكن داخل الاسوار عمد المواطنون للاقامة خارجا. وعليه تختلف هذه المدينة عن سابقتها. ففي القلاع والحصون لا نستطيع ان نتحدث عن مخطط لأننا نكون محكومين بالمساحات الضيقة. ويكون النمو العمراني عاموديا. ولا يمكن اعتماد المخطط الشطرنجي. خلافا للاماكن الحرة والمفتوحة، حيث يصبح هذا المخطط اكثر ملاءمة للواقع الجديد. اذن كان مشروع اعادة إعمار بيروت في حينه منظما ولم تكن هناك من حاجة للسور في ظل الاستقرار السياسي والامني. وقد استمرت بيروت على هذا النحو طيلة الفترة اليونانية، اذ تبنى اليونانيون المخطط الموضوع ووسعوا في المدينة، ثم جاء بعدهم الرومان والبيزنطيون ولم يغيروا في المخطط، لأنهم ورثوا ما وجوده وأضافوا بعض المعالم. فمثلا الرومان رمموا بعض المباني لكنهم احترموا الشكل الاساسي للمدينة اليونانية والفارسية القديمة. وقد وجدنا الكثير من المباني اليونانية ترتكز على أساسات فينيقية من دون اي تغيير. فالمنزل اليوناني وحجم غرفه اكبر قام في مكان اربع او خمس وحدات سكنية فينيقية وبني على نفس الشكل، ولم يأخذ من الشوارع والممرات، وحافظ على التقسيمات الرئيسية والممرات وهذا مؤكد في اعمال التنقيب. اما عندما قرروا بناء معابد ضخمة فقد كانوا مضطرين للوصول الى الصخور الصلبة، ولم يؤذوا المباني السكنية الأقدم لأنهم استعملوها كأساسات. اي انهم استعانوا ببقاياها كأساسات صلبة لمبانيهم. بيروت التجارية لاحظنا ما يشير الى وجود تبادل مع بلاد اليونان. وهذه عدوة الدولة الفارسية. لكن العداء لا يمنع قيام مبادلات، لان البضائع اليونانية كانت تصل الى البلدان كافة من خلال قبرص التي لعبت دور المحطة، ومنها كان الفينيقي يتبضع ويلعب دور الوسيط بين البلدان الاخرى. لذلك ليس من الغريب انه خلال فترة الحرب بينهما، وصيدا في صف الفرس كانت مبادلاتها مع اليونان قائمة. ومن خلال حجم الفخار اليوناني في بيروت وجدنا ان نسبته 8 بالمئة بالقياس الى الفخار المحلي، وهذا يعني ان حجم التجارة مع اليونان كان 8$، اذ انه يعبر عن طلب على البضائع المستوردة منها، كما كانت علاقات بيروت قوية مع قبرص التي كانت تعتبر امتدادا للعالم الكنعاني. ثم كان لبيروت علاقات تجارية مع مصر وبلاد ما بين النهرين. فقد تم اكتشاف الكثير من التماثيل العاجية والعظام المشغولة والمعادن. وكل هذه تشير الى حركة استيراد وتصدير ناشطة مع الداخل. ولهذا بالطبع تأثيراته الثقافية، اذ ان رسم الخط الفاصل بين العلاقات التجارية والثقافية يصبح دقيقا جدا حتى يكاد يكون لا مرئيا. العقائد الدينية هناك ايضا اشتراك في المعتقدات الدينية، وتمكنا من اكتشاف الكثير من الشواهد حول هذا الموضوع. فعدا التماثيل والاشياء المستعملة في الطقوس الدينية تمكنّا من التعرف في احد المنازل المكتشفة على حجر مخروطي الشكل الى جانب الكثير من الاحواض الحجرية المتوسطة والصغيرة الحجم المنحوتة من الحجر الرملي المحلي. وضمن مساحة لا تتعدى الخمسة امتار. وهذا العثور على كل هذه الاشياء في بناء مؤلف من 10 حجرات تحيط بالصحن يعني وجود مركز ديني او معبد مصغر او بناء طقسي. والحجر المخروطي يعني عبادة وتجسيد الاله. وكان الفينيقيون القدامى والكنعانيون يرفضون التصوير، لان الاله الرئيسي لا يمكن تصويره، لذلك جسّدوه على شكل حجر مخروطي، مع كل ما له علاقة بالطقوس والذبيحة الالهية من اجران وغيرها، اي الطقوس التي يستعمل فيها الماء بشكل او بآخر، وهذه الطقوس مشتركة في المنطقة الكنعانية، اذ عثر على معابد مفتوحة في المناطق الجبلية من فلسطين وشرق الاردن والمناطق السورية. مما يعني انه لدينا تراثا دينيا مشتركا. اذن ديانة الكنعانيين ديانة تبتعد عن التصوير وكانت تميل الى تجسيد الاله الاكبر على شكل حجر غير مصور، كما كان ذلك موجود في الجزيرة العربية حتى ظهور الاسلام. اذن هناك تفاعل عقائدي يربط بين هذا الساحل والداخل العربي. ولا شك ان هذا البناء أقدم من المعابد الوثنية، اذ كان موجودا منذ الألف الثالث والرابع قبل الميلاد في المناطق العربية، وكانت هذه مثلها مثل بلاد الكنعانيين ترفض التصوير، لذلك رفض اليهود هم أيضا التصوير فيما بعد. هذا تراث قديم، لان الشعوب والقبائل لم تكن تبني معابد، بل تلجأ الى مكان مكشوف تضع فيه نصبا، يقدمون له الذبيحة. التأثيرات الفارسية في المجالات الحضارية والادارية لا تنحصر في المجال الديني او العقائدي. فقد اضاف الفرس الكثير، وطبعا احترموا التقاليد الاقدم والانجازات المحققة واضافوا الكثير من عندهم، وأبرز ما أضافوه هو تعميم استعمال النقود مثلا. لم يكن قبل الدولة الفارسية من طريق للتبادل بالنقد وهذا نظام هائل. اذ ان ما كان ساريا هو المقايضة وفي احيان قليلة مبادلات معدنية. الاصدارات النقدية المكفولة من الدولة هي اختراع فارسي. هناك اكثر من ذلك، اذ ان الفرس لارتباط دولتهم بالكثير من الولايات عمدوا الى ربط المناطق بشبكة من الطرقات واضحة المعالم، ثم انشأوا البريد، وبات بإمكان كل مواطن في ذلك الزمن المتقدم ان يراسل ويبعث ببريد بين مدينة واخرى. كل هذه الانجازات تمت في تلك الحقبة. وكانت لها بدايات قبلها، انما عممها الفرس بشكل اكثر تقدما. وقد استفاد الفينيقيون في هذه المرحلة من الاستقرار والسلم، كما افادوا من التحالفات، ونسجوا عهودا مع الاقوى للبقاء على قيد الحياة وإنقاذ استقلالاتهم. التاريخ الفينيقي من مصادره السؤال الذي يتبادر ختاما هو التالي ماذا اضافت اعمال التنقيب والابحاث المرافقة واللاحقة عبر النشر الى الدراسات الفينيقية؟ يقول د. صايغ: نحن نمثل توجها جديدا في دراسة الموضوع، قديما كان هناك متحمسون لهذه الحضارة ومفتئتون عليها. وكلا المدرستين لم تخدم هذه الحضارة، لا سيما اولئك الذين تأثروا بالنص التوراتي او اولئك الذين يعتقدون بتفوق الجنس الابيض اليوناني والروماني. نحن من المدرسة التي تنظر الى الموضوع بواقعية بعيدا عن حدي التمجيد او التقليل. ولا شك ان طبيعة اعمال التنقيب باستثناء جبيل قد ساعدت على بروز النظرتيين. لكن اعمال التنقيب التي شهدتها جزيرة قبرص والشمال الافريقي حيث المستعمرات الفينيقية، اضاءت الكثير، لكنها قدمت معلومات عن الفينيقيين بعيدا عن موطنهم الاصلي، وهذا ما يضعف الاساس الحضاري لهذا الشعب. اذن نحن من خلال العمل في بيروت عدنا الى الموقع الاصلي قدر المستطاع للتأكد من صحة ما هو مكتشف في المستعمرات وصحة انتسابه الى الوطن الأم. وهذا ما اكدت تطابقه مكتشفات بيروت في مجال العمارة والحياة الاجتماعية والسياسية. اذ هناك تطابق بين المخطط المكتشف في بيروت والمخطط المشابه المكتشف في كركوار تونس، مع فارق زمني بسيط يؤكد أقدمية الانجاز في بيروت، كما ان التنقيب في بيروت اثبت امكانية العودة الى الجذور في كتابة تاريخ فينيقيا، بديلا للمدونات اليونانية والرومانية والمصرية والآشورية.. ولتعويض هذا النقص يمكن العودة الى المواد الاثرية لا سيما المصورة التي يمكن ان تساعدنا في كشف بعض جوانب الحياة العامة والخاصة، وهي غير قليلة في المواضع المنقّب عنها. ان الاعتماد بشكل كامل على المصادر الخارجية يؤدي الى نوع من الأحكام المجحفة بحق هذا الشعب الذي لم تنصفه النصوص الدينية والتوراتية نظرا للمنافسة بين المعتقدين والشعبين، كما لم تنصفه النصوص اليونانية والرومانية التي رأت في هذا الشعب منافسها التجاري والعسكري والذي شكل خطرا أكيدا على الدولة الرومانية الناشئة. اما النصوص المشار اليها من آشورية وبابلية ومصرية فهي ذات طابع امبراطوري تهدف لرفع شأن الحاكم المنتصر والتقليل من قيمة الشعوب المغلوبة صاحبة القضية المحقة عادة. اذن يتطلب الامر احتياطا وحذرا في استعمال المصادر رغم اهميتها البالغة. ان سبب هذا الخلل في غياب المخطوطات الفينيقية يعود بحسب بعض الاختصاصيين الى استعمالهم مواد سريعة العطب، وفي احيان كتبوا على اوراق البردى المصرية والجلود وهذه لا تصمد على الزمن في الاماكن الرطبة والحارة. ويمكننا ايضا تفسير تلك الندرة في المخطوطات لسبب آخر اكثر اهمية هو عدم رغبة الفينيقيين في اعلان مواقفهم النهائية من حيث المعتقدات، السياسات، الجيوش، الاقتصاد.. لأسباب نعذرهم عليها، اذا ما عرفنا طبيعة التحولات الخطيرة المحيطة ببلادهم.. وهذا قدر اكثر الشعوب التي تعيش تحت ظروف مشابهة...