الحكمان الصادران عن مجلس شورى الدولة في دعوىي شركتي »سليس« و»ليبانسيل« حول الهاتف الخلوي، اثارا ضجة كبيرة في الأوساط القانونية. وقد ظهر تيار قوي عاصف يصف الحكمين بارتكاب »أخطاء جسيمة في تفسير القانون اللبناني« وبتهميش كامل للقانون الوضعي اللبناني في موضوع التحكيم الدولي، وبإهمال وتجاهل كليين لأحكام الاجتهاد الفرنسي الحديث في موضوع التحكيم الدولي! كما نُسب الى حكمي مجلس الشورى استنادهما الى »نص غير واضح...« و»اعتماد مفاهيم بالية وقديمة بالنسبة الى السيادة والنظام العام...«. وحرصا على حرية الرأي القانوني والرأي القانوني الآخر الذي لا يتفق مع هذا الموقف، ومن موقف الدفاع عن التحكيم ومن زاوية الحرص على جلب الاستثمارات من دون ان يكون هذا الحرص مستعدا للتخلي عن البلد وللتضحية بالنصوص القانونية الصريحة، سنبيّن أن حكمي مجلس الشورى متفقان كل الاتفاق مع النصوص القانونية الصريحة والواضحة لناحية اختصاص القضاء الاداري في عقود »الامتياز« الادارية وان تهميش هذه النصوص لا يتفق مع المنطق القانوني السليم لا سيما المادة 77 من قانون أصول المحاكمات المدنية الواضحة الصريحة، وان موضوع حق الدولة في اللجوء الى التحكيم الدولي يسوده خلل في القانون اللبناني، أما إذا عدنا الى الاجتهاد الفرنسي الحديث فهو مساند كل المساندة للموقف الذي اتخذه مجلس الشورى اللبناني في الحكمين، لأن الذي لا يمكن ان نتجاهله هو الانظمة القانونية والقضائية التي تفصل بين القضاء العدلي والقضاء الاداري، والتي فتح اجتهاد المحاكم العدلية فيها ابواب التحكيم الدولي واقفل اجتهاد المحاكم الادارية باب التحكيم في العقود الادارية التي فيها امتياز او ممارسة شخص عام لامتيازات السلطة العامة، والوضع ليس مجرد امر نصوص قانونية بل ايضا امر نظام قضائي فيه قضاءان: عدلي وإداري. بداية يمكن ملاحظة الآتي: 1 إن الاستثمارات يجب ان لا تكون كلمة حق يراد بها باطل... فالاستثمار من حقه ان »يدلل« ويحصل على الضمانات القانونية التي تحمي أرباحه الكبيرة، ولكن ليس من حقه الحصول على وسائل تضاعف الارباح الى أرقام فلكية باسم التحكيم وتحت عباءته ومن اجل تأمين »دلال« للتحكيم! 2 كذلك فإن التحكيم يجب أن لا يكون كلمة حق يراد بها باطل... فالاستثمار لم يعد يقبل بغير التحكيم ضمانا له، وهذا واقع يجب ان نسلم به ونتكيف معه، ولكن ليس كل تحكيم هو تحكيم القضاء العادل المتوازن. والدولة اللبنانية برغم كل العقود الدولية التي توقعها والتي تتضمن بندا تحكيميا، لم تضع اي سياسة تحكيمية بعد! فمصر كانت رائدة البلاد العربية في النهوض بالتحكيم وهي التي وضعت قانون التحكيم المستند الى القانون النموذجي للتحكيم الدولي الذي وضعته لجنة قانون التجارة الدولية في الامم المتحدة (اليونسترال)، وهو القانون الذي اخذت الدول العربية الواحدة بعد الاخرى تنقله (عُمان والأردن). ومصر اذا نهضت بالتحكيم واعترفت في قانونها بالعقد الاداري القابل للتحكيم، وليس لدينا نص كهذا في القانون اللبناني، فإن الدولة المصرية اخذت تحيل الى مركز تحكيم القاهرة معظم بنود التحكيم التي تدرجها في مشاريع الاستثمارات الدولية، لأنها وضعت سياسة تحكيمية وطنية واضحة، وذلك برغم ضغط المستثمرين الهائل على الدولة المصرية لاحالة المنازعات الى مراكز التحكيم الاوروبية! وحين كانت تخرج استثناءً عن هذه القاعدة، فإلى تحكيم حالات خاصة Ad-hoc مكانه حتما القاهرة. وقد أخذت الأمانة العامة في جامعة الدول العربية مبادرة عرض هذا الوضع والدعوة الى معالجته في اجتماع في غرفة التجارة في عمان منذ اربع سنوات، ثم انتهى الى اجتماع في جامعة الدول العربية في القاهرة اعلن فيه انشاء الاتحاد العربي للتحكيم الدولي، لأن هناك فعلا أزمة في التحكيم العربي ناجمة عن غياب سياسة عربية تحمي الدول المضيفة للاستثمارات. نعم للتحكيم... ولكن لأي تحكيم؟ »تحكيم« المحاكم المختلطة او التحكيم الاجنبي المعادي للعالم الثالث؟ أم التحكيم المتوازن العادل الذي يقيس الحق بالميزان، ومحكّموه رجال منفتحون على ثقافات وحضارات الشرق وقوانينه وغير منغلقين على ثقافتهم وتعاليمهم. 3 لقد تطور التحكيم وقوانينه واصبح هو القضاء الاساسي للتجارة الدولية بينما القضاء الوطني اصبح هو الاستثناء. لأن للتحكيم، فضلا عن مميزات السرعة والسرية، ميزته الاساسية والأهم وهي انه قضاء دولي يتمثل فيه الطرفان كل بقاض (محكم) يختاره هو، ولا يكون أي من الطرفين غريبا عن هذا القضاء!!! هكذا هو التحكيم وهكذا يجب ان يكون! والذي يحصل حاليا، كما يصفه رجال القانون في العالم، بين دول العالم الثالث والدول الصناعية، في مراكز التحكيم الاوروبية، ليس تحكيما بل تحكم.. وليس قضاء وعدلا بل مزرعة تحوَّل فيها الدول المضيفة للاستثمارات في العالم الثالث الى بقرة يُسلخ جلدها. 4 إن توقيع الدولة على العقد ثم عدم التزامها بتوقيعها، أمران يضيعان كثيرا من الثقة بهذه الدولة! ولكن الخطأ في ذلك ليس خطأ مجلس الشورى الذي أبطل البند التحكيمي، الخطأ بالتسرع في التوقيع على العقد من دون معالجة الوضع القانوني الذي لا يجيز البند التحكيمي في العقود الادارية. في فرنسا عند المفاوضة على مشروع عقد Euro Disney وقبل التوقيع على العقد وللتأكد من سلامة وصحة البند التحكيمي في العقد، سألت الحكومة الفرنسية مجلس الشورى الفرنسي عن صحة البند التحكيمي في عقد Euro Disney، فأجاب مجلس الشورى بأنه بتعارض مع القانون. فأصدرت الحكومة قانونا يجيز التحكيم في عقد Euro Disney وانتهت المشكلة. ولو لم تفعل الحكومة الفرنسية ذلك لكان مجلس الشورى الفرنسي قد أبطل البند التحكيمي في عقد Euro Disney. فلماذا لم تفعل الحكومة اللبنانية ذلك؟ ولماذا وضعت توقيعها من دون أن تتأكد من سلامة الوضع القانوني؟ فقه القانون الدولي يؤكد باسم العلاّمة G.Vedel ان الدولة حين توقع عقدا خلافا لقانونها، فإن توقيعها لا يلزمها لكنه يفتح باب المسؤولية عليها، ويمكن ملاحقتها بالمسؤولية والعطل والضرر، وسنأتي الى تفصيل كل ذلك. 5 إن أكبر دليل على ان لجوء الدولة الى التحكيم في العقود الادارية محظور، في المبادئ العامة للقانون الاداري وليس في نصوص القوانين. ففي مصر التي ليس فيها اي نص قانوني يمنع الدولة من اللجوء الى التحكيم كما هو وضع المادة 2060 مدني فرنسي فإن مجلس الشورى فيها بعد صدور قانون التحكيم المصري سنة 1993 أبطل البند التحكيمي في كل العقود الادارية التي كان موضوعها استثمارات دولية واستند في ذلك الى المبادئ العامة للقانون الاداري وليس الى اي نص في القانون المصري. وعالجت الحكومة المصرية الوضع بتشريع قانون يعترف بالتحكيم في العقود الادارية. 6 من أجل سلوك طريق التحكيم فإن التكييف القانوني ضروري! والمحاكم انما تطبق القانون، فإذا طبقت المحاكم قوانين تسد الباب امام التحكيم فالحق على المشرّع وليس على القاضي. وفي فرنسا في مشروع »يورو ديزني« وفي مصر في كثير من المشاريع.... كان موقف القضاء الاداري صريحا في تمسكه باختصاصه في العقود الادارية ذات الامتياز والسلطة العامة ورفضه البنود التحكيمية التي تحيل الاختصاص للتحكيم. في فرنسا علقت شركة »ديزني« توقيع العقد على البند التحكيمي، وكانت قيمة العقد بمليارات الدولارات! وتمسك مجلس الشورى الفرنسي باختصاصه، وكذلك الامر في مصر حيث اخذ مجلس الشورى يبطل البنود التحكيمية في عقود المشاريع الدولية الواحد تلو الآخر. ولم يقل احد في فرنسا ولا في مصر ان مجلس الشورى قد ارتكب اخطاء جسيمة وهمش قانون التحكيم الفرنسي او المصري، و»اعتمد مفاهيم بالية بالنسبة للسيادة والنظام العام«، ولا قال احد عن مجلس الشورى انه »قد استند الى نص غير واضح«. بل الذي حصل في فرنسا وفي مصر، ان المشرّع تدخل: في فرنسا صدر قانون على قياس مشروع ديزني يجيز التحكيم في عقد يورو ديزني، وفي مصر صدر قانون اضاف الى المادة الاولى فقرة تعترف بالعقد الاداري في التحكيم وتجعله قابلا للتحكيم. وفي أدراج مجلس النواب في لبنان مشروع قانون اقترحه المجلس الاعلى للتحكيم اللبناني يرمي الى تعديل المادة 762 من قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني بحيث تعترف بالعقد الاداري في التحكيم. وقد اشترك اعضاء المجلس مع لجنة الادارة والعدل برئاسة المرحوم شاكر ابو سليمان في البرلمان، ولكن وزير العدل السابق جوزف شاوول (الذي كان رئيسا لمجلس الشورى) عارض التعديل بشدة وغضب وبعصبية.. فأجهض المشروع وبقي حبرا على ورق. 7 من الظلم ان يقال عن حكمي الهاتف الخلوي الصادرين عن مجلس الشورى انهما قد »أغلقا باب التطور في مجال الاستثمار«، فمجلس الشورى برغم تمسكه باختصاصه القانوني في العقود الادارية، تنازل عن هذا الاختصاص، وعاد فشرع الأبواب امام التحكيم في حكم »سيليس« مستندا للاتفاقية اللبنانية الفرنسية لحماية الاستثمارات التي لها قوة أعلى من القانون. وكان الحكم جريئا في ذلك بل مبالغا ومغامرا، لأن اجازة التحكيم استنادا الى مثل هذه الاتفاقيات من دون ان يكون هناك بند تحكيمي، هي نوع من »التحكيم الالزامي« الذي أبطلت محكمة استئناف باريس بتاريخ 1 حزيران 1999 الحكم الصادر بموجبه لأن المحكم استند الى اتفاقية لحماية الاستثمارات بين بلدين وليس الى بند تحكيمي. والملاحظ ان الاتفاقية تشير الى مركز تحكيم واشنطن المستند الى معاهدة حسم منازعات الاستثمار بين الدول ومواطني الدول الاخرى ICSID (ولبنان لم ينضم بعد لهذه الاتفاقية لاسباب مجهولة برغم الجهود التي قام بها مجلس التحكيم اللبناني في هذا المجال)، الاتفاقية تقول باللجوء الى مركز تحكيم واشنطن وإلا فاللجوء الى نظام تحكيم اليونسترال (لجنة قانون التجارة الدولية في الامم المتحدة)، بينما البند التحكيمي الوارد في العقد موضوع النزاع يحيل الى تحكيم غرفة التجارة الدولية... وترك مجلس الشورى باب التحكيم مفتوحا، ليعود الاستثمار الدولي (سيليس) فيتكيف مع الحكم بحيث يتخلى عن تحكيم غرفة التجارة الدولية ويباشر التحكيم وفقا لنظام »اليونسترال« مستندا الى الاتفاقية الدولية اذا اراد. 8 وقد اعتبر حكم مجلس الشورى ان اختصاصه نابع من الدستور وهذا يستتبع ان اي تعديل قانوني لصلاحياته واختصاصه سيكون موضع طعن امام المجلس الدستوري. وفي فرنسا لم ينص الدستور على صلاحيات مجلس الشورى إلا بصفته الاستشارية وليس القضائية، ولكن المجلس الدستوري الفرنسي كرس دستورية صلاحيات واختصاص مجلس الشورى الفرنسي. وفي لبنان... وحيث يدرس الآن على ما يبدو مشروع قانون لتعديل اختصاصات وصلاحيات مجلس الشورى، فإن الامر سيطرح ربما بعد ذلك على المجلس الدستوري وهو اسوة بما حصل في فرنسا، الذي سيحدد ما إذا كانت صلاحيات واختصاصات مجلس الشورى دستورية ام قانونية... بحيث يتم تعديلها بالقانون، او بتعديل الدستور، وسنأتي على تفصيل ذلك في ما بعد. 9 والآن، بعد صدور حكم مجلس الشورى، بإبطال البند التحكيمي في العقدين، ماذا سيكون عليه وضع التحكيمين في باريس؟ القانون التحكيمي الفرنسي كما قانون التحكيم اللبناني، يفك اجراءات التحكيم والحكم التحكيمي عن أي قرار يصدر من قاض في بلد المنشأ او في اي بل آخر، ولا يقيد قاضي البلد الذي يجري فيه التحكيم (فرنسا او لبنان) بأي قرار يتخذه قاض آخر سواء قاضي بلد المنشأ او قاضي القانون المطبق على التحكيم او غيره، وذلك خلافا لاتفاقية نيويورك لتنفيذ الاحكام التحكيمية التي تربط تنفيذ الحكم التحكيمي بسلامته في بلد المنشأ وفي بلد القانون المطبق عليه، وبالتالي فإن القاضي الفرنسي الذي يجري التحكيم على أرضه (تحكيم السليس وليبانسيل) هو غير مقيد بقرارات القاضي اللبناني اي بحكم مجلس الشورى اللبناني. وبالتالي فإن التحكيم يمكن ان يسير بأمان الى نهايته في فرنسا. وعند صدور حكم في باريس لن يتمكن المحتكمون من الاستحصال من القاضي اللبناني على صيغة التنفيذ، ولو كان القاضي الفرنسي قد أعطاها له. وإذ ذاك يمكن للحكم ان ينفذ في أي بلد من البلدان المنضمة الى معاهدة نيويورك على اموال الدولة اللبنانية، باعتبار ان بلد منشأ الحكم هو باريس، وسيخرج الحكم من باريس حائزا على صيغة التنفيذ، إلا إذا استطاعت الدولة اللبنانية إبطاله امام القضاء الفرنسي لسبب غير سبب إبطال البند التحكيمي من مجلس الشورى اللبناني، وهذا صعب جدا. وإلا، فإن الحكم سيذهب الى حيث هناك اموال للدولة اللبنانية في العالم (طائرة او حساب مصرفي مثلا) فينفذ على هذا المال بدون ان يعترضه اي عائق قانوني او قضائي. فلبنان لن يستطيع تنفيذه على ارضه بعد الآن عملا بحكم مجلس الشورى، إلا إذا عادت شركة »سليس« الى تحكيم »اليونسترال« وحينئذ تسير بالتحكيم بدون أي عائق قانوني او قضائي لبناني. والاستثمارات الدولية تتقاضى فورا قيمة الحكم التحكيمي المعطى صيغة التنفيذ من »شركات ضمان الاستثمار في الخارج« في دولها، وبعد ذلك يصبح الوضع امر علاقة سياسية بين دول المستثمرين والدول المضيفة للاستثمارات: الى جانب الضغط السياسي يمارَس ضغط قانوني ولكن الضغط السياسي اهم. بعد هذه المقدمة، نأتي الى عناوين حكم مجلس الشورى فنعرض للاسس التي قام عليها الحكم والانتقاد الموجه اليه، ولا ندافع ولا ننتقد بل نحاول بهدوء ابداء وجهة نظر ثانية على ضوء القانون اللبناني واجتهاده وفقهه، وكذلك على ضوء الاجتهاد الفرنسي الحديث. أولاً: العقد هو »امتياز« وأصول المحاكمات تُلزم بالمحاكم اللبنانية أ نص قانون اصول المحاكمات اللبناني صريح وواضح، ولكن السؤال هو: هل يمكن الخروج عن اختصاص القضاء الاداري قانونا؟ اشارت المادة 77 الى ان المحاكم اللبنانية تعني القضاءين العدلي والاداري، فالدعاوى التي تكون فيها الادارة طرفا تقام امام القضاء الاداري اللبناني، والدعاوى التي تقام من المستفيدين او المتضررين من مشروع الامتياز الذي يقوم صاحب الامتياز باستثماره (المياه او الكهرباء مثلا)، تُرفع امام القضاء العدلي. وقد قدمت دعوى من المستفيدين امام مجلس الشورى اللبناني فردها لعدم الاختصاص، وقدمت دعوى امام القضاء العدلي فقبلها. القانون الفرنسي لم يورد نصا مثل النص الوارد في القانون اللبناني، بحيث يبدو القانون اللبناني اشد تمسكا من القانون الفرنسي باختصاص المحاكم الوطنية. وقد ورد نص مطابق لهذه المادة في المادة 34 من قانون المرافعات المصري، والمادة 9 من قانون اصول المحاكمات المدنية السوري، ونص شبيه في المادة 4 من قانون اصول المحاكمات المدنية الايطالي. فالقانون اللبناني بقوله »تقام الزاما لدى المحاكم اللبنانية« يكون قد ادخلها في حقل القواعد الآمرة في الاختصاص الدولي، وبالتالي اصبحت من صميم النظام العام. ولكن القانون الفرنسي اذا لم يورد نصا كالذي في القانون اللبناني، فانه لم يكن بأي حاجة لذلك، لان القانون الفرنسي يعتبر عقد »الامتياز«، الذي هو ادارة واستثمار مرفق عام، عقدا اداريا بطبيعته (Contrat administratif par nature) وهو من اختصاص مجلس الشورى الفرنسي حصريا، والفقه والاجتهاد الفرنسيان لم يجادلا في ذلك اطلاقا بل ان الفقه والاجتهاد متمسكان بأنه حتى التفرغ عن عقد »الامتياز«، يبقى من صلاحية القضاء الاداري حصرا، فيكون عقد الامتياز في القانون الفرنسي من العقود الادارية التي يعتبرها مجلس الشورى من اختصاصه الحصري والتي لا تقبل منازعاتها الاحالة الى المحكمين. ب اما لجهة القول بأن التزام الدول وتوقيعها يلزمانها ولو كانا مخالفين لقانونها الداخلي، لأن »الفقه والاجتهاد الحديثين يصفان عدم تقيدها بالتزامها بأنه سوء نية«، فإن الفقيه الكبير G.Vedel يقول عكس ذلك تماما فهو ينتقد هذا الرأي ويقول: »طبعا يمكن محاسبة الدولة بالمسؤولية الناجمة عن ترك الغير يعتقد، بحسن نية، بصحة الالتزام الذي اخذته الدولة. والدولة يجب ان تعوض في هذه الحالة على شخص القانون الخاص الاجنبي، ان تعوض عليه الضرر الذي لحقه بنتيجة الخطأ الذي ارتكبته، ولكن هذه الاعتبارات لا تقف عائقا دون ان يكون الاتفاق (البند التحكيمي) باطلا، فالدولة لا تكون ملزمة تعاقديا«. ثانياً: العقد الإداري والتحكيم ممنوعان في العقود الإدارية (النظام العام)، ولا مجال لتطبيق المادة 809 أ. م. (التي تجيز لجوء الدولة للتحكيم) فقرة 1 تطبيق المبادئ العامة للقانون الفرنسي في المجال الدولي ليس لأن القانون اللبناني (الاداري والمدني والتحكيمي) منقول عن القانون الفرنسي يجب اعتماد المبادئ العامة للقانون الفرنسي، بل لسبب عملي وواقعي! فالقانون اللبناني هو شبه ترجمة للقانون الفرنسي، وقد اخذت عن القانون الفرنسي دول اوروبية كثيرة ودول من العالم الثالث اكثر ولكن مجرد اخذ القانون لا يكفي بل يجب العودة الى واقع تطبيقه. ومنذ ان اعتمد الفقه المصري تطبيق القانون الفرنسي، وفي مقدمة علماء القانون المصري عبد الرزاق السنهوري الذي شغل في آخر ايام حياته وفي اول ايام الثورة المصرية، منصب رئيس مجلس الشورى المصري، والذي وضع قوانين معظم الدول العربية (الكويت، سوريا، الاردن، ليبيا، العراق...)، منذ ذلك الوقت ومنذ اعتماد الفكر القانوني المصري الاجتهاد الفرنسي والفقه الفرنسي، فقد كان لذلك اثره الكبير في الفكر القانوني العربي الذي تخرج من جامعات القاهرة ودرس في مؤلفات السنهوري، وقد سار لبنان في هذا الركب العربي؟ وكما يعود الاجتهاد المصري الى الاجتهاد الفرنسي، ويعود الفقه المصري الى الفقه والاجتهاد الفرنسيين، فإن لبنان درج على ادخال الاجتهاد والفقه الفرنسيين في تطبيق قانونه اللبناني! واصبحت المبادئ العامة للقانون الفرنسي جزءا لا يتجزأ من واقع تطبيق القانون اللبناني، وهي مبادئ قانونية فرنسية عامة اصبحت جزءا لا يتجزأ من القانون اللبناني وصارت مبادئ قانونية لبنانية. فكيف يمكن وكيف يحتمل الكيان القانوني اللبناني الذي يطبق مبادئ القانون الفرنسي كمبادئ القانون اللبناني، كيف يمكن وكيف يحتمل الكيان القانوني المترابط المتكامل، كيف يمكنه تطبيق مبادئ قانونية اخرى في المجال الدولي؟ فقرة 2 القانون اللبناني للتحكيم لم يأت على ذكر العقد الاداري ولم يضع قواعد لجوء الدولة للتحكيم، فهل لأن المشلكة مع النظام العام ومع الدستور. يمكن تلخيص مشكلة لجوء الدولة للتحكيم في القانون اللبناني كما يلي: 1 كان قانون اصول المحاكمات المدنية السابق ينص على عدم جواز التحكيم في المنازعات المتعلقة بالدولة والمؤسسات العامة لكونها من المنازعات التي تطلب فيها مطالعة النيابة العامة (م828 408) غير ان القانون الجديد لم يتضمن مثل هذا النص. 2 قانون التحكيم اللبناني الجديد سنة 1983 الوارد في قانون اصول المحاكمات المدنية اعترف في المادة 762 أ.م. في ما خص التحكيم الداخلي، بالعقد التجاري والعقد المدني ولكنه لم يعترف بالعقد الاداري. وهو ان لم يعترف بالعقد الاداري فانه نص في المادة 795 الفقرة 2 على انه: »اذا كان النزاع موضوع التحكيم من اختصاص القضاء الاداري، فتعطى الصيغة التنفيذية من قبل رئيس مجلس الشورى الدولة...« فيكون قد اعترف بطريقة غير مباشرة بجواز التحكيم في العقد الاداري. 3 وكذلك قانون التحكيم الدولي الجديد نص في المادة 809 بصراحة على انه«... يحق للدولة ولسائر الاشخاص المعنويين العامين اللجوء الى التحكيم الدولي«، وتطبق على القرار التحكيمي الدولي وفقا للمادة 815 المادة 795 اي انه اذا كان موضوع النزاع في التحكيم الدولي من اختصاص القضاء الاداري (اي عقدا اداريا)، فإن رئيس مجلس الشورى هو الذي يعطي صيغة التنفيذ. 4 ولكن المادة 61 من نظام مجلس الشورى تنص على اختصاص مجلس شورى الدولة النظر في القضايا الادارية المتعلقة بعقود او صفقات او التزامات او امتيازات ادارية اجرتها الادارات العامة... وبالتالي فان النظر في منازعات العقد الاداري هو من اختصاص مجلس الشورى، والاختصاص القضائي هو من النظام العام الذي لا يجوز التنازل عنه او تعديله باتفاقات خاصة الا اذا ورد نص قانوني يجيزه. من هذه النصوص يتبين: 1 ان المشرّع اللبناني، شأن المشرع الفرنسي في قانون 19 آب 86 حول Euro- Disney Land وحتى المشرع المصري في تعديل ادخله على المادة الاولى من قانون التحكيم اذ اضاف اليها: »وبالنسبة لمنازعات العقود الادارية يكون الاتفاق على التحكيم بموافقة الوزير...« (ان هذا المشرع اللبناني) جاء الى موضوع التحكيم في العقود الادارية على رؤوس اصابعه وبحذر شديد، ولكنه بقي خلف المشرعين المصري والفرنسي بمسافات، وبدلا من الاعتراف بالعقد الاداري اسوة بالعقد المدني والعقد التجاري فانه اغفله في المادة 762، ثم جاء اليه بطريقة غير مباشرة عن طريق اجراءات اعطائه صيغة التنفيذ... فهو اذ اغفل الاعتراف بالتحكيم في العقد الاداري قال في المادة 795 أ. م. ان النزاع التحكيمي اذا كان من اختصاص القضاء الاداري، وهو العقد الاداري بالذات، فإن رئيس مجلس الشورى هو الذي يعطي صيغة التنفيذ، وطبق هذه القاعدة في التحكيم الدولي حيث اجاز للدولة اللجوء الى التحكيم بحيث حسم موضوع اهلية الدولة ولكنه جاء الى العقد الاداري الذي يقوم فيه اشخاص القانون العام بممارسة سلطة عامة، جاء اليه بطريقة ملتوية، اذ نص على ان الصيغة التنفيذية يعطيها رئيس مجلس الشورى، اذا كان النزاع من اختصاص القضاء الاداري، فيكون قد عالج الموضوع من ناحية اصول المحاكمة ولم يعالجه في الاساس. 2 ومن الواضح ان المشرع تجنب وضع نظرية عامة للتحكيم في العقود الادارية التي يقوم فيها اشخاص القانون العام باستعمال امتيازات السلطة العامة ولا وضع قواعد لجوء الدولة الى التحكيم الدولي، وفضل ان يخطو خطوة الى الامام بإجازته للدولة اللجوء الى التحكيم، ثم خطا خطوتين الى الوراء حين تجاهل وضع العقد الاداري الذي يقوم فيه اشخاص القانون العام باستعمال امتيازات السلطة العامة، حاصرا تدخله بتنظيم اصول المحاكمة والصيغة التنفيذية من دون اساس الموضوع. 3 والمشرّع يعرف انه يدخل في درب كله الغام قانونية ودستورية ونظام عام، لهذا يأتي الى الموضوع بحذر شديد وعلى اطراف الاصابع وبطريقة غير مباشرة، تاركا للاجتهاد ان يكمل الطريق وتاركا للفكر القانوني ان يتحرك. فقانون نظام مجلس الشورى ينص على اختصاص مجلس الشورى للنظر في العقود الادارية التي يقوم فيها اشخاص القانون العام باستعمال امتيازات السلطة العامة، ومجلس الشورى يعتبر هذا النص من المبادئ العامة للقانون العام، التي كرس المجلس الدستوري في فرنسا قيمتها الدستورية، فضلا عن ارتباط الاختصاص القضائي بالنظام العام، فيكون موضوع التحكيم الدولي في العقد الاداري ولجوء الدولة الى التحكيم فيه، موضوعين خطيرين يعيقان على المشرع حركته: أ النظام العام الذي يتمسك به القاضي الاداري والذي هو اختصاصه القانوني في العقود الادارية التي يمارس فيها اشخاص القانون العام امتيازات السلطة العامة. ب دستورية نظام مجلس الشورى الذي ينص على اختصاص مجلس الشورى للنظر في العقود الادارية وهو اختصاص كرسه المجلس الدستوري الفرنسي واعتبر اختصاص وصلاحيات مجلس الشورى الفرنسي متعلقة بالدستور وبالتالي اصبح تعديل هذا الاختصاص وهذه الصلاحيات بحاجة ليس لتعديل قانون مجلس الشورى بل لتعديل الدستور الفرنسي... وسنأتي الى تفصيل ذلك في ما بعد... ج دستورية المبادئ العامة التي يستند إليها مجلس الشورى للتمسك باختصاصه ذلك ان مجلس الشورى الفرنسي واللبناني اعتمدا في تمسكهما باختصاصيهما على »المبادئ العامة للقانون العام« التي اعطاها المجلس الدستوري الفرنسي قوة دستورية اذ اعتبرها متعلقة بالدستور، ونابعة منه، كما بينا سابقا وبالتالي فإن القانون الذي يحدد اختصاص مجلس الشورى له قوة دستورية ويحتاج الى تعديل لاختصاصه ويحتاج ليس الى قانون يعدل القانون المعمول به... بل الى تعديل للدستور!! ولم يعرف موقف المجلس الدستوري اللبناني من هذا الموضوع بعد؟ اذا طرح عليه. من هنا نفهم ان القاضي اللبناني في تطبيقه لهذه النصوص، سلك مسلك الاجتهاد الفرنسي، الذي طبق المبادئ العامة للقانون العام الفرنسي كأساس لموقفه القضاء الاداري اللبناني قال بعد صدور قانون التحكيم الجديد سنة 83 »لا« للعقد الاداري في التحكيم، والقضاء العدلي قال بعد صدور قانون التحكيم الجديد »نعم« للجوء الدولة للتحكيم حين يكون الشخص المعني خاضعا للقانون الخاص وليس العام دون ان يتعرض لموضوع العقد الاداري. 1 مجلس شورى الدولة كان قبل صدور قانون التحكيم اللبناني الجديد يرفض التحكيم في العقود الادارية حين يقوم اشخاص القانون العام باستعمال امتيازات السلطة العامة. وبقي موقف مجلس شورى الدولة هو نفسه بعد صدور قانون التحكيم اللبناني الجديد سنة 1983. ففي نزاع بين وزارة المال وشركة مدريكو يقول مجلس الشورى في قرار اصدره في 1 شباط 1988، انه من حيث المبدأ فإن لجوء الاشخاص المعنويين للقانون العام الى التحكيم هو محظور في غياب نص قانوني...! اذاً فإن مجلس الشورى لم يعتبر ان قانون التحكيم الجديد قد جاء بجديد. 2 محكمة التمييز قررت في حكم اصدرته في 23 شباط 1999 ان شخصا من اشخاص القانون العام يتولى ادارة مرفق عام صناعي وتجاري هو ملتزم بالاتفاق التحكيمي الذي ابرمه في الاطار الداخلي والنزاع كان بين شركة »تلفزيون لبنان« التي تملك الدولة معظم اسهمها، والتي قدمت مراجعة امام محكمة التمييز ضد الحكم الاستئنافي وبنت المراجعة على ان التحكيم محظور على اشخاص القانون العام ولكن محكمة التمييز اعتبرت ان »تلفزيون لبنان« خاضع في ادارته لقانون التجارة وبالتالي فإن المرسوم رقم 412/87 الذي يعهد إليه بإدارة مرفق عام لا يغير من طبيعته وبالتالي فإن التحكيم جائز والعقد الذي أبرمه شخص القانون العام هو قانوني. ويلاحظ ان محكمة التمييز ايضا كانت حذرة في قرارها فهي لم تحسم وضع اشخاص القانون العام الذين يقومون باستعمال امتيازات السلطة العامة، بل هي اعتبرت العقد التحكيمي نافذا لأن الشخص خاضع لقانون التجارة وبالتالي لا يقوم باستعمال امتيازات السلطة العامة. هذا على صعيد القانون التحكيمي الداخلي... على ضوء ذلك كله وفي التحكيم الدولي... هل يمكن القول ان العقد الاداري يمكن ان يكون دوليا وبالتالي يخضع للنظام العام الدولي؟ وهل النظام العام الدولي يجيز ما يمنعه النظام العام الداخلي بخصوص اختصاص القاضي الاداري في العقود الادارية؟ وهل يمكن الاعتراف بالعقد الاداري الدولي؟ سال حبر وما زال يسيل حبر كثير في هذا الموضوع الذي ما زال عالقا في العلم والاجتهاد. العقد الاداري الدولي لا يمكن ان يبصر النور الا عن طريق القضاء الاداري ذاته الذي بتطبيقه المقاييس التقليدية للعقد الاداري الداخلي على عقود تتضمن عناصر خارجية بالنسبة لنظام القانون الداخلي، يمكنه وحده ان يثبت ويحدد العقد الاداري ويعترف به. وما زلنا بعيدين عن هذا الاعتراف في العلم والاجتهاد. فالعلم والاجتهاد في البلاد التي يفصل نظامها القانوني والقضائي بين القضاء الاداري والقضاء العدلي ما زال يعتبر امر العقد الاداري الدولي فيها صعبا. إما عقد اداري او عقد دولي. العقد الدولي بنده التحكيمي تحميه المحاكم العدلية وعلى رأسها محكمة التمييز، والعقد الاداري يحميه القاضي الاداري الذي يرفض ان ينظر التحكيم الدولي في المنازعات الادارية للشخص العام حين يمارس امتيازات السلطة العامة، ليس لأن القاضي الاداري لا يقبل ان ينظر حتى القاضي العدلي في مثل هذه المنازعات بل لأن التحكيم الدولي سيطبق القانون المدني بدلا من القانون الاداري. فيكون النزاع الاداري قد انتقل من قضاء الى قضاء آخر ومن قانون الى قانون آخر، وهذا ما يعتبره القضاء الاداري مخالفا للنظام العام ومخالفا لازدواجية القضاءين العدلي والاداري. ومن الصعب الاعتراف بالعقد الاداري الدولي في هذا الاطار القانوني. وسيبقى هناك اضطراب وسيبقى القاضي العدلي يعطي صيغة التنفيذ للحكم التحكيمي الدولي الذي فيه شخص عام يمارس سلطة اذا لم يبطله القاضي الاداري قبل ذلك، وسيبقى القاضي الاداري متشبثا بإبطال البند التحكيمي الذي فيه شخص عام يمارس سلطة عامة في كل الانظمة القانونية والقضائية التي فيها قضاء عدلي وقضاء اداري فإما ان يوحد القضاءان وإلا فلن تخفف من حدة هذا الوضع سوى الاتفاقات التحكيمية الدولية مثل اتفاقية انشاء مركز واشنطن لحسم منازعات الاستثمار بين الدول ومواطني الدول الاخرى واتفاقية نيويورك لتنفيذ الاحكام التحكيمية الاجنبية. وفي هذا الاطار يمكن الاعتراف بأن حكم مجلس الشورى كان تقليديا منسجما مع العلم والاجتهاد في البلدان التي تفصل بين القضاء الاداري والقضاء العدلي، كما هو وضع النظام القانوني اللبناني، ولا يمكن وصف حكم مجلس الشوري بأنه معاد للاستثمارات لانه تمسك باختصاص القاضي الاداري في العقود الادارية التي فيها شخص عام يمارس امتيازات السلطة، بل نحن نلاحظ من حكم مجلس الشورى انه حين وجد متسعا للتقدم خطوة نحو تقديم التحكيم كضمان للاستثمارات الدولية، فإنه لم يتبنّ موقف مجلس الشورى الفرنسي الذي اعتبر ان الاتفاقية الدولية التي انشأت مركز واشنطن لحسم منازعات الاستثمار بين الدول ومواطني الدول الاخرى غير ذات اثر في اجازة لجوء الدولة للتحكيم في العقود الادارية. مجلس الشورى اللبناني في حكم »سليس«، على عكس مجلس الشورى الفرنسي، اعتبر ان اتفاقية حماية الاستثمار بين لبنان وفرنسا لها اولوية على مبادئ القانون الاداري التي تبطل البند التحكيمي وهكذا بعد ان ابطل البند التحكيمي عاد فأحيا التحكيم ولكن مستندا لكون الشركة اللبنانية هي في معظم رأسمالها فرنسية، اي انه اعترف بالعناصر الخارجية لعقد اداري حول عملية استثمار دولي. ثالثا: نعم للتحكيم... ولكن أي تحكيم؟ احالة النزاع الى التحكيم الدولي لا تعني احالته الى قضاء عادل ومتوازن، اذ هناك هذه الايام ازمة تعصف بالثقة بالتحكيم بين الدول الصناعية ودول العالم الثالث! فالتحكيم الدولي لم يعد قضاءً، فيه كل الثقافات القانونية والقضائية، وفيه عدل وإنصاف، وفيه يطبق القانون الذي اتفق الاطراف على تطبيقه، بل اصبح فيه اسياد وجوارٍ، وصيحة العالم الثالث تملأ الدنيا بأنه بكل دولة غريب في التحكيم الدولي كما هو الآن! العرب في التحكيم الدولي اصبحوا كالايتام على مآدب اللئام... على كل عشر دعاوى فيها طرف عربي... يربح الطرف العربي دعوى واحدة، ويخسر تسع دعاوى! لهذا اخذت مجالس وزراء الدول العربية تتخذ قرارات بعدم اللجوء الى التحكيم الدولي الا في حالات الضرورة القصوى وعلى سبيل الاستثناء من الكويت الى ليبيا الى السعودية الى سوريا الى تونس الخ... والمحكمون هم انفسهم دائما مجموعة من ثلاثين الى خمسين محكما اوروبيا، هم الذين يحسمون خلافات الاستثمارات الاوروبية في البلاد العربية، ومقر التحكيم دائما هو باريس او لندن او جنيف! التحكيم اصبح »مافيا« اوروبية تحاكم الدول العربية المضيفة، والقاعدة الاساسية في التحكيم كانت Tant vaut lصarbitre vaut lصarbitrage، على قدر ما يساوي المحكم يسوى التحكيم ولكن المحكمين الاوروبيين اصبحوا هم انفسهم دائما وعكس ما هو مطلوب. كل الدول العربية اخذت تواجه هذا الواقع بسياسة تحكيمية، فلا مفر من التحكيم، ولكن التحكيم الدولي يجب ان يكون عادلا وان يكون في البلاد العربية كما في اوروبا بأيد امينة، المحكمون فيه يجب ان يكونوا متعددي الثقافات القانونية ومنفتحون على ثقافات وحضارات غير ثقافاتهم، وملمون بثقافات قانونية غير ثقافتهم، منفتحون على العالم غير منغلقين على تعصبهم! والتحكيم الدولي يجب ان يكون فيه محكمون عرب... ويجب اعتماد انظمة تحكيمية تراعي التوازن بين الشرق والغرب. كيف يكون ذلك؟ وما هي السياسة التحكيمية المطلوبة حتى لا يذهب لبنان الى التحكيم فيرجع وقد زادت ديونه مليارات جديدة بدون وجه حق وبدون عدل؟؟. للدلالة على ان ازمة التحكيم الدولي العربي تعصف وان الثقة بالتحكيم تتهاوى، يكفي إلقاء نظرة على شهادة كبار من العاملين في تحكيم العالم الثالث والتحكيم العربي المماثل امام التحكيم الدولي، هؤلاء العلماء من اوروبا والولايات المتحدة ومن العالم الثالث، وهؤلاء يقولون للعرب: ان وضعكم حزين وان العالم الثالث في التحكيم هو كالايتام على مآدب اللئام. فلنلق نظرة الى هذه الاقوال وهذه الشهادات. 1 التحكيم عدالة اجنبية في احتفال محكمة تحكيم غرفة التجارة الدولية في باريس بالذكرى الستين لتأسيسها، وقف وزير العدل النيجيري وعضو محكمة العدل الدولية القاضي M. BAYE يقول عن التحكيم السائد بين الدول الصناعية ودول العالم الثالث: »ان الفكرة التي تقول ان هناك نظاما دوليا للعدالة، هذه الفكرة لا تشارك فيها دول كثيرة ولا سيما دول افريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، التي تنظر الى التحكيم على انه عدالة اجنبية مفروضة عليها فرضا، فهذه الدول نادرا ما تجري فيها التحكيمات ونادرا ما يسمى المحكمون منها وكما يعرف الجميع فإن التحكيم مقبول ومفروض من الدول الغنية في عقود اذعان تقبل بها الدول الفقيرة لتعيش...«. نعم للتحكيم ولكن اي تحكيم؟. 2 أين الثقافات الاخرى المحكم البريطاني اللورد Mustel قال في مؤتمر التحكيم الدولي الذي عقد في جامعة اوكسفورد في 31 تموز 1999: »يجب ان نحاول تجنب تجميد التحكيم. يجب ان نحاول منع التحكيم من ان يكون محصورا في مصدر واحد«. الا يمكننا ان نستفيد من حكمة وخبرة الثقافات الاخرى غير ثقافات الغرب؟ 3 التحكيم صار اوروبيا ولم يعد يخدم العالم العربي المحكم الاميركي شارلز مولينو قال في مؤتمر التحكيم في جامعة اكسفورد في بريطانيا في 31 تموز 1999: »ان محاضرة اليوم، ترغمنا على التساؤل عما اذا كان التحكيم الدولي يخدم العالم العربي؟ الجواب كما اعتقد هو كلا!«. واضاف: لماذا لا يمكننا ان نحصل في العالم العربي على جرعة من الافكار المختلفة عن التي هي أساس التحكيم الدولي كما هو معروف اليوم والذي اصبح اوروبيا بنوع خاص. 4 النتائج غير المرضية للعالم الثالث في التحكيم سببها نوعية المحكمين وقال رئيس الاتحاد الدولي للمحامين روبينو سامارتاتو: »لكن التحكيم الذي تحتاج اليه بلدان العالم الثالث ليس دائما التحكيم الذي تحصل عليه. في أغلب الاحيان تخسر بلدان العالم الثالث الدعاوى التحكيمية او تطعن بالاحكام التحكيمية«. »وبالفعل، ان التعاطف المتكرر المعبر عنه لدول العالم الثالث ليس الا لتغطية التصرف الذي يسعى لإبقائها في موقف ضعيف للاستفادة منها بعدم معالجة المشكلة وإبقائها (المشكلة) تحت ستار الخبث«. »ان التحكيم ليس اداة لحماية بلدان العالم الثالث بل في أغلب الاحيان، ان يعطي التحكيم نتائج غير مرضية للعالم الثالث، والحق في ذلك ليس على التحكيم بل على المحكمين الذين يجرى اختيارهم« 5 المحكم الدولي يجب ان يكون منفتحا على التعددية القانونية: البروفسور Lalive رئيس هيئة التحكيم في سويسرا هو الذي قال كيف يجب ان يكون المحكم الدولي: »في مسلكه كما في احكامه، فان المحكم الدولي في هذه الأيام يجب ان يثبت ان فكره القانوني مقارن comparatiste، منفتحا على التعددية الثقافية، وعلى الانظمة الاجتماعية والسياسية. من الصعب اعتبار التحكيم من طرف على انه وسيلة مرنة لحسم الخلافات اذا تولاه محكم منغلق على ثقافته وعلى طريقة واحدة في التفكير. 6 قضاة نزيهون ولكن مفهومهم للعدالة يختلف العرب يعترفون بأن هناك بالفعل أزمة ثقة بالتحكيم الدولي عبّر عنها عميد كلية الحقوق في الجزائر بقوله: المحكمون الذين يسمونهم لنا هم قضاة شرفاء نزيهون، ولكن ثقافتهم القانونية غير ثقافتنا ومفهوم العدالة عندهم يختلف عن مفهومنا للعدالة. 7 العالم الثالث يخشى مراكز التحكيم في الدول الصناعية ولا يثق بها الكاتبان ورجلا القانون الانكليزيان Redfern وHunter يقولان: هناك مشكلة بالفعل، ومراكز التحكيم الدولية اصبحت تعي هذه المشكلة، ودول العالم الثالث فقدت ثقتها بالتحكيم، لانها اصبحت تخشى ان تكون المحاكم التحكيمية التي تشكلها مراكز التحكيم في الدول الصناعية، ان تكون متحيزة ضدها من دون مبرر. كذلك فإن من غير المقبول ان لا تكون هناك استقلالية وحياد من الناحية الثقافية والحضارية. 8 لماذا لغة طرف هي لغة التحكيم واللغة أجنبية للطرف الآخر؟ المحكم الفرنسي ماتيو دو بواسيزون يقول في كتابه عن التحكيم: لغة التحكيم لا يجب ان تكون هي لغة العقد... اللغة في التحكيم لها قوة وسلطة، فهي التي تحمل التراث والافكار القانونية التي لا يمكن ترجمتها، لماذا تفرض لغة على اطراف النزاع هي لغة احدهم، هذا يولد عدم تكافؤ... يجب ترك الاطراف يعبرون عن انفسهم بلغتهم، وان تترك للمحكمين وللتحكيم لغة اخرى!. 9 85$ من المحكمين أوروبيون وأميركيون رئيس محكمة تحكيم غرفة التجارة الدولية روبرت برينر قال: لقد ادت حركة الخصخصة الى تزايد الذين يلجأون للتحكيم. ان المخزون من المحكمين في مناطق كثيرة من العالم هو قليل وليس مُعَدا إعدادا كافيا! ان 85$ من الدعاوى المعروضة على تحكيم غرفة التجارة الدولية عيّن فيها محكمون من أوروبا والولايات المتحدة، و90$ من الدعاوى مكان التحكيم فيها كان في أوروبا والولايات المتحدة. وهذا الاختيار يمارسه اطراف النزاع انفسهم، وهذا الخلل في التوازن عائد لقلة ثقة دول العالم الثالث بمحكمي بلادهم. 10 جلسة محاكمة تحكيمية يوم عيد الاضحى.. إذا أعجبكم أهم من ذلك وأخطر... لمعرفة نوعية المحكمين الثلاثين الذين يحسمون خلافات الاستثمار في الدول العربية، نروي هذه الحادثة التي حدثت منذ أشهر وكنت شاهدا عليها في تحكيم جرى في باريس: مرفق عام في بلد عربي بنته شركة اوروبية، ورئيس المحكمة فرنسي ومحكم آخر ايطالي، وعيّنت جلسات استماع الشهود من 15 شباط الى 15 آذار 2001، وصادف عيد الاضحى المبارك خلال ذلك، فكتب محامو الطرف العربي يطالبون بتعليق جلسات المحاكمة يوم عيد الاضحى بحيث يمضي الشهود والمحامون يوم العيد مع عائلاتهم، فأجاب رئيس المحكمة الفرنسي برسالة من سطر واحد يقول: »أحيلكم الى الامر الاجرائي رقم... الذي حدد تواريخ جلسات المحاكمة« ورفض بهذا الازدراء الطلب وحتى مناقشته. وفي أول أيام جلسات المحاكمة طلب احد المحامين الكلام وقال ان المحاكمة لو كانت في القاهرة وكان فيها محكمون فرنسيون يوم عيد الميلاد ورأس السنة وكان رئيس المحكمة مسلما وعربيا فانه كان سيعلق اجراءات المحاكمة ليوم واحد. فعاد رئيس المحكمة يقول: »هذا قرارنا وافعلوا ما تشاؤون«. فقال المحامي: »هذا مس وعدم اعتراف بتقاليد وأعراف بلادنا«. فتصدى المحكم الايطالي ليهدد بتقديم دعوى قدح وذم ضد المحامي. 11 التحكيم الدولي خادم الاستثمارات في الدول المضيفة هذا هو التحكيم الاوروبي الذي يحكم للاستثمارات الاوروبية في العالم العربي، مرفق عام جرى بناؤه في بلد عربي وقيمة العقد 380 مليون دولار... انهت الشركة الاوروبية البناء، وقدمت دعاوى تحكيمية بقيمة 100 مليون ثم 200 مليون وانتهت الى 500 مليون. والمحكمون هم أنفسهم من الثلاثين محكما اوروبيا.. وسيحكمون.. كما تدل البشائر بما تيسر من كرمهم الاوروبي للشركة الاوروبية. هل هذا هو التشجيع المطلوب للاستثمار. 12 اميركا اللاتينية مرت من هنا ومنعت التحكيم في دساتيرها: »كالفو« رجال القانون العرب يقولون: يسوقوننا الى المسلخ! الى مراكز التحكيم الاوروبية، المافيا انشأت طابورا عربيا خامسا تضعه في الواجهة للتصدي لأي محاولة تعيد النظر في هذه الاوضاع الفاسدة! الذي يحصل اليوم في تحكيمات الاستثمارات في البلاد العربية، حصل مثله في اميركا اللاتينية منذ خمسين سنة، وبنتيجة ذلك اعتمدت كل دول اميركا اللاتينية وقتها ما سمي بمدأ »كالفو« وهو عالم قانون أرجنتيني نبه الى ان التحكيم هو واجهة لكي تستغل الاستثمارات خيرات اميركا اللاتينية تحت ستار التحكيم، وتوظف مئة مليون دولار وتريد ان تربح مليار دولار في سنتين عن طريق التحكيم. وأدخلت دول اميركا اللاتينية في دساتيرها نصا يحرم التحكيم. هل سنصل الى مثل ذلك في العالم العربي؟ ان اكثر من كالفو عربي يقرعون الاجراس. 13 الامانة العامة لجامعة الدول العربية تحركت منذ أربع سنوات وقرعت ناقوس الخطر في 30 نيسان 1997 وجهت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية دعوة لاجتماع تحضيري عقد في 8 أيار في غرفة التجارة في عمان وورد في الدعوة: »ارجو التفضل بالاحاطة انه ازاء ما لوحظ في الآونة الاخيرة من اتجاه العديد من الشركات الاجنبية مثل شركات تأمين الصادرات ضد المخاطر في اوروبا الى فرض شروط تحكيم اجبارية تسمى مؤسسات او غرفا اوروبية بعينها على عقود التجارة الاوروبية العربية مما يشكل للتجارة العربية تحكيما الزاميا لجهات تحكيم اجنبية، وهو ما يتعارض مع حرية التجارة وما ينبغي ان يكون من حرية في وضع شروط التعاقد، بالاضافة الى ما عانت منه البلاد العربية من تحيّز ضد قضاياها التي جرى التحكيم فيها في بعض المؤسسات التحكيمية الغربية، ازاء ذلك، اوصى »السيد« الدكتور الامين العام لجامعة الدول العربية بضرورة العمل على مقاومة هذه الضغوط وتحرير التجارة العربية الاوروبية والعمل على التصدي للتيارات المنافسة التي تعمل على تقليص دور التحكيم العربي بوجه عام. ومن هذا المنطلق، رأى »سيادته« اهمية عقد مؤتمر عربي لبحث هذا الموقف«. 14 توصيات! وعقد المؤتمر لبحث الازمة في جامعة الدول العربية في 23 تشرين الثاني سنة 1997، وبحث الامر واتخذت مقررات وتوصيات احيلت للدول العربية، ثم عقد في دبي اجتماع آخر في غرفة التجارة لمتابعة البحث في التوصيات... واخيرا تشكل اتحاد للتحكيم العربي من مراكز التحكيم والمحامين والقضاة من اجل السهر على حماية التحكيم العربي. 15 اجتماع في لاهاي في تشرين المقبل لعله يجد حلا يعقد اجتماع في لاهاي في 12 تشرين الاول المقبل لبحث اعتماد اعتماد نظام اليونسترال للاستثمارات الاجنبية في البلدان العربية المضيفة على ان تكون سلطة تسمية المحكمين هي الاتحاد العربي للتحكيم الدولي. هذا من واقع التحكيم العربي بشهادة من يشهدون من أهله... والمطلوب قبل ان نذهب الى التحكيم ان نذهب الى تحكيم عادل متوازن. كثير من الدول العربية سارت اشواطا على هذا الدرب وكانت لها سياستها التحكيمية. في دول الخليج اتخذ وزراء التجارة في دول مجلس التعاون الخليجي قرارا في آب 2000 في اجتماعهم في البحرين يوصي التجارة الخليجية باللجوء الى تحكيم مركز تحكيم الخليج. 16 التجربة المصرية كانت ناجحة وفي مصر عدلت الدولة قوانينها واعترفت بالتحكيم في العقد الاداري، وصار البند التحكيمي يرد في كل عقود الاستثمار، ولكن الدولة كانت تصر على ان يحال التحكيم الى مركز القاهرة التحكيمي، والا فان مكان التحكيم هو القاهرة، والقانون المطبق هو القانون المصري. وهكذا أصبح مركز تحكيم القاهرة مركزا تحكيميا استقطب التجارة العربية لأن مصر بقوتها وقفت وراءه، ومركز تحكيم القاهرة لم يعد مصريا بل صار دوليا فيه من كل دول العالم. ومصر والبلاد العربية فيه ليست كالايتام إلى مآدب اللئام، بل صار التحكيم متوازنا يُرضي الاستثمار في حقه ولا يحول الدول المضيفة الى بقرة حلوب! 17 مطلوب في لبنان... سياسة تحكيمية وفي لبنان مطلوب سياسة تحكيمية تدرس البنود التحكيمية في عقود الاستثمار: القانون المطبق؟ النظام التحكيمي المطبق؟ مركز التحكيم الذي تحيل اليه؟ لغة التحكيم؟ مكان التحكيم؟ بقليل من الحكمة والحزم يمكن ان تصبح بيروت مركز التحكيم في هذه العقود... ولم لا؟ ويصبح القانون اللبناني هو المطبق، ولم لا؟ ويحال الى مركز تحكيمي متوازن: مركز تحكيم القاهرة، مركز تحكيم اوروبي عربي... ولم لا؟ وبعد ذلك، مركز تحكيم بيروت، ولم لا؟ ويعيَّن محكمون اوروبيون لهم ثقافات قانونية بالاضافة الى ثقافاتهم، منفتحون على العالم غير منغلقين على عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم وقانونهم، والعالم ينتهي عندهم على حدود بلادهم. محكمون معروفون في أوروبا بانفتاحهم ومعرفتهم بثقافة الشرق وقربهم منها وليس الذين يكرهون الشرق من المتعصبين الذين هم ثلاثون محكما يحكمون اليوم. ويقولون للمحامين العرب يوم عيد الاضحى: لا تحجوا ولا تمضوا العيد مع عائلاتكم... واذا عجبكم هؤلاء الحاقدين فبماذا سيحكمون؟ وتنتهي مسرحية التحكيم الذي تصدر احكامه يوم تشكيل المحكمة التحكيمية وحين يعرف اسماء محكميها.. * دكتور في الحقوق الأمين العام لمجلس التحكيم الدولي الاوروبي العربي في باريس الامين العام المساعد للاتحاد العربي للتحكيم الدولي في القاهرة.