As Safir Logo
المصدر:

»صابئة القرآن وصابئة حران« لتارديو حين يترجم المرء ما يجهل

المؤلف: خطاب عبد اللطيف التاريخ: 2001-08-10 رقم العدد:8973

تقع مدينة حران فوق منابع نهر البليخ، احد روافد الفرات في مجراه السوري، في منطقة الجزيرة العليا (في تركيا الآن)، دخلت حران التاريخ منذ تأسيس مملكة الميتانيين، وخرجت منه حين غزاها المغول، وهجر جميع سكانها الى المدن المجاورة، مثل الموصل وماردين، ولها منزلتها الخاصة في نظر علم الاستشراق، فقد كانت اسوارها معبدا للإله البابلي الأكدي، سين القمر، وقد افاض المؤرخون العرب في تناول شعائر ومعتقدات الحرانيين، وانصبت جهود الاستشراق، لا سيما الفرع الجرماني منه، في تحديد موقف الحرانيين الايديولوجي بأدق مما كانت تستطيعه المصادر الكلاسيكية، ولكن هذه الجهود الاستشراقية لم تصل الى بغيتها بشكل واضح حسب رأي ميشيل تارديو ذلك ان علماء الاستشراق تعثروا بحل مرموزات اللغز الصابئي الحراني، الذي يخفي لغزا اخر هو لغز الصابئة الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم في مواضع كانت متمايزة، فمواقف الاستشراق النقدية، التي عقدها كل من المستشرقيْن: مرجليوث، بدرسان، والباحث جان هيارب، بخصوص مقولات المستشرق خوولسون في كتابه »الصابئة والصابئون«، المطبوع في بطرسبرج عام 1856، لا يمكن ان تؤدي الى كشف اللغز الصابئي كشفا متبصرا في النصوص القرآنية، وكذا في الفلسفة الافلوطينية بموروثها الحراني، ومن ناحية اخرى يبدو ان الدكتور ماكس مايروهوف الذي ظهر بحثه في سبتمبر سنة 1930، ضمن محاضر جلسات الاكاديمية البروسية للعلوم، قسم الدراسات التاريخية والفلسفية بالمجلدة رقم/23/، ومبحثه موسوم بعنوان: »من الاسكندرية الى بغداد«، ادخل السر الصابئي من المنظومة الفلسفية التي انتقلت من يونان الى العرب، لكن هذه المسائل الخلافية ولا سيما بعد الحفريات المعرفية من وقت كتابة تاريخه، تتطلب موشورا معرفيا اكثر انسانية. اما رؤية المسعودي المدونة في مروج الذهب والمسعودي هو الوحيد من بين المؤرخين العرب الذي زار حران فهي انه رأى على باب مجمع الصابئة نقشا مكتوبا على مدقة الباب قولا لافلاطون مأخوذا من مطارحاته الفلسفية »ألسبياد«، وقد ترجمه للمسعودي مالك بن عقبون والعبارة هي: (من عرف ذاته تأله)، وقد قال افلاطون ان الانسان نبات سماوي، الا ترى انه شبيه شجرة منكوسة اصلها الى السماء وفروعها الى الارض. وربما تدل رواية المسعودي هذه الى ان اكادمية حران هي اكاديمية افلوطينية، استقلها افلوطينيوها من مدرسة الاسكندرية وتلميذها النجيب فرفوريوس الصوري صاحب التساعيات، وهذه الاكاديمية تتسم بالهيللينية، و الهيللينية Hellenismus والصفة منها هيلليني hellenistisch، كذا بالجرماني ومعناها: على طراز اليونان وطريقتهم. وهي تطلق على طابع الفكر والحضارة القديمة في العصر الذي بدأت به فتوحات الاسكندر المقدوني للشرق انتهاء بعصر اغسطس، اي من سنة 336 ق.م الى 30 ق.م تقريبا. ويمتاز هذا العصر بامتزاج الفكر اليوناني بالروح الشرقية (افلاطون يوناني، اما افلوطين السكندري وفرفوريوس الصوري فهيللينيان) وقد حاولت الهيللينية ان تنزع صفة مركزية يونان بأن تمحو الطابع القومي الذي قامت على اساسه ثقافة يونان، وتريد اقامة عبادة الانسانية عامة على قولة ادورد ماير. وبسبب الثنائية اللغوية والموقف الثقافي الاجتماعي لحران كبوتقة حضارية تمزج بين مختلف الثقافات والاعراق، احتضنت حران منفي اثينا بعد الاتفاق الفارسي الرومي بين كسرى انوشروان والامبراطور جوستنيان، اما النصوص القبطية الجديدة التي تم العثور عليها في نجع حمادي فتشهد على علاقة التواشج ما بين الغنوض والصابئة، غير ان المفهوم القرآني للصابئة ينحو منحى اخر، فسورة المائدة تصنفهم صراحة انهم من اهل الكتاب، ويقتضي هذا انه كان لديهم انذاك، مثل اليهود والمسيحيين، كتبهم الخاصة بهم، التي ينتسبون اليها وهم من حفظتها ومستخدميها، تلك »الكتب« كانت متمايزة كل التمايز عن تلك التي ل»الذين هادوا« من اتباع النبي موسى عليه السلام، وعن تلك التي ل»النصارى« اتباع الناصري عيسى عليه السلام، ونظرا للموقع المتوسط الذي يشغله الصابئة بين اليهود والمسيحيين في سورتي »البقرة« و »المائدة« فلا بد ان تلك الكتب كانت ذات عناصر مشتركة مع هؤلاء وأولئك. ان من اولى شرايط الترجمة، ان يكون المترجم عارفا بالمادة التي يترجم منها، ويدرس موضوعها ومبحثها جيدا، حتى وان اسعفته القواميس والمعاجم المختصة بموضوعه، فان لم يكن عالما وفنانا بالموضوع المترجم عينه، كان ذلك وبالا على الترجمة، وسأورد بعض مغالطات المترجم حرفوش، والتي لا يمكن ان يخطئ فيها من له ادنى دراية بالموضوع المترجم منه، لقد تصدى الحرفوش لموضوع يجهله كل الجهل، فجاءت ترجمته خليطا من الطلسمات والمعميات، لا سيما وان المبحث يستلزم معرفة باللغات الجرمانية والاغريقية القديمة واللاتينية، وهذه اللغات اينما وردت في كتابنا هذا، كان الاستاذ حرفوش يضعها بنصها دون ترجمتها الى العربية، وسنبحث الان بعض النواقص والمغالطات. تصويبات على الترجمة: ذكر المؤلف ميشيل تارديو كتاب غاية الحلم المعروف في الغرب تحت عنوان PICATRIX بفضل الترجمة اللاتينية في القرن الثالث عشر، كان على المترجم ان يضع هامشا لهذا المتن، وهو بالتقريب: كتاب غاية الحكيم المعروف بالغرب باسم PICATRIX واسمه كاملا هو »غاية الحكيم وأحق النتيجتين بالتقديم«، وقد كتب المستشرق هلموت رتر مقالة بعنوان: »غاية الحكيم، كتاب عربي في السحر الهيلليني«، وهو كتاب في السحر والطلمسات، نسبه المتأخرون من المسلمين الى مَسْلَمة بن احمد المجريطي (من مدريد)، الرياضي الاندلسي المشهور المتوفى سنة 398ه، وعرف عند اللاتينيين في العصور الوسطى بإسم P ICATRIX، وكان له اثر كبير في المشتغلين بالسحر في العصور الوسطى المسيحية، وقد طبع الاصل العربي المستشرق الاستاذ هلموت ريتر مع المستشرق مارتين بلسنر، في لايبزغ سنة 1933. وللاستزادة راجع كتاب لين ثورنديك »تاريخ السحر والعلم التجريبي في الثلاثة عشر قرنا الاولى من ميلاد المسيح« بالانكليزية. ويترجم الاستاذ سليمان حرفوش الفقرة المتعلقة بانتقال مدرسة الاسكندرية الى بغداد ما نصه: »وفي كتاب »التنبيه« فقرة، تلخص شرح كتاب فنون المعارف وما جرى في الدهور السوالف«، وهو كتاب مفقود اليوم، وكان ماكس ميرهوف MAX MEYERHOF من دون تدقيق كاف، قد استعان به في كتابه "ALEXANDRIEN VON BAGDAD NACHس. نلحظ بداية انه لم يترجم كتاب ماكس ميرهوف من عنوانه الجرماني، وانما ثبت هذا العنوان على جرمانيته، وهذه الصيغة التي وضعها الحرفوش طباعيا هي خاطئة وانما المبحث ذاته عنوانه الجرماني هو هكذا VON ALEXANDRIEN NACH BAGDAD وترجمته من الاسكندرية الى بغداد للدكتور ماكس ميرهوف، وقد ظهر هذا البحث في سبمتبر سنة 1930 في محاضر جلسات الاكاديمية البروسية، قسم الدراسات التاريخية والفلسفية، مجلده رقم 23. اما المستشرق العظيم ميكال دي خويه فيصبح لدى مترجمنا الحصيف اسمه غوج GOEJE كما ورد في ص22 وكما يرد في الهوامش والمتون، ولما لم يكن المترجم عارفا بجنسية المستشرق الهولندية، فقد ترجم اسمه اعتباطا عن اللغة الفرنسية، فمن يتصدى لمبحث استشراقي ولا يعرف من هو ميكال دي خويه؟ اما الاهوار العراقية فهي ترد في ترجمته بإسم المستنقعات العراقية، وهذا يدل على ان الحرفوش ليس جاهلا بموضوع الترجمة التي تصدى لها، وانما جاهل في تاريخ امته ومنطقته العربية. وكذا عندما يترجم ما نصه: ».. هذا وان ابن ابي أُصيبعة يؤكد في كتابه عيون الأنباء في طبقات الاطباء المؤلف في 460 ه/1242م انتقال مدرسة الاسكندرية اثناء وصول عمر الثاني الى الخلافة في 99 ه/717م«. هكذا يصبح اسم الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بإسم عمر الثاني، وحتى لو وردت في كتاب المؤرخين العرب هذه التسمية، اقصد عمر الثاني، كان يجب على المترجم الضليع ان يشير الى ان عمر الثاني هو الخليفة الاموي عمر بن عبد العزيز. اما المستشرق خوولسون فيصبح لدى مترجمنا اسمه كولسن وكتابه »الصابئة والصابئون« يصبح اسمه »الصابئون والمذهب الصابئي« باضافة كلمة المذهب، مع العلم انه ثبت اسم الكتاب بالفرنسية ما ترجمته »الصابئة والصابئون«، وقد طبع الجرماني خوولسون كتابه الصابئة والصابئون في بطرسبرج سنة 1856، وقد ورد في جزئه الاول اسم اكثر من 39 عالما من الصابئة من بينهم رياضيون وفلكيون كثر. ومدينة مَلَطْية، وهي من اعمال تركيا حاليا، وهي في الجزيرة الفراتية العليا يصبح اسمها ميليطية عند مترجمنا، والعالم دينسيوس التلمحري يصبح اسمه داني تل محرة!! اما العالم الجزائري محمد اركون فيصبح اسمه م.اركون، ود. عبد الرحمن بدوي يصبح اسمه عند مترجمنا عبد بدوي، وكتابه: التراث اليوناني في الحضارة الاسلامية ودراسات كبار المستشرقين، يصبح اسمه لدى مترجمنا انتقال الفلسفة اليونانية الى العالم العربي، هذا غيض من فيض من المجزرة التي قام بها الاستاذ سليمان حرفوش، وهذا ما استطعت ان اجده على عجالة في هذه المجزرة الترجمة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة