تحت مطر من الورد الأبيض كان لهنيهة خلت يزين حافة المسرح الكبير، وهدد »هطوله« بإيذاء المغنية، ووسط ضباب جبلي كثيف اكتنف المكان وظنه الناس للحظة دخانا »مسرحيا«، وعلى وقع أغنية جديدة عنوانها »بيذكر بالخريف« من كلمات زياد الرحباني على لحن اغنية نات كينغ كول »ورق الخريف« التي سبق وترجمت الى كثير من اللغات، انتهت الحفلة الأخيرة من حفلات فيروز وزياد الثلاث في بيت الدين لهذه السنة، من دون أن يخلو الأمر من بعض حالات الاغماء نظرا لشدة انفعال البعض وتراكمهم فوق بعضهم البعض أمام خشبة المسرح وهم يصرخون كما في حفل موسيقى الروك، اسم فيروز. مستدعينها لأكثر من عشر مرات كانت تجتاز فيها أكوام الورد الذي رمي عليها، مستجيبة لرغبتهم في حضورها وصوتها لأربع مرات أعادت فيها »البنت الشلبية« و»انشالله ما بو شي« وغنت »تلفن عياش« والاغنية الجديدة »بيذكر بالخريف«، ثم لمجرد الظهور ومشاهدة ابتسامتها العريضة التي تحولت الى ضحكة »لمرتين« كما أكد أحد الواقفين على الكرسي، لصديقته قصيرة القامة التي غرقت بين القامات في حين كانت تلطم على وجهها وهي تعنف نفسها باللهجة السورية على نسيانها »الكاميرا بالشام«! وفي الحفلات الثلاث، تحولت الدقائق الأخيرة الى فرجة أخرى، في مشهد كلاسيكي يهجم فيه الجمهور، وخصوصا من فئة »طالعين ومش دافعين« الذين كانت تفتح لهم الأبواب في الفصل الثاني، أو أصحاب المقاعد الأرخص ثمنا، الى مقدمة الحضور، فيحتشدون كما لو على موعد أمام فيروز عندما تحين الأغنية الأخيرة في البرنامج، لينتفوا سياج الزهور الأنيق الذي زينت به لجنة المهرجانات المسرح ويرمونها به كما في زفة عروس صارخين حبهم وجوعهم الى المزيد من صوتها ومن أغانيها التي كانت تصبح كل سنة أقرب فأقرب اليهم. وهم في موقفهم ذاك كانوا يعون أنهم تحت أنظار الجمهور و.. فيروز، فيحرصون على التعبير كما لو نكاية »بالدافعين« غاليا والقاعدين في مقدمة الحضور بأعمارهم المتقدمة نسبيا وسلوك أجسادهم المتحفظ، والرافضين بأغلبهم لتجربتها مع زياد على الرغم من حضورهم هنا في المقاعد الأقرب الى المسرح والذي يشبه التأكيد على حبهم لها.. لوحدها. ولقد زاد الطين بلة، تكاثف الضباب في هذه المنطقة الجبلية المرتفعة، مما حجب الرؤية عن الجمهور الأبعد عن المسرح مما دفعهم الى ترك مقاعدهم والاندفاع الى المقدمة متزاحمين على رؤية فيروز التي كانت تغرق مبتسمة في الضباب الجبلي الكثيف الزاحف بسرعة، متسلقين لهذا الغرض الكراسي الفارغة أو.. أكتاف بعضهم البعض. مما فاجأ فيروز على ما يبدو حيث وجدت نفسها في مواجهة »افراد« واضحي المعالم، وليس كتلة مبهمة من »الحشود«. مما ادى الى ضحكها بحياء من هذا الموقف، وهي توجه اليهم الشكر بعد الشكر على هذا التعبير عن الحب الذي لا يحتمل الالتباس. حفل وحفل لكن من حضر الحفل الاخير (31 تموز) لا يمكنه ان يقنع من حضر الحفل الاول (27 تموز)، وخصوصا الفصل الاول منه، بأن ما جرى بالامس من تواصل مثالي بين الجمهور والبرنامج، جرى مع نفس الفرقة المؤلفة من اثنين وسبعين موسيقيا ومنشدا بقيادة نفس المايسترو كارن دورغريان ومع نفس البرنامج دون اي تغيير. فقد بدا هذا الفصل والذي افتتحه زياد بموسيقى مؤلفة من مقطوعتين: النبي لجبران خليل جبران وMEA، باردا، غير قادر على الوصول الى من جاؤا اليه، بأغنياته التسع (شو بخاف/ خليك بالبيت/ بحبك ما بعرف/ ولعت كتير/ الارض لكم/ يا ليلي/ نشكر الله عنا بيانو الغضب الساطع/ رح نبقى سوا) ومقطوعتيه الموسيقيتين (مقدمة بالنسبة لبكرة شو 2/ مقدمة لولا فسحة الامل2) بالاضافة الى الموسيقى الافتتاحية. ومع ان الفصل الثاني من نفس الحفل الاول جاء على قدر توقعات الجمهور، خصوصا بمقطوعته الموسيقية الرائعة »..وقمح« التي كانت من دون منازع نجمة الحفلات الثلاث، واغنيته الجديدة »انشالله ما بو شي« التي خرج الجمهور يرددها من المسرح، الا ان التساؤل بقي عن سبب هذا العطل في التواصل.. فهل كان ذلك بسبب »قصر« هذا الفصل على رأي بعض الجمهور؟ ام بسبب الحضور الرسمي لليلة الافتتاح وابتعاد فئة »الهييصة« عن مركز الحدث وقلة الاماكن المخصصة لهم نسبيا؟ ام ان ذلك كان بسبب ان الصوت، من حيث هو الامر رؤية هندسية وليس معدات (وهي فريدة في تقنيتها المتقدمة في العالم العربي SOUND ON STAGE)، كان خفيضا غير واصل بقوة الى الجمهور الابعد خصوصا، والآتي للامتلاء بصوت الموسيقى وفيروز وليس لمجرد الاستماع؟. يقول بعض اعضاء الكورال، الذين لم نكن نفهم الكلمات اثناء غنائهم في هذا الفصل، انهم لم يكونوا يسمعون صوتهم في »المونيتور«. لكن ما هو »المونيتور«؟ هو عبارة عن جهاز يوضع امام مجموعة او فرد من المغنيين او العازفين. وظيفته ان يكون شاشة صوتية للمغني »يرى« فيها صوته ضمن المشهد السمعي العام، اي مع كامل اصوات الفرقة. مما يتيح للمغني او الموسيقي دوزنه »آلته« مع الصوت الجماعي. وهي هنا، اي الآلة، صوت الكورال في الرواية. وان كان كلام الاغاني غير المعروفة قد بدا غامضا على الجمهور بسبب هذه المشكلة التقنية (مع الملاحظة ان فهم كل شيء من المرة الاولى مستحيل في حفلة حية)، فان هذا السبب لا يكفي لتفسير الامر وان كان يدل على مدى سرعة عطب هذه »البضاعة« المترفة التي هي الموسيقى لمجرد عطل فني »بسيط« وغير مرئي، على الرغم من الجهود الكبيرة المبذولة للوصول بالعمل الى الكمال. وهو كمال كان علينا انتظار اليوم الثاني للاحساس به بوجود جمهور سمّيع، كان يعبّر عن حسن استماعه بالتصفيق لكل عازف كان يتميز في وصلة منفردة او لمقطع لمعت فيه افكار توزيعية، او لتغريد فيروز في بعض المقاطع كما في أغنية »ليلي ليل«. وربما ادى عدم تمكن من لا يسمع من العازفين او الكورال ان كان ما يقوم به هو الصواب، الى ارتباك في اداء الفرقة. وهو احساس قادر برأينا، تماما كما الثقة والشغف، على الوصول بسرعة الى الجمهور. فكيف بجمهور الليلة الاولى الآتي بأغلبه للاستماع الى شيء آخر غير المعلن عنه: اي القديم وليس زياد مع فيروز؟ لكن جمهور الليلة الثانية والثالثة، والذي قدرت اوساط المنظمين عدده بسبعة آلاف شخص في اليلة الاخيرة، كان جمهورا شابا، ازدحم به المكان بعد ان شرع المنظمون الابواب لجمهور الشرفات والمقاهي والاسوار المجاورة الذي »داوم« طوال الليالي الثلاث على الاستماع من الخارج. حيث باعت المقاهي الكرسي المشرف على الحفل بعشرة آلاف ليرة. وقال زوار لقصر المير امين المشرف ايضا من جهة البيسين، ان القيمين عليه رفعوا ثمن العشاء من ثلاثين الفا الى خمسين الفا، ليلة غناء فيروز. هكذا سُدت كل فراغات الممرات بين صفوف الكراسي. وعندما كنت تعثر على مكان فارغ يتبين لك ان فراغه ليس الا بسبب عدم استراتيجيته، وعدم امكانية رؤية فيروز او زياد منه، وبالتالي لم يستطع المنظمون ردع هذا الجمهور الحماسي عن الجلوس ارضا امام المسرح، والهجوم قبيل الاغنية الاخيرة للقيام ب»نمرته« بشكل هستيري هدد بعدم غناء فيروز للاغنية الجديدة التي كانت مفاجأة الحفل. وقد حاول زياد تأخير هذه »النمرة« فقام بشكر المشاركين في العمل واحدا واحدا ممن »وردت اسماؤهم في البرنامج الذي تجلسون عليه ربما« حسب تعبيره لكن من دون فائدة! هكذا حمل الشبان »فتياتهم« على اكتفاهم ليتمكنوا من مشاهدة فيروز تختفي وراء الكواليس محيية تحية اخيرة، لتعود تحت وطأة إلحاحهم لتحيتهم تحية اخرى.. اخيرة! ثم اخرى فغيرها، حتى العشر مرات. لذلك، بدا تدخل زياد ضروريا حين خاطب الحشد الذي أفلت من عقاله: »روقوا شوية اذا بتريدوا«. فاستجابوا بسرعة لسلطته العالية عليهم. مما مكن الموسيقى الرائعة لأغنية »بيذكر بالخريف« من الانسياب قبل ان ترسل فيروز صوتها بكلمات الاغنية التي وضعها زياد. وكما في السنة الماضية واغنية »صباح ومسا« التي غنتها فيروز مع آلات قليلة تم توزيعها اوركستراليا هذه السنة، قدم زياد بصوت فيروز »رسما أوليا« لأغنية جديدة في نهاية الحفل ينتظر ان توزع لاحقا بشكل اوركسترالي. وقد كانت المفاجأة السارة قيام المايسترو كارن دورغريان بمشاركة زياد العزف متخليا عن عصاه السحرية والاستعاضة عنها بالة الفلوت التي بدت لا تقل سحرا بين يديه عن عصاه الاصلية. مما ذكر بمعلومات سبق تداولها عنه كونه بدأ حياته العملية عازفا منفردا على هذه الآلة في الفرقة الفيلهارمونية الارمنية، قبل ان يصبح قائدها. اما المفاجأة الرائعة الاخرى فقد كانت مشاركة الجمهور الآلات القليلة التي عزفت »بيذكر بالخريف« بالعزف على آلة من اختراعه. الا وهي »الطقش« بالاصابع على غرار اغنية »يا محلا ليالي الهوا«. مما طبع الاغنية بسحر »اللايف« عندما يتجلى بأبهى صور الانسجام بين لاعب غير محسوب ردة الفعل، اي الجمهور، ولاعب حسب أدق انفاسه، اي الفرقة. لكن ماذا عن الاغنيات الجديدة الاخرى؟ جيلان » شو بخاف« و»انشالله ما بو شي« من غناء فيروز، »نشكر الله عنا بيانو« من غناء المجموعة (وهي من القديم المحسّن والمعاد التوزيع) و»بيذكّر الخريف« من غناء فيروز، اضافة الى الموسيقى »المدمّجة« بين نبي جبران والميدل إيست التي وقع اختيار زياد على دعمها في الهامش السياسي الذي يخصصه عادة لقضايا الساعة التي تهز البلد، كانت تلك الجزء الجديد من البرنامج. مع أنه يصعب على زياد، خصوصا مع اغراء هذه الاوركسترا الرائعة الضخمة بتصرفه (أوركسترا الأوبرا والباليه الوطنية الارمنية)، أن لا يستفيد من وجودها فيجرب شيئا جديدا هنا ومقطعا جديدا هناك، اما اخراجا كما في مقطوعة »و.. قمح« حيث زاد سولو ال"BASS" وجعل كل الآلات تعزف في وقت واحد مع توزيع الأدوار، أو حذفا كما في »ولّعت كتير« بمقطع الحشيشة الذي اختفى فقصرت الاغنية. أو في أغنية »بعدك على بالي« التي سرع فيها مقطع »مرق الصيف بمواعيدو، والهوا لملم عناقيدو« فبدت الموسيقى أشبه بالمعنى، وغيرت من احساس الايقاع المتساوي في كل مقاطع الأغنية. أو توزيعا أوركستراليا كاملا كما في »صباح ومسا« التي سمعها الجمهور على البيانو في حفلة السنة الماضية. وبذلك يصبح الجديد مبثوثا في كامل البرنامج ولا يقتصر فقط على الأغاني الجديدة. أما بالنسبة لإشارة البداية التي ركز فيها زياد على قضية الميدل إيست بقوله ما معناه: إن بدا غريبا الجمع بين »نبي« جبران والميدل إيست فالأمر ليس بالغرابة التي تظنون. ذلك أن جبران والميدل إيست قيمتان لبنانيتان نفخر بهما. وقد نجح جبران في أن يثبت كقيمة وطنية متمنيا أن تنجح الميدل إيست بأن تصبح هي أيضا من الثوابت الوطنية. بدت هذه الاشارة السياسية الحدثية أقرب الى توجهات زياد ورسائله وما يدعوه عادة الى التعليق، من مجرد اختيار مقطع »الغضب الساطع« من أغنية »زهرة المدائن« التي ألفها الأخوين رحباني بعيد احتلال القدس الشرقية. دون أن يعني ذلك أن زياد لا يحب الأغنية، فهو كان من محبذي غنائها كاملة في عمان ودبي، في حين غنت فيروز منها مقطعا آخر هناك. لكن زياد يعمل في حفلاته على تصميم »جو« كامل وليس الاتكاء على رغبات راهنة للجمهور، فلو غنت فيروز الاغنية كاملة لأخل ذلك بالايقاع العام للبرنامج.. كما أن غناء مقطع »الغضب الساطع« بدا خارج السياق على الرغم من ترحيب الجمهور العارم المتعطش الى الاستماع ل»زهرة المدائن«. ربما لذلك، ثابر زياد على مغادرة المسرح في كل مرة كان يحين دور »الغضب الساطع« وان كان يبقى خارج المسرح أثناء غناء بقية الفصل الأول أي »رح نبقى سوى« وهي أغنية وطنية أخرى. وفي المحصلة العامة، بدت حفلات بيت الدين الثلاث تكريسا وتثبيتا للنتيجة الباهرة التي جاءت بها حفلات بيت الدين السنة الماضية. وإن كانت لم تحسم الجدل التاريخي بين جيلين، واحدهما متعصب للقديم ومقاوم للجديد، والثاني الذي وجد نفسه في الجديد دون تعصب له او رفض للقديم وان بدت درجة تحريبه بالجديد فيها شيء من النكاية بالمتمكنين من دفع ثمن البطاقات الغالية الثمن. وفي الحالتين، بدت فيروز المنتصرة الاكبر، ساحرة، عصاها صوتها الذي كانت ما ان تشير به صعودا كما في اغنية »انشالله ما بو شي« حتى ترفع الناس الى قمة الفرح والظرف. او تشير به الى أسفل فتهبط بهم الى وادي الاحزان الرومنسية كما في الاغنية التي تلتها »لا انت حبيبي« وذلك بفاصل لا يتعدى الدقيقة. وفي المشهد العام بدت وان بشكل طفيف، اكثر حركة وابتساما ونظرا في عيون الجمهور (على الاقل في الحفلة الثالثة) تسمح لجسدها بهامش اكبر من الحركة. او في صدد البحث عن الحركات التي من الممكن القيام بها لحيوية اكثر دون تضارب مع اسلوبها المتقشف. وهي بدت في كل احوالها كقيمة وطنية ثابتة جيلا بعد جيل، بأكثر من ثبات جبران حسب رأينا، لا سيما في درجة تأثيرها بالذاكرة الجماعية والذائقة العامة. في حين بدا زياد يتجه بخطوات ثابتة يكثر حولها الصراخ والضجيج الى ان يكون القيمة الثابتة الاخرى، رغم النقاش والصراع الحاصل حول ما يقوم به. دون ان يجعله هذا النقاش مطلقا في موضع هش، هشاشة وضع... الميدل ايست. تبقى الاشارة الى العمل الباهر الذي انجزه المايسترو كارن دورغريان والذي ادت سرعة بديهته القيادية الى تدارك خطأين.. احدهما ان احد الموسيقيين دخل خطأ في اثناء عزف »اهوده اللي صار« مهددا بأن يتبعه بقية الموسيقيين كما في سلسلة محتومة لولا ان صحح الخطأ بسرعة استدركت الكارثة. ولفت تعود الجمهور عليه هذه السنة وترحيبهم الحار به لدى شكر زياد له في آخر الحفل، مما عزز فكرة ان الجمهور يحب طريقته في قيادة الفرقة التي تتسم بالحيوية واللمسة الفنية العالية. واستتباعا، بدا ان الموسيقيين عربا واجانب قد بذلوا جهدا كبيرا، خصوصا الارمن الذين لا يفهمون العربية وغير المعتادين على ربع الصوت مثلهم في ذلك مثل الهولنديين والفرنسيين والالمان في الفرقة. ويسجل للكورال اداؤه الرائع الذي كان بعناصره المنتقاة من قدامى المدرسة الرحبانية وقدامى مدرسة زياد وزملاؤهم الجدد، الصورة الامثل عن تكامل واستمرارية التجربة الرحبانية المفتوحة، كما بدت في محصلتها الاخيرة.. حتى الآن على الأقل.