As Safir Logo
المصدر:

الأساطير »المؤسسة« للإمبراطورية العسكرية الصناعية

المؤلف: غصن غسان التاريخ: 2001-08-03 رقم العدد:8967

إبان »احتضار« الاتحاد السوفياتي وتأكد الولايات المتحدة من انتصارها في »الحرب الباردة« وتربعها وحيدة على عرش العالم، تعالت بضعة اصوات حتى في صفوف قدامى »الصقور« لمواجهة العسكريين المهووسين وغيلان الصناعيين، والمطالبة بتحويل نسبة كبيرة من المخصصات الدفاعية الى البرامج والخدمات الاجتماعية والتربوية والصحية وغيرها. ومن بين أولئك القلائل، مثالا لا حصرا، السيناتور السابق الراحل جون تاور، الذي رشّحه بوش الأب لمنصب وزير الدفاع عام 1989، بعد ان أثبت »البُرج« (تاور) »جدارته« خلال توليه رئاسة لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، حيث كان من صقور الداعمين لبرامج دفاعية »هوليوودية« استحوذت على العقول في عهد رايغن مثل »حرب النجوم«! فقد اكد تاور في جلسات مجلس الشيوخ المخصصة للمصادقة على ترشيحه، والمنتهية برفض ذلك الترشيح، ان الولايات المتحدة سوف تخفض ميزانيتها الدفاعية جذريا... فور انهيار »الامبراطورية السوفياتية« وانعدام خطرها: »ان لم يكن هناك تهديد سوفياتي، فاننا سوف نبقي على ذلك النوع من الجيش (والمقصود هنا القوات البرية فقط) الذي كان لدينا عام 1938، اي على نحو نصف الحجم الحالي لفيلق مشاة البحرية« وكان عدد أفراد »المارينز« في ذلك الوقت نحو 197 ألفا. انهارت »امبراطورية الشر« كما كان رايغن يصف الاتحاد السوفياتي... قبل صداقته مع غورباتشوف وزالت تهديداتها ومخاطرها، لكن عديد الجيش لم يخفض الى أقل من مئة ألف، كما كان في أواخر الثلاثينات (يبلغ حاليا عدد أفراده في »الخدمة الفعلية« نحو... نصف مليون). كما ان عدد أفراد المارينز لم يخفّض عما كان عليه في ذروة »الحرب الباردة« وجنون التسلح الا بنسبة تقلّ عن 12 في المئة تقريبا العدد الحالي هو 172 ألفا. وحتى لو أخذت في الاعتبار كل التعديلات والزيادات العادية والمعتادة، المطلوبة لمواجهة الارتفاع في مستوى المعيشة والقيمة الشرائية للعملة الاميركية، فان الانفاق الدفاعي الراهن يوازي تقريبا ما وصل اليه عندما كان الصراع الاميركي السوفياتي »البارد« على أشده. ومع ذلك، فان جنون العظمة لدى العسكريين ومؤيديهم السياسيين، وجشع غيلان الصناعيين (وربما أنانيتهم)، يدفعان بشدة نحو تخصيص المزيد من الاموال الطائلة للمجمع العسكري الصناعي، او لهذه »الامبراطورية« المتحكمة بأكثر من نصف الميزانية الاستنسابية الاجمالية. ففي رأي رئيس شركة كبرى تزوّد البحرية بأجهزة متطورة عديدة، وتابعة للغول الصناعي الاكبر (لوكهيد مارتن)، فان الاميركيين تحولوا على أثر »الحرب الباردة« الى مجتمع يستحوذ عليه وهم »حصة السلام«، بينما تظهر الحقيقة ان »السلام لم يُلغ حاجتنا الى وجود متقدم يضمن الاستقرار الاقتصادي والسياسي على نطاق العالم بأسره«. ويقول جوزف أنتينوتشي ان »رخاءنا الاقتصادي، هنا في الولايات المتحدة، يعتمد اكثر فأكثر على الاستقرار في أمكنة اخرى، وان دور اميركا في الحفاظ على الاقتصاد العالمي وهو دور كان ذات يوم مقتصرا على إبقاء خطوط الملاحة الدولية مفتوحة، ولا يزال حتى الآن مهمة مروعة ومخطرة يتسع وفقا لهذا الاطراد«. ومن كبريات المسؤوليات الاساسية للولايات المتحدة، من حيث كونها القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم، ان تكون لديها بحسب دعوة أنتينوتشي وادعائه بحرية تستطيع تنفيذ الالتزامات الاميركية العالمية و»حماية مصالحنا القومية« (بولطيمور صن«، 17/7/2001). وهذه »الحماية« هي الذريعة الدائمة منذ القرن التاسع عشر لشن كل الحروب والغزوات والاعتداءات الاميركية في مختلف أنحاء العالم، كما أثبّتها في دراسة مطولة بعنوان »ثقافة الامبريالية... وتثبيط الديموقراطية« (فصلية »أبعاد«، العدد الثالث، أيار 1995، ص313 339). في شباط الماضي، صدرت دراسة أعدها بالتعاون مع منظمة »قياديو أعمال في سبيل أولويات معقولة« الباحث المعروف لورانس كورب، مساعد وزير الدفاع في الثمانينات (1980 85)، نائب الرئيس ومدير قسم الدراسات في أحد أبرز »خزانات الفكر« وأقواها نفوذا، »مجلس شورى العلاقات الخارجية«. والمرجع الرئيسي لمعلوماتي هنا هو مقال يلخّص تلك الدراسة المطولة نشرته مجلة »إن ذيز تايمز« (في هذه الازمنة)، في 2/4/2001، وهي مجلة مرموقة تصدر كل أسبوعين عن »معهد الشؤون العامة«. الأساطير العشر تبلغ »حصة« الولايات المتحدة اليوم من مجمل الانفاق العسكري في العالم نحو... خمسة وثلاثين في المئة، وهي أعلى بكثير مما كانت عليه هذه النسبة خلال الحرب الباردة. ففي ذروة التسلح الاميركي عام 1985، كانت نفقات الدولتين العظميين في مجال »الدفاع« متساوية، بينما لا تُنفق روسيا حاليا سوى »السدس فقط مما تنفقه الولايات المتحدة«... و»ثلث« ما ينفقه حلفاء اميركا في منظمة حلف شمال الاطلسي. وتقول الدراسة ان إسرائيل تُنفق عسكريا ما يوازي النفقات العسكرية العراقية والايرانية معا، فيما تتجاوز النفقات الدفاعية لليابان ما تنفقه الصين، وتصل نفقات كوريا الجنوبية الى... تسعة أضعاف ما تنفقه كوريا الشمالية. ورغم كل ذلك، فان الزعماء السياسيين الاميركيين من كلا الحزبين مستمرون في الموافقة على ميزانيات دفاعية تفوق بكثير ما هو ضروري. والسبب الرئيسي هو »قبولهم سلسلة من الافتراضات المضللة، او أنصاف الحقائق، عن الوضع الحالي للقوات العسكرية الاميركية«. ومن المهم جدا قبل إعداد »ميزانية اكثر واقعية«، كما تقول الدراسة، »التصدي لهذه الأساطير على نحو قاطع«. 1 توحي الأسطورة الاولى بأن وضع القوات المسلحة حاليا سيئ مثلما كان عام 1940، في حين ان حجمها في ذلك الوقت كان »عشر حجم القوات الالمانية، ونصف حجم القوات اليابانية، وتُصنف في المرتبة السادسة عشرة في العالم«. 2 تقول الأسطورة الثانية ان الفائض الكبير في الميزانية الفيدرالية يسمح بزيادة النفقات الدفاعية، بل يستوجب ذلك لمواجهة الدول العاصية (»المارقة«)، التي أصبحت تسمى... »دول الهم« او الدول التي تثير القلق والمقصود بها: إيران والعراق وليبيا وكوريا الشمالية وكوبا وسوريا. لكن اجمالي النفقات الدفاعية لهذه الدول مجتمعة، خلال عام 1999، كان »ثلاثة عشر مليارا وثمانمئة مليون دولار، او نحو أربعة في المئة من الميزانية الدفاعية الاميركية«. وتبلغ نسبة النفقات العسكرية للولايات المتحدة وحلفائها »خمسة وستين في المئة« من اجمالي هذه النفقات في كل أنحاء العالم. 3 تدّعي هيئة الاركان المشتركة بأن الفجوة المالية بين المخصصات الدفاعية الحالية وما تحتاج اليه وزارة الدفاع تبلغ مئة وخمسين مليار دولار. ولو أصغى اليها الكونغرس خلال الحرب الباردة، لكانت الولايات المتحدة قد أنفقت »بضعة تريليونات اضافية، مبددة الاموال على كل الانواع من الفجوات اللاموجودة في دفاعنا« (البليون، او المليار، هو ألف مليون، بينما التريليون هو مليون مليون، اي واحد والى يمينه 12 صفرا). 4 الأسطورة الرابعة هي وجوب تمويل »استراتيجية الحربين«، او القدرة على الخوض في نزاعين رئيسيين في وقت واحد، وهو أمر »يتحدى المنطق والتاريخ على السواء«. ففيما كانت الولايات المتحدة غائصة في المستنقعات الحربية لكوريا وفيتنام والخليج، »لم تهدد اي دولة اخرى المصالح الحيوية الاميركية في اي امكنة اخرى من العالم«. ولا تزال هذه الاستراتيجية اللامنطقية متحكمة بعقلية القادة العسكريين حتى الآن على الرغم من ان مجموعتين على الأقل أنشأهما الكونغرس منذ نهاية الحرب الباردة، من الحزبين، »رفضتا استراتيجية الحربين، واصفتين إياها بأنها فقط تسويغ لزيادة حجم القوات« الاميركية. 5 يقول العسكريون ان إشراك القوات الاميركية في »عمليات لحفظ السلام مثلما حدث في البوسنة« يحرم المهام التي هي في صلب الوظائف الدفاعية من مبالغ طائلة. لكن واقع الامر، كما يقول كورب في دحضه الاسطورة الخامسة، هو ان »عمليات حفظ السلام استهلكت أقل من اثنين في المئة من الميزانية الدفاعية خلال رئاسة كلينتون«، وان »عشرة آلاف جندي فقط، من أصل قوة قوامها مليونان وثلاثمئة ألف، يشتركون حاليا في مثل هذه الحوادث الطارئة، ذات النسبة المقياسية المتدنية«. اضف الى ذلك، ان الأخطار والتهديدات من »العُصاة« الاقليميين صُوّرت، وما زالت تصوّر »على نحو مغالى فيه الى حد مفرط«، فيما تتقلص وتتراجع بسرعة. 6 يزعم وزير الدفاع ورؤساء الاركان ان البنتاغون يحتاج الى ستين مليار دولار في السنة لمعدات جديدة تُبقي قواته.. معصرنة، علما بأن وزارة الدفاع لم تنفق على معدات جديدة خلال السنوات الخمس الماضية الا ما معدله »أقل من خمسين مليارا« في العام. واكثر من ذلك، ان المليارات الستين المخصصة للمعدات الجديدة في السنة المالية الحالية وضت الولايات المتحدة في.... »سباق تسلّح مع نفسها«. فطائراتها التكتيكية وغواصاتها الحالية هي الافضل في العالم، ولن يتمكن »الجيل المقبل« لنظيراتها الروسية من تهديدها بأي أخطار على الاطلاق. كما يتجاهل المسؤولون الدفاعيون ان هذه المليارات الستين تفوق المخصصات الشرائية »لكل حلفائنا مجتمعين... بنسبة أربعين في المئة«، وأكثر مما تنفقه روسيا او الصين »بنسبة 75 في المئة«، واكبر من المخصصات المماثلة للعراق وكوريا الشمالية معا... »بتسعة أضعاف«!. 7 تقول سابعة الأساطير ان جهوزية القوات المسلحة الاميركية تتراجع بسبب عدم الانفاق كفاية على »العمليات والصيانة«. لكن النفقات »الحقيقية« في هذا المجال خلال العام المالي الماضي »زاد بنسبة 10 في المئة للفرد الواحد على ما وصل اليه في ذروة التسلح خلال عهد رايغن، وتجاوز مئة مليار دولار لقوة في الخدمة الفعلية قوامها مليون وثلاثمئة وستون ألفا«. وحتى لو تراجعت نسب الطائرات التكتيكية القادرة على القيام بمهام حربية، بنسبة خمسة او عشرة في المئة كما يزعم بعض القادة العسكريين، فان هذا التراجع لا يمثل »اي مشكلة حقيقية الا اذا كانت القوات العسكرية للعراق او كوريا الشمالية توازي في قدراتها تسعين الى 95 في المئة مما كان عليه السوفيات«. 8 تدعي القوات المسلحة أنها تفشل منذ بعض الوقت في تحقيق اهداف التجنيد، رغم تخفيضها مستوى الكفاءات التي حافظت عليها في الثمانينات. لكن دراسة كورب تُثبت نقيض ذلك، حيث ان النسبة الحالية لذوي »النوعية الجيدة« في الامتحانات العسكرية للكفاءة هي أعلى مما كانت عليه في اي وقت خلال أعوام رايغن. 9 تقول الاسطورة التاسعة ان الكثيرين يتركون القوات المسلحة لأن نسبة اكبر بكثير من السابق تُرسل في مهام عسكرية الى الخارج. »ويزعم بعضهم ان قوات عسكرية تُنشر في الخارج مرة كل تسعة أسابيع في العقد المنصرم«. لكن واقع الامر يُظهر ان اكثر من خمسمئة ألف عسكري، او نحو ربع القوات الاميركية في الخدمة الفعلية خلال الثمانينات، أُرسلوا في مهام الى الخارج في حين ان هذا العدد حاليا هو نحو 230 ألفا، او 15 في المئة من قوة في الخدمة الفعلية يبلغ عدد أفرادها مليونا وثلاثمئة وستين ألفا. 10 في الاسطورة العاشرة الاخيرة، وفقا للتقرير المعنون »ميزانية دفاعية واقعية للألفية الجديدة«، ان هناك فجوة في الأجور بين القطاعين العسكري والمدني، ولذا يتوجب رفع مستوى الاجور والفوائد للعسكريين والعاملين في وزارة الدفاع.. بنسبة كبيرة لا تقل عن 13 في المئة. لكن سيندي وليامز، الرئيسة السابقة لقسم الامن القومي في مكتب الميزانية التابع للكونغرس، أثبت عدم وجود اي فجوة على الاطلاق. وتُظهر المعلومات الموثقة ان »أغلبية الرجال والنساء في القوات المسلحة يكسبون اكثر من نظرائهم المدنيين بنسبة 75 في المئة. وخلاصة القول ان »أغلبية المشاكل التي يواجهها البنتاغون منزلة بالنفس ذاتيا«، لان المراجعات الثلاث التي اجراها ثلاثة وزراء دفاع (أعوام 89، 93، 97) لم تحدث »اي تغييرات جوهرية«. ومن جراء ذلك، تُنفق الولايات المتحدة اليوم على الدفاع »اكثر مما هو ضروري، وتحصل مقابل كل هذه الاموال الطائلة على »أقل بكثير« مما يجب. واذا استمرت النزعة السائدة، فمن المرجح ان تكون النفقات الدفاعية الاميركية في العقد المقبل اكبر مما يتطلبه الامن القومي بخمسمئة مليار دولار على أقل تقدير.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة