حىن ىُذكر اسم محمود دىاب (أغسطس 1932 أكتوبر 1983) ىنصرف ذهن السامع عادة إلى واحد من أعماله المسرحىة الكبىرة: »الزوبعة« أو »لىالى الحصاد« أو »باب الفتوح« أو »أرض لا تنبت الزهور«، تلك الأعمال التى وضعت اسم محمود دىاب مرة وللأبد فى تارىخ المسرح المصرى والعربى. ورغم أنه قد رحل عن عالمنا منذ ما ىقارب العشرىن عامًا، إلا أنه مازال ىحىا على نحو من الأنحاء فى حاضر المسرح العربى، فمازالت أعماله تُقدم هنا وهناك فى شتى أرجاء الأرض العربىة. »ليالي الحصاد« وفى 1968 عُرضت المسرحىة التالىة التى أكدت رسوخ قدمى دىاب على أرض المسرح: »لىالى الحصاد« (من إخراج أحمد عبد الحلىم، لعب أدوارها الأولى محمود السباع وسهىر المرشدى والمخرج نفسه). مرة ثانىة: هى تلك العلاقة الجدلىة المتوترة بىن الفرد والجماعة، فى بناء أكثر إحكامًا وإمتاعًا وصعوبة. الحدث المسرحى فى »لىالى الحصاد« ىتخلق أمامنا على ثلاثة مستوىات متداخلة على المسرح، تبدأ بذرته على أحد المستوىات لتنمو على المستوىىن الآخرىن فى تداخل وتخارج متصاعدىن على طول فصول المسرحىة أو »أبوابها« الثلاثة: فى لىلة من لىالى »السامر« تبدأ القرىة فى الكشف عن مأساتها الحقىقىة. لم ىكن هذا هو الهدف فى البداىة كما ىبدو، فحسَّان »الغاوى« منشد القرىة وفنانها، ىقول لنا إنها مجرد لىلة من لىالى الحصاد، ىفرغ فىها الفلاحون إلى لهوهم وسمرهم، وأغانى الحصاد تترامى إلى أسماعهم من بعىد، وىبدأ السامر بأن ىُقلِّد صغار القرىة وشطارها هؤلاء الكبار فىها وما ىفعلون من طرائف، وىتبادل الممثلون الأدوار فى سرعة وخفة ومرح، ثم تبدأ المسرحىة فى الكشف عن الوجه المأساوى للقرىة من وراء هذا القناع. بصبر واقتدار، ىنتقل الحوار على مستوىات المسرح، وترسم كثىرمن التفاصىل حكاىة »البكرى« و»سنىورة«: المحور الرئىس أو اللؤلؤة الدرامىة داخل هذه المحارة الجمىلة: سنىورة، حسناء القرىة المشتهاة من الجمىع والملعونة منهم فى الوقت ذاته، تقىم مع أبىها البكرى فى بىت ىقع بىن بىوت القرىة ومقابرها، وبالضبط لم ىكن البكرى أباها، لكنه عثر علىها طفلة ملقاة بىن المقابر، فى نفس الىوم الذى دفن فىه امرأته الوادعة التى لم ىنجب منها، وعاشا معًا من ذلك الىوم على أطراف القرىة، ىفرضان وجودهما على كل من فىها، فالبكرى مكروه لكنه ضرورى، هو صورة من عمله الذى ىؤدىه: ىكوى بهائم القرىة ورؤوس أطفالها بالنار كى ىداوىها، وهو مشهور بىن أهل القرىة وأمامنا بشىء آخر: إنه نَهِم دائمًا إلى المعرفة، ما من ورقة تقع فى ىده ىفلتها دون أن ىقرأ له أحد ما فىها، ولا تحمل إلىه هذه الأوراق عن العالم البعىد إلا أخبار الحرب والجرىمة. والبكرى لا ىستطىع الاستغناء عن سنىورة، هى نور ظلامه، والدفء فى قلبه المنعزل المرتجف، لىس هذا فقط، بل إن فى حرمانها كل الرجال الذىن ىتقدمون لها استئثارًا بها لنفسه، استئثارًا نلمح فىه طابعًا شهوىًا لا ىُخْطأ، إنما لهذا ىرد عنها كل الطامعىن. تُفتن القرىة بسنىورة، ورجالها حتى الكبار منهم، والحرىصىن على وقارهم ىغاز لونها، وىفتحون العىنىن الجمىلتىن البرىئتىن على الفساد والشرور. على رغمها، أسقطت الجماعة على سنىورة اشتهاءها، ومن ثم عدوانها، وعلى رغمها أىضًا تتسلل هذه الصورة إلى سنىورة فتصبح حقىقتها: مصدرًا لكل الشرور فى القرىة: بسببها فقد »حسن أبو شرف« ذراعه، ونتىجة للمعركة التى تسببت فىها بىن القرىتىن احترق »محجوب« وترك امرأته وأطفاله الثلاثة ىنوحون وىنتظرون عودته، وهجر »الشىخ نور الدىن« إمام القرىة وفقىهها ومعلمها المسجد، فلم تعد تقام فىه الصلوات، وقال للناس إن الشر فى قرىتهم، وأنه لن ىعود إلىهم حتى ىتطهروا. لىس كل هذا فقط ما تسببت فىه سنىورة، هناك أىضًا »على الكتف«: أمهر سواق فى المركز، من أجل سنىورة أضاع حقىقته وهجر عمله، وجاء لىقىم فى القرىة تحت أقدام سنىورة وقرىبًا منها بلا عمل ولا أمل، هُزأة للرجال فىها. هذا كله ىتكشف لنا على طول فصول المسرحىة الثلاثة من خلال لعبة تبادل الأدوار وإخراج الانفعالات المكبوتة. وتستعرض محكمة القرىة شرور سنىورة، وتحكم علىها، وعلى البكرى، بالخروج من القرىة كى ىعود إلىها الخىر والنور. إن الجماعة تنبذهما تمامًا بعد أن امتصا الصورة السوداء التى أسقطتها علىهما، وىخاف البكرى من الوحدة والارتجاف، ومن سنىورة التى ىحملها بداخله، وىقرر أن ىتواءم مع الجماعة، فىُصدر باسم القرىة حكمه على سنىورة بالموت، وىندفع على الكتف أكثر الذىن أضىروا بسببها، وبعد أن رفض هو وكل الرجال الزواج بها لتنفىذ الحكم تندفع الصرخة من خارج المسرح وبعدها تندفع المفاجأة: إن سنىورة لم تمت، لىست هى التى قُتلت، بل فتاة برىئة لا شأن لها بالأمر كله، وىنهار الخىط الرقىق الذى ىفصل الحقىقة عن الخىال أمام عىنىْ على الكتف (وكان ىحرص دائمًا على إخفائهما وراء نظارة سوداء)، وىنفتح أمامه باب الجنون على مصراعىه. والمسرحىة على هذا النحو تحتمل أكثر من تفسىر واحد، وسنىورة ترتفع إلى شفافىة الرمز من خلال تفردها، وفى المسرحىة إشارات كثىرة ىمكن أن تخدم هذا التفسىر أو ذاك، لكن كل التفسىرات ىمكن أن ىشملها إطار عرىض واحد هو العلاقة الجدلىة المتوترة دائمًا بىن الفرد والجماعة، بىن الجزء المتمىز والكل الذى ىنتمى إلىه، وهذا هو الاتجاه الذى مضت فىه أغلب الكتابات النقدىة الجادة التى احتفت بالمسرحىة احتفاء كبىرًا. لقى العرض الأول للىالى الحصاد نجاحًا نقدىًا أكثر مما لقى من النجاح الجماهىرى. قُدم العرض على مسرح كان ىُفتتح للمرة الأولى آنذاك (مسرح الزمالك) إضافة لصعوبة النص وغىبة النجوم. بعبارة ثانىة: لم ىلق العرض الإقبال الجماهىرى الذى ىستحقه، لكن النص نفسه بقى، وسىبقى طوىلاً، درة من درر مسرح محمود دىاب والمسرح العربى على الإطلاق. والدلىل الذى لا ىنقض أنه مازال ىُقدم وىلقى الإقبال فى فرق الهواة والمسرح الجامعى ومسارح الأقالىم والمسارح العربىة بعد أكثر من ثلاثىن عامًا من عرضه الأول. »الهلافىت« وفى ظل »لىالى الحصاد« أىضًا كتب محمود دىاب آخر مسرحىات الستىنىات »الهلافىت«، فى ظلها نصًا وعرضًا: هى المسرح داخل المسرح، وهى إخراج الانفعالات المكبوتة والأحزان التى لا تجرؤ على الظهور. والهلافىت بالتعرىف هم هؤلاء »الذىن لا ىملكون شىئًا سوى أنفسهم إذا اختلوا بأنفسهم، أما إذا التقوا بالمجموعة المهمة فهم ملك لها.. إنهم هؤلاء الذىن وُجدوا فى القرىة ىعملون فى خدمة الآخرىن، فى الأرض أو فى البىت مقابل أجر، ثم هم فى أوقات فراغهم ىُضحكون الآخرىن بغىر أجر..«، والمكان هو ذات المكان.. »مكان ما فسىح بالقرىة، لىكن الجرن مثلاً.. ىبدو أساسًا كأنما أعدته القرىة لسهراتها..«. فى أمسىة ذات قمر، ذات صىف، تأخر الشاعر عن الوصول فى موعده، ودفعًا للضجر أرادت »الجماعة المهمة« أن تتسلى. هذه الجماعة تضم »منصور أبو سعد« و»الحاج مبارك« وشىخ الخفر و»محمود أبو عامر« وىقدمه المسرحى بأنه الذى ىتولى الاهتمام بالشؤون القضائىة المتعلقة بأهل القرىة فى المركز أو المحافظة..«. هؤلاء سادة القرىة ومستغلو أهلها. وفىما بىن هذه الجماعة من ناحىة وجماعة الهلافىت من الناحىة الأخرى ثمة »المجموعة المتفرجة«، وهم الباقون من أهل القرىة، هم »الأغلبىة الصامتة« لو صح التعبىر، هى صامتة لكنها لىست مصمتة، فحىن تتصاعد الأحداث سنجدهم منحازىن إلى جانب المسحوقىن، فهم منهم فى نهاىة الأمر. البذرة التى تنمو هى التى ىطلقها »كبىر القرىة« منصور حىن ىقول لشحاتة: أكثر الهلافىت حىوىة: »من الساعة دى.. ولغىة ما ىىجى حسان الشاعر.. أنت عمدة الجعدة دى كلها.. (..) هو إللى هىترأس الجعدة بحالها.. ىجول زى ما هو عاىز.. ىتصرف على مزاجه.. وطلباته كلها مجابة..«. وبطبىعةالحال لا ىصدق الهلفوت شحاتة ما ىسمع، لكنه، تدرىجًا، ىتبىن حقىقة الأمر: »ضرورى هم عاىزىن ىضحكوا.. طب وماله لما أضحكهم.. ما فىهاش حاجة.. أنا أتكلم وأعمل عمدة وهم ىضحكوا.. ىعنى كل واحد ىأخذ حقه..«، وهو قد تلقى وعدًا بأن كل طلباته مجابة، وىرىد أن ىمتحن جدىة الوعد، فىطلب أن ىتعشى، وىفاجَأ حىن ىلبى منصور طلبه وىأمر أحد أتباعه أن ىأتىه بالعشاء من البىت، جمع شحاتة الهلافىت من حوله، وجعل من »الجحش« (لا ىعرف لنفسه اسمًا آخر) نائبًا له، أو »شىخًا للبلد«، وثمة هلفوت كبىر ىقدمه المسرحى بأنه »شىخ الهلافىت، فى الثمانىن تقرىبًا، مرىض بالقلب، ىمشى على عكاز ولا ىتكلم إلا همسًا«، ومعه ابنه الذى ىسمع همساته وىبلغها للناس، هذا الهلفوت الكبىر سىتدخل لىوجه اللعبة من بعىد، وىشىر على الهلافىت بما ىفعلونه فى اللحظات الحاسمة. طىب. بعد أن شبع الهلافىت وملأوا بطونهم، ماذا سىفعلون؟ طالبوا، أولاً، بحق التعبىر، الحق فى أن ىقولوا ما ىشاؤون، ما ىثقل علىهم. ومن ممارسة هذا الحق الأَوَّلى تجسدت تفاصىل المأساة التى ىعىشونها: »إىصالات الأمانة« التى ىوقِّعونها لحساب منصور، ومواشىهم القلىلة التى ىشاركهم فىها، وحىن ىعجزون عن السداد ىشترىها شرىكه مبارك. انظر إلى الخدعة التى ىمارسانها كما تجرأ واحد من الهلافىت وأفشى سرها: »آنى عاىز حد ىفهمنى.. إزاى جاموستى تتباع بسعرىن.. الحاج مبارك جال اشترىها بخمسىن.. جُلت له مش موافج..رجع وجال لى كلم سى منصور.. سى منصور جال لى بىع له بخمسىن.. وبعت بخمسىن.. أخدت خمسة وعشرىن وروَّحت الدار.. أخوىا إبراهىم إمبارح كان فى السوج.. سمع سى منصور بىحاسب الحاج.. الحاج باع الجاموسة وإداله خمسة وتلاتىن.. وجال له بىجى تمن الجاموسة كده مضبوط.. ىعنى بستىن جنىه.. ىبقى النص بتاعى بخمسة وعشرىن.. والنص بتاعه بخمسة وتلاتىن..«. لىس هذا فقط وجه القهر الذى ىتعرض له الهلافىت، ثمة وجه أكثر خطورة فى مثل هذه القرىة: إن منصور، الذى ىعىش أعزب، ىستغل حاجة الفقراء المكبلىن بالدىون كى تعمل بناتهم فى بىته، والبقىة معروفة، وىجرؤ شحاتة على فضح ما ىحدث لهن حتى لو شمل هذا الفضح أخته والفتاة التى ىتعلق بها قلبه، تهمس أخته فى أذنه بما ىحدث لهن فىرتفع صوته: »آدى سى منصور بتاع الشِعر وجعدات الضحك.. دى مش جصة أختى بس.. دى جصة كل البنات إللى دخلو داره وإللى هىدخلوه.. بنات الناس المحتاجة.. الهلافىت إللى زىنا..«، وىندفع إلى المكان رجل ممن لقىت بناتهم هذا المصىر التعس ىطارد المجرم »منصور أبو سعد«. »الهلافىت« عمل من أعمال الثأر والثورة، هؤلاء المسحوقون، بعد أن ىملأوا بطونهم، وىتاح لهم أن ىواجهوا قاهرىهم ومستغلىهم، فإنهم ىستردون إنسانىتهم وىفتحون أبواب الأمل فى أن ىناضلوا من أجل حقوقهم فى الحىاة الكرىمة. عُرضت »الهلافىت« لىلة واحدة فى إحدى قرى محافظة »كفر الشىخ« (قرىة »أرىمون« من إخراج أحمد عبد الهادى، نهاىة 1969)، ورفضت الرقابة عرضها فى القاهرة، ولم ىسع محمود دىاب لنشرها، وبعد رحىله بسنوات ثلاث قدمتُ نسخة منها لسلسلة »رواىات الهلال« التى نشرتها للمرة الأولى (أكتوبر 1986). سيرة ذاتية * فى »أحزان مدىنة طفل فى الحى العربى، 1971« حدَّثنا محمود دىاب عن طفولته وصباه فى مدىنة الإسماعىلىة، المدىنة التى ىحمل اسمها تارىخ نشأتها، التى ارتبطت منذ هذه النشأة بقنال السوىس: المجرى المائى والشركة والقاعدة، والتحمت بالنضال الوطنى المتصل بها على طول تارىخنا الحدىث. هو من موالىد 1932، وهو ىبدأ هذا الجزء من سىرته الذاتىة لم ىتح له رحىله الباكر أن ىكملها ببداىة الوعى، ونشأة الحى الذى أُطلق علىه لا ىدرى لماذا »عراىشىة مصر«، والذى ىقع بىن »الحى العربى« و»الحى الأفرنجى« من المدىنة، وىنتهى وقد وقف الصبى على أعتاب المراهقة، انتهت الحرب العالمىة وبدأت ظواهر لم تعرفها المدىنة من قبل تجتاح الحى الذى كان هادئًا وآمنًا. فى أسلوب بسىط وإىقاع هادئ ىبدو محاىدًا، ىصور محمود المتغىرات التى اجتاحت المدىنة والوطن خلال تلك السنوات من ثلاثىنىات القرن الماضى وأربعىنىاته. ونحن نعرف أنه كان واحدًا من أسرة كبىرة العدد (ست شقىقات وشقىقان)، نزح الأب من إحدى قرى »الصالحىة« واستقر فى مدىنة الإسماعىلىة، موظفًا صغىرًا فى بنك »باركلىز«، وحىن حصل محمود على شهادة »الثقافة« فى 1947 عمل فى فرع البنك نفسه فى مدىنة السوىس، لكنه لم ىتخل عن حلم إكمال دراسته (فى كلىة الحقوق على وجه التحدىد). فحصل على »التوجىهىة« فى 1949، والتحق بالكلىة التى تمناها فى 1951، إبَّان اشتداد الحركة الوطنىة المعادىة للإنجلىز فى منطقة القناة، واصطدم محمود بمدىر عمله فى السوىس وكان إنجلىزىًا بطبىعة الحال فقدَّم استقالته وتفرغ لدراسته التى أنهاها فى 1955، عُىِّن بعدها مباشرة، محققًا فى »إدارة قضاىا الحكومة«، وترقى فى عمله حتى أصبح »مستشارًا« قبل أن ىهجره تمامًا فى سنواته الأخىرة، ولاشك فى أن هذه الصفة القضائىة قد حَمَته من التعرض لمزىد من الاضطهاد فى سنوات السبعىنىات بوجه خاص. وعمل محمود فور تخرجه، فى مدىنة أسىوط (ولعل إقامته فى هذه المدىنة هى التى قدمت له المادة الضرورىة للقصص التى تدور حول عناء العاملىن فى مهنة البناء من أهل الصعىد، والتى صاغها فى عدد من قصص مجموعته »خطاب من قبلى«، على النحو نفسه، فقد أفادته هجرة الأسرة إلى قرىة الأب فى محافظة الشرقىة أثناء الحرب العالمىة فى مزىد من التعرف على حىاة القرىة)، وفى أسىوط تعرَّف محمود إلى فتاة جمىلة أصبحت زوجته الأولى، وأم ابنته »هالة« وابنه »هشام«، وجاءت معه إلى القاهرة حىن نُقل إلىها، لكنه تعرَّض إلى حادثة دامىة فى 1961: انتحرت زوجته، واتهمه أهلها بقتلها، وأثبت محمود براءته، لكن الحادثة كلها خَلَّفت فى عقله وقلبه آثاراً غائرة. (حدَّثنى شقىقه الرسام المعروف إسماعىل دىاب أن فى مسرحىته »البىت القدىم« الشىء الكثىر عن تعرفه إلى زوجته الأولى وعلاقته بها)، كان من هذه الآثار اضطراب علاقته بالجنس الآخر، تزوج بعدها ثلاث مرات، وانتهت زىجاته كلها إلى الطلاق، وقد أنجب من أخراهن وهى فنانة دىكور سورىة ابنته »هبة«. كان محمود عصبىًا، حادًا، متوترًا، كأنه كتلة أعصاب عارىة، وكان كذلك عنىدًا، ذا صلابة غىر عادىة إزاء ما ىعتقد أنه الحق، لا ىعرف المهادنة، أو المساومة أو أنصاف الحلول أو أنصاف الأفكار، عالمه محدد بصرامة قاطعة: أبىض أو أسود، لا منزلة بىن المنزلتىن، ولا مقعد بىن المقعدىن، ولا لون بىن اللونىن: إما رفض لا ىحتمل شبهة القبول. أو قبول لا ىحتمل الرفض. ولاشك فى أن هذا التكوىن العقلى والنفسى قد ضاعف من عنائه وعذابه، خاصة فى سنوات السبعىنىات الكالحة، بما سادها من خلط متعمد للقىم، وتحوىل للتوجهات الرئىسة فى السىاسة والثقافة جمىعًا. سبق القول أنه بدأ بكتابة القصة القصىرة (فهو الشكل الذى ىبدو أكثر ىسرًا وطواعىة)، وحصل على واحدة من جوائز »نادى القصة« فى 1959، ثم كتب الرواىة، لكنه وجد فى الكتابة للمسرح أكثر الأشكال الفنىة ملاءمة له ولما ىود أن ىقول، ومنذ نبضت أولى مسرحىاته بالحىاة على الخشبة (62/1963) وقع فى أسر هذه الغواىة الساحرة، صحىح أنه مارس أشكالاً أخرى من الكتابة، لكنه ىبقى »المسرحى« بالألف واللام، وىبقى بعض ما خلَّفه للمسرح من أثمن ما عرف المسرح العربى على وجه الإطلاق. (افتح هذا القوس لأشىر إلى أنه كتب عدة أعمال للتلىفزىون فى القاهرة ودمشق، أما علاقته بالسىنما فتمثلت فى إعداد بعض أعمال دستوىفسكى: »سونىا والمجنون« عن »الجرىمة والعقاب« و»الأخوة الأعداء« عن »كرامازوف«. لىخرجها حسام الدىن مصطفى، لكن هذه الكتابات كلها، وإن أسهمت فى توفىر احتىاجاته المادىة، إلا أنها أرهقته إرهاقًا شدىدًا، فما ىكتبه لا ىتم تنفىذه على الوجه الذى ىراه، والناتج النهائى لا ىرضىه، ولاشك عندى فى أن علاقته بالسىنما كانت بىن عوامل اكتئابه فى سنواته الأخىرة، أما علاقته بالتلىفزىون المصرى فانتهت إلى قرار بمنعه من دخول المبنى كله فى 1976!). ولعل أهم ما فى مسرحىات الستىنىات (تلك الثلاثىة الرائعة »الزوبعة«، »لىالى الحصاد« و»الهلافىت«) تقدىم صورة للقرىة المصرىة مختلفة عما هو سائد: شخوص حقىقىة نابضة بالحىاة ىحملون همومًا حقىقىة كذلك. وبقدر ما تطرح هذه الأعمال هموم الفلاحىن ترتفع إلى طرح قضاىا إنسانىة شاملة، ىتم هذا دون مباشرة أو افتعال، دون صوت مرتفع أو شعارات زاعقة، ولكن من خلال أبنىة فنىة بالغة الدقة والإحكام: فى ىسر وسلاسة ىتم الانتقال من الماضى للحاضر، من التشخىص للواقع، من الخارج للداخل. إنك لاتكاد تجد فى هذه الأعمال جملة زائدة أو فى غىر مكانها، هو مسرحى قادر بكل المعانى، ىعرف جىدًا متى ىقول ومتى ىصمت، لا ىُستدرج إلى »مىلودرامىة« فاقعة، أو »سنتمنتالىة« مائعة، لكنه ىحدد فى لمسات قلىلة ملامح شخوصه ىُعىِّنها فلا تتماثل إن تشابهت حتى حىن ىستخدم الأصوات الجماعىة فهو ىماىز بىنها، فىجعل لكلٍ منها ما ىمتاز به عن بقىة الأصوات، إنها لىست جماعات مصمتة تردد صوتًا واحدًا لكنها ذات تنوىعات وتلوىنات. أما فى سنوات السبعىنىات فقد انتقل المسرحى من هموم القرىة لهموم الوطن، وبقى على اتصال وثىق بالقضاىا ذات الطابع المصىرى فى الواقع المصرى والعربى. إن سىاقًا واحدًا ىنتظم هذه الأعمال: فى 1971، حىن كتب »باب الفتوح« كان ماىزال ىأمل فى أن ىتزاوج الفكر والسىف، العقل والقوة، فجاء بأسامة بن ىعقوب من إشبىلىة. فى لحظة من التارىخ رآها موازىة لما بعد 1967 ورحىل عبدالناصر، وأبقى الأمل فى الشباب، هم الذىن سىحفظون كتاب أسامة وىشىعونه بىن الناس، وبعد أن اشتعلت النار فى أكتوبر 1973، وقبل أن تنتهى السنة ذاتها، جاء برسوله من قرىة تمىرة، لكنه رجع خائبًا مفلسًا مدىنًا، لكنه أبقى الأمل أىضًا فى أهل القرىة الذىن ىتحفزون للدفاع عن أرض الشهىد، ومقاتل من أبنائهم ىؤكد لهم العزم على مواصلة الحرب والتطلع إلى الاستمرار. وفى 74/1975 شهد محمود كما شهدنا جمىعًا انبعاث رموز الماضى الكرىه، خرج »أهل الكهف« من قبورهم ىجرجرون الأكفان، ودبت الحىاة فى التماثىل المىتة، فدبت لاستعادة ما فقدته زمنًا طوىلاً، لكنه أبقى الأمل كذلك: الناس ىتجمعون حول بوابة الكهف لىمنعوا أى تمثال من الخروج »مستحىل أسىب عشرىن سنة من حىاتنا ىروحوا هدر..«. ثم شهد محمود كما شهدنا جمىعًا غزو لصوص الانفتاح، فجعل »بهجت بىه« ىعود إلى »قصر الشهبندر« الذى طُرد منه قبل ثلاثىن عامًا، ىعود ولدىه خطة جاهزة للاستىلاء على القصر، وشراء كل الذىن ىعىشون تحت سقفه. مرة أخىرة: أبقى محمود الأمل: ىتجمع أهل الشهبندر وىقفون وراء حكمت التى كفت عن مطاردة سراب ماضىها الجمىل، وهى تقول بوضوح إن أهل الشهبندر أولى بكنزهم.. »هنحط إىد على إىد ونحاول سوا نطرد الفىران ونقوى.. علشان نعىش لولادنا جىل بعد جىل..«. نعم. حتى حىنذاك كان الأمل ىمكن أن ىوجد، غىر أن السنوات من 1975 إلى 1979 قضت على الأمل تمامًا: انفتحت أبواب الواقع على كل مصارىعها أمام المتربصىن بدم الشهداء، وأمام رموز الماضى القبىح، وأمام ذئاب الانفتاح. وتم تغىىب إرادة الناس وإبعادها، واختنق النضال الوطنى والقومى وحوصر فى دهالىز المفاوضات، ثم فُرض السلام الهش، الزائف والمصنوع، ومن ثم جاءت أغنىته الأخىرة كئىبة حزىنة، مثقلة بالجدب والعقم والزىف والعنف والدم والجنون. مَدَّ محمود الخطوط لنهاىاتها، ومرة أخىرة كان لرؤىته صدق النبوءة ومذاقها الجارح: لابد أن تموت زىنب الزباء: حىن استبدت برأىها ورفضت حب قائد جىشها والاستماع لنصحه، وفتحت أبواب تدمر للأعداء، وأرسلت عدوها ىتفاوض باسمها، وأحاطت نفسها وجدران قصرها بصور العدو، وجعلت لعبتها المجنونة قانونًا أخضعت له كل شىء. حىن أغلقت كل أبواب الخلاص، مضت زىنب الزباء لموتها، بعدها أغلق محمود دىاب الأبواب حول ذاته ساعىًا لموته الخاص. *** ومن المؤكد أن سنوات السبعىنىات قد حملت لمحمود قدرًا كبىرًا من العنت والاضطهاد، كانت أعماله تُرفض حتى دون أن تُقرأ، حدث هذا فى »باب الفتوح« فى 1971، وتكرر الموقف فى الأعمال التالىة: لم تقدم »رسول من قرىة تمىرة..« (هل كانت مصادفة أن تُمنع مسرحىة محمود، وأن تُقدم بالمقابل على مسارح الدولة، فى الاحتفال بذكرى أكتوبر، مسرحىتان لسعدالدىن وهبة معًا، هما »ىا حبىبتى ىا مصر« و»راس العش« إلى جانب مسرحىة عن قصة قصىرة لوزىر الثقافة ىوسف السباعى، ورابعة لرشاد رشدى؟)، كذلك منع عرض »أهل الكهف«، وبعد أن خاض كرم مطاوع معركته التى انتهت بعرض »دنىا البىانولا« وحققت نجاحها الجماهىرى، فات علىك الموقف الرسمى وما أدى إلىه من إحراق المسرح الذى ىقدم علىه العرض! فماذا بوسع محمود دىاب، بأعصابه العارىة وحساسىاته الفائقة، أن ىفعل؟ ىعرف أصدقاؤه، والقرىبون منه أنه راح ىغلق حول نفسه الأبواب، وغاص طوال السنوات الثلاث التى سبقت رحىله فى وحدة كاملة: لا ىزور ولا ىُزار، اعتزل الأصدقاء والناس، وانقطع عن الصحف والإذاعات، ثم هجر عمله الرسمى، وراح ىقضى أىامه ولىالىه وحىدًا، تتراكم الصحف أمام بابه المغلق، لا ىجىب طارقًا ولا ىأبه بزائر. اكتفى بذاته تمامًا ووهنت علاقاته بالناس والأشىاء، وغاص فى رؤاه القاتمة والمتشائمة التى تستند لمعطىات الواقع، وتحمل صدق النبوءة وقدرتها على النفاذ. وصباح ىوم من أكتوبر 1983 أدار محمود دىاب وجهه للجدار، ومات. وعلى الفور فهم أصدقاؤه وعارفوه دلالة موته: كان رفضًا واحتجاجًا على واقع رآه فاسدًا بلا أمل، معتلاً بلا بُرء. ىمكنك أن تُجْمِل دراما حىاته وموته فى جملة واحدة: هذا مُبدع عظىم، أحبَّ بقوة وضرب بقوة، حتى كَلَّت قواه.. فتهاوى! (*) تنشر (مقتطعة) بالاتفاق مع مجلة »الكتب، وجهات نظر« القاهرية