يثير اقتراح القانون الرامي الى إلغاء الفقرة الأخيرة من المادة الأولى من قانون تملك الأجانب والمتعلقة بعدم السماح للفلسطينيين بتملك حقوق عينية في لبنان اشكالية قانونية في غاية الأهمية، لأنها إذا ما استمرت من دون وضع ضوابط تحكمها ستؤدي الى تعطيل مبدأ فصل السلطات وتهميش المجلس الدستوري وتحويله الى مؤسسة تفقد أحد أهم مبررات إنشائها. وتبرز الاشكالية القانونية من الآتي: عندما نشر قانون تملك الأجانب في الخامس من نيسان الماضي تقدم عشرة نواب بمراجعة طعن للمجلس الدستوري طلبوا فيها »إبطال الفقرة الثانية الأخيرة من المادة الأولى الجديدة من القانون الرقم 296 تاريخ 3/4/2001 المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 5/4/2001« قانون تملك الأجانب. وفي العاشر من أيار أصدر المجلس الدستوري قراره الرقم 2 الذي تضمن رد المراجعة في الأساس »لعدم مخالفة الفقرة الثانية من المادة (1) الجديدة من القانون رقم 296 الصادر بتاريخ 3/4/2001 للدستور او لقاعدة ذات قوة دستورية«. وما يلفت في اقتراح القانون انه جاء نسخة طبق الأصل عما طلبته المراجعة التي ردها المجلس الدستوري في الأساس، كما ان الأسباب الموجبة لهذا الاقتراح جاءت لتختصر الحيثيات التي بُنيت عليها المراجعة المذكورة. وتلقي هذه الحالة حالة أخرى مماثلة مما يجعل تناولها لا يرتبط بأي موقف من تملك الفلسطينيين وقانون تملك الأجانب بشكل عام إنما يعود لوجود اشكالية قانونية بحتة باتت تأخذ شكل الظاهرة التي لا يجوز تركها على ما هي عليه اليوم من دون وضع ضوابط قانونية واضحة تحكمها. فعندما صدر قانون تعديل قانون الانتخاب سنة 1996، تقدم عشرة نواب بمراجعة طعن بالقانون. وقد أخذ المجلس الدستوري في أساس تلك المراجعة في قراره الصادر في 7/8/96، وابطل القانون المذكور وجاء في قراره حول ابطال المادة الخامسة منه الآتي: »انها تنطوي على تمديد إضافي لولاية مجلس النواب القادم، ويخل بالقاعدة العامة والعرف البرلماني ولا يبرره الاستثناء الوارد فيه«. ولكن مجلس النواب عاد عندما اقر مشروع قانون الانتخاب الذي جرت على أساس احكامه انتخاب سنة 2000 الأخيرة، الى تمديد ولاية »المجلس القادم« استنادا الى الاستثناء ذاته الذي لم يأخذ به المجلس الدستوري. والملفت ان أحدا لم يتقدم بطعن في القانون الجديد كما ان المجلس الدستوري لم يتحرك دفاعا عن كرامة قراره السابق في هذا الخصوص. من هنا يتبين ان اثارة مسألة اقتراح قانون تعديل قانون تملك الأجانب لا تتعلق بأي موقف من قضية تملك الفلسطينيين او غيرهم إنما تتعلق في كونها تثير مسألة قانونية بحتة تكررت ويمكن ان تتكرر كل يوم. ومن هذه الزاوية فقط يمكن تفسير طرح هذه الاشكالية التي تتلخص بالتساؤلات الآتية: أولا: هل تعتبر قرارات المجالس الدستورية واجتهاداتها والحيثيات التي تبنى عليها قراراتها خاصة بالمراجعة التي صدر بشأنها القرار ولا تشكل قواعد عامة تسري على الحالات المشابهة او تلك التي تأخذ صورة »طبق الأصل«. ثانيا: هل من حق المجلس الدستوري المبادرة، ومن دون مراجعة أحد، الى احياء قرار كان قد أصدره، بإصداره مجددا حول قانون إذا كان هذا القانون قد تضمن نصوصا كان المجلس الدستوري قد أبطلها في رده على مراجعة قدمت اليه؟ ثالثا: هل يمكن لمجلس النواب ان يكون »سيد نفسه« حتى بتشريع نصوص اعتبرها المجلس الدستوري مخالفة للدستور. رابعا: هل يمكن لمجلس النواب ان يشرّع بإلغاء نصوص اعتبرها مخالفة للدستور بعد ان اعتبرها المجلس الدستوري نصوصا دستورية؟ في الرد على السؤالين الأولين اللذين تطرحهما تلك الاشكالية لا يمكن القول ان الاحكام والقرارات القضائية او المشابهة لها يمكن ان تكون معزولة عن الحيثيات التي تبنى عليها. فالحيثيات هي أساس الحكم وتكون عادة مبنية على القانون او على تفسيره او على حيثيات احكام سابقة، خصوصا إذا كانت الحالة لا تجد نصا يحكمها كما في ظاهر الاشكالية التي تثار اليوم. وقرارات المجلس الدستوري وبالتالي الحيثيات التي تبنى عليها تتمتع بموجب القانون بقوة القضية المحكمة، وهي »ملزمة لجميع السلطات العامة والمراجع القضائية والإدارية« كما تنص المادة 13 من قانون إنشاء المجلس الدستوري. واستنادا لذلك، فعندما يقول المجلس في ابطال قانون الانتخاب سنة 1996، ان تمديد ولاية »مجلس النواب القادم« يخل بالقاعدة العامة والعرف البرلماني، وعندما يقول في قراره حول مراجع الطعن بقانون تملك الأجانب انه »لا يجد ما يخالف الأحكام والمبادئ الدستورية او ذات القيمة الدستورية في القانون المطعون فيه فضلا عن انه قد تحقق من توافر المصلحة العليا في أهداف هذا التشريع«، فكيف يمكن ان تبقى شمولية تلك النصوص الملزمة لجميع السلطات مقتصرة في مفاعيلها على الحالة التي أدت الى اتخاذها؟ هل يمكن مثلا ان ينتفي »التحقق من توافر المصلحة العليا في أهداف تشريع قانون التملك المذكور لتصبح المصلحة غير محققة بين ليلة وضحاها«؟ لذلك تعتبر قرارت المجلس الدستوري، وفي كل حيثياتها ملزمة لهذا المجلس أولا بحيث تشكل قواعد يسير عليها في أعماله اللاحقة ومن ثم هي ملزمة لجميع السلطات والمراجع. وبفعل هذا الالزام يصبح من حق المجلس الدستوري، ان لم يكن من واجبه، المبادرة الى اصدار قرار جديد يعيد فيه قراره السابق في شأن أي قانون كان قد نظر فيه وأبطله كليا أم جزئيا، إذا ما كان هذا القانون قد عاد الى النص على مواد قضى المجلس الدستوري بأبطالها. فقرار المجلس الدستوري يكون بموجب المادة 19 من الدستور حول دستورية او عدم دستورية قانون بناء على مراجعة قدمت اليه. وبالتالي فإن ارتباط القرار بعد تقديم المراجعة يصبح متعلقاً بمضمون النص وليس بالمراجعة نفسها لأن المجلس الدستوري يكون قد وضع يده على القضية. ولذلك فإن المجلس الدستوري يصبح مسؤولا عن اصدار قرار بوقف أي قانون كان قد أبطله إذا ما عاد مجلس النواب الى اقراره حتى ولو لم يتقدم أحد بمراجعة طعن جديدة بالقانون الجديد الذي تم ابطاله سابقا. ومثل هذا الأمر يشابه ما استقر عليه اجتهاد مجلس النواب في كثير من الحالات، ومنها انه عندما يتم فتح دورة استثنائية لمجلس النواب يستطيع المجلس ان يدرس ويناقش كل ما تقرره هيئة المكتب حتى ولو لم يكن ذلك من ضمن جدول أعمال الدورة المحدد في مرسوم فتحها. ويمكن القول هنا باستثناء واحد عند اقرار مجلس النواب لقانون كان قد أبطله المجلس الدستوري عندما تكون قد نشأت ظروف استثنائية لا يمكن تجاوزها، فرضت على المشترع التشريع في أمر يتعارض مع قرار المجلس الدستوري السابق. وهذا ما أخذه المجلس الدستوري حتى الآن بعين الاعتبار. ولكن من المفضل في مثل هذه الحالة ان يتقدم المجلس عبر مراجعة ما من المجلس الدستوري لتبيان رأيه في »الظروف الاستثنائية« التي بررت تجاوز قراره السابق. ويمكن القول في الرد على السؤالين الأخيرين المتعلقين بدور مجلس النواب في الاشكالية المطروحة ان مجلس النواب في الأساس هو المعني بتفسير الدستور. وبموجب هذه الصلاحية من حق المجلس ان يعمد الى تفسير أي مادة دستورية، ويكون حتى المجلس الدستوري ملزما باعتماد هذا التفسير في إطار المهام الموكولة اليه. ولكن أولوية التفسير النيابي تلك تبقى محصورة بما يقدم عليه مجلس النواب قبل تقديم المراجعات أمام المجلس الدستوري وليس بعد تقديم المراجعة. فإذا كان المجلس الدستوري ملزما بالأخذ بما يفسره مجلس النواب على المستوى الدستوري، إلا انه في الوقت نفسه يملك حق تفسير كل ما لم يفسره مجلس النواب من خلال النظر في المراجعات المقدمة اليه، ويكون هذا التفسير ملزما لمجلس النواب، كما يكون تفسير مجلس النواب الذي يسبق المراجعة ملزما للمجلس الدستوري. واستنادا لذلك لا يمكن لمجلس النواب ان يشرّع حالة كان المجلس الدستوري قد قال بعدم دستوريتها. كما ان المجلس الدستوري لا يمكن ان يبطل او يقول بدستورية قانون استنادا الى تفسير يتعارض مع تفسير مجلس النواب. وبصرف النظر عن المعطيات الدستورية والقانونية بشكل عام، فإن ما تطرحه الاشكالية القائمة أيضا، هو من الأهمية بمكان، هو مسألة »كرامة واحترام« المؤسسات الدستورية لأعمال وأدوار بعضها. فكما انه لا يمكن او انه ليس من المفضل ان لا يأخذ المجلس الدستوري بتشريع اقرّه مجلس النواب استنادا الى معطيات استثنائية تتطلبها مصلحة البلد العليا، فليس من المفضل أيضاً ان يعود مجلس النواب الى اقرار أحكام ما كان قد أبطلها المجلس الدستوري، لأنه في حال حصول أي من الاحتمالين يكون الالتفاف على دور المؤسسة الدستورية قد تحقق وتعطّل. وليس أدهى على بلد تقدم فيه السلطات على تعطيل أدوار بعضها البعض بالالتفاف على القانون. لذلك هناك قضية تحتاج الى حل.