As Safir Logo
المصدر:

الرسام الشعبي رسم أبطال الماضي والحاضر اختفت الرسوم ووجدناها أخيراً في اليابان

سعد زغلول ومستر سوان خارجين من محطة مصر
اغتيال محمد بدر الدين مراقب الأمن العام
سعد زغلول يتوسط زعماء مصر الوطنيين
المؤلف: داوستاشي عصمت التاريخ: 2001-08-31 رقم العدد:8991

انتشرت الرسوم الشعبية المنفّذة بالطباعة الملونة الحجرية على كرتون أو ورق في مقاسات لا تتعدي 40×50سم في النصف الأول من القرن العشرين ونجدها منتشرة في الموالد الشعبية، وبجوار الأضرحة الدينية حتى نهاية الستينيات، ثم تلاشت واختفت، وكانت هذه الرسوم الشعبية تعبر عن موضوعين أساسيين.. الموضوع الأول: ديني يصور قصص القرآن الكريم، وبعض الأحداث المهمة والشخصية الدينية الشعبية، وكانت تعبر عن أحداث الدين الإسلامي، وكانت هناك فنون قبطية ثرية بالرسوم المختلفة للقديسين، والأحداث الدينية. أما الموضوع الثاني: والذي عثرت على بعض رسوماته حديثاً لدى صديق وكانت مفاجأة لي، هو الموضوع الوطني أو السياسي، وكان عميد الباحثين في الفنون الشعبية الراحل سعد الخادم، قد ذكرها في مؤلفه »تصويرنا الشعبي خلال العصور« صفحة 127 على أنها »تصوير بعض أحداث ثورة سنة 1919، ومناظر أخرى من الحرب العالمية الأولى والدور الذي قامت به بعض الشعوب الشرقية في سبيل تحررها«. كانت هذه الرسوم الشعبية على مختلف موضوعاتها واتجاهاتها تطبع وتوزع على نطاق واسع وتباع بقروش زهيدة للطبقات الشعبية الفقيرة ومتوسطة الحال، كنا نراها معلقة في البيوت، أو الدكاكين داخل الإطارات، والمجموعة التي لديَّ اشتريتها في منتصف الستينيات من مولد السيد أحمد البدوي بطنطا بقروش قليلة وأعتقد أنها آخر ما طبع من هذه الرسوم. ويوضح سعد الخادم في مؤلفه السابق ذكره بأن هذه الرسوم الشعبية المطبوعة قد استبدلت ببعض الرسوم التي كانت تصور بالىد على المخطوطات وغيرها ويوضح ذلك: »بأن هذه الطائفة من الرسوم تركزت في تصوير الأساطير الشعبية مثل قصص »عنترة« وسيف بن ذي يزن وسيرة الظاهر بيبرس تلك القصص والنوادر التي كان يرددها الرواة في المقاهي الشعبية وتحوم حولها مناقشات حادة بين مناصري كل بطل من أبطال القصة الشعبية، فمن بين النماذج القديمة التي صورت تطاحن فرسان العرب في منازعاتهم القديمة مجموعة من الصور المطبوعة كانت ضمن شريط قديم للعبة صندوق الدنيا، يرجع تاريخها إلى حوالى 1917 أو سنة 1919 أو لعلها أقدم من ذلك، ولعل هذه الصناعة قد نشأت عند بداية دخول فنون الطباعة في مصر، ولاسيما طبع الصور الملونة على الحجر، ومن المرجح أن يكون جماعة من الصناع الأجانب كالأرمن مثلا قد قاموا بطبع تلك الصور القديمة إذ تتضح بين الموضوعات التي رسموها موضوعات مثل ماري جرجس وغيرها من قصص الإنجيل والتوراة كمشهد آدم وحواء وسليمان الحكيم وسفينة نوح ويمكن أن تستشف من تلك الرسوم جملة أسالىب يرجع بعضها إلى رسوم الأيقونات الدينية وتستشف من بعضها الآخر طابعاً أكثر شعبية ربما ارتبط ببعض أسإلىب التصوير الإسلامي في المخطوطات العربية التي نسخت وصورت بمصر. ويواصل سعد الخادم بحثه في أصول هذه الرسوم فيؤكد بأنه: »كان هناك أسلوب نراه في تلك الصور الشعبية لا يمت بأي صلة لتقإلىدنا العربية القديمة ولا للطرز البيزنطية والمسيحية، وإنما نراه يشبه بعض الرسوم الإيضاحية التي ترد في الصحف لتوضيح بعض موضوعات وأحداث تاريخية معينة فكانت تلك الصور الشعبية التي تميّزت بهذا الطابع الأخير تصور بعض أحداث ثورة 1919«. ويؤكد سعد الخادم بأن الفن الشعبي في المخطوطات المحلية، نقل عن بعض المراجع التركية والفارسية. وبالنسبة لأسالىب رسم هذه اللوحات الشعبية فيقسِّمها سعد الخادم إلى قسمين: فمنذ نهاية الحرب العالمية الأولى حتى الىوم والرسوم الشعبية تنتهج في أسالىبها النهج الشعبي القديم ولكن مع فقدانها بعض النواحي من أصالتها، فالنماذج التي تباع في الأحياء الشعبية تنقسم إلى قسمين: * قسم تظهر في أسلوبه الفطرة، فيصور معارك الفرسان في شيء من السذاجة الممزوجة بشيء من الطرافة وعلى الرغم من التطاحن الشديد الذي توضحه فهي لا تلبث أن تثير في الناظر الضحك كأنها تمس في تعبيراتها الجانب الهزلي برغم جدية الموضوعات التي تعبر عنها. * أما القسم الثاني من الرسوم الشعبية الملونة فهو أحدث من تلك الرسوم التي تحدثت عنها الآن، ويبدو أن الذين قاموا برسمها هم جماعة ممن درسوا الفنون وفقاً للمدارس الأوروبية، فنجد فيها محاولات للإيحاء بتجسيم الأشكال مما يجعل تلك الرسوم أو المطبوعات مفتقرة إلى الطابع الشعبي فهي أقرب إلى الرسوم الإيضاحية التي تنتشر في بعض المجلات والتي لولا شعبية موضوعاتها لما تبقى من طابعها الفني ما يذكر من حيث الأصالة والجدة. رسوم وطنية وهنا ينتهي كلام سعد الخادم الذي كان لا بد من سرده لأهميته ولأنه من القلائل الذين تعرضوا لهذه الرسوم بالدراسة والبحث، ورغم اطلاعي على أرشيف ومقتنيات سعد الخادم بعد وفاته عام 1987 فلم أعثر على لوحات أو رسوم أصلية مطبوعة من تلك الرسوم الشعبية، رغم أنه كان من أكبر جامعي التحف الشعبية القديمة، وإنما عثرت على بعض الصور الفوتوغرافية وأصولها السالبة وهي غالباً من تصويره لبعض من هذه الرسوم والمنشورة في كتابه »تصويرنا الشعبي خلال العصور« ولا أدري هل هناك جهة ما معنية بالبحث عن هذه الرسوم وحفظها وتوثيقها كتراث شعبي من ناحية وكتقنية في مجال الطباعة الفنية انتشرت في أوائل القرن العشرين من ناحية أخرى وهي الطباعة الحجرية، التي انتشرت بعد ذلك في طباعة الإعلانات الكبيرة للأفلام السينمائية وغيرها من الإعلانات؟ وهل يمكن العثور على كل أو معظم هذه الرسوم الشعبية بتنوعاتها المختلفة في متحف ما كالمتحف الشعبي الذي ذكره سعد الخادم والذي تلاشى واختفى الآن مثل كل ما تلاشى واختفى من حياتنا متعلّق بالتراث والتقالىد والشعبيات؟ واستخلص الآن مجموعة ملاحظات عامة حول مجموعة الرسوم الشعبية المنشورة مع هذا النص متفقاً مع كل ما ذكره سعد الخادم في بحثه القيِّم عن الرسوم الشعبية المطبوعة. 1 هذا النمط من الرسوم الشعبية عرف في أوروبا خاصة بعد معرفتهم بالطباعة.. والرسوم الشعبية المطبوعة عرفت أيضاً في آسيا في بلاد كالصين وإلىابان اشتهرت بالطباعة الخشبية، فالرسوم الشعبية موروث حضاري يمثل امتداداً لرسوم المخطوطات والرسوم الجدارية المختلفة وقد دخلت الرسوم المطبوعة في مصر مع دخول الطباعة على يد الأجانب (إيطالىين فرنسيين أرمن وغيرهم) وكان الأرمن الأكثر شهرة في مجال الطباعة الحجرية وعمل الأكلشيهات المختلفة وكانت لهم دكاكين وورش كثيرة خاصة في الإسكندرية بعضها مازال قائما حتى الآن. 2 كانت أصول بعض هذه الرسوم ترسم بالىد في مشاهد صندوق الدنيا كما سبق أن أشار إلى ذلك سعد الخادم وكان بعضها الآخر يرسم على جدران المنازل مقترناً بالمناسبات المختلفة دينية أو اجتماعية أو وطنية وكان الرسامون من المصريين يرسمون بفطرتهم ومهارتهم الشخصية، وعندما بدأ صناع الطباعة في تنفيذ مشروعهم هذا استعانوا بهذه الرسوم، إلا أنهم في الغالب قاموا هم أنفسهم برسمها وإضافة بعض الملامح والمشاهد من ذاكرتهم وبيئتهم بعيداً عن الجو المصري الخالص، والرسوم على كل الأحوال غير موقعة وليس لدينا ما يكشف عن راسمها غير أسلوبه وحلوله للأشخاص وللملابس وبقية عناصر الرسم كالمنازل والعمارة والنباتات وطريقة تكوين الصورة ولكنها ذات طابع عربي متوارث والملابس العربية ذات طابع نمطي معروف. 3 تضم الرسوم الشعبية عناصر الموضوع الأساسية التي تحتل معظم اللوحة وتحيط بها عناصر مساعدة لإبراز الموضوع مع الطبيعة والبيئة المكانية بالإضافة إلى بعض الكلمات التي تشير إلى شخصية الناس المرسومة أو طبيعة الحدث المرسوم، ويحاط كل هذا بإطار بسيط أو إطار مزخرف حسب طبيعة الموضوع. 4 الرسوم الشعبية تعتمد على التحديد الأساسي باللون الأسود لكل تفاصيل الموضوع ثم تملأ المساحات بألوان أساسية واضحة بدون أي درجات لونية أو مزج لوني فالأحمر أحمر والأصفر أصفر وهكذا. 5 للموضع الواحد أكثر من رسم وتتميز الرسوم التي طبعت في أوائل القرن العشرين بالسذاجة، أما الرسوم التي نفّذت بعد ذلك فكانت بريشة رسّامين أكثر براعة ودقة وإن التزموا بالرسم الأول مع إضافات زخرفية وخطية لإكساب الرسم ثراء أكثر ولكي يظل الرسم الأول بفطرته البسيطة وعناصره المباشرة أكثر قوة وتأثيراً في المشاهد من الرسم الثاني الذي حشد بالزخارف والخطوط ففقد الموضوع وضوحه ومباشرته وقوة تعبيره. فنماذج الرسوم في الغالب واحدة وتستخدم مع بعض التحوير في موضوعات متعددة ويختلف الرسم حسب براعة كل رسام عن الآخر وتدخل نوعية الطباعة كعامل تميز لهذه الرسوم. 6 في الرسوم التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى وبعد ثورة 1919 على وجه التحديد.. بدأ ناشرو هذه الرسوم في وضع أسمائهم وعناوينهم. ولم يهمهم بطبيعة الحال وضع أي تاريخ يوثق لطبع هذه الرسوم أو اسم الرسام الذي قام بها. وقد ظهرت هذه البيانات بالأخص في الرسوم الوطنية التي واكبت ثورة 1919 فكان يطبع أسفل الرسم موضوع اللوحة واسم الناشر وعنوانه ومن أمثلة ذلك: * رسم يمثّل إطلاق الرصاص على صاحب العزة محمد بك بدرالدين وكان مراقب الأمن العام وأطلق على الموضوع »الحادثة الفظيعة« وهو حادث شهير فيه تعاطف كبير مع صاحب العزة محمد بك الذي توسط الرسم في حين لم نر وجه القاتل والرسم كله ساذج أشبه برسوم الأولاد في المدارس. أو أشبه بالرسوم التوضيحية المرافقة للموضوعات الصحفية. * رسم فخم احتشد بالعناصر المختلفة يمثل احتفال الأمة بتشييع جنازة الشهداء في مصر (القاهرة) والإسكندرية وطنطا والمنصورة وواضح أن الراسم أجنبي وقد اهتم برسم وجوه الشهداء مع أسمائهم في صفين أعلى الرسم وهم بالترتيب التالي: * المرحوم/ فريد فتحي رزق الله، المرحوم/ علي حسن البكري، المرحوم/ عبدالوهاب أحمد، المرحوم/ شفيق سعيد، المرحوم/ حسين أحمد، المرحوم/ رزق يعقوب، المرحوم/ عبدالرحمن سالم، المرحوم/ محمد إبراهيم زويل، المرحوم/ إبراهيم السيد العبد، المرحوم/ عبدالحليم حلمي، المرحوم/ أحمد طلعت السعد والمرحوم/ رمضان محمود هداية. * ومن المؤكد أن هؤلاء بعض شهداء ثورة 1919 وإن كان الرسم لا يشير إلى ذلك ويقود هذه الاحتفإلىة كشافة الحزب الوطني وخلفهم رجال وشيوخ »الأظهر الشريف« كما كتب على الىافطة المحمولة وليس »الأزهر الشريف« وهو خطأ لا يقع فيه إلا أجنبي يجتهد في نسخ الخط العربي. ونرى في الرسم جمهور المشاهدين يضم أفندية بالطرابيش وشيوخ بالعمائم وأجانب بالبرانيط وقد امتلأت النوافذ بالمشاهدين أغلبهم من النساء ويحدد الرسم مكان هذا الموكب المهيب بميدان الأوبرا حيث يمر بجوار تمثال إبراهيم باشا. * وفي رسم لتحية عموم فرق الكشافة كتب الناشر عنوانه على النحو التالي: »شركة الصور الوطنية لصاحبها إبراهيم وحافظ وأحمد بالعتبة الخضراء« وهذه أسماء لشخصيات مصرية عربية تمتلك شركة لطبع مثل هذه الصور الوطنية أو الدينية الملونة وهي شركة ضمن مجموعة شركات توزعت بين القاهرة والإسكندرية، كانت تملك مطابع أو تطبع على نفقتها في مطابع الأرمن أو الإيطالىين مثل رسم لزعماء مصر يتوسطه تمثال نهضة مصر لمحمود مختار »طبع على نفقة إبراهيم عكريشة وشركاه بمصر بالعتبة الخضرة« وإبراهيم عكريشة هذا شارك بعد ذلك أحمد زعزوع في شركة جديدة لطبع الصور الوطنية ومكانها درب الجنية بغيط النوبي بجوار الشاومة بمصر أي (بالقاهرة) وهذا واضح في الرسم الذي يسجل عودة سعد زغلول للوطن، فقد كان أحمد زعزوع هذا يطبع الرسوم على نفقته الخاصة بالإسكندرية عند مطبعة محمد السباعي بالمنشية ويقوم بتوزيعها من مقره بالعتبة الخضرة التي كانت مقر توزيع هذه الرسوم. رسوم مختفية * قامت بعض الصحف التي كانت تصدر في ذلك الوقت مع ثورة 1919 وبعدها بنشر بعض الرسوم الوطنية الشعبية وتوزيعها مع أعدادها أو عرضها للبيع مع موزعي الصحف كالرسم الذي يؤكد وحدة وادي النيل »مصر والسودان ليحيي الاستقلال التام لوادي النيل« وهو رسم فخم نلاحظ فيه (السيمترية) أي التماثل بين نصفي اللوحة وهي سمة مشتركة في معظم هذه الرسوم ويتوسط اللوحة وجه سعد باشا زغلول زعيم الأمة وكتب الناشرون (كافة الحقوق محفوظة لجريدة السياسة المصورة العدد 219). وذكر عنوان الإدارة: »رقم 2 بميدان البيدق بشارع عبدالعزيز بمصر« أي بجوار العتبة الخضرة التي كانت تمثل وسط البلد وتتجمع فيها شركات طباعة هذه الرسوم ودور الصحف والمطابع ويؤكد هذا الرسم على أن احتمال سرقته وتنفيذه في مطبعة أخرى قائم وأنه أمر شائع الحدوث لذلك أكد على أن حقوق النشر محفوظة لصاحبها. لم أجد أجانب أو شركات أجنبية تقوم بإصدار ونشر هذه الرسوم التي اقتصرت على الوطنيين كأصحاب رأس المال والموزعين وأغلب الذين اشتغلوا في هذا المجال هم من أصحاب مكاتب توزيع الصحف والمجلات لارتباط هذا المجال بالترويج لهذه الرسوم الوطنية بالذات التي دخلت حياتنا مع ثورة 1919 واستمرت مواكبة لثورة 23 يوليو 1952 حتى نهاية الستينيات وعبّرت عنها وعن زعمائها. هذه الدراسة السريعة تسلط الضوء على مجال إبداعي في فن الرسوم الشعبية الذي كان سائداً طوال النصف الأول من القرن العشرين واختفى ليحل محله نمط آخر من المطبوعات والرسوم والصورة (البوستر) التي تمثل عصراً آخر وهموماً أخرى وأبطالا آخرين يختلفون تماماً عن أبوزيد الهلالي وسعد باشا زغلول ورسوم هذه الفترة المبكرة والتي تحتاج إلى مزيد من الدراسات والبحوث الأكاديمية والتوثيق والجمع والحفظ. وفي نفس الوقت تقديم هذه الرسوم بما تمثله من طرافة لموروث شعبي كانت له مكانته الحميمة في حياة أهلنا في النصف الأول من القرن العشرين، وكثيرون منا مازال يتذكر هذه الرسوم معلقة في أماكن عديدة خاصة في ريف مصر والأحياء الشعبية بالمدن الكبيرة والصغيرة في ربوع مصر وبعضها كان معلقاً في منزل جدي وأحتفظ به، وقبل أن أنهي هذه السطور أتعجب من أن كثيراً من المطبوعات والرسوم واللوحات التي تعلق الآن في بيوتنا ويقبل علىها الشباب لمناظر وموضوعات غريبة تماماً والقليل منها يمثل الحرم المكي والحرم النبوي والقدس الشريف وحتى الآيات القرآنية قد صدرتها لنا الصين في إطارات فاخرة وبأسعار زهيدة وكأنه لم يعد لدينا خطاطين ومطابع قادرة على ابتكار رسوم ولوحات مستمدة من البيئة والتراث المصري.. وقد كان »الأجنبي« قاسماً مشتركاً في الرسوم الشعبية القديمة التي قام بطباعتها ورسمها وبين المطبوعات الحديثة التي تمثل البيئة والتقالىد الغربية.. وأتمنى أن أرى لوحات الفنانين المصريين المستمدة من حياتنا وتعبر عن الشخصية المصرية وجمالىات البيئة عندنا تطبع في لوحات كثيرة (بوستر) لتحل محل صور المناظر الطبيعية للغابات والثلوج أو صور مطربي وممثلي الغرب التي تنتشر الآن خاصة أن عدداً من كبار فنانينا استلهموا أعمالهم من الرسوم الشعبية. * وأخيراً أنقل لكم ما كتبه الفنان القدير محيي الدين اللباد في كتابه »نظر« صفحة 100 عن معاناته في البحث عن إحدى الرسوم الشعبية المنشورة مع هذا الموضوع يمثل أبو زيد الهلالي. واللباد يعتبر من القلائل في العالم الذين يملكون أرشيفاً بصرياً نادراً قدمه في سلسلة كتبه »نظر« ورغم ذلك لم تتوفر لديه أي رسوم شعبية مطبوعة يستعين بها في عمله كما يقول: »أثناء إعداد كتاب للأطفال يقدم لهم بطريقة وثائقية تراث القصص والأساطير والسير والحكايات الشعبية والكلاسيكية، العربية والعالمية كان لا بد من العثور على صورة لرسم شعبي لأبي زيد الهلالي بطل سيرة بني هلال. كانت السمة التي أُختيرت للكتاب أن تكون صورة كلها وثائقية تنقل روح وأجواء القصص والحكايات القديمة، لذلك نزلت أبحث عن صورة ملونة لرسم شعبي قديم لأبي زيد الهلالي سلامة لتنشر مع التعريف بسيرته، فمع صور من مخطوطات عربية قديمة مصورة، ومع رسوم شعبية على الزجاج لعنتر وعبلة، ومع محفورات فرنسية وإنجليزية وروسية من القرن الماضي، كان لا بد أيضاً أن تكون صورة أبي زيد قديمة، من تلك الصور التي استقرت في ذاكرة ووجدان الأجداد والآباء، والتي علىنا الآن تسليمها بدورنا إلى الأبناء. فكرتُ في مركز الفنون الشعبية، وذهبت إلى هناك حيث قوبلت بالاندهاش لأنه لا يوجد عندهم مكتبة للصور، ولا توجد خدمة للأفراد من هذا النوع! وذهبت إلى دار الكتب، متوهّماً أني سأجد المساعدة من أمنائها، بأن يبحثوا لي في المحفوظ لديهم عن صورة لرسوم من رسوم أبي زيد. »عارف عنوان كتاب معين«؟ ».. لا..«. »يبقى مش ممكن طبعاً«! ثم إننا ما عندناش تصوير ملون للجمهور ولا لغير الجمهور«. »شكراً«. وذهبت إلى مؤسستين صحفييتين من أكبر المؤسسات ولكني لم أجد في أرشيفهما بعد التعب أي صور من هذا النوع! * أخيراً تذكرت أن ناشراً من دمشق سبق له أن نشر بطاقات بريد علىها بعض الرسوم الشعبية العربية سعيت حتى حصلت على عنوانه من صديق رسام لبناني، وكتبت إلىه سائلاً صورة، بعد عدة أسابيع وصلني منه رد باللغة الإنجليزية، فهمت منه أنه قد أصبح من رجال الانفتاح السوري وأنه لم يعد يلعب في هذه المسائل الصغيرة، لكنه تكرّم مشكوراً وأرسل لي اسم وعنوان المطبعة التي كانت قد طبعت له تلك البطاقات منذ سنين، وأخبرني أن من بينها كانت هناك صورة لأبي زيد، وكان عنوان تلك المطبعة في الىابان! كتبت رسالة أخرى إلى المطبعة الىابانية أطلب منها صورة ملونة لأبي زيد من الصور التي اغتصبتها من الناشر السوري وضمتها إلى أرشيفها، وبعد مراسلات، »وعاوزين تطبعوا عندنا كام ألف نسخة من الصور؟« وخلافه.. رضيت المطبعة أن ترسل لي مقابل ثمن معلوم صورة لرسم شعبي عربي لأبي زيد الهلالي. * ويختتم اللباد كلامه وأنا معه بالسطور التالىة: »يا ترى كم »أرشيفجي« سيقوم بقص الصورة المنشورة هنا ليحتفظ بها.. فلربما سأل عنها أحد المحتاجين لها في يوم من الأيام«؟! تنشر »مقتطعة« بالترافق مع »مجلة الكتب، وجهات نظر«

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة