As Safir Logo
المصدر:

»ديوان ابن قزمان« سيرة مخطوطة عبرت أوروبا عن طريق 12 عالماً، مستشرقاً هل ألهم ابن قزمان الرومانثية وهل هو الدليل على أثر الشعر العربي في القصيد البروفنسالي

المؤلف: مكي الطاهر احمد التاريخ: 2001-08-31 رقم العدد:8991

أهمل المؤرخون الكتابة عن ابن قزمان، ولم يوردوا عنه غير القليل، ولكن الديوان، عن طريق أزجاله، يمدنا بمعلومات لا بأس بها، وتلقي على حياته ضوءاً كاشفاً. أول ما نلتقي به في السطر الأول من الديوان قوله: »قال الشيخ الوزير الأجل...«، ولكن لقب الوزير هنا لا يعني شيئاً كثيراً، ففي بعض عصور الأندلس كان الأمير، أو الخليفة، أو الحاكم، مهما كانت رتبته، يمنحه لمن يحب، وجاهة اجتماعية، كل ما تعنيه، في أحسن الأحوال، أنه يمكن أن يتردد على مجلسه دون أن تكون له مسؤولية إدارية أو سياسية محددة، ويبدو أن اللقب نفسه تدهورت قيمته كثيراً خلال عصر الطوائف، وأيام الفتنة، وليس هناك ما يمنع أن يكون ابن قزمان منحه لنفسه وراثة، جرياً على تقليد سار بينهم، فقد أثنى علىه الحجاري (ت 549ه/ 1155م) وذكر عنهم »أنهم لم يزالوا ما بين وزير وعالم ورئيس«، وذلك دون أن يعترف له أحد بهذا اللقب وما يتطلبه، لأن ما يقدمه عن شخصه عبر أزجاله يتناقض مع هذه التسمية. وصف ابن قزمان نفسه بأنه مديد القامة، أشقر اللون، أزرق العينين، وفي ضوء اسمه وصفاته هذه رأى المستشرق الإسباني سيمونيت ( ت 7981 ) أن ابن قزمان يرجع إلى أصول قوطية، أسلم أسلافه في سنوات الفتح الأولى، للشبه الشديد بين كلمة قزمان في العربية والإسبانية، فهي تجيء في الحروف اللاتينية على صورة واحدة Guzaman، والكلمة الإسبانية ذات أصول قوطية، وما أسرع ما ناقض نفسه وردّه إلى أصول عبرية. ولسنا في حاجة للرد علىه، فقد تكفل بذلك مواطنه ومعاصره المستشرق الكبير فرانسيسكو قديرة، واعتبر ذلك وهما من سيمونيت وغيره ممن هم على شاكلته واحتذوا طريقه، موضحا أن أصول الاسم عربية أصيلة،ضاربة في القِدم، وأن أحد المسلمين الذين شاركوا في غزوة أُحد كان يحمل اسم قزمان. ومع ذلك كان الرجل نفسه فقيرا، واشتغل في شبابه بكتابة الوثائق، والعمل بها يتطلب معرفة الفقه والشروط الصحيحة والفاسدة، والدقة في ضبط الصيغ، واستخدام الكلمات. وعمل إلى جانبها بالأدب، ينظم الشعر والموشحات والأزجال ليكسب قوته، ويجد ما ينفقه، إلى جانب أنه نديم مسامر، وجليس مؤنس، ينثر البهجة، ويشيع الرضى والبسمة، بين من يسهرون معه. ولكن هذه المهن كلها لم تغنه شيئاً، فظل فقيراً ضائعاً. وفي ما يبدو هجر كتابة الوثائق، ولم يبرز في نظم الشعر فأهمله ولم يبلغ في الموشحات شأو معاصريه فتخلّى عنها، ولكنه برع في الزجل، وبذل فيه جهده، وتمكن منه، وجعله طريقة إلى جيوب الممدوحين، متخذاً في ذلك أساليب شتى، فقد يستدر العطف متحدثاً عما وصل إلىه حاله من فقر وبؤس وحرمان، وما يلقاه من جوع وعري، وتصور النحس قدراً لازمه، واستقر في بيته، وأدار معه في أحد أزجاله حواراً طويلاً. وهو يرضى بأيسر الأشياء وأهونها، فلا ينبغي أن يتأخر الممدوح أو يتعلل، لأن مطالبه متواضعة: كراء البيت، أو ثوب، أو قليل من دقيق وفحم وزيت، أو بضعة دريهمات. وهو تواضع اختص به الزجالون، ولا نجده عند الشعراء، مما يشي بأن مرتبة الزجال أمام الممدوح كانت أدنى مرتبة من الشاعر. ونعرف من أزجاله أنه سجن مرتين بتهمة الخلاف والنفاق، واحتج ابن قزمان على القاضي بأنه لا يفرق بين مستويات الناس في المجتمع، ولم يعرف له قدره فناناً فسجنه مع اللصوص والقتلة، وأن السجان وضع قيوداً ثقيلة في يديه ورجليه، ومنع زيارته، وأنهم كانوا يبحثون له عن وثائق تدينه، وشهود زور مرتشين يشهدون علىه، لو أفلحوا في مسعاهم لانتهى الأمر برجمه، وما يصح أن يعامل الشعراء هكذا. غايات ثلاث كانت تحرك ابن قزمان في حياته: المال، الشراب والعشق، ويرى الحياة بغير هذه لا معنى لها، وظلت هذه الفلسفة ملازمة له أيام شبابه، وفي شيخوخته وهرمه أيضاً. في ما يتصل بالمال كان ابن قزمان مدّاحاً، طلب العطاء ممن يستحق، وممن لا يستحق، ونحن نعرف أن جانباً من شعراء العرب عاشوا على العطاء ولكنه عطاء مذهب وخجول، يستثير في مدائح فخيمة أمطار الفضائل، تهبط كسحابة من يد القوي القادر، »وعلى النقيض منهم فإن هذا الوزير الطيب (!) ابن قزمان طلب العطاء في الشارع، وبلا حياء.. قليلة هي الأزجال التي لا يحدثنا فيها عن بضائع محدّدة، يبادلها الزجال بأبيات من مدائحه، في بعضها يطلب مثاقيل شقراء ومدورة نضيدة ورنَّانة وفي ثانية نبيذا، وفي أخرى أحقر الأشياء وأكثرها تفاهة: عباءات وقمصاناً وصدارة، والملابس بعامة، والحطب والدقيق، وكراء البيت، ونقوداً يقص بها شعره، وعلفاً يطعم منه فرسه، وجواهر لصديقاته، وغيرها«. وهو مسرف لا يفكر في غير يومه، مثقوب اليد، كما يقول مثلنا العامي، والكيس الذي يحفظ فيه النقود يبدو كأنه منفاخ كير، ووجد نفسه مضطراً لأن يضحي برأس من البصل، ويذبحه بدل كبش، وتركه الجوع كما لو كان نسيج عنكبوت، خبزه يابس، والشياطين تزوره في الليل، وقطط السطوح أسعد منه حظَّاً، منطفئ الوجه، خائب الأمل، كشاطر في البادية، يعيش أحياناً في فندق عام من خيرات الأوقاف، فإذا امتدت له يد سخية تساعده بالنبيذ والحب والمجد غنّى: فلا مُلكاً إلا مُلكي، بعد ملكك يا سليمان فبني العباس بحالي كانوا، أو بني أميّة وديوان ابن قزمان حافل بالخمريات، وهي فن شائع في الشعر العربي منذ الجاهلية حتى وقتنا هذا، ونحا في وصفها منحى أندلسياً خاصاً ومتميزاً، فهو يستخدم الكلمات الرومانثية، ويعبّر عن النبيذ بكلمة »بينو Vino« وهي مستخدمة في الإسبانية إلى يومنا، وحين يصف أنواعه يأتي بمصطلحات مما يطلق على ألوان النبيذ ودرجاته في إسبانيا قديماً وحديثاً، أمثال: رحيق وأصفر وخمري وشمول وصهباء وإغريقي وعقار: شراب أصفر هو، حبيبي، مولاي سروري، فرحي طبيبي، من داي عقاري، خمري، شمولي، صهباي مدامي، راحي، خندريس، جريالي نعرف أن جل المخطوطات العربية في الأندلس ذهبت بها الفتن والثورات أولاً، ثم أتى الإسبان على بقيتها حرقاً في ميدان الرملة، في غرناطة، بعد أن سقطت هذه في يد الإسبان في 2 كانون الثاني يناير 1492 بأمر الكاردينال ثيسنيروس، وبلغ ما أحرق حوالى نصف مليون مخطوطة. سيرة مخطوطة كان سيمونيت (ت 1897) أندلسياً من مالقة ينتمي إلى أسرة فقيرة، درس أبوه الرهبنة ثماني سنوات دون أن ينتهي به الحال راهبا، فأرادها لابنه، ولكن الابن أيضا بعد أن درس اللاهوت ثلاث سنوات، والفلسفة ثلاث سنوات أخرى، واللغة اللاتينية معهما، ترك الرهبنة بدوره، وهكذا أضاع من عمره ست سنوات لم يحقق فيها غير أمرين: التمكن من اللغة اللاتينية، والكراهية الشديدة لكل ما هو غير كاثوليكي، ثم انتهى به المطاف في مدريد مهاجرا، جاءها ماشيا يمتطي قدميه، دون شيء يعينه على الحياة، فلجأ إلى مواطنه سرافين إستبنيث Serafin Estabanez (ت 7681)، وهو من مالقة أيضا، أكمل تعلىمه في جامعة غرناطة، فتركت بجوها وآثارها في نفسه تأثيرا عميقا: أعجب بالأدب العربي والحضارة الإسلامية إعجابا رومانسيا، ويراهما في أسمى مكان من الجلال والروعة، وكان في أوج مجده الأدبي، وله نفوذ ملحوظ في المحيط الاجتماعي، ومع ذلك لم يكن لديه ما يقدمه لسيمونيت في مجال العمل، وبخاصة أن هذا محدود التجربة والخبرة العملية، ومراعاة لدراساته السابقة، وما بينهما من مواطنة قريبة، عهد إلىه بتنظيم مكتبته، وكانت بالغة الثراء، تضم أقدم الطبعات وأندرها، وأفضل المخطوطات وأثمنها، من التراث العربي والشرقي، في الأدب والتاريخ واللغة والفلسفة، ولكن الفتى لا يعرف شيئا من اللغة التي كتبت فيها معظم هذه الكتب فتولى صاحبها تعلىمه اللغة العربية فأجادها على نحو فاق فيه أستاذه. وفي عام 1881 أرسله إلى الإسكوريال ليجمع له بعض النصوص الخاصة بكتاب يعده عن »المشاة في الجيش الإسباني«، وبذلك استطاع أن يحصل على إذن بالاطلاع على المخطوطات العربية. عن طريق إستبنيث تعرف سيمونيت إلى المستشرق الهولندي دوزي، حول عام 1850، وكان استبنيث على صلة وثيقة به ويتبادلان الرسائل حول قضايا علمية وأدبية تتصل بالأندلس، فلما فقد إستبنيث بصره في أواخر حياته، كان سيمونيت هو الذي يحرر له رسائله، وما لبثت عرى الصداقة أن قويت بين الاثنين، المرسل والمتلقي، لأنهما في هذا الوقت كانا دوزي وسيمونيت يعملان في مؤلفين متقاربين، دوزي يؤلف » ملحق المعاجم العربية«، وفيه جمع الكلمات العربية التي أخذت في الأندلس دلالات محلية خاصة، وسيمونيت في »معجم الألفاظ الإيبيرية واللاتينية المستخدمة بين المستعربين« فبدآ يتراسلان،وفي مراسلاتهما يناقشان قضايا مشتركة، ذات طابع لغوي، وحتى كانا يتبادلان تجارب »المطبعة« ليشتركا في تصحيحها. وفي الأعوام الأخيرة من حياة دوزي كانت تشغلهما قضايا جغرافية فقد كان هذا يعد الطبعة الثالثة لكتابه »أبحاث في تاريخ إسبانيا في العصر الوسيط«، وكان سيمونيت مهتما بجغرافية غرناطة،في ضوء ما أورده عنها المؤرخ الأندلسي لسان الدين بن الخطيب، في كتابه »الإحاطة في أخبار غرناطة«. عندما تلقي سيمونيت مخطوطة ديوان ابن قزمان مرسلة إلىه من بطرسبرغ كان مشغولا بدراسة أحوال المستعربين في الأندلس، وهم المسيحيون الذين احتفظوا بدينهم، ولكنهم تعرّبوا في ما عدا ذلك، لغة وثقافة وعادات وتقاليد، عني بدراسة دورهم وحياتهم وتأثيرهم في الحياة الأندلسية. وقد أبقى الديوان في حوزته عدة شهور، واستخدمه مصدرا أساسيا وموثوقا به في رسم اللغة الرومانثية، وهي اللغة التي كان يتكلمها طوائف من المستغربين وأهل الشمال المسيحيين، ويعرفها بعض المسلمين. كان من بين الذين سمعوا بالمخطوطة واهتموا بأمرها البارون دافيد جينتسبورغ Le Barom David Gunntzbourg، وهو يهودي واسع الثراء، يعمل في الصناعة، ويملك مصانع لتكرير السكر، وعدداً من التوكيلات التجارية، ولكنه قبل ذلك كله مغرم بالحضارات الشرقية، ومحب للمخطوطات، وجمَّاع شهير لها، ودارس لأشعار العرب واليهود، ومتخصص في علم العروض العربي، ومهتم بالتراث الأندلسي خاصة، وكان تلميذاً لروزن الروسي، وغويار Guyard الفرنسي، فاهتم في الحال بمخطوطة الديوان، وقام بتصويرها في برلين على نفقته الخاصة. إحدى هذه المصوّرات انتهت إلى يدي المستشرق الإسباني الجليل خوليان ريبيرا (1858 1934)Julian Ribera ، ولم يكن مجرد مستشرق عادي، وإنما كان أمة وحده، باحثا عظيما، ومؤرخا جليلا، ومفكرا موضوعيا، ومحبا عظيما للثقافة الأندلسية، وأستاذا بكل ما تحمله الكلمة من جلال، ورأس المدرسة الإسبانية التي تؤمن بإسبانية التراث الأندلسي، وأن الإسبان يجب أن يشاركوا العرب في الزهو به، فقد أبدعه أسلافهم، وولد على أرضهم،فهو إسباني بقدر ما هو عربي، تراث إسباني، وإن كان جدوده يتكلمون العربية ويدينون بالإسلام، ورغم قسوة الرقابة الكنسية على أيامه، التي واصل في ظلها أبحاثه، استطاع أن يكون موضوعيا إلى حد كبير. كان ريبيرا أول من أقدم على دراسة المخطوطة دراسة علمية مستوعبة، تقدم بها إلى الأكاديمية الملكية حين قبلته عضوا بها في 20 أيار/ مايو 1912، وهي دراسة بالغة الجدة والعمق، لماّ تفقد شيئا من بريقها رغم مرور قرابة قرن من الزمان على كتابتها. وقد اتخذ من محتواها متكأ لقضايا كثيرة كانت مطروحة على بساط البحث الأدبي العالمي، قدّم لبعضها حلاّ في ضوء أزجال ابن قزمان، ورأى الزمن كفيلاً بحل البقية، وأوضح هذه القضايا، وعنها تفرّع الكثير: * تفسير نشأة الشعر الغنائي الأوروبي في مقاطعة بروفانس، جنوبي فرنسا في القرن الثاني عشر الميلادي، وقد اتخذ من بناء الموشحة أو الزجل (وهما شيء واحد في البناء) نهجا يحتذيه. هناك من يرفض هذا التأثير رفضا قاطعا، يقول المستشرق الفرنسي إرنست رينان E.Rena'n (1823 1892): لا يدين الشعر البروفنسالي بأي شيء للمسلمين، فثمة فجوة عميقة تفصل بين شكله وروحه وبين الشعر العربي، وكان الشعراء المسيحيون عاجزين عن فهم الشعر العربي، لأنهم يجهلون اللغة العربية نفسها »ودوزي« العظيم (والعظيم صفة أضفاها ريبيرا على زميله الهولندي) انتهى إلى رأي حاسم فحواه: »القول بأن الشعر العربي مارس تأثيرا على القصيدة الإسبانية ضلال، والقضية برمتها باطلة«. وانتهى ريبيرا في دراسته لديوان قزمان إلى أنه كانت في إسبانيا الإسلامية لغتان أدبيتان: العربية الفصحى واللاتينية الكلاسية، ولهجتان عاميتان، واحدة عربية وأخرى لاتينية حملت اسم الرومانثية، وأن اللاتينية الكلاسية ظلت لغة الدين، وفي بعض العصور، في بعض المقاطعات، لغة أدبية للمسيحيين الذين ظلوا في الأندلس خلال الحكم الإسلامي، بين رجال الدين منهم خاصة؛ إذ كان علىهم أن يقوموا بطقوسهم، وأن يلقوا عظاتهم ودروسهم باللغة اللاتينية. ويقرر: لم تكن العربية الفصحي لغة أدبية وقفاً على المسلمين وحدهم، فقد استخدمها المسيحيون الأندلسيون أيضاً، ونبغوا فيها. إن العامية العربية والعامية اللاتينية، أو الرومانثية، كانتا تستخدمان من الشخص الواحد بلا تمييز بينهما، سواء كان من المسلمين أو المسيحيين، وهو قول يبدو للوهلة الأولى غريبا، ويصعب فهمه على غير الإسباني، أما نحن في إسبانيا فنرى الحديث بلغتين واقعا عاديا للغاية، على نحو ما يحدث في أيامنا هذه في مقاطعات بلنسية وقطلونية وجيليقية والباسك وأشتورياس. فلا يدهشنا إذن أن المسلمين واليهود في الأندلس كانوا يتكلمون الرومانثية لغة عائلية. وبدون إدراك هذا الواقع، لا يمكن فهم ديوان ابن قزمان ولا تفسيره. وفي دراسته للغة ألقى ضوءا كاشفا ما في ذلك شك، وفتح الطريق أمام احتمالات لم تكن قائمة قبل بحثه، ولكنه نسي أن لحركة اللغات قوانينها المستقلة التي تحكم حركة تطورها، اندماجا واستقلالا وازدهارا وفناء، إلى جانب أن اللغة ليست المفردات مستقلة مهما كثرت عددا، ولكنها الجملة وبناؤها ! كان أ. ر. نيكل A. R. Nykl أول من التقط الخيط بعد ريبيرا، وهو عالم تشيكي الأصل، هاجر إلى الولايات المتحدة، وعمل في عدد من جامعاتها أستاذاً للغات الرومانية، وأدرك بثاقب نظره أن تعمقه في تخصصه، وتميزه في دراساته، يقتضيه أن يدرس اللغة العربية وآدابها بعامة، والأدب الأندلسي منها بخاصة، حتى يستطيع أن يلقي الضوء على المناطق المظلمة في تاريخ الآداب الأوروبية، وحركة سيرها، طول العصر الوسيط، ومطلع عصر النهضة. فدرس اللغة العربية، وترجم منها إلى اللغة الإنكليزية كتاب »طوق الحمامة في الألفة والألاّف« لابن حزم القرطبي، ونشره في باريس عام 1931، وقدّم له بدراسة ضافية عن »الشعر على جانبي جبال البرانس حول عام 1100م«، درس فيه الشعر البروفنسالي شمالها، والشعر العربي جنوبها، ونقاط اللقاء بينهما، كما نشر القسم الأول من كتاب الزهرة لابن داود الأصفهاني بالاشتراك مع إبراهيم طوقان عام 1931. وحمله تخصصه واهتمامه إلى ديوان ابن قزمان، وأراد أن يتقدم بالأمر خطوات أوسع، وأصعب في الوقت نفسه، فيضع نص الديوان كاملاً ومترجماً إلى الاسبانية بين يدي العلماء. وكان نيكل من أنصار التأثير العربي، من أنصار تأثير الموشحات والأزجال في الشعر البروفنسالي، وهو أصل كل شعر أوروبي غنائي، تأثير يبدو واضحا وشديدا في شكل القصائد وبنائها، وإلى حد كبير في توجيه محتواها وموضوعاتها وصورها، وكان البحث في هذه القضية، وتأكيد نظريته، وراء عنايته بديوان ابن قزمان. جاءت الخطوة التالية لنيكل في أوج الحرب العالمية الثانية، 19451939، من مستشرق مغمور في بلد أوروبي صغير، من الفنلندي أو. ج توليو. انتهى من دراسته إلى تأييد نيكل في ما ذهب إلىه، من أن الموشحات والأزجال كانت وراء نشأة الشعر البروفنسالي. رغم تواضع دراسة توليو بالنسبة لما قام به نيكل، وجدت في أوروبا رواجا لم تحظ به دراسة هذا الأخير، ومردّ هذا إلى أن نيكل نشر دراسته في إسبانيا حين كانت تحكمها دكتاتورية عسكرية، وتسيطر على مقاليدها رجعية دينية، وأوروبا ما عدا ألمانيا تكن لها البغضاء والازدراء، ثم تلت نشر الديوان الحرب الأهلية الإسبانية (1936 1939)، فالحرب العالمية الثانية، وحصار أوروبا لإسبانيا اقتصادياً وثقافياً وسياسياً حتى أواخر الستينيات، وكل هذا ذهب بدور نيكل وكتابه، وأفقده الرواج والأهمية، على حين أن دراسة توليو، وهي لا تبلغ أن تكون كتاباً، محتوى وشكلا، طبعت في هلسنكي، والعالم الثقافي الأوروبي مفتوح أمامها على مصراعيه، فطافت بكل أركانه، شرّقت وغرّبت دون أي عائق مادي أو معنوي. وهكذا وجد ابن قزمان في فرنسا قارئين ودارسين، يهمنا من بينهم اثنان، كانا من أبرز العلماء الذين عنوا به في تلك الأيام، تعاصرا وتزاملا، في مدرسة اللغات الحية في باريس، وفي معهد الدراسات العلىا في الرباط في ما بعد، وهما: جورج كولان (1891 1977) وليفي بروفنسال (توفي 1956). صحح كولان بعض القراءات الخاطئة لكل من نيكل وتوليو، على نحو ما ألمحنا قبلا، وكان الحق معه في ما صّوب، وانتقدهما نقدا صارما مقبولا في تفسيرهما لعدد من الكلمات. * فكرّ جادا في تحقيق الديوان بدوره، على نحو أفضل، وهيّأ نفسه لذلك بالبحث عن مخطوطة أخرى تعينه في مهمته هذه. كان إرنست ليفي بروفنسال الفرنسي الثاني الذي عني بابن قزمان، وهو يهودي سفردي، أندلسي الأصول، أسلافه من أولئك اليهود الذين لاحقتهم محاكم التفتيش الإسبانية بعد سقوط دولة الإسلام هناك، فلجأ كثير منهم إلى جنوب فرنسا، بعد جهد مضن، ورشى كبيرة دفعوها، وقد بدأ ليفي حياته الاستشراقية مبكرا، منذ عام 7191، وأهلته يهوديته، وتمكنه من اللغة العربية، أن يكون من بين عيون فرنسا وأدواتها ورجالها في المغرب العربي. شغل بروفنسال أصلا بالتاريخ والحضارة، والأدب ليس بمعزل عنهما، وحديث ابن قزمان ومخطوطة ديوانه يشغل الأوساط العلمية في مراكز الأبحاث الأوروبية، وما كان بوسعه أن يتجاهل أمره، أو يغفل المشاركة في كل ما يتصل به، وأدرك واعيا، منذ اللحظة الأولى، أن الاقتراب من نص الديوان أمر بالغ الصعوبة، وأن إمكاناته في اللغة العربية الفصحى والعامية لا تسمح له بأن يضيف إلىه جديدا في تحقيق النص، أو تفسير ما غمض من ألفاظه. لم يتعرض بروفنسال للمشكلات اللغوية في الديوان، واكتفى بإبراز قيمته الشعرية، ودراسة معانيه الكلية، ولحظ أن ابن قزمان يلقي بها في عفوية بالغة، تتجلى فيها ملكته المبتكرة، وفيض أخيلته الحارة، حين يشرب أو يعربد، أو يتأفق أو يتملق، وحين يبدو في صورة سيد عظيم، أو متفنن ظريف، أو محب رقيق، أو رجل بحث، أو مؤمن تقي ورع يؤدي الفرائض في أوقاتها. ثم درس شكل الأزجال وبناءها وموضوعاتها من مديح وخمريات وغزل، وأن الديوان يعكس حياة ابن قزمان الشعرية والمادية والعاطفية، في تفاوت حظوظها، سمواً وتديناً، واغتناءً وفقراً، واستقامة وتحللاً، وقبل أن تدركه الشيخوخة فينزع إلى الندم والتوبة والتقوى. ويوجز بروفنسال رأيه: »لست أعرف في الأدب العربي والغربي شعراً أكثر استرسالاً مع الطبع، وأكثر أخيلة وحياة وطرافة من أزجال ابن قزمان. فإن كان لابد من مقارنته بشاعر من شعراء العصر الكلاسي، فإنه لا يقرن إلا بأبي نواس، وطريقته أن يدخل كل معاني الشعر الأندلسي الكلاسي في أزجاله، سواء أكان الموضوع في الوصف أم الخمر أم الهجاء أم الحرب أم اللذة، ولكنه يطبع كل هذه المعاني بطابعه الخاص، وهو طابع عصي على التقليد«. رومانثية أم عربية التقت في شخصية اميليو غارسيا غومث صفات متعددة عالية، جعلت منه قمة الاستشراق في وطنه، وفي العالم الغربي أجمع: موهبة فطرية، وذكاء حاد، وتمكن قوي من اللغة العربية، ومعرفة لا بأس بها ببعض اللغات السامية. لم يكن غومث عجلاً من أمره وهو يقترب من نص ديوان ابن قزمان. أدرك واعياً ومبكراً صعوبة الأمر، وفداحة المسؤولية، فبدأ يتحسس طريقه إلى شخصه وأزجاله على مهل، ولم يقل ما رآه الكلمة الفاصلة في أمره إلا بعد أن عايشه قرابة نصف قرن من الزمان، جمع خلالها في مكتبته الخاصة كل ما اتصل به، وما كتبه الآخرون عنه، في أي لغة، ومهما كان حظه من السمو أو التدني. كانت بداية الالتقاء به عبر مقال نشره في مجلة »أبداً Cruzy Raya«، التي كانت تصدر في مدريد، العدد الثالث، 15 حزيران/ يونيه 1933، وأوضح فيه أن ما شده إلى الديوان هو »العفوية البالغة التي اتسمت بها أزجال ابن قزمان وتصويره الدقيق للحياة الاجتماعية عند الطبقة الدنيا على أيامه«، وأعطاه عنوانا: »ابن قزمان صوت في الشارع!« ودرس في إيجاز وعمق مضمونها وبناءها، وما جدّد ابن قزمان في معاني سابقيه، ووقف عند الصدى الإسباني في محتوى الأزجال ولغتها وصورها، وما وفّق فيه منها، وألقى نظرة عجلى على حركة سير الديوان. لم يكد غومث يقترب من ابن قزمان حتى اندلعت الحرب الأهلية الإسبانية، ثم تلتها الحرب العالمية الثانية، وأيامها كان يصعب على الإسبان الحصول على أقلام الرصاص أو الورق للكتابة، فضلا عن إصدار الكتب أو الصحف، فتوقف كل شيء. ولكن ما أن بدأت الحياة تعاود حركتها حتى عاد غومث إلى ابن قزمان من جديد، يتناول فن الموشحات والأزجال بالدرس والتحليل، ويقرأ ديوان ابن قزمان، يفك طلاسمه، ويحل ألغازه، ويضبط كلماته، ويترجم أزجاله، وينشر خلاصة أبحاثه تباعا في مجلة الأندلس، والمجلات العلمية الأخرى، إسبانية أو أوروبية، ويتابع صدى ما ينشر، وكيف يتلقاه الآخرون. وبعد أربعين عاما أمضاها في رفقة ابن قزمان والموشحات والأزجال استجمع رأيه وحزم أمره، ونشر ديوان ابن قزمان كاملا في ثلاثة مجلدات، ضمت أكثر من ألف ونصف ألف من الصفحات، في عمل غير مسبوق علميا، عمقا ودقة وإخراجا، ونشرها في مدريد عام 1972. أوضح غومث منهجه في التناول،وهو يختلف تماما عن مناهج كل الذين سبقوه، ربما أفاد منهم، وقد يلتقي مع هذا العالم أو ذاك قليلا، ولكنه في النهاية اختط لنفسه منهجا فذا فريدا، ودراسته في ما يقول هو: ليست تاريخا ولا سيرة، وإن تضمنت شيئا منهما، ولا ترجمة لابن قزمان، وإن ألقت بعض الضوء على حياته، ولا كتاب تقنية أدبية، وإن كتب عن هذا صفحات طويلة على امتداد حياته، ولا كتاب نقد. هل هو كتاب فقه لغة؟ الإجابة في ما يرى يمكن أن تكون بنعم أو لا. ما الذي خطط له غومث في هذا الكتاب؟ إنه في جوهره دراسة موسيقى أزجال ابن قزمان، أو عروضها بلغة القدامى، والغاية منه التدليل على فكرة آمن بها غومث عن بناء الزجل عروضيا،وأن ذلك يرتبط بعروض الشعر الرومانثي الإسباني، وتطلب هذا منه أن يقوم بترجمة جميع أزجال ابن قزمان إلى اللغة الإسبانية في عروض إسباني معترف به. أورد نص الديوان باللغة العربية كاملاً، واستخدم في ذلك الحرف اللاتيني، بعد أن بسط منهجه في طريقة استخدامها، وهدف من وراء ذلك إلى تيسير القضية أمام العلماء المتخصصين في الدراسات الرومانية، من غير المستشرقين، فهم بهذه الطريقة يدركون بناء الزجل في قافيته وخرجاته، أما المعاني فقد تكفلت بها الترجمة الإسبانية التي قام بها لكل زجل في الصفحة المقابلة للنص العربي، وجاءت شعراً إسبانياً مقارباً لبناء أزجال ابن قزمان، وبأسفل الصفحة في الجانب العربي التصويبات التي ارتآها لقراءة من سبقوه، أو للكلمات موضع الشك والخلاف، كما أن كتابة النص بالحرف اللاتيني جعلت الخطأ في ضبطه يكاد يكون مستحيلا. وبإخلاص أقرر أن الدراسة رائعة، شيء لا يعلى علىه حتى يومنا، ومع ذلك فإن خطأ منهجياً شابها منذ البداية: لقد بدأها الباحث بفكرة مسبقة، هي أن ابن قزمان صاغ أزجاله في عروض رومانثي، وأن فكرة الموشحات والأزجال استلهمت في بدايتها شعراً رومانثيا، دون أن يقدم نموذجا واحدا لقصيدة رومانثية جاءت في هذا الشكل سبقت ابن قزمان أو مبتدع الموشحات، كما أنه تعامل بضراوة مع كل من اختلف معه في هذا الرأي، ومن جانب آخر بالغ في الإطراء والثناء على كل من التقى معه في هذا الاتجاه، وهم قلة على أي حال. لم يكد غرسيه غومث ينشر ديوان ابن قزمان في صورته هذه حتى أثار اهتماما واسعاً وجدلا مستفيضاً في دوائر المستشرقين والباحثين في الدراسات الرومانثية خاصة، وكان الحوار بينه وبينهم يبلغ حد العنف أحيانا. في عام 1975 نشر ت.ج.جورتون T.g . Gorton بحثاً في مجلة الأدب العربي التي تصدر باللغة الإنكليزية في لندن )المجلد 6(، قدم فيه آراءه حول »عروض أزجال ابن قزمان: دراسة كلاسية«، وأقام دراسته على أن أزجال ابن قزمان تلتزم العروض العربي الكلاسي، وهو ما ينكره غومث بشدة. ولم تهدأ الحركة؛ فبعد ثمانية أعوام من نشر تحقيق غومث، نشر فيدريكو كورينتي القرطبي Fedrico Cortiente de Cordovba، نص الديوان مرة أخرى، كاملاً ومحققاً، بمنهج مختلف، وعلى أسس علمية لا صلة لها بالسابقين. ولكورنييطي في المجال اللغوي إسهامات أخرى مهمة، فقد حقق المعجم العربي اللاتيني الذي أُلّف في القرن العاشر الميلادي، والمعجم العربي الإسباني الذي ألّف في القرن الثالث عشر الميلادي، ومعجم بدرو القلعي الذي ألف في القرن الخامس عشر، وبين هذه المؤلفات أعطى الأزجال والموشحات شيئا من عنايته: محقِّقاً أو معلِّقاً أو دارساً، إذ ليس من الممكن أن يتجه باحث إلى الدراسات اللغوية بعامة، وعامية الأندلس بخاصة، دون أن يعرض لابن قزمان، إنه ديوان الزجل الأندلسي الوحيد الذي وصلنا كاملا، ودفعه إلى هذا أن تحقيق غرسيه غومث. وفر علىه كثيرا من الجهد، وذلل له العديد من الصعاب، فرأى أن يحقق نص الديوان من جديد، مستدركا ما فات غومث، وأن يدرسه موسيقيا أيضا، متخذا، منذ البدء طريقا مضادا له: * أن ينشر النص في حروفه العربية، متجها به إلى القارئ العربي أصلا، وإلى المستشرقين الذين يعرفون العربية، وكلاهما أحق به من المتخصصين في الدراسات الرومانية، ولا يعرفون من العربية شيئا. * أن يدرس الأزجال موسيقيا في ضوء العروض العربي، وأن يبرهن على أنها في بنائها هذا، ذات بناء عروضي عربي خالص. وموضوعيا ومنهجيا الحق معه، وبذلك ألقى بنظرية غومث أرضا، وأتى علىها تماما، وجعل منها مجرد فرض ألقى به صاحبه، وافتعل له الوقائع والأحداث ليبرهن على صحته، وهيهات... تنشر »مقتطعة« بالترافق مع مجلة »الكتب وجهات نظر«

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة