As Safir Logo
المصدر:

»أبناء الشمس« عرض جهاد مفلح الراقص في دمشق قليل من الرقص والمسرح وكثير من الخطابة والتلفزيون

مشهد من العرض
المؤلف: عيسى راشد التاريخ: 2001-08-30 رقم العدد:8990

تشكل قضية الصراع العربي الاسرائيلي أحد أبرز مكونات الثقافة العربية المعاصرة، تلك القضية التي رمت في وجوهنا ركاما هائلا من الاعمال الأدبية والفنية البانية، الى حد دفع بعض الموهومين بتسوية محتملة الى استعادة سؤال قصيدة كافافي الشهيرة: »والآن؟ ماذا سيحل بنا من دون برابرة؟« ليقينهم بأن حسم الصراع سيلقي بكل تلك الانشغالات الى البحر، فعمّ سيكتبون بعدئذ؟! لا تستعصي القضية بذاتها على التناول الإبداعي، بالعكس فالدراما مثلا جوهرها الصراع، وانما المشكلة في طريقة التناول والمعالجة، فكم من القصائد والأغاني والأفلام كررت هذه التيمة: الاسرائيلي همجي وغاصب، فيما العربي نبيل ومقهور ولا بد منتصر او واعد بالنصر؟ وها نحن أيضا أمام عمل مسرحي جديد من هذا النوع يحمل اسم »أبناء الشمس«، وهو العمل الثاني لفرقة »إنانا« للمسرح الراقص، التي شغلت جمهور المسرح طوال موسمين مسرحيين بعرضها »هواجس الشام 880«، وزعمت حينها، وصدقها كثيرون، بأنها كركلا سوريا، فقط لأنها قدمت مسرحا راقصا، وهو مجال غير مطروق في سوريا، ولأن مدير الفرقة جهاد مفلح هو أحد الذين عملوا مع فرقة كركلا اللبنانية لبعض الوقت. أما الراقصون ففي معظمهم من فلول فرقتي »العاشقين« و»القدس« الفلسطينيتين اللتين أطلقتا خصيصا لقرع طبول الحرب. طبائع التلقي »أبناء الشمس«، التي ترعاها الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في تبن منها غير مسبوق لعمل مسرحي، تسرد لجمهورها هذه الحكاية: خفافيش مملكة الظلام يحاولون السطو على أراضي أبناء الشمس، يسرقون ويقتلون ويغتصبون، ويحاولون أسر مريم التي تردد الاهزوجة الفلسطينية الشهيرة »يما مويل الهوى«.. فيما ابناء الشمس يشد بعضهم أزر الآخر للمقاومة، وروح الارض والشيخ أديب (الراوي) يستنهضون همم الناس، وصولا الى المواجهة الكبرى حين يخوضون معركة مصيرية تنتهي باستشهادهم وبأسر الخفافيش لمريم، وتتابع روح الارض الصراع، وتعد بأن الارض ستنجب أبطالا آخرين سيتمكنون من استعادة الشمس. ويجري ذلك عبر احدى عشرة لوحة، يتخللها ظهور ما أسماه العرض الأب الروحي لمملكة الظلام، الذي يظهر حاملا الشمعدان اليهودي في مواجهة الشيخ (الراوي)، يقول الاول: اقتل شيخا، امرأة، طفلا.. ويرد الثاني بأن لا فرق بين عربي وأعجمي الا بالتقوى...! أي حوار إذاً؟ وأي حكاية هذه؟ يعكس ذلك فقرا في المخيلة الابداعية، وفي نفس الوقت يعبر عن معرفة ممتازة بطبائع الجمهور الذي يستثيره الصراع بشكله الاكثر عنفا ووضوحا، والذي ينتصر لمتفرج مهزوم حتى العظم. وبالمناسبة ليس غريبا ان يحمل العمل سمة تلفزيونية، فالمعالجة تقترب من تلك التي نعرفها في مسلسلات الفانتازيا التاريخية (كيف لا والمستشار الدرامي للعمل هو هاني السعدي أبرز كتّاب الفانتازيا)، وكذلك بهرجة الملابس وفخامة الإلقاء ووميض الالعاب النارية. هكذا تمضي الحكاية، الشر في مواجهة الخير، أسود وأبيض، لصوص وأبطال، ديكور ثابت سوى من لوحة كاريكاتيرية لرجل شرير في العمق ترافق مشاهد الخفافيش، وتتحول مع ظهور أبناء الشمس الى صورة قرية مطمئنة الى نخيلها ومائها وبيوتها، ثم صوت انفجارات في ملهى راقص، وعلينا ان نتعامل مع كل هذه العناصر كرموز بالغة الدلالة! ألم يقل الكاتب (محمد عمر) في تقديم نصه ان »أبناء الشمس« أسطورة يتداخل فيها الواقع والرمز؟! فهل يظن صناع العرض ان الابتعاد عن تسمية عناصر الصراع هو من قبيل الارتقاء والخروج من المباشرة والدخول في حيز الاسطورة؟ فماذا نسمي حامل الشمعدان اليهودي، الذي يرطن بالانكليزية على طريقة الأشرار في أفلام الكرتون؟ هواجس السوق بدا العمل وكأنه موظف وفي كل تفصيل منه في خدمة الرقص، واستعراض مهارات الجسد، والرقص هو الأمر الوحيد المتقن فيما لو نظرنا اليه معزولا عن عناصر العرض، ولكنه حين يختار المكان الخطأ سوف يحرمنا من فرصة الاغتناء بهذا النوع الفني الذي تحتاجه مسارحنا، فلا هو قدم نفسه كما ينبغي، ولا انصاع الى شروط خياره المسرحي الجديد. على هؤلاء الراقصين اذاً أن يزجوا أنفسهم في ورشة عمل مسرحية مديدة، وبهذا يصبح التبني الذي تبديه مختلف الجهات الرسمية والخاصة أمرا مجديا وقد يؤسس فعلا لنوع مسرحي مختلف. ومن الطبيعي ان تكون الموسيقى والغناء والحوارات المغناة في عرض كهذا عنصرا بارزا، لكن الطريف في الامر ان اللوحة الراقصة تأتي هنا لتفسر الاغنية، في حين ان كل تلك العناصر عليها ان تمتثل للدراما اولا واخيرا. اعتمد الموسيقي محمد هباش في العمل على أغنيات من التراث لها رصيدها عند الناس، وهو يذكرك في كل لحظة بأنه ابن فرقة »العاشقين«، كما يذكر بجذوره المغاربية حين يقدم ما يقرب من نصف أغنيات العمل بإيقاع مغاربي، وهو شيء محبب لدينا، ولكنه يوضح مشكلة العمل، حيث كل يشد البساط إليه. هذا بالاضافة الى أهازيج شامية وفلسطينية ويمنية، فمن المؤكد ان العرض سيقدم في اكثر من بلد عربي! لقد بات من المؤكد ان »إنانا« في عملها الثاني »أبناء الشمس« لا تنشغل بهواجس بحث مسرحي، ولا بخلق وعي وذائقة مختلفين، قدر ما هي منشغلة بهواجس السوق، وهي تجد لذلك الطريق الأقرب والأسهل، فالمتفرج قنوع بقليل من متعة الرقص وسحر التراث وألق الخطابة، وفوق هذا سيخرج منتصرا فاردا جناحيه على الدنيا كذاك الراقص، فبماذا سينفعه هاملت بعد هذا؟! (دمشق)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة