بعد أقل من شهر على إعلان الطبيب الايطالي سيفيرينو انتينوري البدء بعمليات استنساخ بشري على اكثر من مئتي امرأة بحلول شهر تشرين الاول المقبل وكشف أحد شركائه عن ان هذه العمليات بدأت فعلا وان الأجنة البشرية المستنسخة الاولى ستكون جاهزة في خلال شهرين، وفي وقت جاءت ردة فعل دول اجنبية عدة على الاعلان على شكل اصدار قوانين تمنع عمليات الاستنساخ لأي غرض كان، أطلق المرجع الديني الشيعي السيد محمد حسين فضل الله فتوى شرعية حللت الاستنساخ لتشكل بذلك ما يشبه الخرق على الساحتين المحلية والعالمية في ظل استمرار النقاش حول هذا الموضوع والرفض الديني المطلق له من قبل الكنيسة الكاثوليكية وعدد كبير من المراجع الدينية الاسلامية التي أبدت رأيا فيه. وإذا كانت هذه الفتوى لا تشكل مفاجئة للمتابع لفتاوى السيد فضل الله السابقة في مواضيع عدة حساسة ليس آخرها قوله بوجوب اعتماد الحسابات الفلكية لتحديد موعد حلول شهر رمضان والاعياد الاسلامية بدل الاكتفاء بالبحث عن رؤية الهلال، جاء إعلان السىد فضل الله عدم حرمة الاستنساخ ليضيف بُعدا جديدا الى الموضوع على الاقل على مستوى العالمين العربي والاسلامي ويعيد طرح القضية للنقاش ولا سيما ان المعترضين على الاستنساخ ينطلقون من قيم دينية هي في صميم العقيدة الاسلامية. وكان السيد فضل الله قد عبر عن رأيه هذا في السياق اكثر من مرة انما بشكل عام ومن دون الدخول في تفاصيله، لكنه في حوار أجرته معه »السفير« حدد بدقة مواطن التحليل والتحريم لهذه العملية شارحا لرؤيته في هذا الموضوع منطلقا من اجتهاده الديني ومناقشا جوانب عدة من التأثيرات المحتملة لهذه العملية على المجتمعات البشرية والأحكام الشرعية من نسَب ووراثة وتكليف شرعي للاشخاص المستنسَخين، وما اعتبره أفكارا اقرب الى الخيال. وهو وإن بدا مختلفا في رأيه عن غيره من الفقهاء، إلا أنه رأى ان هذا الرأي قابل للمناقشة و»نحن لا نتعقد من التراجع إذا ما اكتشفنا خطأ...«. وفي ما يلي نص الحوار: { لماذا لم تحرموا الاستنساخ البشري في حين حرمه معظم رجال الدين المسلمين والمسيحيين، وممَ انطلقتم لتحليله؟ إن أي حدث علمي نشعر بأنه يمثل تطورا في وعي الانسان من حيث اكتشافه لأسرار الخلق يؤكد عظمة الله لأنه يتيح للانسان معرفته من خلال إبداعاته في الوجود. وكلما اطلع الانسان على القوانين المودعة في الوجود كلما تمثل عظمة الله، لهذا اكدنا اكثر من مرة أن الايمان يمر بطريق العلم ولا ينطلق من مواقع الجهل. وكلما ازداد الانسان علما زاد إيمانا. وعلى ضوء هذا فإننا نرى أن العلم خير بكل نتائجه لكن المسألة التي تجعلنا نتحفظ هي في طريقة استخدام العلم. فهو قد يُستخدم في الشر كما قد يستخدم في الخير... لذلك نحن لا نقف موقفا سلبيا من العلم بل ندرس طريقة استخدامه لنحكم بالسلبية تارة اذا كان الاستخدام سلبيا، وبالايجابية اذا كان ايجابيا. ومن خلال هذا المبدأ درسنا مسألة الاستنساخ. والسؤال الذي طرح في البداية هو هل ان نتائج الاستنساخ تصادم العقيدة الدينية؟ وهل يتحول الانسان الى خالق لتسقط العقيدة بأن الله وحده هو الخالق؟ إن المسألة التي لا بد من ان نبحثها هي مسألة الخلق أي أن يخلق العلماء قانونا جديدا ليس له سابقة في القوانين المودعة في الكون من قبل الله. ومن هنا، درسنا مسألة الاستنساخ ورأينا أنها لا تصادم العقيدة. فالاستنساخ ليس عملية خلق في العمق ولكنه نتاج جديد في السطح او في الشكل. فالكائن الحي إنسانا كان او حيوانا، يولد من خلية مقسمة بين النطفة والبويضة، وهذه الخلية تختزن ستة واربعين من الكروموزومات تتوزع بين النطفة (ثلاثة وعشرين) والبويضة (ثلاثة وعشرين). فإذا التقتا وحصل التلقيح تكون الخلية قد اكتملت ووُلد الكائن الحي. وأنا أرى ان الذين يمارسون الاستنساخ اعتمدوا هذا القانون وحاولوا ان يأخذوا خلية حية فاعلة كاملة، وان يفرغوا البويضة من محتواها من الكروموزومات ليضعوا فيها محتوى هذه الخلية فتعطي النتيجة نفسها التي تحصل خلال لقاء البويضة بالحيوان المنوي فالقانون إذاً ثابت، لكن الانسان تحرك من خلال التفاصيل. وبالتالي فلم يتحول الانسان الى خالق بل الى منتج في الشكل على اساس القانون الذي وضعه الخالق. { هل يمكن لنا من الناحية العملية، ان نبيح الاستنساخ ليتحول الى عملية صنع للانسان بعيدة عن الطريقة الطبيعية لولادته؟ إن الجواب عن هذا السؤال لا بد من أن يتحرك من خلال دراسة الواقع، لأننا نرى في الشريعة الاسلامية أن احكام الله بالتحليل والتحريم تأتي تبعا للمصالح والمفاسد المتعلقة بموضوعات الحكم. فإذا كانت المصلحة تغلب على المفسدة فهناك الحلال. واذا كانت المفسدة تغلب المصلحة فهناك الحرام. لذلك لا بد لنا من ان ندرس حركة هذا الانتاج العلمي الجديد في الواقع، وهل يتحرك في ايجابياته او سلبياته، لنحدد بعد ذلك من خلال المتابعة والملاحظة، الحكم الشرعي. لذلك لا نستطيع ان نعطي الآن حكما شرعيا حاسما في عملية الانتاج الفعلي. { كيف تنظرون الى عملية إنتاج أجنة بشرية مستنسَخة من اجل استخدامها في العلاجات الطبية؟ لقد بدأ العلماء يتحدثون عن إمكان استخدام الاستنساخ في مسألة العلاجات الطبية وزرع الاعضاء. وهنا لا بد من ان ندرس انه من الممكن جدا ان تنتج هذه الخلية الاستنساخية جنينا ليؤخَذ منه ما نحتاجه في الامور الطبية. هنا نقول انه عندما تتحول الخلية الى جنين بالمعنى العلمي بحيث يكون هناك مشروع إنسان يملك اعضاء انسان ولو بشكل بدائي فلا يجوز لنا ان نأخذ عضوا منه لأن ذلك اشبه بأن نأخذ عضوا من اي جنين آخر وُلد بشكل طبيعي، وهذا الامر لا يجوز شرعا، كما لا يجوز لنا ان نأخذ اي عضو من الكائن الحي ولو كان في بداية حركة الحياة. أما اذا فرضنا ان المسألة العلمية تقتضي ان نأخذ هذه العناصر الموجودة في هذا المخلوق الذي بدأ بمشروع الجنين لكنه لم يتحول الى جنين بعد، فيمكننا ان نأخذ منه ما نحتاج اليه قبل ان يودع في الرحم. { نقلت الصحف عنكم أنكم تحدثتم عن مسألة ولوج الروح جسدَ الجنين وضرورة عدم اخذ الاعضاء من الأجنة التي ولجتها الروح، فما معنى ذلك؟ ومتى تلج الروح الجنين؟ هناك قول سابق في الفقه الاسلامي يتحدث عن ان الروح تلج جسد الجنين عند بلوغه الشهر الرابع غير ان هناك بعض النظريات العلمية تتحدث عن أقل من ذلك كالقول بأن هذه المسألة تحصل في الأسبوع السابع. لكنني لم أتحدث عن مسألة ولوج الروح بل قلت انه يمكن الاستفادة من العناصر التي نريدها قبل تحول هذا المخلوق الى جنين. { ماذا عن مشروع إنتاج أجنة بشرية مستنسَخة او غير مستنسَخة، من اجل اخذ انواع معينة من الخلايا الاساسية منها؟ هناك فرق بين خلية لا تقتل هذا الجنين ولا تضر بتكوينه الانساني فهذا امر لا مانع منه اذا دعت الضرورة وهي كمن يأخذ دما او بويضة. اما اذا افترضنا انه تحول الى جنين كامل فلا يجوز قتله. { هل هذا يعني انكم تحللون وتقبلون بالاستنساخ لكنكم ترفضون قتل الاجنة؟ نحن نقبل بالاسنساخ لكنا نرفض قتل الاجنة بعد ان تكون قد استقرت في جدار الرحم. { لكن الوصول الى نتيجة في الابحاث سيعني التخلص من العديد من الاجنة قبل الوصول الى النتيجة المرجوة؟ نحن لا نوافق على قتل الكائن الحي عندما يكون جنينا أكان تم بعملية استنساخ او بعملية طبيعية. لكن لا مانع من إهدار النطفة قبل ان تتحول الى جنين عندما تكون ما تزال خارج الرحم. { هل تشرّعون إذاً ولادة اطفال مستنسخين ام تقبلون فقط بالقيام بالاستنساخ لاغراض علمية وعلاجية؟ قلت إن هذه المسألة لا نستطيع ان نعطي رأيا فقهيا حاسما فيها لأنها تتصل بالجوانب الاخلاقية والاجتماعية التي تتمثل مصلحة الانسان او قد لا تتمثلها. { ولكن إذا بدأت فعلا عمليات الاستنساخ البشري ونتج عنها اشخاص مستنسخون فكيف تنظرون اليهم؟ عندما تنجح العملية ويولد إنسان مستنسخ فإننا نعتبره انسانا طبيعيا بحقوقه الانسانية والشرعية. لكن المفارقة انه سيكون ربما من أم فقط، تماما كما هو عيسى (عليه السلام)، وإن كان قد ولد بطريقة الاعجاز. { هل يُعتبر إذاً ولدا شرعيا من الناحية الدينية؟ نعم، هو يُعتبر ولدا شرعيا لأمه وعلى هذا الاساس يتم الارث وامتداده النسبي بالنسبة لفروع الام واصولها. { إن الاستنساخ قد يعني إنتاج ولد من دون زواج فهل ترى انه من الممكن ان يلغي الزواج؟ إننا نلاحظ ان إنتاج ولد من دون زواج يحصل من خلال عمليات الانبوب التي تُنقَل فيها النطفة من شخص والبويضة من امرأة بقطع النظرة عن حليته او حرمته، لكه في الواقع يحصل توالد من دون عملية جنسية. لذلك فهذا ليس مخالفا لقوانين الله في الكون او للفطرة ولا يلغي الزواج. فمسألة الزواج ليست منحصرة بمسألة التناسل بل ان الله جعل الزواج »سكنا« وتكاملا بين الرجل والمرأة، وأراده الخلية الاجتماعية الاولى التي تتحرك فيها علاقة المحبة والرحمة. { هناك من يقول بأن الاستنساخ معارض لمشيئة الله، كأن يتم استنساخ طفل لأن أمه او أباه لا ينجب. نحن نقول بأن مشيئة الله تنطلق من خلال الاسباب التي وضعها بين يدي الانسان، ومنها اسباب طبيعية وهي التوالد الذي يحصل من خلال العملية الجنسية او من خلال خلال زرع النطفة في الرحم. وعملية الاستنساخ هي سبب من الاسباب التي ألهم الله الانسان ان يقوم بها وليست تدخلا في مشيئته. فالله اعطى الانسان القدرة على ان يتصرف في الموجودات التي بين يديه ويطورها من خلال ما يلهمه الله سبحانه وتعالى من علمه: »علّم الانسان ما لم يعلم« و»قل ربي زدني علما«. لهذا فالذين يقولون بأنه تدخل في مشيئة الله يفترضون ان مشيئة الله تنحصر في الأسباب الطبيعية، لكنها تتحرك من خلال الاسباب الطبيعية والاسباب التي يكتشفها الانسان بعد ذلك من خلال القوانين التي أودعها الله في الكون. { ألا تعتقدون ان المعارضة للاستنساخ تأتي جراء خوف من نتائجه ومن إمكانية ان يُحدث فوضى اجتماعية؟ أنا لا أتصور انه سيُحدث فوضى لسبب بسيط وهو ان عملية الاستنساخ هي عملية مكلفة جدا على مستوى الجهد والمال المبذولين في سبيلها، بينما عملية التناسل الطبيعي لا تحتاج الى اي جهد مالي. لذلك أعتقد ان هذا الحدث العلمي لن يكون له امتداد في حياة الناس بحيث يلجأون الى الاستنساخ ويتركون الطريقة الطبيعية باعتبار ان الواقع الطبيعي هو واقع الفطرة التي يمارس الانسان من خلالها احتياجاته الجنسية. كما ان استنساخ ولد يحتاج للذهاب الى مختبر للاستنساخ وإجراء معاملات ودفع مال وما الى ذلك، مما لا يتحمله اكثر الناس. { ألا ترون أن هذه الفتوى فريدة ليس فقط في العالم الاسلامي بل في العالم المسيحي ايضا، وتشكل خرقا عن المألوف؟ المسألة ليست في ان تكون الفتوى خرقا او لا تكون، بل هل انها تمثل الحقيقة الشرعية او لا. ونحن لا ندّعي العصمة لأنفسنا لكننا نتصور ان هذا الامر قابل للمناقشة، وهذا رأي وصلنا إليه بقناعتنا الاجتهادية ومن الممكن للآخرين ان يناقشوه. كما إننا لا نتعقد في التراجع إذا ما اكتشفنا خطأ لأن المسألة ليست في ذاتية الرأي بل في موضوعيته ومدى انسجامه مع الحقيقة. وربما يكون تحريم البابا او غيره من المراجع الدينية ينطلق من رؤيتهم بأن الجوانب الاخلاقية التي ربما يكونون قد درسوها تحمل الكثير من السلبيات. وفي الواقع إنني لم أقم بدراسة تفصيلية للجانب الاخلاقي لأحكم سلبا او ايجابا ولكنني درست القضية من خلال طبيعة عناصرها الموضوعية. { لكن النواحي السلبية قد لا تظهر إلا بعد أن تبدأ هذه العملية فعليا على البشر؟ من الممكن ان ندرس هذا الحدث العلمي من خلال تصور موقع هذا الانسان الجديد في المجتمع ومن خلال تشابك العلاقات وما إلى ذلك. كما يمكننا ان نعرف سلبيات الموضوع وإيجابياته قبل ان يتحول الى واقع فعلي عندما نقوم بدراسة ميدانية او تخطيطية. { كيف تنظرون الى موضوع التعديل الجيني الذي يمكن تطبيقه على الأجنة من اجل معالجتهم من بعض الأمراض المحتملة إصابتهم بها؟ أنا لا اجد مشكلة شرعية في معالجة الجنين في تلك المرحلة من عمره لاعطائه بعض الجينات او ما شابه ذلك، والتي تعالج مرضا معينا فيه، أو تطور خصوصية من خصوصياته، او تنوعها. أما ما قد يستدل به بعض الناس من خط المعارضة من قوله تعالى »ولآمرنهم فليغيروا خلق الله« وان هذا تغيير في خلق الله فإننا نقول ان هذه الآية لا تشمل مثل هذه الحالات بل هي تتحدث عن تغيير خلق الله في فطرة الله »فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك دين قيم«. وإلا فنحن لا نجد مشكلة في حرمة عمليات التجميل مثلا، فلو فرضنا ان انسانا ولد بأنف ضخم او ببعض الخصائص الجسدية التي قد تمثل قبحا او تشويها فلا مانع من القيام بعمليات جراحية تجميلة من اجل إزالة هذا النتوء او القبح. وبالتالي لا نرى ان الآية تشمل مثل هذه الحالات ولذلك لا مانع من ان نتدخل في بعض عناصر الجنين الجسدية او الجينية على حساب ما يصلح امره في المستقبل وليس بما يضر به او يكون مفسدة له. { هناك خوف من ان تصبح فئة معينة من البشر وهي الفئة الكاملة من الناحية الجينية، مسيطرة على الفئات الاقل منها ويُحدث الامر فصلا بين الناس شبيها بالفصل العنصري. أعتقد أن هذه الافكار أقرب الى الافكار الخيالية منها الى الواقع لأن عملية السيطرة على الآخر لا تنحصر في العناصر الموجودة في شخصية الانسان المسيطِر، فنحن نلاحظ مثلا ان هناك العديد من الشخصيات المتفوقة في المجتمع علما وقوة ولكن الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لا تسمح لها بالسيطرة. إن عملية السيطرة تنطلق من خلال العناصر الموجودة داخل الانسان والظروف الموضوعية الخارجية التي تعطيه شروط السيطرة، ولذلك فإن مجرد انتاج انسان وتحريك الجينات وتعديلها بشكل يصبح الانسان »نموذجيا«، لا تفسح له ذلك المجال لكي يسيطر على المجتمع. { البعض يرى في الاستنساخ وسيلة لسيطرة القوى العظمى عبر إنتاج بشر مسيرين؟ أنا لا أتصور أن بإمكان القوى العظمى او غيرها ان تتدخل حتى في الشخص المستسخ لأن عناصر الشخصية لا تنحصر فقط في طبيعة العناصر الوراثية الموجودة في داخل تكوين الكائن الحي، بل إن هناك عوامل خارجية تترك تأثيرا عليه.