»أكتر واحد بيحبك« هو شريط عمرو دياب الجديد. وعمرو دياب الذي كان يسمح لنفسه بين الحين والآخر بأن يخرج عن إطار الحب، كما في معظم أغنيات أفلامه (»رصيف نمرة 5« و»أيس كريم في ديسمبر« و»عودي يا بلية«)، لم يجد في الشرائط الثلاثة الأخيرة التي قدمها، موضوعا يغنيه سوى »الحب«. فلم يترك، ربما، حالة من حالاته إلا وغناها، أكثر من مرة. واليوم »أكتر واحد بيحبك«، »أكتر واحد«، لم يعد هناك أكثر من ذلك. إذ ان الشريط حوى رصدا، من خلال كل أغنية، لحالة معينة وغناها لدرجة بات الحب فيها مملاً.. لم يعد مملاً مع عمرو دياب وحسب، وإنما مع معظم المغنين الشباب اليوم، وإن بقي عمرو دياب أكثرهم بحثا عن جديد عصري متميز »يكسّر« السوق. فهو في الشريط الأخير، أطل على الغرب والموسيقى الغربية بشكل واضح وكثيف حتى إنه ميز أغنية »ولا على باله« بنسختين، الأولى تقدم إيقاعا يخاطب أكثر إيقاعات الرقص الغربية تطورا، الى جانب مقطع »راب« باللغة الإنكليزية أداه »مغني الراب ساندمان«. وفي تجربة تلك الأغنية ما اعتبره عمرو دياب مغامرة، على الأرجح، إذ انه حفظ »خط الرجعة« من خلال النسخة الثانية التي حملت عنوانا فرعيا »شرقي« والتي سيطرت عليها آلات القانون والرق والطبلة ليغيب تماما مقطع »الراب«. وبعيدا عن »خط الرجعة«، احتلت نسخة »ولا على باله« الأصلية، أي الأولى، المرابع الليلية الشبابية الأكثر تطرفا ضد »العربي« في لبنان، وشكلت ما يشبه جواز مرور »الأغاني العربي« إليها، أو صلة الوصل بين »الغربي« المسيطر والفقرة الخاصة باللغة العربية. لكنّ جرأة عمرو دياب توقفت عند الحيز الموسيقي، من دون أن يتم كسر أي من المعاني التي لم تتوقف يوما الأغاني العربية عن اجترارها إلا نادرا، كما في تجربة محمد منير السابقة مع شريطي »شبابيك« و»ممكن« وغيرهما. فلماذا لا يتناول عمرو دياب، وهو المغني الشاب الأكثر رواجا والأكثر رغبة في طرح الجديد على الساحة الفنية، معاني جديدة في الحب، أو بعيدة عن الحب وبعيدة عن الوطن؟ تكفي جردة بسيطة وسريعة لأغنيات الشريط العشر ليظهر الاستعراض الغرامي الذي يحويه: »صدقني خلاص«: حب رومنسي سعيد. أحبك أكرهك«: هو محتار بشأن عواطفه تجاهها. »يا حبيبي لا«: هو يحبها، هي تجرحه، كلام الناس يفصل بينهما. »ولا على باله«: غزل ووله لحبيب »ولا داري«. »أكتر واحد بيحبك«: حب عادي بين حبيبين راضيين. »كان طيب«: هي خائنة وجاحدة وهو يهجوها. »بعدّ الليالي«: هو يناجيها لتعود إليه لأنه يحبها ويحتاج إليها. »قلت إيه«: هو عاشق ويرجوها بطريقة رومانسية ألا تتخلى عنه. »ولا ليلة«: الحب لحظة ولادته بين مشروع عاشقين. »أديني رجعتلك«: العودة بعد الفراق، بطلب منها وبرغبة منه. وكأن لغة الغرام، لغة العشق، قد استهلكت تماما منذ أكثر من قرن من خلال القصائد وإبداعات الشعراء، فحان موعد استعراض الوضعيات التقليدية المختلفة في العلاقات، خوفا من توجيه الأنظار نحو مجالات أخرى. فالأغنيات الغربية تزخر بالمواضيع المختلفة المتعلقة بحياة الشاب في المجتمع، بدءا من جسر المشاة مرورا بكورنيش البحر وصولا الى السهر، الى كل شيء آخر.. كل شيء. أما نحن فيبدو أن مجتمعنا وحياتنا لا يستحقان أكثر من »الحب« بمعانيه الغنائية.. الرسمية. ومن داخل الحب المسيطر على الشريط الجديد، ظهرت عودة إلى الرومنسي منه بشكل خاص. ورومنسي عمرو دياب يذكر برومنسي عبد الحليم حافظ، خصوصا ان المغني الشاب كثيرا ما صرّح بحبه للعندليب الأسمر وإعجابه المنقطع النظير به. فاستدعيت رومنسية عبد الحليم اليوم من خلال عدد من الأغنيات أبرزها: »صدقني خلاص« و»قلت إيه« حيث بدا الحب جميلا، ناعما، على صعيد الموسيقى والكلمة، بدا كما كان »من زمان«، حب اللحظة لا حب الحياة اليومية. فحب الحياة اليومية بدوره، ما زال غائبا عن الأغاني حتى بعدما فاض الحديث الغرامي فيها.. الحبيبة هي ذاتها، العاشقة، الخائنة، »الواخدة على خاطرها« أو الهاجرة. والحبيب كذلك. المهم.. عاد عمرو دياب دياب إلى رومنسية عبد الحليم في بعض الأغنيات ونفذ عملية عودة موفقة، إذ إن تينك الأغنيتين المذكورتين أتتا وكأنهما من خارج الزمن ومن داخل القلب. وبعيدا عن رقة عبد الحليم، تظهر بعض »نفسية« هاني شاكر من خلال أغنية »كان طيب« تحديدا. فتلك الأغنية تنفذ عملية انتقام من حبيب »خدعنا واحدة واحدة وجرحنا مرة واحدة«، حبيب »كان طيب كان حنيّن، أتاريه كدّاب كبير«. في هجاء شبيه يظهر شاكر بوضوح وهو الذي ميز نفسه في السنوات الأخيرة التي شهدت عودته الى الحياة الفنية بكمية من الحقد على النساء لم تشهدها ربما الموسيقى العربية من قبل بهذا الشكل المكثف. لكن، مع عمرو دياب، جاء هاني شاكر مشذبا، منتميا الى الصيغ الفنية المقبولة. وعلى الرغم من احتواء الشريط للكثير من »نفسيات« مغني اليوم، الى جانب عبد الحليم، يبقى ذلك الشريط على تميز ما، هو على الأرجح تميز عمرو دياب. فالمعنى المكرر ذاته يأتي بتعابير جديدة، أكثر رقة، أقل مللا، وعندما يغني: »أنا أكتر واحد بيحبك« تتميز الأغنية بال»أنا« التي تظهر وكأنها حديث الفرد، ضمير المتكلم، بدلا من ال»أنا« المعممة غنائيا، التي تأتي وكأنها بدل من غائب، ضمير مجهول. وفي مختلف الأغنيات تمر عبارات كان من الصعب إيجادها في أغنيات غيره، وإن بقي المعنى موجودا، ومثال على ذلك: في »صدقني خلاص«: »قرّب مني شوية شوية/ قد ما تقدر قرّب تاني/ الدنيا أنت مليتها عليّ/ وكأنك مخلوق علشاني«. في »أديني رجعتلك«: »اديني رجعتلك/ اديني بين ايديكِ/ كفاية دموع بقى/ مش عارف اشوف عنيكِ«. كذلك، تتميز أغنيات عمرو دياب الى جانب الكلمة البسيطة جدا والغائبة جدا في آن، بالموسيقى التي يسعى دائما لتطويرها، كإدخال إيقاع ال»سبانيش غيتار« في معظم أغاني الشريط الأخير. فإن بقي اللحن، بشكل عام اعتياديا، تأتِ نغمة فيه، تتكرر لتكون الخرق والجديد، لتكون النكهة الخاصة. أصدر عمرو دياب شريطه الجديد.. »ضربت«، حتى الآن، أغنيتان منه: »أكتر واحد بيحبك« و»ولا على باله«. احتلتا النوادي الليلية والسيارات في الشوارع، تماما كما جرى مع »تملي معاك«، عندما كانت أغنيتا »تملي معاك« و»العليم« جواز مرور الشريط كله.. قبل ان »يضرب« الشريط كله، بهدوء، وعلى طول السنة. ف»أكتر واحد بيحبك« شريط لعمرو دياب، وحسب ما أكد عمرو دياب على مر الشرائط، ما يقدمه سنة تلو الأخرى لا مفر من أن يكون شبابيا.. شبابيا بحق.