As Safir Logo
المصدر:

رواية دنيا ميخائيل »الحرب تعمل بجد« الأبرياء لا يعتادون الحروب

المؤلف: جابر عناية التاريخ: 2001-08-21 رقم العدد:8982

الكاتب: دنيا ميخائيل الكتاب: »الحرب تعمل بجد« الناشر: دار »المدى« لم يعد خافتا صوت دنيا ميخائيل التي تجعل من الشعر حياة ثانية. وقد بات ضروريا الإصغاء الى مثل هذا الصوت، ليس لنفي او إثبات جدارة دنيا ميخائيل في عالم الشعر، بل للتبصر في أمر الفضاء الشعري في مجموعاتها، وبخاصة حساسيتها العالية الى الحرية، او حلمها الكثيف في الفضاء الواسع. تتقدم مجموعة دنيا ميخائيل »الحرب تعمل بجد« صادرة عن دار »المدى«، بكل الوعي الانساني الذي يستدعيه الشعر. وهي، الى الحداثة والتجريب وبعض المغامرة الابداعية والروحية، تطوّع قصائدها وتقدمها صافية من النيات الاستعراضية، خاضعة لصدق الاحساس وتحتفي بالحياة على طريقتها. وليس ما يطبع قصائدها ذلك الاجتثاث الذي كابدته الشاعرة عن وطنها، ولا إصابتها بعار البعد والحنين الى العراق، وانما اخفاقها في الشعور انها تركت العراق يوما، فهو في قلبها وتعانيه كل يوم. هذه العلاقة القاسية، والاقامة الدائمة للأوطان فينا، غير متناقضتين مع ميل الشاعرة الحداثي البارز الى كتابة الشعر، بل هو على صلة بارزة إليه. العراق ما تكتبه دنيا ميخائيل، هو ذلك الوطن الذي بعدت عنه، وبسببه قصائدها تحددت. القصائد بين دفتي »الحرب تعمل بجد« تحكي ذلك الفقدان البارح، تكتبها ميخائيل ليحملها عنها القارئ قليلا، لتنقلها خارج نفسها وترتاح بعض الشيء، ذلك ان الشعر ينقذها، القصائد مرآتها حين تستسلم اليها مكتوبة وخارجة عنها، وفي هذا معادل امتلاك الاوطان الغرامي، ومعادل اتحادنا بها كليا. دنيا ميخائيل لا تمنح العراق حنينها اليه فحسب، بل تمنحه أعز ما لديها في العالم، وهو التعبير في الانتماء إليه، بعد ان قُسرت بمعنى ما، على الابتعاد عنه. »خرج البلد من جرّتي خرج الأصدقاء من البلد لم يبق غير التراب من البلد اخذتُ حفنة وسوّيت تمثالا من العتمة (ص95). في »الحرب تعمل بجد« اختارت ميخائيل لمجموعتها العمل على فعل الحرب الجدي والأوحد في هذا العالم. كل ما عدا ذلك محاذاة للعيش وتدبر صروفه الخالية من عصب الحياة الأساس، الذي يبدو بلوغه عسيرا وأسيرا لفكرة الضعف الانساني حيال قوة وظلم وجبروت الحرب ولا عدالتها. همس لم نر الى ملامح التفجع العراقي في النبرة والمعنى لدى ميخائيل. بل تحشد لقصائدها التعابير الطرية المتزاوجة من ثقافات العالم، الذكية والشفافة والحادة والهازئة في آن، وتتجنب فجائعية صورة الحرب، لصالح فكرتها نفسها، والاسلوب الذي تعتمده الشاعرة لإيضاح هذه الفكرة. بهمس قلما يعلو، وبعبارة أنيقة تنجح دنيا ميخائيل في استدعاء الصورة على حساب الكلام الكثير. ولعلها الشاعرة من بين قلة من الشعراء والشاعرات، عرفت توظيف صورها ولغتها لخدمة روحها المسكونة بالاكتشاف، المأهولة بالدهشة حيال العالم تغصّ به تناقضاته. تقول ميخائيل عن الحرب في »الجوهرة«. »لم يعد مطلا على النهر إنه ليس في المدينة ليس على الخريطة الجسر الذي كان.. الجسر الذي كنّا.. نعبره كل يوم الجسر.. رمته الحرب في النهر مثلما فعلت تلك السيدة بجوهرتها الزرقاء من فوق سفينة »تايتانيك«. (ص43) الحرب ليست بالضرورة شغل الشاعرة الشاغل في قصائدها ومجموعاتها. وهي ترى في حصر الحرب على حياة برمتها، معاداة للحرية. فالتفسير الأحادي للحياة، او لأي من إيقاعاتها الكبرى، هو نازع زائف ومهدد للشعر، فضلا عن كونه دليل أفق ضيّق. شاعرية الشاعرة في قصائد عديدة في المجموعة تتبع ميلها العاطفي، وميولها اللذائذية البشرية كافة، من دون ان تدع لوطأة الحرب، الطغيان على روح مجموعتها. فهي تعاملت معها من كونها الحزن الأشد ولكن، الاكثر شاعرية في الوقت نفسه، لأنه متحالف مع الجمال على نحو وثيق. ونذكر هنا عبارة لأدغار ألن بو يرى فيها »موت امرأة جميلة، هو دون ريب أكثر الموضوعات شاعرية في هذه الدنيا« دلالة على تجاور الجمال والفجيعة في ولادة الشعر. من الحرب، ومن عدم الرزوح تحت وطأتها قدّمت ميخائيل نصا شعريا ممزوجا برغبة الحياة وملاحظتها، بحساسية وإرهاف وبراءة كاملة تسندها اللغة البريئة البسيطة دون ادعاءات او تغريب. ليست راضية ولا متذمرة عبارة ميخائيل. بل يسكنها ذلك اليأس الذي أحالها الى طائرة ورقية مسكونة دائما بهاجس الرحيل. وهي ترى الى الترحال في العالم، كما لو الترحال الى الشعر. فالبلاد الكثيرة هي عنصر مغذ للميول الحداثية منها الصور والمشاهد والأفكار والثقافات والانفتاح على »الآخر« بغية رفد النص بذلك الخصب الحضاري الذي يمنحه سعته ووفرته وتأثيره على القارئ، الحداثي بدوره. من أجل المناظر الطبيعية هاجرت الى هذه المدينة وها انني شيئا فشيئا بدأت أقترب من أشجارها البلاستيكية والمشاهد تطويني مثلما يفعل كتاب مصوّر عن الزهور بفراشة مبهورة (ص36) والدة الشاعرة، التي ظنت بمجموعة ابنتها، انها مخصصة للأطفال، لم تحد كثيرا عن روح مفهوم »الحرب تعمل بجد«. فثمة طفلة وحيدة هي الشاعرة، غير انها لا تتوجه الى الاطفال، بل الى الكبار تماما، تعلمهم دهشة الأبرياء حيال الحروب وصناعة أيديهم. وفي الوسائل المحددة لاستحضار شيء غير محدد، قدرت دنيا ميخائيل في مجموعتها على استحضار الشعر عبر اللغة والصورة والفكرة، فجاءت كما لو السحر في ترويض الوهم، او كما العلاقة بين الشعر ولعبة الشطرنج التي تستدعي الى رقعتها الصغيرة، احتمالات وافتراضات لا نهاية لها. غير ان خيال اللاعب، او استطرادا خيال الشاعرة، يحيل الرقعة الى حياة واسعة كاملة، ومنها يأتي الشعر من دون الوقوف طويلا أمام مساءلته في وظائفه، فهو غاية قائمة بذاتها، وما علينا سوى محاولتها. دنيا ميخائيل حاولت بنبرة خافتة وأصوات داخلية وألوان وتشكيلات مرنة، الى الجمالية البحتة بدل الحرب وفجائعيتها، لذلك حل الشعر شاهدا، وشخصيا، ومتميزا.. الى جانب الأصوات الشعرية المتميزة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة