لقد كان لصيت »البنيوية« في خمسينات وستينات القرن العشرين من القوة والتألق ما جعلها تتماهى مع التاريخ الفكري الفرنسي كله منذ عام 1945، فلم يكن آنذاك خلاص خارج ما كان يتبدى بوصفه نظرا جديدا للعامل والانتاج الرمزي للمجتمع. ولما كانت البنيوية لحظة هامة للفكر النقدي وترجمانا لإرادة تحرر العلوم الاجتماعية الفتية الباحثة عن الشرعية العلمية والمؤسساتية، فقد استثارت حماسا جماعيا جما لدى الانتلجانسيا الفرنسية برمتها. بيد أنه عند مشارف الثمانينات، وعلى نحو مفاجئ، ارتج واهتز البيان كله: اختفى جل أبطال هذه المغامرة الفكرية كما اختفت معهم آثارهم التي سارع العهد الجديد الى طيها. وقد رافق ذلك شعور قوي بأن عهدا برأسه قد ولى.. وهكذا تم تحاشي اجراء مراسيم التشييع الضرورية بدافع الاعتراف بالفضل لهذه المرحلة التي تعد احدى أخصب فترات تاريخنا الفكري. ترى هل نحن أمام معجزة أم سراب؟.. للاجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة الى هذه الصفحة من تاريخنا.. ماذا بقي منها اليوم؟ اذا غضضنا الطرف عن بعض التوجهات وبعض أشكال النفي المبدئية مثل نفي الذات أو التاريخية hisyoricitژ، فإنه يمكننا القول بأن جزءا هاما من الدرس البنيوي قد استوعب وتمثل، ولعل الدرس المستخلص هو أن التواصل ليس شفافا لنفسه أبدا. عودة الذات المحوّلة إن قراءة النصوص التي طغت في المرحلة البنيوية قد تجاهلت الذات، ومن ثم أمكنها الانخراط والتجند في عالمية lصuniversel مجردة وفي خطاب عديم الذات، وكان على الباحثين الابانة عما هو ثاو ورابض في النص ليس الا. بيد أنه بالعودة الى المعنى وليس الصورة أو الشكل Forme فحسب، استرجعت الذات، منذ منتصف السبعينات، منزلتها المركزية في الجهاز الفكري. فلم يعد المعنى مردودا الى الدليل كما لم يعد المؤلف مردودا الى الكاتب Scripheur غير أن هذا لا يعني العودة ثانية الى عبادة الذات السيادية المطلقة. إن المشكل المطروح هو تجديد النظر في الذات بعد اكتشاف اللاوعي والمحددات التاريخية والاجتماعية دون اغفال هذه الأخيرة.. فقد حسم فلاسفة النزعة الانسانية Humanisme، مثل سارتر Sartre، في هذه القضية، بتأكيدهم على أسبقية الوجود على الماهية. أما أ. رونو A. Renaut فيرى بأن الذات يجب إعمال النظر فيها من جديد انطلاقا من مفصلها حول مبدأ الاستقلالية الذاتية. وهذه النزعة الانسانية تسعى الى التفكير في منزلة الاختلافات من حيث الثوابت التي تتجلى من خلالها، وهذا عينه ما يمكّن من إحياء طموح الجيل الأول البنيوي.. ذلك الجيل الذي مثله ليفي ستروس الذي كان يسعى الى اكتشاف العام وراء الخاص. إن النظر في الذات لا يمكنه أن يتجاهل الأشكال المختلفة للتكييف والاسترقاق التي تتعرض لها الذات، فهناك مكتسبات الفرويدية أساسا التي قام بتمحيصها لاكان، فلم تعد تسمح بالنظر الى الذات بحسبانها واقعا أو وحدة غير قابلة للتجزئة وشفافة، بل على عكس ذلك، يتعين النظر اليها من حيث هي كيان منشطر ومعتم، فلا يمكننا والحالة هذه الابانة عن الذات دون تأسيسها بنسيانها بأنها تتجاوز موضوعات رغباتها وبأنها أساسا رهينة الذات Signifiant: »كل أولئك الذين يقولون: الذات؟ الذات؟ مثل دي غول حين كان يصدع: أوروبا.. أوروبا، ساخرين من لوكاني يبدو لي تافهين لأنه كلام/ موضوع لم يفكر فيه اطلاقا«. وفضلا عن هذا، لا يمكن إعمال النظر في الذات دون احالتها الى السياق التاريخي الذي يحددها. فهذا السياق، الذي يقدم في الستينات، بوصفه معطى تافها غير ذي بال وغير علمي، قد أضحى أفقا أساسيا من جديد. فمنذ منتصف السبعينات، لم تعد التاريخية تطارد كآفة من الآفات مثل ما حصل لها في أوج مرحلة البنيوية. وما يبعث على الدهشة أكثر، أن عودة التاريخية قد تمت في صلب المجال الذي قضى ببطلانها وفسادها: اللسانيات والسيميائيات. إن عودة وجهة النظر التاريخية هذه لا يمكن أن تكون نفس الوجهة التي كانت سائدة قبل المرحلة البنيوية.. فالتاريخية المقصودة هاهنا تقترن بأزمة معنى التاريخ المحدد بوصفه تقدما. فمنذ الفتوحات البنيوية، لم يعد ممكنا النظر الى البشرية بحسب ترسيمة القبلية antژritژ أو بحسب ترسيمة المراحل التي تغطى بها الى مرتبة عليا من الاكتمال، ذلك أن الفكر البنيوي قد فرض نهائيا فكرة تكافؤ النوع البشري منذ أن وجد. أما في مجال الشعرية فقد فتح جيرار جنات النص على البعد التاريخي بتبنيه مفهوم »عبر النصية« tronstextulitژ المحدد بكونه كل ما يقيم علاقة صريحة أو ضمنية بين نص ما ونصوص أخرى. وهذا المفهوم يترتب عليه الانفتاح التاريخي الأوسع، حتى إن انحصر ذلك في مجال الأدب. إن جيرار جنات قد فتح حقلا جديدا هو حقل التفكير الأدبي على أنواع الخطب وأشكال التلفظ والأجناس الأدبية التي ينتمي اليها كل نص من النصوص. وهكذا إذن انتقلت »النصية الجامعة« Architextualitژ، كعمل للناقد، من مستوى الوصف البنيوي صوب البحث عن النماذج وأنواع الخطب وأشكال المحاجّة المختلفة، وهذه النمذجة يجب أن تقوم على الإبانة عن تنوع الأجناس في صلب تاريخية هذه الأنواع وهذه الأشكال، ومن ثم فهي تستلزم إذن ارتباطا جديدا بالتاريخ. إن هذا الانفتاح على الحقل التاريخي أكثر جلاء عند أحد الدارسين الشعريين رفيق »جيرار جنات«.. عنيت به »تزفتيان تودوروف« الذي لم يكتف بفتح فمه على التاريخي فحسب، بل اخترق كذلك التخوم الادبية ليعالج بشكل اوسع مجال الايديولوجيات.. فتودوروف يتجاوز تصور الشكلانيين الروس الذي يزعم ان اللغة الشعرية مستقلة ومنفصلة عن اللغة الممارسة يوميا ومجردة تماما من كل تكييف تاريخي. فعلى عكس هذا، يعيد تودوروف للأدب وظيفته التبليغية ومن ثم ينظر اليه بحسبانه احد الوسائط المفضلة التي بفضلها يمكن للناس ان يتقاسموا القيم ورؤى العالم. ان البعد التكويني gژnژtique الذي انتصر له اولئك الذين على اغرار لوسيان غولدمان رفضوا التخلي عن الافق التاريخي، قد فرض في خاتمة المطاف نفسه بشيء من التأخر. وقد افضى ذلك الى انشاء معهد النصوص والخطوطات الحديثة I.T.E.M. في عام 1982، يضم فريقا كاملا لا ينفك يأخذ في الاغتناء، مكونا من مختصين في الادب، ينكبون على ما اصطلحوا عليه ب »النقد التكويني الداخلي والخارجي للنصوص الادبية«. وهذا المعهد التابع للمركز الوطني للبحث العلمي C.N.R.S. يشتغل بشكل صاروخ متعدد الطبقات، اذ هناك التكوينية النصية التي تعنى باستعادة »البعد الثالث« للنص المطبوع، كما تعنى ببعد سيرورة تبلوره، وكذا بالحركية الخاصة بالكتابة: وهذا يتطلب منها الاضطلاع بالنصوص وما قبل النصوص والمسودات والمراجع من حيث ماديتها وتصنيفها لها انطلاقا من بعض القرائن والادلة. لقد نشر لويس هي في سنة 1979 كتابا هو عبارة عن برنامج عمل عنوانه »دراسات في النقد التكويني« المخطوط، وقد تجاوزت الابحاث هذه اطار الدراسات الادبية بافتاحها على تساؤلات حول فعل الكتابة نفسه الذي يستدعي تضافر جهود علماء الاعصاب وعلماء المعرفة ودارسي المخطوطات. وهذا هو الوجه الثاني لتوالد هذه الفرق البحتية مع المرحلة البنيوية، والادارة في تخليص النقد الادبي من عزلته وجعله يتواصل مع التخصصات الاخرى التي غالبا ما يتعذر توقعها، ان هذا النقد التكويني الجديد يمكن من تجديد قراءة النصوص وذلك بإجلاء واظهار السيرورات التي افضت الى انتاجها وصياغتها.. فهو من هذا الباب، قد ساهم في هذه الرجّة الكبرى التي احدثتها القطيعة البنيوية في سعيها الى استقراء اشكال المنطق الاخرى التي تسري في النص، غير ذلك المنطق في الخطبة Linژarite.. اي تسلسل الكلام. استيعاب البرنامج لئن كانت البنيوية قد اخذت في الاختفاء من الافق النظري منذ عام 1975، فانه لاينبغي ان نحكم عليها بانها قد تجاوزت مرحلة الاحتضار. صحيح ان انحرافات كبرى قد اصابت المثل البنيوي او زعزعته ايما زعزعة.. بيد ان الطموحات المبالغ فيها لم تكن واردة، وان التواضع امر مطلوب.. انه يتعين علينا ان ننزل هذا المثل Paradigme في تاريخيته حتى نقوى على التمييز بين ما هو من قبل العرضي والظرفي وما هو من قبيل الاجابة ذات الغاية العلمية في فترة محددة، كما ينبغي علينا حصر القفزات الضرورية التي حصلت بفضل الرخم النظري الذي رسم المرحلة البنيوية. إن تاريخ المثل الفاتح المنتصر انما يخضع لمجرى زماني يقفز به الى القمم الشامخات، ثم يهوي به الى مجرى التاريخ البطيء الصامت، اذن لا يجب علينا ان نعتقد بأن هذه الجلبة كانت عديمة الجدوى وان الانوار الاصطناعية لم تكن سوى مجرد سراب. إن ما بقي من هذا كله هو صورة مرحلة غنية ومثمرة جدا ومكاسب قد غيّرت لفترة طويلة رؤيتنا للعالم، كما غيّرت شبكة قراءاتنا. إن هذا البعد لا ينتمي الى مجال »الموضات« العابرة اللافتة للانظار، بل هو من قبيل وظائف الهضم والاستيعاب في مجال تطوّر العلوم الاجتماعية. فالعودة الى البنيوية يجب، من حيث هذه الوجهة، ان تتحاشى ما كان يدعو إليه التوسير بناء على نصيحة لينين عندما كان يهيب بالتفكير في الحالات القصوى، بل على عكس ذلك، فإن ضربات هذا العصي الموجهة من جهة (البنى وحدها) وضرباتها من الجهة الاخرى (الفرد وحده) لها مساوئ سمجة تتمثل في كونها لا تحيط بما هو اساسي جوهري: التفاعل بين الجهتين او الطرفين وعدم الاعتراف بمزايا المرحلة السابقة، التي هي منطقة غامضة معتمة مجهولة عن قصد كي يلقى عليها حجاب النسيان، ومن ثم التوجه بكل حرية صوب الاتجاه المعاكس مع ما يصحب ذلك من ارهاب فكري سبق ان طغى في الفترة السابقة. لذا يجب ان نأمل بمعية مارك غليوم الدخول في »العهد الجيولوجي للعلوم الاجتماعية وقد استأنست بالعلوم الدقيقة«. حينذاك تكون العلوم الاجتماعية قد شاهدت مع البنيوية اول طبقة تراكمت منذ طبقة أ. كونت، وهذا الامر في حد ذاته ذو بال، وان نحن نظرنا الى البنيوية بمعزل عن آثار »الموضة« اللصيقة والمحاذية لها، فإننا سندرك بأنها لا تزال ذات أثر بيّن وتسري في كثير من البحوث في جميع المجالات: »إنها ظاهرة ذات طوابق« على حد تعبير مارسيل غوشي. ذهنية مزمنة خطأ انه يجب علينا ان نميّز بين الظاهرة البنيوية بوصفها اغواء لبرنامج يسعى الى توحيد حقل العلوم الانسانية، والمناهج الخاصة التي أنابت هذا الامل في كل مجال من المجالات العلمية بحسب موضوعه وموقعه الخاص في الحقل العام للجامعة والبحث مع ظواهر التنافس الحقلي والمعارك التي تنشب من اجل تبوء الزعامة والهيمنات المؤقتة ومراكز الريادة والتحالفات التكتيكية التي جعلت الميدان الجامعي يتحول الى معترك تتصارع فيه الانسانيات والعلوم الاجتماعية، وبين الحداثة والتقليد. فمن حيث وجهة النظر هذه، تميّزت البنيوية بالمعركة التي جسدتها بالنسبة الى التاريخ الفرنسي كله للنصف الثاني من القرن العشرين: »هناك ذهنية بنيوية تبدو لي بمثابة مكسب دائم يقترن عندي بمكسب القرن برمته، ولا علاقة لهذه الذهنية بالاخفاق المحلي او باستنفاد النماذج البنيوية التي تم توظيفها في المجالات الخاصة«. وعلى نحو غامض، وان بشكل اعمق، فإن هاجس الدقة والرغبة في الاحاطة الدالة بالانسان، تحدوا العمل الفكري المعاصر... وهذا الدليل قاطع على الاستيعاب البيّن للمطلب البنيوي، وذلك حتى لدى اولئك الذين يستشعرون الحاجة الى رفض هذه المرحلة والتصريح بموتها المبرم. إن ادغار موران الذي حارب منذ البداية النجاح البنيوي الذي نعته بالسراب من حيث زعم البنيوية المبالغ فيه الداعي الى تذويب الانسان في مقولات ترى بأنها علمية يعترف، في مستوى من المستويات، ببعض فضائل المثل البنيوي الايستمي. وفي هذا الباب يقر موران بمكاسب ثلاثة لهذا التيار الفكري: تشديده على فكرة البنية، والنقد الجذري للوغوس logos الغربي (العقلانية الغريبة) واخيرا تأسيسه للرمزي باعتباره من امهات الانساق والنظم. وهكذا تمضي »الموصفات«، موضوع دراسة البنيويين المفضل، ولكن البنيوية تظل قائمة بوصفها افقا نظريا عظيما بالنسبة الى العديد من الدراسيين.هذا وبين تنوع استخدامات المنهج البنيوي من قبل تخصصات ذات الموضوعات المختلفة جدا، من قبل باحثين يوجدون في مواقع ايديولوجية متضادة كل التضاد مثل جان ماري بونوا الليبرالي وموريس غودليي الماركسي.. قلت يبين هذا التنوع بأن دفن البنيوية الصاخب لا يجب ان ينسينا الخصوبة الخفية الباقية في هذه الثورة التي حصلت في صلب العلوم الانسانية، والتي اضحت مكسبا لا يتحدث عنه بعد ان حصل الاستيعاب والتمثل. ترجمة / إبراهيم الصعبي