في القرى النائية، النسوة اذ يجتمعن في جلسات صباحية او مسائية، وهن يسهبن في أحاديثهن، كنت أسمعهن، يصفن الولد المتمرد على أهله، يقلن انه: »ملعون لا يتدبر او ليس له دبار«. ما كان للنسوة ان يصفن الولد على هذه الشاكلة، الا لكونه يعصي والديه، وعصيان الوالدين من محرمات المجتمع، اذ الكثير من الناس يذهبون الى وضع عبارات على زجاج السيارات او على جدران المنازل: »يا رضا الله ورضا الوالدين«. نحن اذ كان »العصيان« يستهوينا في الطفولة، في كبرنا تستهوينا اللعنة في الثقافة، او هي نوع من الحكاية، التي تحيل الشعراء ليكونوا مثل »قديسين« في النسيج الثقافي. اللعنة تستهوي جيل الشباب في الثقافة، تبدو من طموحاتهم وطريقهم الى المجد والتعالي. اللعنة ومسوغاتها اصبحت مثل »كليشيه« او لافته يقف الكثير من الشعراء تحتها، وبين ما كتب على اللافتة من شعارات، وبين ما يعيشه الشاعر من سلوكيات، فرق شاسع. قد يكون السؤال كيف نحدد الشاعر الملعون؟ هل من خلال سلوكياته، ام من خلال ما يكتبه؟! أحسب ان التصنيف ليس سهلا لنجد ما نسعى إليه، فالكثير من الشعراء يجدون من »النص الملعون« بدعة للاختراق والسطوع الادبي، لكن هذا في غالب الاحيان لا يعبر عن التجارب الداخلية الدرامية، بقدر ما يكون افتعالا ما بعده افتعال، لكون صفة اللعنة في مكنوناتها »إغراء« يطرق باب الشهرة على مضض، فالشعراء المتربصون تحت الكليشيه يجدون ملاذا في ان يتشبهوا بالشعراء الملاعين العرافين والرائيين، رامبو بودلير لوثريامون، ومثل هؤلاء الشعراء لم يكن قرارهم ان يكونوا على هذه الشاكلة، فحياتهم تشبه أشعارهم او هي مرآة لها. نسأل هل في الشعر العربي شعراء ملاعين؟! السؤال فيه شيء من الارباك!! ابو العلاء المعري شاعر وفيلسوف ملعون بحسب تصنيفات النقاد، كذلك ابو نواس، شاعر الخمرة والتغزل بالغلمان، لكن لعنة ابو نواس تختلف عن لعنة »شاعر المعرة«، فهي لعنة مرحة أكثر جاذبية اكثر تداولا في النسيج المجتمعي، ذلك ان النواسي يؤول العالم على وجه الشعر، ويولد »شتى المعاني« ويعمل في قصائده وابياته »فكراً شعريا« أي مباني شعرية، يجوز حملها، ولا يشك ابو نواس في ان الشعر »من عقد السحر« وهو بالتالي جعل من البذاءة والتعريض بالامهات والآباء فنا، او بابا من فنون القول، او شرع اللعنة لنفسه وسط السلاطين وليس هذا الا من مسوغات حنكته، او هو تشبب بالغلاميات والخنث من المراهقين والاولاد والجويريات (من الجواري) وهذا امتياز له، شأن امتيازه بالخميريات، انه عالم من اختراق القيّم في المجتمع العباسي. ابو نواس وغلمانياته وخمرياته اكثر حضورا من المعري »والحادياته«، في النسيج المجتمعي، او هو يشكل »اسطورة« او حكاية تحاك حولها الاحاديث او تستنبط منها، وليس اقلها النكات التي تنسب إليه، لكن للمعري شأناً آخر، وله مناخ آخر، أحسب ان فلسفته تقف حاجزاً امام سطوع لعنته، رغم اهميته الشعرية. اذ ننظر الى اللوحة التي تخيلها احد الرسامين، تبدو ملامح المعري تشبه الاولياء والآباء، لكن صورة ابو نواس التي تخيلها احد الرسامين ايضا، تحمل ملامح »الشيطنة«، الملامح التي تناسب دعابته ومرحه وأسطورته وشهرته في التغزل بالصبية والعلمان وشرب الخمر »من كاس الرب«، من حظنا في الثقافة العربية ان يكون لنا النواسي. لا النواسي ولا المعري يختصران »اللعنة« في الشعر العربي، فثمة اسماء قليلة او منسية. حين قرأت كتاب »جذور السنديانة الحمراء« لمحمد دكروب كان علي ان أستغرب ان يكون للشاعر الياس ابو شبكة هذا القدر من القصائد النضالية العمالية. كنت أقول كيف لصاحب »أفاعي الفردوس« ان يكون في هذا الموقع؟! قال لي صديقي: »ان في هذا تماما للعنته«. والحال ان الياس ابو شبكة من الشعراء »الملاعين« بامتياز. واللعنة او الصفة هذه ما كانت لتكون لولا علاقة الشاعر الابليسية الشيطانية بالوجود والمرأة، كان على الشاعر ان يعيش تجربة خاصة مع المرأة، تجربة يختلط فيها الرهاب بين المقدس والمدنس، ذلك ان الانثى في جسدها الشهواني تغلبت عليه وسحقته، اذ ان البصير البصير، كما يقول الشاعر، يخدعه الحسن وينقاد إليه، والشهوة تسلب العقل. وابو شبكة كان عليه ان يشتهر بعشيقاته او صديقاته، من اولغا الى روز الى ليلى، من حبه اولغا، الى زواجه الغريب منها، حيث بقي في منزله، وبقيت الزوجة في منزل ذويها، وهو كان يحب ليلى العضم زوجة رفيقه في حزب »الكتلة«. هل نقول ان الخيانة تصبح احيانا جميلة بمثل حب المرأة الكابوسي الذي عاشه الشاعر. الياس ابو شبكة، الابليسي، سليل التجارب الذاتية، الداخلية، سليل الشعراء »الملاعين« (من غير كليشيه)، هو مخرب، يجسد روح الشر، في الحركة الشعرية اللبنانية والعربية، فهو الساخط والمتمرد على الواقع والوجود وما وراءه وعلى القدر السماوي وحكمته، ولم يستطع ان يتكيف مع حبه، ولا مع مجتمعه، يرد الوجود على انه شرير، ويربط معناه بمعاني العذاب والشقاء واليأس. الحب عند ابو شبكة ما كان الا ليكون كابوسيا، في احدى قصائده العجيبة »أودك ان تموتي« يحرك الحب بأعضاء الموت، فيتشهى حبيبته ميتة في ضريح، او يكتب رؤية جنائزية للحب: »أودك جاحظة المقلتين/ وطيف الحمام على كل خد. ويلمس قاع تناقضات الوجود في الجمال الحي المنتهك. »أنت لم تدر كيف مشينا/ يقضم الموت جسمك الملكيا«. وكثير من الاشياء سوداء لم لا و»الحياة مستشفى« والرب عينه »يظلم الابرياء«. وليس مستهجنا ان يخاطب الشاعر خالقه »رباه عفوك اني كافر جان« ويعترف بأنه »جوع نفسه وأشبع الهوى الفاني« وقد بلغ به سخطه الداخلي/ الذاتي مبلغا حتى خاطب امرأته مخاطبة المحموم قائلا لها »جملي لي الجسد، اسكبي لي الرحيق، ما لنا وللابد ان سره عميق...«. وكان في قصيدة »الخيال النقي« خاطب »ابنة الاثم« قائلا لها: »هذه شفتايا فارشفي منهما، رحيق الخطايا«، هكذا تتصل العلاقة مع المرأة بالخطيئة والفجور والعهر والزنى او هو يكتب المرأة الهاوية، المرأة الافعى، المرأة الخبيثة، فاحتفل كثيرا بالشهوة الانثوية حتى بدت له المرأة سليلة الفحشاء لا يمكن إشباعها، وهذه خميرة اللعنة في الروح الشعرية لابي شبكة. غالبا ما يزعم البعض ان صاحب »الافاعي« هو سارق بودلير، وهو في مقدمة الديوان يورد لماما اسم بودلير واسماء اخرى لشعراء فرنسيين معروفين، وهو على ما يبدو تأثر تأثيراً صارخا من حيث الموضوعات ببودلير، فهو أخذ من ديوانه »ازهار الشر« الكثير من الموضوعات واسماء الشر والجيف والقذارة، ويرجح عبده وازن ان يكون ابو شبكة استوحى عنوان ديوانه »افاعي الفردوس« من جملة في قصيدة شهيرة لبودلير يقول فيها على لسان الأم الناقمة على وليدها: »آه لو انني وضعت حزمة من الافاعي« والوليد ليس سوى »الشاعر« الذي لا يلبث ان تسميه الأم ب»الحثالة«. ومن بداية الديوان، يظهر بين يدي ابو شبكة الحسن كأفعى او »خطيئة« وبالتالي هو يحيل جمال المرآة الى الاصل الشيطاني ويصف الجمال السام ويحتفل به، وتظهر قصائده طافحة بالشهوة والعنف. حيث بين النهدين (وهما قبتا المرآة) هوة الموت، او »جهنم«، يلامس في قصائده منتهى اللعنة، من منحى تدميري متشبع بالجحيم ويمتلك مخيلة فجورية اذا صح القول، او يسعى الى تضخيم وسواسي للخطيئة وللعنة. هذا المناخ السوداوي لم يعرفه الشعر العربي، أرساه ابو شبكة، حتى ان العديد من النقاد لم يستطيعوا استيعاب »افاعي الفردوس« فاعتبر احدهم ان وراءها »كفرا مطلقا وسقالة حيوانية« واعتبر ناقد آخر ان الشاعر »استوحى المواخير« أحسب ان النقد التقليدي غالبا ما يستقبل المغاير والكاسر القيم بهذا الاسلوب من الهجاء، لكن المغاير سرعان ما يصبح العمود الفقري في الذائقة الثقافية، يوم رسم بيكاسو »آنسات افينون« حملت عليه أقلام النقاد من كل صوب وحدب، تهاجم »مواخيره« الفنية لكن »آنسات افينون« سرعان ما تحولت الى ايقونة، الامر نفسه مع بودلير وكتابه »ازهار الشر« وانسي الحاج وكتابه »لن«. ملاعين الهامش انسي الحاج يصفه البعض من النقاد شاعرا ملعونا لا ندري اذا كان ذلك منسوبا الى نصه أم الى حياته وإن كانت حياة الحاج الخاصة غير معروضة للعلن. فإنه في نصه يعيش هذيان اللعنة (الجنون) في اللغة، عبارته »هسترة متواصلة ومستميتة« ويدخل في الانشاد المارق، وهو يتخم نصه بمضامين العصيان والرفض والنزعات والغرائز، او هو ضد عمود القيم ونقيض الفصاحة واللسان القويم، او يكتب النبرة والقصيدة الملعونة التي تجمع معاني الانتثار والفساد والخرق والتجاوز. وهو عبر في بيان المقدمة قال: »اول الواجبات التدمير« وذهب في كتابه الفظاظة والتجديف والهرطقة والاباحية، يستخرج عصابه وبارانوياه او درماه الداخلية وشرره القاسي »السوط، السوط، السوط، الجلد يربي بالقوة أي الضرب« او هو في »المقدمة« يؤثر الجنون الذي به وحده »ينتصر المتمرد ويفسح المجال لصوته كي يُسمع« وهو يشرع باب الجنون على مصراعيه باتجاه »الهدم الهدم، الهدم، اثارة الفضيحة والغضب والحقد«. لكن صاحب »لن« انتقل من الالحاد الفاضح الى الالتزام الديني من العصيان (التمرد) الى المباركة والشكر، وهسترة اللغة التي كانت في »لن« ذهبت الى التمهل والترسل والطمأنينة، في ديوان »ماذا فعلت بالوردة...« قبل ان يستقيم الانشاد نشيدا »في الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع«. الارجح ان تجربة الحاج (التمردية) تشبه تجربة محمد الماغوط ذي النبرة الكربلائية، فهو في شكل من الاشكال يتمرد في فضاء اللغة، ويحب في فضاء اللغة ويكفر في اللغة ويهاجم السلطة في اللغة، ولعنته بالتالي في اللغة او هي نصية وليست سلوكية، وهذا ما فعله عبد القادر الجنابي في »تربيته« اذ يحاول تبيان لعنته قائمة على سيرة نصية، هي من وحي الخيال وليس الواقع. نلمح في الحاج والماغوط والجنابي لعنات، لكنها تبقى لعنات شعرية نصية، أبعد من تكون حياتية، هؤلاء غدوا »نجوم اللعنة« لكن اذ ما تأملنا الشعراء الذين احترقوا بنار اللعنة، فهم في الهامش في الدائرة الخلفية المتوارية، البحث عنهم أشبه بتنقيب عن مفقودات، لولا كتاب خليل الشيخ »الانتحار في الادب العربي« ما كان ان نصل الى بعضهم، قد يكون السؤال من يعرف فخر ابو السعود، الارجح ان القلائل يعرفون اسمه. فخر ابو السعود (1910 1940) انتحر ونزعته الانتحارية قابلة للاستقراء من خلال تصادمه مع المجتمع عبر تبنيه العلني للالحاد، انتحر وترك في وصيته »سئمت تكاليف الحياة« والسأم هو التعليل الاول الذي أراد ابو السعود ان تعتبر سببا لانتحاره، لكن أمه كانت السبب الحقيقي لذلك. وهو كان يعتزل عن الآخرين، يبتعد عنهم، لم يستطع على الرغم من رومانسيته، ان يكون من جماعة ابولو، نظرا لالتفاف معظم شعراء الجماعة حول احمد زكي ابو شادي، او هو بمعنى من المعاني يتوخى فرديته وعزلته، على نحو ان الجماعة تثير اضطرابه وانزعاجه، ربما هذه السلوكية، من سمات الشعراء الملاعين، من خصالهم المذمومة التي تأسرهم في بوتقتها. انتحر ابو السعود رغم انه كان هادئا كما يقال، لكن نزعة الانتحار كانت ضاربة الجذور في أعماقه كما يتضح في شعر. فخر ابو السعود ليس وحده من ملاعين الهامش او الخفاء، لقارئ تفاصيل من حياة الشاعر عبد الباسط الصوفي (931 1960) يلاحظ انه عاش اللعنة بحذافيرها، كان غارقا في نسيجها حتى الغمد، فهو رغم حياته القصيرة (تسع وعشرين سنة) حاول اثناءها ان ينتحر عدة مرات، ليجيء انتحاره في كوناكري في (غينيا) بتاريخ 20/7/1960 اثر اصابته بانهيار عصبي شديد. اللعنة التي عاشها الصوفي تتجلى في أدبه، بشخصيته المتطرفة وشعوره بالغربة العميقة، ولم يكن كارهاً الحياة ورافضاً لها، بل كان يحمل في أعماقه قدراً عظيما من الحب لها. لهذا جاء انتحاره لونا من ألوان الاحتجاج على رفض الحياة له على الرغم من حبه لها كما يكتب خليل الشيخ. عاش الصوفي حياة من الألم المتواصل على الصعيدين الجسدي والروحي، صار عنده الموت يعني الوجه الآخر للحياة، فبغيره تصبح الحياة »مجرد عبث فارغ، مجرد آلية حيوانية قوامها الغرائز فقط«. وهو صار أدبه تجسيدا لمعاناته الفردية، وهو مشكلاته الشخصية محور أدبه، او في شعره يجسد معاناته التي قادته الى الانتحار، يفتتح ديوانه »أبيات ريفية« بقصيدة عنوانها »أين مكاني« يقيم في القصيدة لونا من التقابل بينه وبين الجماعة، يقوم باستنطاق الجماعة، ويؤكد موقفه السلبي تجاهها. كان على الصوفي ان يمثل له الموت الوجه السري لحياته، حيث يبرز الموت على نحو مفاجئ ليقمع الحياة ويدمرها، في المقابل عالم الصوفي يتراوح بين الامعان في طلب اللذة الجنسية، وبين الهروب منها الى العذرية والتسامي: أحبك طهرا غبي الرداء/ يموت عليه هجير الشبق. هكذا عاش الصوفي بين حدين: حد الموت وحد الحياة، حد العذرية وحد الشبق. وكان انتحاره وكان مقامه ان يكون من الشعراء الملاعين لكنه في الجهة الهامشية، مثله مثل آدم حاتم الذي عاش اقسى انواع اللعنة، انتحاره كان له وقع خاص وشكل خاص، فهذا الشاعر عاش متشردا واعزل منذ خروجه من العراق متنقلا بين باريس، تونس، دمشق، ليحط في لبنان حيث نشر معظم قصائده ومقالاته وأسهم في اصدار مجلة رصيف 81 الى جانب الكاتب رسمي ابو علي والشاعر الفلسطيني الراحل علي فودة، والشاعر وليد جمعة. كتب آدم حاتم الشعر، وانتحر، الذين عرفوه كانوا يتحدثون عن إسرافه في تناول الحبوب والخمور المختلفة، وقد أدت هذه الى تشمع كبده أدت به ان يكون كومة ألم، كومة عظام، في الصورة التي شاهدتها له، يبدو وكأنه خارج من قبو التعذيب، تبدو ملامح الضرب، على وجهه. مات آدم حاتم منتحرا، ودفن في درب السيم، في صيدا، وقرأت ديوانه متأخراً، وهو شاعر يستحق التكريم لكنه بقي في الهامشية، شأن أمثاله »الملاعين« هؤلاء اذ عاشوا اللعنة، تحمله من مآس، لم يكن لهم حضورهم الذي يوازي لعنتهم، بعكس اولئك الذين حولوا اللعنة الى كليشيه ورفعوها في مظاهراتهم وتظهراتهم، وأوجدوا من خلالها بدعة لمجدهم الخاوي، وتباهيهم الأجوف.