ما أثارته »السفير« أمس عن »الاختناق الديموغرافي« والسياسي الذي تتعرض له الجامعة اللبنانية بكل كلياتها ومعاهدها، أدى الى ما يشبه »الخضة« في الوسط الاكاديمي، لا سيما بين أساتذتها، رغم العطلة الصيفية الممتدة حتى نهاية الشهر الجاري.. بالطبع »الزحف« الطالبي الذي سيتدفّق على الجامعة، سينصبّ على كليات لا تفترض الدخول عبر امتحانات اختبارية. والمقصود هنا الكليات الأربع: الحقوق والعلوم السياسية، الآداب والعلوم الانسانية، العلوم ومعهد العلوم الاجتماعية. ما لمسناه من العمداء الثلاثة الذين تحدثنا معهم هو ذلك الشعور بالمأزق الذي يتعرضون له وينعكس على الطلاب، وسط صعوبة اجتراح الحلول الفعلية، التي تبدو في مكان آخر، وخارج التداول. باختصار هي في يد مجلس الوزراء، واركان الحكم.. مع ذلك العمداء: محمد شيا، محسن جابر وجوزيف لبكي في حديثهم ل »السفير« عبروا عن معاناتهم جراء تقييد أيديهم عن الوصول الى الحلول الاكاديمية التي توازن بين الامكانات والتدفق الطالبي. بالطبع وزارة التعليم العالي في ظل غياب الوزير لا تملك المرجعية التي كان يمكن أن نتوجه اليها. لذا اقتصر الحديث مع عميد معهد العلوم الاجتماعية د. محمد شيا، عميد كلية العلوم د. محسن جابر وعميد كلية الآداب د. جوزف لبكي.. حيث يبدو أن المتفق عليه بينهم هو الدعوة الى مؤتمر أو ندوة أو.. لنقاش الوضع والوصول الى حلول أو الى خطوات تتعامل مع المواقع. شيا: اختبار الأهلية وصل عدد طلاب معهد العلوم الاجتماعية في العام الدراسي الجاري الى حوالى ثمانية آلاف طالب في الفروع الخمسة، وفي مبان لا تتسع لأكثر من ألفي طالب. لذلك شهد العام الدراسي اضرابات واعتصامات خصوصا في الفروع الأول والرابع والخامس. وقد أدى هذا العدد الضخم الى بقاء الطلاب خارج القاعات على الأدراج والشرفات، وهذا لا يليق لا بالطلاب ولا بالجامعة اللبنانية. نتيجة هذا الوضع عجز المعهد أن يكون معهدا تطبيقيا كما تنص عليه مراسيم انشائه. لذلك قرر مجلس المعهد منذ نيسان أن يجري اختبار أهلية في شهر أيلول، وقد أبلغ قراره هذا الى رئيس الجامعة ووزير التعليم العالي. وكان الهدف من القرار هو اختيار العدد من الطلاب بما يتلاءم مع امكانات المعهد من حيث البناء والشُّعب والأساتذة والتجهيزات. وقد قرر المجلس أن يعفى من الاختبار حاملي البكالوريا من قسم الاقتصاد والاجتماع باعتبار أن هؤلاء قد اختاروا مُسبقا أن يكونوا طلابا في المعهد أو الكليات المماثلة. أما خارج هذه الشهادة فسيخضع المتقدمون لاختبار أهلية في مواد ثلاث وفي مواعيد يحددها مجلس المعهد في مطلع الشهر المقبل. ويؤكد العميد شيا أن العدد سيحدده مجلس المعهد وفق عدد الشُّعب، علما أن الحد الأقصى للشعبة هو 130 طالبا، وكل فرع سيستقبل ما تستوعب الشعب. فإذا كان في الفرع ثلاث شعب فيستوعب 420 طالبا، إذ هناك استحالة أن يكون هناك استيعاب مضاعف، فيما القدرة هي دون ذلك بكثير. إن توفر مبان بقاعات تتسع لمئات الطلاب يمكننا من استيعاب أكبر عدد ممكن، أما اذا ما كان لدينا لا يستوعب العدد الفعلي، فإن الخيار المتاح أمامنا هو الاختبار. وهذا ما تفعله احدى عشر كلية من كليات الجامعة من خلال مباراة اختبار الأهلية. ويشدد العميد شيا أن المعهد يدرك أبعاد قراره. إذ هناك مجموعتان من النتائج. أولاها هي استقبال عشرة آلاف طالب ستترتب عليه نتائج من نوع ما واختبار الأهلية له نتائج من نوع آخر. وقد اختار مجلس المعهد الخيار الثاني لأننا لا نرغب أن نجعل من المعهد مستودعا لمن لا محل له من الطلاب. نحن نرى أن القرار هو لمصلحة الطلاب والاختصاص بما هو اختصاص حقلي وميداني، لأنه عندما يكون لدينا ألفان الى ثلاثة آلاف طالب في السنة الاولى في أحد الفروع فإن مثل هذا القرار يجب أن تسأل عنه وزارة التربية والتعليم العالي والجامعة برمتها. يعترف شيا أن وظيفة الجامعة أن لا تترك طالبا خارج صفوفها، ولكن هل بمثل هذه الابنية يتم ذلك؟ أو بالموازنة المفروضة والامكانات المادية التي تقارب الصفر. نحن ندرك أن هناك أزمة ولكن يجب أن يتشارك الجميع في البحث عن حل لها. وهذا يتم من خلال زيادة الموازنة، الاسراع في انجاز الابنية الجامعية، وبإعطاء الافضلية للكليات التي تعاني من الاكتظاظ، وهذا ما أقوله للمرة الاولى. هناك نوع من الاستنساب في توزيع الكليات، علما أن الكليات المحدودة العدد: طب، صيدلة، زراعة و.. أعطيت الافضلية، فيما الكلية التي تضم عشرة آلاف طالب يجب أن يظلوا محشورين في شقق سكنية لا تتسع لعشر عددهم الفعلي. هذه هي المفارقة الغريبة العجيبة، علما أن مجمع الفنار لم يلزّم، ولم توضع له الخرائط اللازمة. جابر: الضغوط السياسية يقول عميد العلوم د. محسن جابر: منذ العام الماضي توقعنا تدفقا على الكلية في جميع الاختصاصات والفروع. وتداركا لذلك وانطلاقا من رغبة توجيهية تربوية أكثر مما هي تقليص للأعداد دعونا الطلاب غير القادرين الى مواكبة مناهجنا للتوجه نحو كليات أو مجالات أخرى. وقد تسجل في السنة الاولى العام الحالي ستة آلاف طالب فيما الذين تقدموا لامتحاناتنا كان أقل من 4 آلاف. مجلس الكلية قرر اعتماد مبدأ الاختبار للطلاب المؤهلين لمتابعة دراستهم في الكلية، وهذا يعني اختيارهم حسب معدلاتهم في المواد العلمية، وكان هذا الاختبار سيؤدي حتما الى عدم تسجيل ما لا يقل عن ألف طالب في السنة الأولى، وهم من الحاصلين على معدلات في المواد العلمية في حدود ال 7/20. وقد توافقنا مع رئيس الجامعة ووزير التعليم العالي على أن نعمل بهذا القرار، لكن للأسف عند بدء التسجيل وبعد اعلان اللوائح تعرضت الكلية لضغط سياسي صاخب وفي جميع المناطق من دون استثناء، مما أدى الى إلغاء القرار، بالرغم من أنه كان قد حصل على توافق من قبل الجهات المعنية في الوزارة وادارة الجامعة. وقد قيل لنا في بداية العام إننا على استعداد لتأمين الاساتذة وتوفير الاعتمادات اللازمة حتى ولو اقتضى الأمر فتح شعب اضافية في الفروع. وهذا ما حدث، ففي الفرع الأول فتحت شعبتان، وفي الثالث شعبتان، وفي الرابع مثلهما أيضا. لكن بعد حوالى الشهر من بدء التدريس ترك عدد من الطلاب الكلية وتوجهوا نحو كليات أخرى مما أدى الى تقليل الاعداد. علما أنه لو طبق قرار مجلس الوحدة لبلغنا المقصود من دون أي نزاعات أو ارباكات في بداية العام الدراسي. يضيف العميد جابر: استباقا للأعداد التي من المتوقع أن تفد الى الكلية هذا العام، عقدت اجتماعات بين رئيس الجامعة د. ابراهيم قبيسي وعمداء الكليات المفتوحة، واتفق على أن تعد مراسيم لإجراء اختبارات لهذه الكليات، لكي نحصل على نصوص قانونية تحول دون التدخلات السياسية، وهذا لم يكن متوفرا سابقا. وقد حصلت هذه الاجتماعات قبل حوالى ثلاثة أشهر وبدعوة من الرئيس. ومن المفترض أن تكون مشاريع المراسيم قد أعدت وأرسلت الى الوزير استباقا وتوقعا لما هو قادم على الجامعة. يتابع جابر: لقد حددنا في العام الماضي قدرتنا على الاستيعاب وكل واحد من الفروع أعطى رقما لتأمين المقعد للطالب، لاننا لا نريد ان نترك طلابنا على الادراج، بل نأخذ العدد الممكن استيعابه وفق مجموع علامات المواد العلمية، كي لا نضطر الى اجراء اختبار، لكن ما حدث كان معبّرا. وبدءا من هذا العام رفعنا حاجاتنا وسأعلن قريبا عن الحاجة الى اساتذة للتعاقد على ضوء زيادة اعداد الطلاب المتوقعة. ويحدد جابر العدد المفترض ان يتجه الى الكلية بحوالي ألفين وخمسماية الى ثلاثة آلاف طالب. ويحذر جابر من الصعوبات التي تعترض عملية التفاعل مع هذا العدد الاضافي، ففي الشمال والبقاع مثلا، فإن حجم القاعات لا يستوعب الموجود حاليا فكيف في حال الزيادة. وما تعانيه الفروع المناطقية تعانيه على نحو مكثف الفروع الاولى والثانية. لكن الامر لا يقتصر على ذلك اذ انه يتجاوز ذلك الى السنة الثانية في فروع الكلية، اذ ان الاعداد الفعلية في السنة الثانية تصل الى المئات وتحتاج الى مدرجات وليس الى مجرد غرف صغيرة ومحدودة الاستيعاب. لبكي: جامعة لا تنام يتوقع عميد كلية الآداب والعلوم الانسانية ان يرتفع عدد طلاب الكلية للعام الدراسي 2001 2002 الى 32 ألف طالب في الاقل. اي ان هناك زيادة لا تقل عن خمسة آلاف طالب. ويعتقد العميد لبكي ان قضية سيل الطلاب بمثابة مسألة وطنية تتطلب جهودا متضافرة لمواجهتها، ويعرب عن اسفه لاستمرار هذا الغياب عن المعالجة، علما ان لا امكانات لدى الجامعة عموما ولكلية الآداب خصوصا، والتي يتوجه نحوها اكثر الطلاب، ثم ان قضية العمداء ما زالت معلّقة، وبالتالي فإن العمداء الحاليين يعانون من حال من اللاستقرار. ويتساءل لبكي اذا ما اتجهت الكليات الاربع الى امتحانات الدخول (الحقوق، الآداب، العلوم، العلوم الاجتماعية)، الا يؤدي ذلك الى ضغوط سياسية تصب عليها، لا سيما وان تجربة الامتحان لها ما لها وعليها ما عليها. ففي كلية الآداب يتم اجراء اختبار اهلية في فروع اللغات (العربية الفرنسية الانكليزية)، وتكون النتيجة ان الطلاب الذين لا يحصلون على مقعد في هذه الفروع يتجهون نحو الاقسام الاخرى التي لا تتطلب امتحانا. وبذلك نكون قد حللت مشكلة اقسام وراكمنا مشكلة اخرى. ويعتبر العميد لبكي ان الجامعة ولا سيما الكليات المعنية امام حائط مسدود، لا سيما وان في ظل الظروف الجارية لا تستطيع ان تتخذ قراراً، فمثلا اذا قررت الكلية اعتماد علامة 12 على عشرين في البكالوريا القسم الثاني يتطلب الامر تعديلا للقانون وهذا بحاجة الى مشروع او مرسوم وكلاهما غير متوفرين، والبديل بالطبع ليس استمرار الوضع على ما هو عليه، لا سيما في الفرع الاول حيث يتكدس الطلاب على الشرفات والادراج ويعجزون عن دخول القاعات، والاسئلة التي يطرحها لبكي تنصب على التالي: هل سنفتح مزيدا من الفروع؟ هل سنجري امتحانات؟ وماذا اذا تحركت قوى الامر الواقع لا سيما في المناطق؟ هل يستطيع العميد او المدير ان يحمي القرار الذي يمكن اتخاذه. وينفي العميد لبكي وجود تصوّر عام، علما انه يقول انه راجع رئيس الجامعة د. ابراهيم قبيسي واقترح عليه عقد اجتماع عاجل لعمداء الكليات المفتوحة للاتفاق على توجهات موحدة، وهو ما ستشهده الايام القليلة المقبلة. وحتى تاريخه، يرى لبكي ان هناك علاجا مؤقتا يمكن اعتماده من خلال نموذج »الجامعة التي لا تنام«، التي تدرس صباحا ومساء، وليس الجامعة التي تقفل ابوابها بعد الظهر. ويقول لبكي ان في الفرع الثاني للآداب تم اعتماد الدراسة صباحا ومساء وقد نجحت. فالسنة الاولى والثانية تدرس قبل الظهر والثالثة والرابعة بعده. ويحذر من استمرار حصر الجامعة في 6 ساعات دوام، لان هذا يؤدي الى تحديد طاقتها وتأثيرها، ومن خلال هذا التوجه يمكن تشغيل الاساتذة حتى ولو ادى الامر الى زيادة ساعات العمل لعدة ساعات، بدل حشرهم في مبدأ التفرغ الكامل. ويدعو لبكي وبإلحاح الى عقد مؤتمر تحت عنوان »واقع وآفاق الجامعة اللبنانية«، وهو امر بالغ الاهمية لانه لم يسبق ان عقد مؤتمر او ندوة او حلقة دراسية تحدد سياسات وتوجهات في التعامل مع المستقبل ومستجداته. ويشير لبكي الى مفارقة انه عندما اتى الى الكلية كان عددها 16 الفا، فإذا هي الآن 27 الفا، ومن المتوقع ان تصل الى 32 ألفا. وقد طرحت هذه الفكرة في مجلس الجامعة. اذ ان تدفق الطلاب على الكليات هو مشكل وطني وإنساني لا بد من تحديد كيفية التعامل معه. خصوصا وان الطلاب لم يعودوا كما كانوا عليه سابقا مجرد منتسبين الى هذه الكلية او تلك، بل باتوا يداومون ويقدمون الامتحان. يشدد لبكي على ان الحل الوحيد العملي هو ان نعمل قبل الظهر وبعده، اذ ليس في ايدينا حل آخر على ضوء الامكانات الشحيحة. وقد سبق وواجهت الكلية لدى اقرارها المناهج الجديدة زيادة في عدد المواد، مما دفعها الى زيادة ساعات العمل. لا سيما وان الاساتذة الموجودين في الكلية يكفون كما اثبتت التجربة، اذ ان الامر لا يحتاج الى اكثر من اجراءات ادارية، يستطيع القيام بها المديرون. ويشير لبكي الى تمكن الكلية من حل مشكلتي فرعي صيدا وزحلة، لكن المشكلة الكارثة تبقى في القسم الاول. ويتساءل اذا ما كان حصر الدبلوم في مركز واحد يساعد على مواجهة الوضع. ويرفض العميد لبكي اعتبار الجامعة اللبنانية هي جامعة الفقراء، اذ نحن جامعة الطاقات اساتذة وطلابا، لكن الامر يحتاج الى عناية وتطوير، اذ ماذا يمنع ان يكون هناك عميد للدراسات العليا في الآداب يتخصص بمتابعة الابحاث والرسائل في اقسام الدبلوم والدكتوراه وزيادة التخصصات الى جانب ما تم انجازه. يختم العميد لبكي بمرارة قائلا: العميد بلا سائق، بلا فاكس، بلا سكرتيرة، ومن دون بدل تمثيل، واعلّم ثماني ساعات، وعليّ ان اهتم بالطبشورة والبحث و... لكن المطلوب يقول هو ان نقدم لجامعاتنا ما تستحقه، وهي تستحق الكثير الذي يتعذر الحصول عليه من دون الافراج السياسي عنها.