بالطبع ليس بالضرورة ان يكون مصير كل »طالب لجوء« asylum seeker الى بريطانيا مثل مصير الكردي التركي فرزات يلدز، الذي خر صريعا جراء طعن رجلين اسكوتلنديين له بالسكاكين في مجمع »سايتهل« السكني في غلاسكو قبل أسبوعين، او مثل مصير كردي آخر يدعى داوود طعن هو الآخر مرات عدة في وجهه وجسده بعد مطاردة ثلاثة شبان بيض له في مدينة »هل« الواقعة في الشمال الشرقي البريطاني. ولكن ليس من المستبعد ان ينتهي طالب اللجوء في هذه الأيام كنزيل أحد سجون جلالة الملكة (كما تسمى السجون هنا) التي »تستضيف« الآن اكثر من ألف طالب للجوء. وبالفعل، فقد أدانت هيئة الأمم المتحدة في العاشر من شهر آب الجاري سياسة بريطانيا في اعتقال طالبي اللجوء ومعاملتهم معاملة المجرمين أثناء انتظارهم بت السلطات الرسمية في أمور طلباتهم. فقد طالب المفوض العام للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين راد لوبيرز بوضع نهاية عاجلة لهذه السياسة. وقال لوبيرز ان السياسة البريطانية تشكل خرقا صريحا للتوجيهات الدولية في هذا الخصوص »التي لا تجيز اعتقال طالبي اللجوء«. وأوضح المسؤول الدولي انه يكفي ما يتعرض اليه طالبو اللجوء من معاناة نفسية وجسدية قبل الوصول الى مواقع طلب اللجوء، »اذ ان تعريضهم لتجربة الاعتقال ستزيد من حجم معاناتهم ومأساتهم«. ومعروف ان بريطانيا هي الوحيدة بين دول أوروبا التي تعتقل الأبرياء من طالبي اللجوء وتنزلهم في سجونها جنبا الى جنب مع المجرمين، حيث يوضعون في زنزانات انفرادية لمدة 20 ساعة، او اكثر، يوميا. رغم كل ما يشاع عن »حسن« معاملة بريطانيا للاجانب، بالمقارنة مع »فظاظة« غيرها بين دول أوروبا، لا سيما فرنسا والمانيا وسويسرا والآن جمهورية ايرلندا، فان موقف المؤسسة البريطانية صارم ومتشدد، لا سيما في غياب نصوص مكتوبة تحدد سياسة اللجوء والهجرة والحصول على الجنسية. فالقرار في هذه المسائل جميعا بيد وزير الداخلية الذي يعتمد على لجان مختصة يسترشد بتوصياتها في هذا الشأن او ذاك. وقد عكست صحيفة التابلويد الاسكوتلندية »دايلي ريكورد« موقف المؤسسة ازاء حادث مصرع الكردي فرزات من خلال تغطيتها للحادث بعد ثلاثة أيام من وقوعه. فقد خرجت في ذلك اليوم بصورة »بورتريه« لفرزات وعنوان على إجمالي صفحتها الاولى يقول: »الضحية التركي فرزات المطعون احتال (على السلطات) بالادعاء انه طالب لجوء«. ونشرت في صفحتين داخليتين تحقيقا وافتتاحية ادعت فيهما »كشف الحقيقة« ووصفت فرزات ب»المضلل الذي أتى الى هذا البلد ليحقق ثروة سريعة«، وقد ألهبت تغطية »دايلي ريكورد« مشاعر الشبان الاوسكتلنديين الذين اصطدموا مع طالبي اللجوء والمتعاطفين معهم من سكان غلاسكو أثناء خروجهم في تظاهرة احتجاجية على مصرع فرزات. فما هو الفرق اذا كان فرزات لاجئا سياسيا او لاجئا اقتصاديا؟ فالاول يفر من القمع السياسي، ويهرب الثاني من الحرمان والفاقة والجوع. في النهاية كان نصيب فرزات الموت الناجم عن عنصرية عمياء لم تسهم الحكومة الحالية ولا الحكومات السابقة في الشروع في البحث عن حلول لمعالجتها. لا يزال اللاجئ النموذجي في نظر البريطاني هو اللاجئ الذي يريد العودة الى وطنه. هذا هو موقف بريطانيا منذ ان ظهرت مشاكل اللجوء والنزوح والهجرة الناجمة عن الحروب، أهلية كانت ام اقليمية او عالمية. وفي ضوء الحروب الدامية التي وقعت في أوروبا على مدى القرن العشرين، فان أوروبا باتت قارة للاجئين. ووصلت مشكلة اللجوء ذروتها بعد الحرب العالمية الاولى حيث تحولت بريطانيا الى ملاذ آمن لمئات الآلاف من اللاجئين الذين اضطروا للنزوح من بلادهم جراء العمليات الحربية. وبدت بريطانيا للمرة الاولى في تاريخها ربما أرضا ترحب بالغرباء. ولكن ليس كل الغرباء بالطبع، اذ أصدرت حكومتها تشريعا بعد يومين من نشوب الحرب عام 1941 يحرم دخول الألمان (المدنيين طبعا) الى الاراضي البريطانية. وقد طبق ذلك التشريع بحذافيره، اذ لم يسمح لألماني واحد هارب من الحرب والجوع والقهر بدخول اراضي الجزر البريطانية، بل كان حظ من ينجح في التسلل من الالمان الى هذه الأراضي السجن من قبل المؤسسة الرسمية، او المطاردة والعنف واحيانا القتل من قبل البريطانيين. تشريع عام 1914 رحب فقط باللاجئين البلجيكيين الذين كانوا يستقبلون بحرارة رسميا وشعبيا في اي مكان يحلون به في البلاد، حيث كان يقوم السكان المحليين في بعض الاحيان في تشكيل جمعيات ولجان لجمع الاعانات واللباس للاجئين، وكان نصيب بريطانيا من المليون نازح بلجيكي (سدس اجمالي السكان) الذين نزح معظمهم الى فرنسا وهولندا، حوالى ربع مليون. وخصصت الحكومة البريطانية آنذاك صناديق مالية لدعم النازحين ووزعتهم على المجمعات السكنية والمدارس والثكنات والمزارع، في حين قامت الجمعيات المدنية الطوعية بتأمين المأكل والملبس والتعليم للنازحين. وقد استضاف العديد من العائلات البريطانية النازحين البلجيكيين في منازلهم لفترات طويلة قبل نقلهم الى أماكن أعدت خصيصا لإقامتهم. ولكن رغم هذا الترحيب الرسمي والشعبي لم يدم طويلا، اذ بدأت الشكوك تتسرب الى نفوس البريطانيين حول جدوى غوث النازحين الاوروبيين وبدأوا يتساءلون عن أسباب حصول بعض النازحين على اعانات مالية تفوق رواتب الجنود البريطانيين، او اقامتهم في منازل أفضل من تلك التي يعيش فيها البريطانيون. كما ان الناطقين باللغة الفلمنكية Flemish، القريبة من اللغة الالمانية، من النازحين البلجيكيين كانوا يتعرضون للاهانة والضرب من قبل الناس العاديين ظنا منهم ان هؤلاء البلجيكيين متعاطفون مع الألمان، فضلا عن السخرية من مظهر أزيائهم الشعبية الملونة وأحذيتهم الخشبية (القباقيب Clogs). وما ان حل عام 1916 حتى بدأت الحكومة البريطانية تناقش موضوع عودة النازحين البلجيكيين الى بلادهم. وهذا ما حصل بالفعل، اذ بدأت افواج البلجيكيين رحلة العودة تغمرهم السعادة لمغادرة الجزر البريطانية التي لم يبق فيها الا بضع مئات منهم. ولكن اذا تسنى للبلجيكي في ذلك الوقت وطن يعود اليه، فان لاجئ او نازح يومنا هذا لا وطن له، او انه يفر من وطن لا يوفر له الحد الادنى من سبل العيش الكريم. الآن بعد مرور اكثر من تسعة عقود على استقبال بريطانيا للنازحين البلجيكيين، فانه ليس لديها حتى الآن سياسة واضحة ومحددة بنصوص مكتوبة للجوء والهجرة. وفي ما عدا سماحها لبضعة آلاف من الآسيويين من مستعمراتها السابقة، وخاصة من الهند وباكستان، لملء الشواغر في الصناعات المتلاشية التي هجرتها العمالة البريطانية في أواخر الخمسينات من القرن الماضي، فان بريطانيا لم تفكر بعد بإجراء مناقشة جادة لصوغ سياسة واضحة بشأن الهجرة واللجوء في عالم يشهد المزيد من اتساع الهوة بين القمع والحرية والجوع والرخاء، والفقر والثراء.