أخذت كوكب تفرك كفيها ببعضهما البعض تعبيرا عن نفاد صبرها ثم ما لبثت أن جلست محاولة الاسترخاء على أحد المقاعد المعدنية التي صفت في قاعة استقبال المسافرين الواسعة في مطار بيروت تنتظر شقيقتها المهاجرة إلى أميركا والتي لم ترها منذ عشر سنوات ،لأنها هي الأخرى هاجرت إلى أستراليا منذ ما يقارب الخمسة وثلاثين عاما . وكوكب التي جاءت من طرابلس هي واحدة من آلاف الاشخاص الذين يقصدون المطار يوميا لاستقبال أقارب لهم أو توديع احباء في كل من الباحة العليا المخصصة للمسافرين والباحة السفلى المخصصة للعائدين ، هناك حيث لا تكف الأيدي عن التلويح أو العناق في حالتي الوداع والاستقبال ،ولا تتوقف الأجساد عن التزاحم خلف الحواجز المعدنية التي تفصل المسافرين عن أحبائهم لدى نزولهم من الطائرات أو لدى مغادرتهم الباحة لركوبها، حيث تكون العيون شاخصة تريد التقاط النظرة الأولى نحو الآتي والنظرة الأخيرة تجاه المسافر وهكذا تتبدل المشاهد وتتشابه على مدى ساعات الليل والنهار فتصبح أشبه بالتراتيل الدينية تنقل المواطنين إلى حالة خاصة هي حالة من نحى جانبا كل مشاغل النهار متفرغا للوداع أو الاستقبال،. وإذا اقتربت منهم للحديث معهم لا يفاجئك أن من يأتي إلى المطار يشكل النصف الآخر لعائلات مهاجرة، وبعضهم ان لم يكن معظمهم، ينتظر دوره للالتحاق بالمهاجرين عندما تتاح له فرصة لذلك، أي عندما يستطيع الحصول على تأشيرة تخوله العبور إلى بلاد »القوت والحرية« كما سماها ميشال الذي كان آتيا إلى المطار مع أفراد عائلته لاستقبال أخيه المهاجر أيضا إلى أميركا. وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها اللبنانيون لا بد وأن تلاحقك الأزمة إلى المطار مهما حاولت تجنبها وذلك بوصفها الدافع الأول إلى الهجرة لتأتي بعدها الدوافع السياسية التي زاد تأثيرها لدى الفئات »المحبطة« بعد أحداث الأسبوع الماضي والتي عبر عنها بعض زوار المطار قائلين:»لماذا نبقى طالما أنه لا كرامة لنا في بلدنا«. توضح كوكب وهي سيدة خمسينية سمراء اللون كحلية العينين أنها وصلت إلى المطار قبل موعد وصول الطائرة بساعتين برفقة أحد أشقائها وأبنائه »طلبت من أخي أن نأتي باكرا بلكي حصل معنا شي على الطريق وأخرنا لاسمح الله ما بدي تنتظر أختي بالمطار« وكانت بقولها كأنها تريد مداراة مدى شوقها لرؤية أختها بعد كل تلك السنوات من الهجرة والبعد والتي جعلتها لا تحتمل البقاء في المنزل فجاءت إلى المطار لعل الانتظار يكون أخف وطأة بين جماعات المنتظرين : »طبعا مازلت أذكر شكل أختي ولكني لا اعرف أولادها ولدي شوق كبير للتعرف إليهم والحديث معهم وأول شيء سأقوم به هو معاتبة أختي لأنها لم تتصل بي في الفترة الأخيرة ومن ثم سأقدم لها نصيحة بتزويج ابنتيها باكرا لأنها عائدة نهائيا إلى لبنان من أجل ألا تربي ابنتيها في جو من الحرية الشخصية الزائدة عن اللزوم في أميركا ولكن كما لاحظت من خلال زياراتي أن الحرية في لبنان لم تعد تختلف عما هي عليه في أستراليا أو أميركا«. وما زالت كوكب بالرغم من مكوثها خمسة وثلاثين عاما في استراليا تحافظ على التقاليد اللبنانية وقد زوجت بناتها من شبان لبنانيين وتمنع أولادها من التحدث باللغة الإنكليزية داخل المنزل »لدي خمسة اشقاء لم يرغبوا بالهجرة وأما البنات فثلاثة منهن هاجرن مع أزواجهن إلى أستراليا واثنتان إلى أميركا وواحدة بقيت في لبنان«. كان قاسم يرافق ابن جيرانه في وداع أمه التي سافرت إلى استراليا لزيارة أولادها وسبب المرافقة عدا عن الجيرة هو وجود أهل قاسم في استراليا أيضا »هاجرت أمي مع أخوتي إلى استراليا أثناء فترة الحرب الأهلية ولم أرغب أنا حينها بالسفر لأن عملي كان مستقرا ولا سيما بعد انتهاء الحرب أما الآن فأنا عاطل عن العمل بسبب توقف المصلحة التي أعمل فيها وهي مصلحة صيانة المكيفات وأنتظر بفارغ الصبر الموافقة على جمع الشمل ولكن المسألة صعبة جدا حتى الآن بالرغم من الجهود التي يبذلها أهلي ولكن سأذهب في النهاية إلى عندهم انشاء الله. ولدى قاسم ثلاثة أولاد يعيلهم حاليا من الأموال التي يرسلها له أخوته من أستراليا كل ثلاثة أشهر وتبلغ قيمتها ألف وخمسمئة دولار أسترالي »لقد طرقت أبوابا كثيرة من أجل العمل ولكن الجميع كان يقول لي مع السلامة«. ومثل قاسم يضع ميشال نفسه وعائلته على لائحة الإنتظار لكي يأتي دوره لدى أخيه المهاجر إلى أميركا »لقد جئنا من زحلة لاستقبال أخي الذي يعيش في أميركا منذ العام 2891 أي منذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان وهو يملك حاليا ثلاث محطات بنزين اختار العمل فيها بدلا من الهندسة الإلكترونية مجال اختصاصه لأنها تدر عليه أموالا أكثر وفرة من مجال الهندسة«. يقول ميشال إن أخاه فكر مرات عدة بالعودة إلى لبنان ولكنه صرف النظر عن الأمر حاليا بعدم أخذت مواسمه الزراعية في أرضه التي يديرها أخوته تمنى بالخسارة بدلا من الربح ويبدو أن المعادلة انقلبت لدى العائلة التي قررت جميعها الهجرة »منذ خمس سنوات ونحن نتقدم بطلبات للهجرة« تقول زوجة ميشال ثم يضيف أنه وأشقاءه الثلاثة الذين مازالوا يعيشون في لبنان يأملون بالموافقة على طلباتهم قريبا بعدما حصلت والدتهم على الجنسية الأميركية«. »لماذا نهاجر« يتساءل ميشال »هناك أستطيع تعليم أولادي وتأمين مستقبلهم لأن العلم أفضل من هنا وفرص العمل أكثر وفرة والكفاءة هي المقياس للعمل وليس الولاء لأحد السياسيين، هناك يحترمون المواطنين ولا يفرضون عليهم آراءهم السياسية كما يفعلون في بلادنا« وكان متأثرا بكلامه بالتوقيفات التي جرت الأسبوع الماضي بحق الموالين للقوات اللبنانية والعماد ميشال عون بينما كانت زوجته توافق على كلامه بايماءات من رأسها ويوضح ميشال أن أخاه المهاجر دله على طريقة لإدخال ابنه الذي أنهى السنة الأولى في تعليمه المهني إلى أميركا وتقضي بإرساله مع فريق كرة السلة اللبناني إلى هناك بوصفه واحدا من الجمهور »ربما يستطيع البقاء هناك بعد أن يوكل له عمه محاميا ويحصل على إقامة شرعية«. لا يخفي حسن الخطيب المهاجر إلى دولة الإمارات منذ ثلاثين عاما رغبته بالعودة إلى لبنان ولكنه ينتظر إحالته مع زوجته إلى التقاعد من سلك الوظائف العامة »نحن من المهاجرين القدامى إلى الإمارات وأعمل مندوبا في إحدى المدارس الحكومية بينما تعمل زوجتي موظفة في وزارة العمل والشؤؤن الاجتماعية لقد زوجت أولادي ولم أعد مسؤولا عن إعالتهم ولكن كلما فكرت في العودة ينصحني أقاربي بألا أفكر في تلك الخطوة أبدا يقولون لي دائما ان أي مشروع تفكر في إقامته سيكون مصيره الإفلاس«. ويتساءل الخطيب بما يشبه الحسرة لماذا يسوء الوضع إلى تلك الدرجة في لبنان؟ ثم يردف على كل لم يعد وضعنا آمنا في الإمارات كما كان قبلا لأن الأولوية في التوظيف للمواطنين الإماراتيين وعندما يجدون البديل لنا سيصرفوننا من العمل أنا وزوجتي . وبين تجربة الخطيب »العتيقة« في الهجرة إلى الخليج وتجربة نسرين الحديثة يوجد نوع من التشابه في المشاعر وان كانت تبدو لدى نسرين أكثر حدة لأنها على ما قالت تكره ترك بلدها ولكنها مضطرة لذلك . كانت نسرين تودع زوجها المهندس الذي سبقها إلى السعودية للالتحاق بعمله بعد انتهاء إجازته السنوية وكانت تبدو على ملامحها الرقيقة مشاعر غضب ربما لشعورها إنها ستكون في السعودية بعد أسبوع ولذلك بادرت فورا لدى سؤالها إلى القول إنها لا تحب الهجرة ولا الحياة في السعودية ولكن عليها أن تعيش حيث يقيم زوجها »أنا ذاهبة إلى هناك فقط من أجل زوجي. أعمل كمدرسة في إحدى المدارس الخاصة وبعد انتهاء دوام العمل لا أجد شيئا افعله سوى الضجر والشعور بالوحدة لدين بعض الأصدقاء ولكن ذلك لا يكفي للتعويض عن الحياة في لبنان« وتمضي نسرين إلى تقبيل زوجها قبل مغادرته إلى الطائرة ومن ثم ُتلوح على وجهها ابتسامة خجولة وهي تنظر في اتجاهنا و تقول في ما يشبه الهمس »هذا قدرنا ماشي الحال«. أما مروة التي كانت تنتظر شقيقها القادم من المانيا فقد أصرت على القول إن أشقاءها الثلاثة المهاجرين إلى كل من ألمانيا وفرنسا وسويسرا ما زالوا شديدي التعلق بأهلهم وأقاربهم في لبنان بالرغم من سنوات هجرتهم الطويلة ومغريات العيش هناك »ما أن عرفوا أن والدتي في المستشفى حتى قرروا جميعهم المجيء وأنا حاليا متفرغة لاستقبالهم في المطار« وتؤكد مروة أن أشقاءها تزوجوا جميعهم لبنانيات مع العلم أنه قدمت لهم عروض ومغريات للتزوج من أجنبيات حيث يقيمون في الدول المذكورة الثلاث . وربما تكون حكاية أم حسن مع ابنتها حكاية خاصة في أحوال الهجرة والمهاجرين . كانت أم حسن تودع ابنتها في المطار ولا تكف عن مسح دموعها لأنها لم تكن تتوقع أن تهاجر ابنتها إلى مصر بعدما تزوجت واستقرت في لبنان »لقد تعرفت ابنتي إلى شاب مصري كان يعمل مع أخيها في إحدى ورش الأدوات الصحية وأصرت على الزواج منه ولم نوافق على طلبها إلا بعد أن تعهد زوجها بالبقاء في لبنان« وتضيف أم حسن أنه ما أن استقر زوج ابنتها في عمله وسكنه حتى انتهت مدة الإقامة التي دخل بموجبها إلى لبنان وجدد الإقامة على أساس انه متزوج من لبنانية لتوفير مبلغ من المال كان يترتب عليه دفعه في حال حصوله على إقامة من أجل العمل ولكن تبين أن إقامة الزواج تمنعه من العمل وما كان إلا أن أخذ يعمل سائقا لأحد »الفانات« بانتظار الحصول على إقامة عمل ولكن تمت الوشاية به إلى أحد مخافر قوى الأمن فجرى احتجازه والطلب منه العودة إلى بلاده . وهكذا انتهت حكاية ابنة أم حسن بهجرة معاكسة ولكنها لاتزال تأمل بعودة قريبة ربما تتحقق وربما لا كما هو حال معظم من تقلهم طائرات المطار.